سورة آل عمران — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
فهذا اصطفاء خاص بعد الاصطفاء العام المذكور في قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 33) فهي داخلة فيه ثم جاء تخصيصه هنا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ﴾ (آل عمران: 42) أيضًا كرر قوله ﴿وَٱصْطَفَىٰكِ﴾ قال بعضهم: اصطفاك بأن جعلك من هذا البيت المبارك وبأن وفقك للعبادة، ثم جاء تكرار ﴿وَٱصۡطَفَىٰكِ﴾أي: واصطفاك بأن جعلك أُمَّاً لعيسى -عليه السلام -تلدين عيسى ويكون آية عظيمة ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً﴾ (المؤمنون: 50) [المؤمنون: 50] فلذلك عطف الاصطفاء على الاصطفاء الثاني، أو أنّ الاصطفاء الثاني ليترتب عليه ما بعده هو قوله ﴿عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 42)
﴿يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ (آل عمران: 43) أمرها بالقنوت والسجود والركوع والتعبد لله.
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (آل عمران: 44)
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ﴾ (آل عمران: 44) أي: هذا المذكور من خبر زكريا ومريم عليهما من أخبار الغيب نوحيه إليك، ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: 44) يعني وقع بينهم قرعة كلهم يريد أن يكفل مريم فهذا يريد أن يتقدم بهذا الشرف والآخر كذلك فحينئذ اقترعوا فيما بينهم، والقرعة في مثل هذه المقامات مشروعة وقد جاءت في موضع إقرار ليس لإبطالها، وقد جاءت النصوص الشرعية تدل على مثل ذلك، ولذلك جاء عنه -عليه الصلاة والسلام -{لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا} ولذلك قال العلماء: {تستعمل القرعة عند المبهم من الحقوق أو لدى التزاحم}، قال ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ تأملوا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: 45) وهي أمه هذا معلوم، لكن لتعرف أن هذه كنيته سيلقب أو يقال وينادى {بعيسىى ابن مريم}، فقيل لها ﴿ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: 45) ينسب إليكِ، وهذا شرف وأيُّ شرف! بأن يذكر في هذا المقام فإنها تشرف لتكون هي أمه، وهي التي كانت سبب إيجاده بإذن الله -سبحانه وتعالى -كما قال الله -سبحانه وتعالى -في شأن خلق عيسى -عليه السلام -﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59) [آل عمران: 59] والمراد هنا: أنه بدون أب -عليه السلام -كما سيأتي التنبيه عليه بعد ذلك، قال ﴿وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ أي: له مقام ومكانة عظيمة في الدنيا وفي الآخرة ﴿وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ إليه -سبحانه وتعالى -.
• مشروعية القُرْعة عند الاختلاف فيما لا بَيِّنة عليه ولا قرينة تشير إليه.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عناية الله تعالى بأوليائه، فإنه سبحانه يجنبهم السوء، ويستجيب دعاءهم: وقد وقع هذا لمريم -عليها السلام -وقد وقع هذا لنبي الله زكريا -عليه السلام -.
• فَضْل مريم -عليها السلام -حيث اختارهاا الله على نساء العالمين، وطهَّرها من النقائص، وجعلها مباركة: كما قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 42)
• كلما عظمت نعمة الله على العبد عَظُم ما يجب عليه من شكره عليها بالقنوت والركوع والسجود وسائر العبادات: بعد أن ذكر الاصطفاء والتطهير قال ﴿يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾ (آل عمران: 43) أي: شكراً لله ﴿وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ (آل عمران: 43) ولذلك نبينا -صلى الله عليه وسلم – {كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، ويقول أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً} صلى الله عليه وسلم.
• مشروعية القُرْعة عند الاختلاف فيما لا بَيِّنة عليه ولا قرينة تشير إليه: ولذلك قالوا ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ (الصافات: 141) وقد مضى معنا قبل ذلك ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ (الصافات: 141) [الصافات: 141] في شأن يونس -عليه السلام -نعم.
قال الشيخ حفظه الله: -
﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 46)
﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 46) أي: ويكلم عيسى -عليه السلام -الناس وهو طفل صغير فهذا من دلائل نبوته، ولذلك كلمهم وهو في المهدي صبياً كما قال الله -سبحانه وتعالى -﴿قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (مريم: 29) [مريم: 29]، وحينئذ أنطقه الله -سبحانه وتعالى -﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ (مريم: 30) وعيسى -عليه السلام -هو أحد المتكلمين في المهد، وقد جاءت أحاديث عن نبينا -صلى الله عليه وسلم -تدل على وجود آخرين قد تكلموا في المهد وكلمهم الناس وكان هذا آية من الآيات، والمطلوب منكم أن تذكروا لنا حديثين في هذا المقام، أعني: في المتكلمين في المهد كما دلت عليه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -.
قال الله عز وجل ﴿وَكَهْلًا﴾ أي: وهو كبير كملت قوته ورجولته، وهذا معنى الكهولة عند اكتمال القوة والرجولة. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 47) قالوا هنا في المختصر {قالت مريم مستغربة أن يكون لها ولد من غير زوج} فهذا معناه أنّ الاستفهام هنا استفهام فيه معنى الاستغراب والاستعظام أو التعجب هذا معنى قولهم {مستغربة}، وبعض المفسرين يقولون: مستبعدة، وهذا يمكن أن يُحمَل هنا؛ لأنّ مريم ليست نبية، بخلاف مقام زكريا -عليه السلام -فإنّ المفسرين أو كثيراً منهم استبعد حمل الاستفهام على الاستبعاد باعتبار مقام النبوة، لذلك هنا قول مريم -عليها السلام -﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾ (آل عمران: 47) إمّا على سبيل الاستعظام والتعجب والاستغراب، أو على سبيل الاستبعاد باعتبار ما تعلم من واقع الناس -امرأة ليس لها زوج فمن أين يأتيها الولد! -وهي ما زالت تتعرف على هذا الذي يكلمها بذلك، ولذلك قالت له في بادئ الأمر ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (مريم: 18) [مريم: 18] ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ (آل عمران: 47) وهنا لفتة: وهي أنّ الله ذكر هنا الولد، فقال ذاكراً قولها ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾ (آل عمران: 47)، وهناك قالت ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ﴾ (آل عمران: 40) [مريم: 20]. فذكرت الولد هنا، قال بعض المفسرين: هذا مناسب لمقصود سورة آل عمران، فسورة آل عمران على ما تقدم تقريره: تدعو إلى إثبات التوحيد وإبطال التنديد وإبطال ادعاء أنّ عيسى ولد لله -سبحانه -فكأن المعنى: ما هو إلا ولد هو ولد، وهو ولد لمريم وليس ولداً لله سبحانه وتعالى، فمدار البحث هو في كون عيسى -عليه السلام -ولداً؛ لكنّه من مريم وليس ولداً لله -عز وجل. ﴿قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ما معنى: الكتاب هنا؟ معناه الكتابة، ولذلك تقدَّم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾: إنّ بعض الكلمات القرآنية ترد في بعض المواضع على معانٍ مختلفة، ولذلك ذكر العلماء إنّ هناك علماً يقال له علم الوجوه والنظائر، من ذلك كلمة {الكتاب} تقدم معنا مراراً في التفسير، أنّ الكتاب جاء بمعنى القرآن، وجاء بمعنى الكتب السماوية وجاء بمعنى التوراة، وهنا الكتاب جاء بمعنى الكتابة، ولا نقول إنه {الإنجيل} لأن الإنجيل جاء بعد ذلك، إذ جاء ذكره بعد ذلك، ولا يصح أن يقال: إنه القرآن، لأنّ عيسى -عليه السلام -لم يتعلم القرآن كما هو معلوم، فمعنى الكتاب هنا: الكتابة بقرينة السياق ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ (آل عمران: 48)
﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
﴿وَرَسُولًا﴾ أي: ويجعله رسولاً، ولذلك قالوا هنا في التفسير {ويجعله -كذلك -رسولًا إلى بني إسرائيل، حيث يقول لهم: إني رسول الله إليكم} قوله ﴿وَرَسُولًا﴾ منصوب بفعل مقدر أي: ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل فرسالته خاصة ﴿أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ﴾ (آل عمران: 49) ما معنى: أخلق؟ أي: أُصَوِّر وأُقَدِّر ﴿أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 49) فأعاد الأمر إلى الله -سبحانه وتعالى -وكان هذا من معجزات الله له، فهذه المعجزات أو الآيات التي أيد الله بها عيسى -عليه السلام -قالوا: وقد كان قومه ظاهرين في مقام الطب، وفي مقام العلاج، فأعطاه الله -عز وجل – ما يبين عجزهم وأنّ ما معه فوق قدراتهم، وأنّه من عند الله -سبحانه وتعالى -.
قال ﴿وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 49) ما معنى الأكمة؟ قالوا: -من وُلِدَ أعمى، أي وأشفي من وُلِدَ أعمى فيُبصر، فهناك فرق بين الأكمه والأعم؛ فالأكمه أخصُّ من الأعمى، الأكمه من وُلِدَ أعمى وهذا أعظم لأنّه لم يطرأ عليه العمى ثم عاد إليه البصر؛ بل وُلِدَ أعمى.
قال ﴿وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 49) وهذا أيضًا إعجاز، آية من آيات الله، قال ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ (آل عمران: 49) فيُعلِمُهم بأمر غيبي ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ (آل عمران: 49) يُعلِمُه الله -سبحانه -ويٌطلِعُه على ذلك -رب العزة -﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (آل عمران: 50) هذا فيه أنّ عيسى -عليه السلام -قد أعطاه الله أو أنزل عليه الإنجيل، ناسخ لبعض ما في التوراة، فالإنجيل مصدِّقٌ للتوراة، وكذلك ناسخ لبعض الأحكام، إذاً لا ضير أنْ يأتي القرآن وأن ينسخ بعض الأحكام السابقة، فكما نسخ الإنجيل بعض أحكام التوراة فقد جاء القرآن ونسخ بعض الأحكام الموجودة في التوراة وفي الإنجيل.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران: 51) فعيسى -عليه السلام -دعا إلى توحيد الله، ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ﴾ (آل عمران: 52) ما معنى أحس؟ يعني: -علم واستيقن وأبصر، فهو من الإحساس “ بمعنى الشعور يعني أدرك ذلك بالحس “ ﴿قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 52) من أنصاري متجهاً إلى الله يضم نصرته معي إلى الله فهو ناصر لله ﴿قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) وهذا فيه أنّ عيسى دعا إلى الإسلام والمراد به الاستسلام لله -سبحانه وتعالى -بالتوحيد. نعم.
• من سنن الله تعالى أن يؤيد رسله بالآيات الدالة على صدقهم، مما لا يقدر عليه البشر.
• جاء عيسى -عليه السلام -بالتخفيف على بني إسرائيل فيما شُدِّد عليهم في بعض شرائع التوراة، وفي هذا دلالة على وقوع النسخ بين الشرائع.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• شرف الكتابة والخط وعلو منزلتهما، حيث بدأ الله تعالى بذكرهما قبل غيرهما: وذلك في قوله ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ فالمعنى الكتاب فإنْ قال قائل: ورسولنا -صلى الله عليه وسلم -كان أُمِّياً، فيُقال هذا خاص بالرسول؛ لأن الإعجاز وقع في هذه الأمية بأنّه -صلى الله عليه وسلم -أخبر عن الأخبار السابقة وعما في كتبهم دون أن يكون له سبق علم بكتابة أو بخط ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48) [العنكبوت: 48] فهذا في حق الرسول -صلى الله عليه وسلم -مَنْقَبَة؛ وإلا فإنّه لا يُمتَدح الإنسان بأنّه أُمِّي؛ وإنما يقال له تّعَلم. وقد دعانا الله عز وجل إلى القراءة، وقال للرسول ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ (العلق: 1) وكذلك النبي -صلى الله عليه وسلم -قد كان يتخذ كُتَّاباً للوحي ويأمر بذلك، لكن هذا متعلق بالنبي -صلى الله عليه وسلم -للدلالة على صدقه فيما أخبر عن ربه -عز وجل -وأنّه ما ينطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم -.
• من سنن الله تعالى أن يؤيد رسله بالآيات الدالة على صدقهم، مما لا يقدر عليه البشر: كما وقع لعيسى عليه السلام.
• جاء عيسى -عليه السلام -بالتخفيف على بني إسرائيل فيما شُدِّد عليهم في بعض شرائع التوراة، وفي هذا دلالة على وقوع النسخ بين الشرائع: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران: 50) قالوا: وفي هذا دلالة على وقوع النسخ بين الشرائع. نعم
قال الشيخ حفظه الله:
﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ (آل عمران: 53)
هذا من تتمة قول الحواريين فهم قالوا لعيسى ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ وقولهم ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ﴾ (آل عمران: 53) هذا فيه أنهم آمنوا وأخلصوا في إيمانهم ﴿وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ﴾ أي: نحن متابعون للرسول فهم يذكرون أنهم جمعوا بين المَعْلَمين العظيمين: وهما الإخلاص والمتابعة فقوله ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ﴾ (آل عمران: 53) هذا يفيد الإخلاص ﴿وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ﴾ هذا يفيد المتابعة ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ (آل عمران: 53) وفيه التقرب إلى الله بما هم عليه من إيمان وعمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي: فاكتبنا مع الشاهدين بالحق الذين آمنوا بك وبرسلك ﴿وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 54)
﴿وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 54) أي: مكر أهل الكفر من بني إسرائيل ومكر الله وقوله ﴿وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ فيه دلالة على أنّ الجزاء من جنس العمل فهم مكروا ودبروا وخططوا لقتل عيسى -عليه السلام -فكان الواجب عليهم أن يؤمنوا به، لا أن يُحَاولوا اغتياله وقتله، فحينئذٍ مكر الله عز وجل بهم فتركهم في ضلالهم، وألقى شبه عيسى -عليه السلام -على رجل آخر، وذلك جزاء ما فعلوه، وجزاء ما دبروا وخططوا كما قال الله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157) [النساء: 157]، قال ﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 54)
﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: 55) هذه الآيات العظيمة تبين لنا عقيدتنا في عيسى -عليه الصلاة والسلام -وفيها ردٌّ على هؤلاء الذين أتوا النبي -صلى الله عليه وسلم -من نصارى نجران ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ (آل عمران: 55) ما معنى {متوفيك}؟ متوفيك معناها: -مستوفيك تاماً بروحك وبدنك إليَّ، بأن أرفعك إليَّ، فقوله ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: 55) ليس معناها مميتك، فهناك فرق بين التوَفِّي وبين الإماتة. لذلك جاء التعبير هنا بقوله ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: 55) فأصل مادة متوفيك يقال تَوَّفَى الدين: أي استوفاه، فمعنى متوفيك يعني: -مستوفيك إليَّ غير منتقص، أي لن يصلوا إليك بسوء.
فقوله ﴿إِنِّي﴾ فيها طُمَأنينة لعيسى أي: لن يقدروا عليك ولن يصلوا إليك بسوء فإنَّني قابضك إليّ ومستوفيك بتمامك دون أن يُصِيبك أذى، فهذا معنى ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ (آل عمران: 55) وبُنَاءاً عليه: فالعطف على بابه ولا إشكال؛ ولا مانع أن يقال: إنّ الرفع جاء بعد التوفي فتوفيَّ ورفعه إليه -سبحانه وتعالى -ومعنى ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ أي: بروحك وجسدك، ولذلك قالوا هنا في التفسير {ورافع بدنك وروحك} وهذا فيه ردٌّ على بعض المذاهب، إذ ذهب بعضهم إلى أن الرفع كان رفع للروح دون الجسد؛ بل ظاهر الآيات الكريمة: يدل على أن المراد بالرفع رفع الروح والجسد ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 158) [النساء: 158]
وبعض المفسرين قالوا: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ (آل عمران: 55) أي: في آخر الزمان ورافعه حين أرادوا قتله، وذلك أن وأو العطف لا تدل على الترتيب. فأنت تقول جاء محمد وزيد، والمراد إثبات المجيء لهما؛ بغض النظر عن مجيء أحدهما قبل الآخر، فأنت لا تتحدث عن ترتيب؛ وبناءً عليه فلا مانع أن يكون الرفع سابقاً على التوفي.
ومن أهل العلم من فسر التوفي هنا بالمنام {بالنوم} أي: إني مُنِيمُك، فقالوا: أنامه ثم بعد ذلك رفعه إليه -سبحانه وتعالى – على كل حال فعيسى -عليه السلام -لم يمت، وإنما رفعه الله -عز وجل إليه -.
قال ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (آل عمران: 55) أي: ومنزهك من رجس الذين كفروا بك ومبعدك عنهم ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 55) وجاعل الذين اتبعوك هنا أي: اتبعوك على الدين الحق ومنه الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم -﴿فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 55) ولذلك قد يقول قائل: وأين المسلمون من هذا النصيب؟ فنقول نحن أيضًا من أتباع عيسى -عليه السلام -لأننا آمنا به؛ بل نحن نقول: نحن أولى ﴿بِعِيسَى﴾ -عليه السلام -منهم أي من هؤلاء الذين تركوا دعوة عيسى الحقة وبدلوا وغيروا وجعلوه ابناً لله أو جعلوه ثالث ثلاثة، فلذلك قالوا {في المختصر} {وجاعل الذين اتبعوك على الدين الحق} ممن هم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ممن لم يبدلوا ولم يغيروا.
قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
كان المتوقع أن يُقال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ فأوفيهم أجورهم كما قال {فأعذبهم} لكنه ما قال فأوفيهم قال ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ فهذا فيه أسلوب التفات، وهذا أيضًا فيه إثارة للذهن، حينما يقول ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ من الذي يوفيهم؟ إنّه الله، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾، فلا وفاء أعظم من وفاء الله -سبحانه -﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ بعهده من الله، ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (آل عمران: 140) قالوا هنا في التفسير {وهذا الحديث عن أتباع المسيح قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -الذي بشَّر به المسيحُ نفسُه} فكان لهم الفوقية على غيرهم، فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم -صارت الفوقية لمتبع النبي -صلى الله عليه وسلم -؛ لأن أتباع عيسى – عليه السلام -لزمهم أن يؤمنوا بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم –
ثم قال الله ﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾
وهذه الآية ترد على دعاوى النصارى وعلى زعمهم أن عيسى ابن الله بدعوى: أن عيسى أفضل من غيره؛ فإنّ عيسى -عليه السلام -خُلِقَ بلا أب وبناءً عليه فعيسى من جنس آخر، وبناءً عليه فهو ليس كغيره من البشر، فيقال لهم: فما تقولون في آدم؟ إن كان عيسى إلهاً بدعوى أنه لا أب له فإنَّ آدم -عليه السلام -لا أب له ولا أم فليكن أحق بهذا لو كان هذا حقاً فردَّ الله عليهم بهذا، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59) وهنا قد يقول قائل: لكن خلق آدم -عليه السلام -يختلف عن خلق عيسى – عليه السلام -فآدم -عليه السلام -خلق بلا أب ولا أم، وآدم -عليه السلام -خُلِقَ من تراب؛ وأما عيسى -عليه السلام – خلقه الله بكلمة {كن}، وبهذا الهواء -بهذا النفخ -الذي نُفِخَ في مريم -عليها السلام -كما قال الله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (التحريم: 12) ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ (الأنبياء: 91) فكيف ذلك؟ فيقال: لا يلزم أن يكون المشبه والمشبه به من وجه واحد في كل شيء؛ ﴿أَنَّمَا﴾ المراد: وجود أصل التشابه؛ فأصل التشابه: -أنهما يختلفان عن بقية البشر؛ بأن آدم خُلِقَ بلا أب وأم، وعيسى عليه السلام خُلِقَ بلا أب؛ وإن كان هناك منْ هو أعجب فليكن آدم عليه السلام. فإذا كنتم تقولون إنّ آدم ليس بإله، وليس ابناً للإله فكذلك قولوا في عيسى -عليه السلام -فهذا رد واضح وجلي ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59) والنصارى لا يجدون مخلَصَاً من هذا الإشكال ولا يستطيعون الجواب عنه.
قال الله -سبحانه وتعالى -﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59) وهذا نهي للرسول – صلى الله عليه وسلم -والمراد به عموم الناس، فالرسول لا يقع منه شك -صلى الله عليه وسلم -، كما قال أيضًا ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (مريم: 34) [مريم: 34] قال ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ (آل عمران: 60) والعجيب أنهم يزعمون أنّ مجيء عيسى -عليه السلام -من أجل تخليص البشرية من معصية آدم -عليه السلام -جاء ليُنقذ البشرية مما وقع فيه آدم من المعصية فسبحان الله عما يصفون، أيُنْزِلُ الله ولده -كما يزعمون -من أجل أن يُخلِّص آدم من المعصية فلماذا لا يتوب على آدم دون أن ينزل ولده؟ وما ذنب هذا الولد حتى يحاسب بجريرة مخلوق من المخلوقين من البشر -وهو آدم -عليه السلام -أو البشر لكنّه الوهن والخلل والبطلان بعينه كما لا يخفى.
قال الله ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (آل عمران: 61) إن لم تتراجعوا عن غيكم فهيا تعالوا ﴿نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ (آل عمران: 61) ثم ندعو على الكاذب، حينئذٍ تراجع نصارى نجران وخافوا على أنفسهم وعرفوا صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم -وخافوا من المباهلة؛ لأنهم علموا أنّ الرسول لو باهل؛ فإنّ الله سيستجيب دعاءه وحينئذ سيهلكون في التو واللحظة وهذا يدل على عظيم صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم -وقوة حجته. نعم.
• من كمال قدرته تعالى أنه يعاقب من يمكر بدينه وبأوليائه، فيمكر بهم كما يمكرون.
• بيان المعتقد الصحيح الواجب في شأن عيسى -عليه السلام -، وبيان موافقته للعقل فهو ليس بدعًا في الخلقة، فآدم المخلوق من غير أب ولا أم أشد غرابة والجميع يؤمن ببشريته.
• مشروعية المُباهلة بين المتنازعين على الصفة التي وردت بها الآية الكريمة.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من كمال قدرته تعالى أنه يعاقب من يمكر بدينه وبأوليائه، فيمكر بهم كما يمكرون ﴿وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 54) ولذلك قلت: إنّ الآية تدل على أنّ الجزاء من جنس العمل.
• بيان المعتقد الصحيح الواجب في شأن عيسى -عليه السلام -، وبيان موافقته للعقل فهو ليس بدعًا في الخلقة، فآدم المخلوق من غير أب ولا أم أشد غرابة والجميع يؤمن ببشريته: فهذا دليل للنقل والعقل.
• مشروعية المُباهلة بين المتنازعين على الصفة التي وردت بها الآية الكريمة: بالضوابط المعروفة. قال الله ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (آل عمران: 61)
قال الشيخ حفظه الله:
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 62)
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ (آل عمران: 62) هذا الذي ذكرناه لك يا رسول الله في شأن عيسى -عليه السلام -هو الخبر الحق الذي لا كذب فيه ولا شك، فهو الحق الذي لا كذب فيه ولا شك ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 62) تأملوا يا أيها الإخوة الكرام ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ﴾ (آل عمران: 62) لم يقل {وإنه لهو العزيز الحكيم}، ﴿أَنَّمَا﴾ تكرر اسمه -سبحانه وتعالى – الله -وقلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في الحديث عن مقصود السورة: إنَّ الحديث عن الإلهية ظاهر جداً، الحديث عن قضية التوحيد ظاهر، ولذلك تكررت الشهادة، واثبات وحدانية الله -سبحانه وتعالى -وتكرر اسمه الله، ومن المناسب في ذلك أيضًا ما ذكره البقاعي: من أنّ هذه السورة يقابلها من الجهة الأخرى الإخلاص، فالناس الفلق الإخلاص هي الثالثة، من الجهة الأخرى، وهنا الفاتحة البقرة آل عمران، فكما أنّ الإخلاص دعوة إلى الإخلاص والتوحيد كذلك سورة آل عمران، هي كذلك تقرير للتوحيد.
﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64)
﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ﴾ (آل عمران: 64) كلمة عدل فيها النصفة، النصفة وفيها العدل تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 64) فهل محمد -صلى الله عليه وسلم -دعاكم إلى أن تتخذوه إلهاً؟ إنّه دعاكم إلى أن تعبدوا الله إلهكم وإله الجميع ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64) إن انصرفوا عن هذا الذي تدعوهم إليه من الحق والعدل، فقولوا لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون اشهدوا بأنَّا مستسلمون، ونبينا -صلى الله عليه وسلم -كان يدعوهم إلى ذلك، ولذلك في كتابه الذي كان يرسله إليهم كان يكتب هذا، ولذلك جاء في الصحيح في كتابه الذي أرسله إلى هرقل عظيم الروم قال: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ﴾ (آل عمران: 64) قال أسلم تسلم وقرأ عليه أو ذكر له هذه الآية. ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية الكريمة.
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 65) أنتم أوتيتم الكتاب، وتقولون إنكم أهل الكتاب، ﴿إِلَّا﴾ تجدون في الكتاب إلى التوحيد ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 65) هذا عجيب! يزعم اليهود أنّ إبراهيم كان يهودياً، وتزعم النصارى أنّ إبراهيم كان نصرانياً، اليهودية: إنها شريعة جاء بها موسى -عليه السلام – بالتوراة، وجاء عيسى -عليه السلام – بالإنجيل، وإبراهيم سابق للتوراة، وسابق على الإنجيل فهو كان قبلهما فكيف يكون يهودياً؟ وأنتم قلتم إنّ اليهودية اكتسبتموها من التوراة والنصرانية اكتسبتموها من الإنجيل، فأين هذا من ذاك؟ لذلك قال ﴿وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ﴾ (آل عمران: 65) فكيف يكون يهودياً أو كيف يكون نصرانياً؟ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 65)
﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 66) إذا كنتم تتكلمون عما في كتابكم فما لكم ولإبراهيم -عليه السلام -في هذا الزعم؟ ثم قال ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ فدين إبراهيم هو الإسلام ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 131) [البقرة: 131] وتقدَّم أنّ الإسلام يطلق ويراد به الإسلام بالمعنى العام: وهو دين الأنبياء جميعاً، وهو الاستسلام لله بالتوحيد؛ وأما الإسلام الذي جاء به الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم -فهو الإسلام الخاص الذي ذكره الرسول: {بني الإسلام على خمس}؛ لكن كل الأنبياء والمرسلين جاءوا بالإسلام وهو: -الدعوة إلى توحيد الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25) [الأنبياء: 25].
﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 68) هم أولى الناس، أولى الناس به؛ وإن كانوا آخر الناس زماناً، لكنهم أولى الناس به؛ لأنهم: اتبع الناس له ومن كان أتبع للرجل كان أحق به من غيره. وتأمل هنا لما ذكر الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم -لقبه بالنبوة، فقال ﴿وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ﴾ تشريفاً وتكريماً للرسول -صلى الله عليه وسلم -.
﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران: 69)
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 70) وهنا فائدة أنّ (لِمَ) سؤال يتكون من اللام وما، لماذا لم؟ يعني: لماذا {لم}؟ ما الاستفهامية؛ لكن إذا دخل عليها حرف الجر حُذفتْ الألف منها كما يقال: عمّ فـ لم فتحذف الألف منها إذا دخل عليها حرف من حروف الجر، ثم إذا كان السؤال بلم استفهاماً حقيقياً فهو سؤال عن السبب، كما لو قلت لك لم فعلت كذا؟ وأنا لا أعلم لما فعلت كذا، فــ أنا لا أعلم لم فعلت أنت هذا الشيء، فأقول لك لم فعلته؟ إذاً هذا سؤال عن السبب؛ أمّا إذا كنت أعلم السبب وأقول لك لم فعلت ذلك؟ فهو سؤال يراد به الإنكار، إنكار سبب الحدث، إنكار سبب الحدث وفيه معنى التوبيخ، يعني: -لم وقع منك هذا؟ فكذلك هنا -ولله المثل الأعلى -ربنا إذا سأل تقدّم سبحانه يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء فهو يقول ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾؟ فالمراد به إنكار سبب الحدث لماذا يقع منكم الكفر؟ وفيه أيضًا التوبيخ -والعلم عند الله -وهذا يقال أيضًا في قوله -سبحانه وتعالى -فيما تقدَّم من آيات ﴿لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (آل عمران: 65) وفيما جاء بعده ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (آل عمران: 71) نعم.
• دَلَّتِ الآيات على حرص كفرة أهل الكتاب على إضلال المؤمنين من هذه الأمة ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أن الرسالات الإلهية كلها اتفقت على كلمة عدل واحدة، وهي: توحيد الله تعالى والنهي عن الشرك: وهذا فيه أيضًا أنّ كلمة التوحيد يقال لها كلمة العدل ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (آل عمران: 64) ما تفسيرها؟ ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ (آل عمران: 64) ولذلك كلمة التوحيد لها عدة أسماء، فهي كلمة التوحيد، وهي كلمة العدل ولها أسماء أخرى نطلب منكم أن تذكروا هذه الأسماء بدليلها، أسماء كلمة لا إله إلا الله كما دل على ذلك الكتاب وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• أهمية العلم بالتاريخ وهذا حسن؛ لأنه قد يكون من الحجج القوية التي تُرَدُّ بها دعوى المبطلين: فنحن نرد على من زعم أنّ إبراهيم -عليه السلام -يهودي أو أنّه نصراني بأنّه كان قبل اليهودية وقبل النصرانية، فهذا من فوائد العلم بالتاريخ.
• أحق الناس بإبراهيم -عليه السلام -من كان على ملته وعقيدته، وأما مجرد دعوى الانتساب إليه مع مخالفته فلا تنفع: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (آل عمران: 68) وأما مجرد دعوى الانتساب إليه مع مخالفته فلا تنفع.
• دَلَّتِ الآيات على حرص كفرة أهل الكتاب على إضلال المؤمنين من هذه الأمة ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾: قال الله -سبحانه وتعالى -﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران: 69) نعم.
قال الشيخ حفظه الله:
قال الله -سبحانه -﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 71) أي: لم تخلطون الحق الذي أُنزل في كتبكم بالباطل من عندكم ﴿وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 71) وهذا نظيره ما تقدم في سورة البقرة ﴿وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42) [البقرة: 42] وتقدم أنّ الاستفهام في ذلك يقصد منه إنكار هذا الذي وقع منه وتوبيخهم عليه.
﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72) وقالت طائفة: أي جماعة ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟﴾ في الظاهر ﴿امِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ﴾ (آل عمران: 72) يعني: في أول النهار، ﴿وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ﴾ أي: اكفروا به في آخر النهار، فهذا من النفاق في التعامل ﴿وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72) أي: يرجعون عنه قائلين: هم أعلم منا بكتب الله وقد رجعوا عنه، يقولون هم يترددون إذاً في القرآن شك وفي القرآن مرية، فهذا يُظهِر الإسلام ثم يتراجع عنه، ولذلك المرتد شأنه أخطر من الكافر لأنهحينما يرتد يدعي أنك الدين منقصة وأنّ في الدين خللاً، لذلك كانت العقوبة شديدة وذلك ردعاً وزجراً؛ ولئلا يغتر به مغتر.
﴿وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 73)
﴿وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (آل عمران: 73) أي: وقالوا أيضًا لا تصدقوا إلا من كان تابعاً لدينكم، فقوله ﴿وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هذا معطوف على ما سبق من قولهم {وقالت طائفة من الكتاب آمنوا} أي: وقالوا {ولا تؤمنوا}، فقولهم آمنوا وبعد ذلك واكفروا ولكن منه فهذا كله من أقوال هذه الطائفة ﴿وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 73) أي: مخافة أن يُؤتَى فهنا تقدير وهذا كثير نظيره في القرآن الكريم كقول الله -سبحانه وتعالى -﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ﴾ (الحجرات: 2) [الحجرات: 2] هنا قالوا في المختصر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: 2) يعني ما يصنعون ذلك ويكذبون ويعاندون لئلا يؤتى أحد ويكون أفضل منهم وهذا هو الحسد الذي بين الله عز وجل أنهم عليه ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 73) كما جاء أيضًا في سورة البقرة ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75)، قال ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾
﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 75)
﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 75) يبين الله -عز وجل -لنا حال ﴿طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ ﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ﴾ (آل عمران: 75) أي منهم المؤتمنون، إن أعطيته مالاً ولو كان كثيراً فإنّه لا يضيعه؛ بل يحافظ عليه وهذا معنى القنطار فالمراد بالقنطار: المال الكثير ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ (آل عمران: 75) ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ﴾ على مال يسير يمكن أن يُستَغني عنه، ومع ذلك ليست عنده الأمانة، ولا الحرص على رد حقوق ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ (آل عمران: 75) أي: تلح عليه بالمطالبة وتلح عليه في ذلك، قال ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: 75) أي: يقولون ليس علينا في أموال العرب إثم، لنا أن نأكل منها ما شئنا، وأن نأخذ منها ما شئنا، فالحرام عندهم أن يأخذوا من أموال بعضهم؛ وأمّا أن يأخذوا من أموال العرب فهذا مباح لهم، وهذا نتج عنه هذا الفعل الفاسد. وهذا فيه إشارة إلى ما تقدم ذكره: من أن الاعتقاد الفاسد يؤدي إلى عمل فاسد، وتقدم هذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (آل عمران: 24) فهذا أدى بهم إلى العمل الفاسد وكذلك هنا، قال ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 78)
﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 76) يعني: بلى عليهم حرج؛ بل عليهم حرج ولكن ﴿مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 76) من أوفى بعهده واتقى يكافئه الله ويعطه ويحبه، لم؟ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 76)
قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَـٰٓئِكَ لَا خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ذمٌ لهؤلاء الذين باعوا دينهم واشتروا الضلالة بالهدى والعافية. قال الله سبحانه ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 77) أي: ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (آل عمران: 77) نظر رحمة يوم القيامة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ من دنس كفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ﴾ (آل عمران: 188). نعم.
• من وسائل الكفار الدخول في الدين والتشكيك فيه من الداخل.
• الله تعالى هو الوهاب المتفضل، يُعطى ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بفضله، ويمنع ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بعدله وحكمته، ولا ينال فضله إلا بطاعته.
• كل عِوَضٍ في الدنيا عن الإيمان بالله والوفاء بعهده -وإن كان عظيمًا -فهو قليل حقير أمام ثواب الآخرة ومنازلها.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من علماء أهل الكتاب من يخدع أتباع ملتهم، ولا يبين لهم الحق الذي دلت عليه كتبهم، وجاءت به رسلهم: لذلك قال ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 71) عندهم تلبيس.
• من وسائل الكفار الدخول في الدين والتشكيك فيه من الداخل: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72).
• الله تعالى هو الوهاب المتفضل، يُعطى ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بفضله، ويمنع ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بعدله وحكمته، ولا ينال فضله إلا بطاعته قال الله ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾
• كل عِوَضٍ في الدنيا عن الإيمان بالله والوفاء بعهده -وإن كان عظيمًا -فهو قليل حقير أمام ثواب الآخرة ومنازلها: ولذلك قال الله -سبحانه وتعالى -هنا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (آل عمران: 77) فقوله {ثمناً قليلا}، فلا يقول قائل: لو كان ثمناً كثيراً جاز لهم ذلك؛ لأنه مهما أُعطِي من ثمن فهو ثمن قليل، فقوله ﴿قَلِيلًا﴾ هنا يقال وصف كاشف لبيان الواقع، وإن ما يعطاه هؤلاء من الدنيا ما هو إلا ثمن قليل.
تعليق الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 78)
قالوا هنا في المختصر ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ (آل عمران: 78)أي {وإن من اليهود لطائفة يَحْرِفون ألسنتهم بذكر ما ليس من التوراة} فالمراد بالفريق – فريق من أهل الكتاب: من اليهود ﴿يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 78)
قال فريق من أهل العلم: هذا بالتحريف المعنوي للكتاب المنزل على نبيهم، وقال آخرون: بل بالتحريف اللفظي.
والآية تحتمل المعنيين فهم كانوا يحرفون لفظاً: -بأن يضعوا في التوراة ما ليس منها، ويحذفوا منها ما هو منها. وكذلك كانوا يغيرون المعاني ويلغون النصوص في الفهم. فقال الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 78) أي: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ المنزل، ﴿وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ المنزل، وقد فسروا الكتاب هنا: -بالتوراة؛ باعتبار أنّه الكتاب المنزل على نبي الله موسى -عليه السلام -﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 78) أي: -وما هذا الذي حرفوه وغيروه من عند الله ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 78).
ثم قال الله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)
وذلك أنّ بعض نصارى نجران ومن كانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم -في هذه المجادلة قالوا: {ماذا تريد منا يا محمد؟ أتريد منا أن نعبدك؟} وسبب النزول بذلك فيه كلام من حيث الثبوت؛ لكن ظاهر الآية يشهد له والعلم عند الله، فردَّ الله -عز وجل -عليهم هذه الدعوى وقال ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾ (آل عمران: 79) أن يمنّ الله -عز وجل -عليه فيجعله نبياً من الأنبياء لديه ما لديه من ﴿ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ﴾ بعد ذلك ﴿يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 79) يعني هذا بعيد! ومستبعد؛ بل هذا لا يتأتى بحال من أن ﴿يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)
أي: ولكن يقول لهم {كونوا ربانيين...}، فهو لا يدعوهم إلى عبادة نفسه وإنما يدعوهم إلى عبادة الله -سبحانه وتعالى -، وقد تقدَّم معنا قول الله -سبحانه -﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 64) [آل عمران: 64] فهذه الآية أيضاً: تقرر ما سبق في الآية السابقة.
قال ﴿وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)
قال ﴿وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ﴾ (آل عمران: 79) فالرباني منسوب إلى الرب لأنّه متبع لتعالىمه سائر على منهاجه فلذلك قيل له: -رباني، وأيضاً بيَّن الله -سبحانه وتعالى -في الآية الكريمة: بما تتحقَّق تلك الربانية؟ فقال ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79) أي: جمعوا بين العلم النافع وبين تعليم الناس هذا العلم الذي علموه، فقال ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (آل عمران: 79) أي: تعلمون الناس الكتاب المنزل لا أن تحرفوا الكلمَ عن مواضعه، وكذلك ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79) تحفظون هذا الكتاب وتفهمون معانيه، وهناك قراءة أخرى متواترة ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79) ففيه: -أنّ الربانية تتحقق للعبد بحفظ العلم ومدارسته وتعليمه، وقد قيل في الربانية أيضًا معناه {معنى ﴿وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ﴾ (آل عمران: 79) قالوا: -حلماء علماء فقهاء.
قال الله ﴿وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79) وفي نسبة هؤلاء إلى الربانية دلالة على أنهم لا يصرفون العبادة لغير الله، وإنما يتوجهون إلى الله وحده في عبادتهم فلذا قيل لهم ربانيون.
قال الله – سبحانه – ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 80) كما أنّ هذا النبي لا يدعو لعبادة نفسه فهو لا يدعو لعبادة مخلوق آخر، فهو لا يدعو إلى عبادة الملائكة، ولا يدعو إلى عبادة النبيين؛ وإنما يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ لذلك قال ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ بالعطف على ما سبق، والقراءة الأخرى ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ على الاستئناف ﴿أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا﴾ (آل عمران: 80) فهو لا يدعو إلى عبادة الملائكة ولا إلى عبادة الأنبياء والمرسلين، وإنما إلى عبادة الله وحده لا شريك له وهي كلمة العدل الكلمة السواء: التي دعاهم إليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم -﴿أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 80) قالوا في المختصر {أيجوز منه أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم إليه واستسلامكم له؟!} بعد أن استسلمتم لله؛ أيدعوكم إلى الكفر؟ هذا لا يتأتى!
ثم قال الله -سبحانه -مبيِّناً قدر رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم -وأنّ الله قد أخذ العهد والميثاق على النبيين بالتصديق بهذا النبي الخاتم محمد -صلى الله عليه وسلم -فقال ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81)
ذهب كثيرٌ من أهل التفسير إلى أنّ المراد بالرسول هنا في قوله ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ (آل عمران: 81) هو محمد -صلى الله عليه وسلم -﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ﴾ (آل عمران: 81) فمن أدرك زمان هذا النبي أو رآه فإنه يؤازره ويناصره، ولذا فإنّ عيسى -عليه السلام -ينزل في آخر الزمان في حكم بشريعة نبينا -صلى الله عليه وسلم -وتقدم الرسول -صلى الله عليه وسلم -فصلَّى بالأنبياء والمرسلين إماماً في الإسراء؛ قال ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى﴾ (آل عمران: 81) عهدي وميثاقي، والإصر: هو العهد الشديد المؤكد ﴿قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81) وشهادة الله أعظم الشهادات وكفى بالله شهيداً، فهذه الآية تدل على أنّ الأنبياء والمرسلين أُخبِروا بمجيء الرسول -صلى الله عليه وسلم -وأُخِذَ عليهم العهد والميثاق بالإيمان به وتصديقه ومؤازرته ومناصرته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -قال بعض المفسرين: -بل هذا عام في الرسالات والنبوات، فكل رسول مأمور بالتصديق بغيره من الأنبياء والمرسلين ممن يبلغه خبره؛ لأنّ منهجهم واحد ودعوتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى –
قال ﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 82)
﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 82) أي {في المختصر}: {فمن أعرض بعد هذا العهد المؤكد بالشهادة من الله ورسله؛ فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعته} ففسروا قوله ﴿ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ بالخارجين عن دين الله وطاعته وهذا واضح؛ فتقدَّم أنّ الفسق معناه: الخروج عن الطاعة؛ ثم قال ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83)
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (آل عمران: 83) هذا الاستفهام استفهام إنكاري توبيخي، فهو استفهام للإنكار والتوبيخ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (آل عمران: 83) وهذا الإنكار: هو لهذا المذكور هنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 83) لأنّ الذي يلي ذات الاستفهام هو المسؤول عنه. في الاستفهام الحقيقي، وهو أيضًا المنْكَرْ أو المُقَرّ في الاستفهام المجازي، وهذا هو المراد هنا.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83) لماذا يطلبون غير دين الله؟ مع أنّ المخلوقات كلها تُذعِنُ لله – سبحانه -لأنّه الإله الحق وتخضع له -سبحانه عز وجل -وقوله ﴿وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ﴾ أي: انقاد ﴿مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، قالوا هنا في المختصر {طوعاً له كحال المؤمنين وكرهاً كحال الكافرين} قد يسأل سائل فيقول: -كيف يستسلم الكفار كرها؟
فوائد من هذا الدرس
- إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ…
- إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ