مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة آل عمران — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 265 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ وهذا مناسب هكذا جاء الصابرين؛ لأنّنا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنّه بدل من قوله ﴿ٱلَّذِينَ﴾ فعلى الجر وأيضاً ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 20) ﴿ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: 17) فهذا من صفات المتقين، ومن صفات أهل الجنة: الصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار في آخر الليل، قالوا هنا في المختصر {وهم المستغفرون آخر الليل لأنّ الدعاء فيه أقرب للإجابة ويخلو فيه القلب من الشواغل} ولذلك جاء.

قال الله ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18) تأملوا يا أيها الإخوة الكرام تقدم أيضاً: أنّه قيل إنّ مقصود السورة الحديث عن قضية التوحيد وتقريرها ومحاجة المخالفين لها، هنا ذكر الله شهادته -سبحانه -وكفى بالله شهيداً على أنّه واحد لا شريك له: فقال ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ (آل عمران: 18) ثنّى بشهادة الملائكة ثم قال ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ﴾ ثلث بشهادة أولي العلم، فالملائكة تشهد وأولو العلم يشهدون بأنّ الله واحد لا شريك له وهي شهادة عدل ﴿قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ﴾ (آل عمران: 18) على ما شهدوا ﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18) فتكرر في الآية قوله ﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ (آل عمران: 18) وهذه الآية الجليلة تدل على شرف أهل العلم، فلو كان هناك أحد أشرف من أولي العلم لذكرهم الله – سبحانه -في هذا المقام في الشهادة على أجلِّ مشهود على أنّ الله واحد لا شريك له لكن الله قرنهم وذكرهم بعد أن ذكر نفسه وثنى بذكر ملائكته فما أجمل العلم وما أجمل أهله. نسأل الله أن نكون من أهل العلم الخالص المخلِصين المخلَصين الموفقين، قال الله -سبحانه بعدها

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 19)

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ (آل عمران: 19) تقرير حقيقة الإسلام، وأنّ الدين مقبول المرتضى عند الله هو الإسلام ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ (آل عمران: 19) وسيأتي تقرير ذلك أيضًا بعد ذلك في قوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ أما دعوة الخلط بين الديانات والجمع بين التوحيد والتثليث وبين الدعوة إلى إله واحد والدعوة إلى آلهة متعددة فكيف يتحقق هذا؟ وكيف يكون هذا حقاً؟ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا﴾ ٱلضَّلَٰلُ؟ ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (آل عمران: 19) أي: بسبب البغي والحسد والحقد مع أنّ الحجة قامت عليهم قال ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ فَإِنْ حَآجُّوكَ﴾ تأمل لأنّ السورة فيها حديث عن المحاجة ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ﴾ وسيأتينا ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ (آل عمران: 61) وأيضاً ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (آل عمران: 65) وأيضاً ﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ﴾ (آل عمران: 66) عن المحاجة كيف نرد عليهم؟ فعلَّمَ الله رسوله -صلى الله عليه وسلم -والمؤمنين الذين يقتدون به وهو -صلى الله عليه وسلم -قدوتنا وأسوتنا قال ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ﴾ (آل عمران: 20) كُنْ ثابتاً على مبدأك أنت مسلم فقل أنا مسلم وجيار الله ومن اتبعه ومن اتبعني كذلك أسلموا وجوههم لله ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ﴾ (آل عمران: 20) تأملوا أنّه ثبات مع الجميع ثبات أمام المشركين، ثبات أمام أهل الكتاب فذكر الله الأصناف المذكورة هنا ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ﴾ (آل عمران: 20) ما المراد بالأميين؟ المشركين ﴿وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ﴾ (آل عمران: 20) هذه مهمتك ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 20) ثم حذر الله فقال:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: 21) وقوله ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران: 21) تقدم أنّ هذا التعبير القرآني ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران: 21) قُلنا أنّه ليس قيداً للاحتراز؛ وإنما هو وصف كاشف لبيان الواقع؛ لأنّ قتل النبيين لا يكون إلا بغير حق لا يمكن أن يُقتل نبي بحق؛ بل اشتد غضب الله على رجل قتل نبياً أو قتله نبي، فقوله ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران: 21) لبيان الواقع، أي: إنّ من يقتل النبي لا يكون إلا بغير حق، فلا يُقال إنه قيد للاحتراز بل هو قيد أو بل هو وصف كاشف لبيان الواقع وهذا الذي يقول عنه العلماء لا مفهوم له يعني لا تأخذ من المقابل أنّه يجوز القتل بحق؛ لأنّ هذا لا يمكن أن يقع كقوله ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ﴾ (المؤمنون: 117) لأنّه لا يمكن أن يكون هناك إله له برهان {عليه برهان} = إله مع الله، لا يمكن أن يوجد هذا لأنّه لا إله إلا الله -سبحانه وتعالى -قال ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 21) ما أجمل الأمر بالقسط حتى وإن وقع له قتل وابتُلِي بذلك، فقد عطفه الله على قتل النبيين بغير حق، ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾. نعم.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• من أعظم ما يُكفِّر الذنوب ويقي عذاب النار الإيمان بالله تعالى واتباع ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم -.: ولذلك قال هؤلاء المؤمنون ﴿رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 16)، وسيأتينا إن شاء الله تعالى ما ذكره الحواريون ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ (آل عمران: 53) فهذا موافق لهذا المعنى.

• أعظم شهادة وحقيقة هي ألوهية الله تعالى ولهذا شهد الله بها لنفسه، وشهد بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم ممن خلق: وهذا كما قلت من دلائل فضل أولي العلم.

• البغي والحسد من أعظم أسباب النزاع والصرف عن الحق: قال الله سبحانه ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (آل عمران: 19)يا أيها الإخوة الكرام ذكرنا بعض أسباب الثبات على الهداية وبعض الصوارف عن الثبات على الهداية من خلال سورة آل عمران وأنّ هذا من مقاصد السورة، فالمطلوب منكم أن تذكروا لنا ثلاثة أسباب من أسباب الثبات، وكذلك ثلاثة عوائق من عوائق الثبات أو من الصوارف عن الثبات على الهداية، نسأل الله أن يرزقنا الهدى والتقى، وأن يُثَبتنا على دينه ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ (آل عمران: 8) وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، بإذن الله تعالى سيكون الدرس غالباً بعد الثامنة بقليل؛ لأنّ الأمر يكون شاقاً علينا أن نبدأ في الثامنة أحياناً، فإذا تأخرنا فسيكون قليلاً، كأن تكون الثامنة وعشر دقائق بإذن الله، نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

تعليق الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (آل عمران: 23)

بعد أن حدثنا الله -سبحانه وتعالى -حديثاً عن هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، جاء هذا الاستفهام متوجِهاً إلى النبي -صلى عليه وسلم -ليُبَيِّن له حال أولئك من ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ، فقال – سبحانه -﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) وهذا الاستفهام كما تقدّم مراراً هو استفهام تقريري؛ لأنّ الاستفهام إذا دخل على النفي أفاد النفي أيضاً، ونفي النفي إثبات، ثمّ بعد ذلك يكون هناك روادف لهذا الاستفهام فهنا قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) فيه معنى التقرير والتعجيب من حالهم {﴿إِلَّا﴾ تتعجب يا رسول الله من حال أولئك ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون!}، ذهب كثير من المفسرين إلى أنّ المتحدَث عنهم هم اليهود، الذين سبق ذكرهم في الآية السابقة. أو في الآيتين السابقتين ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران: 21) وقال آخرون: بل يدخل في ذلك النصارى، وذلك أنّ الآيات كما تقدّم تتحدث عن محاجة وفد نصارى نجران، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) وتأمل هذا التعبير في هذا المقام قال: {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}، وفي مواضع أخرى جاء: {الذين أوتوا الكتاب، وفي بعضها أهل الكتاب}؛ لكن هنا قال ﴿أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) وهذا له سر ومغزى والعلم عند الله أي: إنّ هؤلاء أوتوا نصيباً من الكتاب، فيُمكِن أن يُقَال نصيباً أي: -نوعاً أو أنَّ: -نصيباً نُكِّرَتْ للتقليل والمعنى: أنّ ما معهم من العلم لا يكفيهم للهداية، فإذا جاء القرآن وجب عليهم الأخذ به؛ وإلا فإنّ النصيب معهم لا ينبغي أن يغتروا به فقد أُقيمت الحجة عليهم بمجيء القرآن الكريم، فقال ﴿أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) ولذلك فسر بعض المفسرين الكتاب هنا بالوحي أي: أوتوا نصيباً من الوحي، وهذا النصيب لا يكفيهم؛ بل يلزمهم أن يؤمنوا بالمنزَّل على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم -وهنا قالوا في المختصر {أتاهم الله حظاً من العلم بالتوراة وما دلت عليه من نبوتك} ﴿يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (آل عمران: 23) يُبَين الله حالهم وإعراضهم عن الإيمان بالكتاب وما فيه،

وقوله ﴿يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 23) ما المراد بقوله ﴿إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 23) هنا قالوا في المختصر {يدعون إلى الرجوع إلى كتاب الله التوراة} إذاً فسروا الكتاب في الموضعين بالتوراة: فعلى قوله ﴿نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) أي: من التوراة ﴿يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ أي التوراة، أي {في المختصر}: {يُدْعَون إلى الرجوع إلى كتاب الله التوراة ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه} وذلك أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ومع ذلك فهناك أدلة وبراهين على صدق رسول -صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي بعد ذلك قوله – سبحانه -﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 93) فيكون هذا من باب إقامة الحجة عليهم من كتابهم، قال في المختصر {ثم ينصرف فريق من علمائهم ورؤسائهم وهم مُعْرِضون عن حكمه إذ لم يوافق أهواءهم، وكان الأولى بهم -وهم يزعمون اتباعهم له -أن يكونوا أسرع الناس إلى التحاكم إليه} أنتم تزعمون أنكم تؤمنون بالتوراة، وأنها الكتاب المنزل على نبيكم فلذلك تأخذون بها دون غيرها، فالجواب: {تعالوا لنتحاكم إلى التوراة فستجدون التوراة تنبئكم عن صدق ما أنا عليه}؛ لكنهم مع ذلك يعرضون هناك من المفسرين من فسر قوله ﴿إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 23) أي: إلى القرآن الكريم، فمعنى ﴿يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 23) إلى القرآن الكريم ليحكم بينهم؛ لأنّ المراد هنا ليس دعوة إلى موضع أو موضعين أو مواضع معينة من التوراة؛ وإنما الدعوة إلى الإيمان بالكتاب كله، وهذا يتجه إذا كان المراد به القرآن الكريم، وأيضاً فالكتاب جاء معرَّفاً في الموضعين الأول: منهما الكتاب معرف بآل من الكتاب، والثاني: إلى كتاب الله معرف بالإضافة، فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ الأغلب إذا تكررت المعرفة فإنّ الثاني يكون غير الأول فحينئذ يكون المراد بقوله ﴿إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 23) هو القرآن الكريم؛ على هذا: يدعون إلى القرآن ليحكم بينهم لكن ماذا يكون منهم؟ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (آل عمران: 23) على كلٍ هما قولان معروفان لأهل العلم في الآية الكريمة قال الله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ (آل عمران: 23) يعني: أنّ هذا التولي تولي مستمر وأنّ ذلك الإعراض مستمر ﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ جمع الله لهم بين التولي والإعراض، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (آل عمران: 23) وكأن المعنى يتولون عن الداعي ويعرضون عما يُدعون إليه من الكتاب، فهو تول عن الداعي وإعراض عن المدعو إليه وهو الكتاب أو المدعو إلى الإيمان به، أو المعنى إنهم يجمعون بين التولي بالبدن والإعراض بالقلب. فلذلك جمع الله بينهما -والعلم عند الله -قال الله سبحانه بعدها: -

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (آل عمران: 24)

﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: ذلك التولي والإعراض، لذلك إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ على ما يعود اسم الإشارة ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: التولي والإعراض. ولذلك قالوا هنا في التفسير {ذلك الانصراف عن الحق والإعراض عنه} ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟﴾ (آل عمران: 24) أي: -بسبب فالباء سببية ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (آل عمران: 24) والمعنى هم أصحاب عقيدة فاسدة، فلا يُنتظر من صاحب العقيدة الفاسدة إلا أن تصدر منه الأفعال القبيحة والأقوال الشنيعة فلما كانوا يعتقدون أنّ النار ستمسهم أياماً، ستمسهم هذه المدة القليلة وهي الأيام المعدودات التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى -ثم بعد ذلك يخرجون من النار ويتجهون أو يكونون من أهل الجنة فحينئذ يفعلون ما بدا لهم. لأنّ الله لن يخلدهم في النار وإنما هي مدة قليلة فسرها بعضهم بأربعين يوماً وفسرها آخرون بسبعة أيام، فقالوا ﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم﴾ (آل عمران: 24) أي: سبب ذلك راجع أيضًا إلى الغرور ولذلك صاحب الاغترار لا يُرجَى منه الخير في غالب الأمر لأنّه في غالب الأمر لا يرعوي ولا يرجع إلى صوابه؛ وإنما يستمر في طغيانه بخلاف العبد الذي يعصي ربه وهو غير مغرور فعساه أن يتوب ويرجع إلى الله -سبحانه -﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ﴾ (آل عمران: 24) لذلك قالوا هنا في المختصر {فتجرأوا على الله ودينه} تجرأوا على الله ودينه هم يقولون نحن لن يكون لنا في العذاب إلا أيام قليلة، ثم نخرج منها! إذاً نفعل في الدنيا ما بدا لنا!

﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ﴾ (آل عمران: 25) وهذا الاستفهام للاستعظام والتعجيب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ (آل عمران: 25) وهو يوم القيامة ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 25)

ثم قال ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26)

قد يسأل سائل ويقول ما وجه المناسبة؟ وما وجه الصلة بين هذه الآية والآيات السابقة؟ ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ (آل عمران: 26) لذلك مناسبة والعلم عند الله وبيانها::: أنّ الله جل وعلا يُعّرِّض بهؤلاء من أهل الكتاب، يا أهل الكتاب ما يدفعكم إلى عدم الإيمان برسول الله -صلى الله عليه وسلم -إنّ الذي يدفعكم عدم رضاكم بقسمة الله سبحانه وتعالى فأنتم تحسدون النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم -وتقولون كيف يكون محمدٌ رسول الله؟ وكيف يكون النبي الخاتم؟ وكيف ينزل عليه الكتاب وهو ليس من بني إسرائيل؟ فهو ليس من بني جنسنا، وليس من بني إسرائيل حتى يكون هو الخاتم، وحتى يكون هو النبي، فقال الله ﴿قُلِ﴾ لهم يا رسول الله ﴿ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾ (آل عمران: 26) فالذي يؤتي الملك وأيضاً الذي يؤتي النبوة، والذي يؤتي الرزق هو الله، والذي ينزع ذلك هو الله؛ فالذي جعل محمدًا رسولاً هو رب العزة -سبحانه وتعالى -﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26) وقوله ﴿بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ﴾ (آل عمران: 26) والله بيده كل شيء، فالخير والشر مقدران، قدرهما الله، ولذلك من أركان الإيمان {وتؤمن بالقدر خيره وشره}، لكن هنا قال ﴿بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ﴾ (آل عمران: 26) ولم يذكر الشر فقال بعض المفسرين هذا على سبيل الاكتفاء، أي: بيدك الخير والشر كما مضى معنا في مواضع. ومن ذلك في سورة النحل ﴿سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ﴾ (النحل: 81) أي: والبرد فلم يذكر البرد لكنه فُهِمَ من الحر على قول عدد من المفسرين. قال الله عز وجل ﴿بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ﴾ (آل عمران: 26) وأيضاً نُصَّ على الخير؛ لأنّه المرجو لابن آدم فابن آدم ﴿أَنَّمَا﴾ يرجو الخير ويريد لنفسه ما يلائمه فذكر ما هو ملائم للناس وما يبتغونه ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26) سبحانه وتعالى.

﴿تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 27) قالوا هنا في المختصر {تدخل الليل في النهار فيطول وقت النهار} فمعنى {تولج الليل} يدخل الليل في النهار فحينئذٍ يتبدل الوقت فيصير الليل نهاراً والنهار ليلاً، ولذلك قد يقول قائل: -معروفٌ أنّ الإيلاج يدخل الشيء في شيء فيكون متضمَّناً فيه، أو أن يكون مندرجاً فيه، فهل الليل يندرج في النهار؟ يقال: لا يلزم، لأنّ إيلاج كل شيء بحسبه، فهنا ﴿تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ﴾ (آل عمران: 27) حينئذ يذهب هذا الليل ويبقى النهار ﴿وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ (آل عمران: 27) فيذهب النهار ويبقى الليل، أو المعنى: أنّ ذلك يدخل على هذا فيطول هذا أو يقصر هذا فيكون المراد الزمان، أو أن يُرَاد بذلك اختلاف أحوال البلاد، فعند هؤلاء ليل وعند هؤلاء نهار والعلم عند الله.

﴿وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ (آل عمران: 27) من المفسرين من يحمل الحي والميت على المعنى الحقيقي الظاهر، ومنهم من يحمله على المعنوي على المعنى، على أنّه أمر معنوي، فمن حمله على الظاهر كما قالوا هنا في المختصر {كإخراج الزرع من الحب وتخرج الميت من الحي، كالكافر من المؤمن، والبيضة من الدجاجة} قالوا كإخراج المؤمن من الكافر، والزرع من الحب فهو يخرج زرعاً من هذا الحب الذي كان في أصله ميتاً فلما سُقِيَ بالماء أحياه الله -سبحانه وتعالى -، أو المراد: إخراج المؤمن من الكافر، فيكون المراد بالحياة هنا: الحياة القلبية حياة القلب أو حياة المعنى {المعنوية} وأيضا ﴿وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ (آل عمران: 27) ﴿وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾: كالكافر من المؤمن، فقد يكون الرجل مؤمناً ويَخرج من ظهره من هو على الكفر والعكس كذلك؛ أو أن يُراد بذلك ما هو حسي كإخراج البيضة من الدجاجة، فالدجاجة حية يعني لها حياة؛ وأمّا البيضة فإنّها ليست كذلك. فإذاً قوله ﴿وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ (آل عمران: 27) من المفسرين من يحمله على معنى حسي، ومنهم من يحمله على معنى معنوي ولما كان الأمران مُحتَمِلين ذكر أهل المختصر القولين والعلم عند الله ثم قال الله: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 27)

﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: 28)

﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 28) أيضًا قد يقول قائل: ما وجه الصلة؟ بين هذه الآية والآيات السابقة ووجه الصلة والعلم عند الله: إنّها بمثابة النتيجة إذا عرفتم يا معشر المسلمين: إنّ هؤلاء ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ، وأنّ هؤلاء المشركين ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾، أو لا يؤمنون برسول الله -صلى الله عليه وسلم -ولا يُصدِّقون بالكتاب الذي معه فهل بعد ذلك ينبغي لكم أن تعرفوا لهم موالاة؟ أو هل ينبغي لكم بعد ذلك أن توالوهم؟ أن الواجب عليكم حينئذٍ أن تتركوا موالاتهم؛ لأنّ هؤلاء قد أعرضوا عن الله وعن الإيمان برسوله -صلى الله عليه وسلم -فقال ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 28) ولذلك بعضهم فسر الكافرين هنا: بالمشركين باعتبار هذا هو الغالب؛ فإذا أُطلِقَ لفظ الكفر في القرآن الكريم فإنّه ينصرف في الأعم الشائع الغالب إلى المشركين. أو أن يُرَاد بهم عموم المخالفين فيدخل فيهم أيضاً: هؤلاء ممن أعرضوا من أهل الكتاب.

﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 28) أي: مُبَاعدين عن المؤمنين، تتخذ هذا الكافر وتترك المؤمن! فهذا لا يليق وقد يقول قائل هل هذا قيدٌ للاحتراز؟ يعني ربنا قال ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 28) فهل يجوز اتخاذ الكافرين أولياء مع المؤمنين؟

لا يجوز لك أن تتخذ الكافر ولياً دون المؤمن، إذاً فهل يجوز أن تتخذ الكافر ولياً أيضًا مع المؤمن؟ الجواب: لا – لا يجوز هذا ولا ذاك؛ بدليل أنّ هناك آيات أخرى صَرَّحتْ بالإطلاق ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ (المائدة: 51) وآيات كثيرة في هذا الباب قد تقدم بعضها في مواضع أُخرى، فيقال هذا لبيان واقع معين يتعلق بنزول الآيات الكريمة وليس قيداً للاحتراز، أو أن المراد مُباعدين عن المؤمنين، أنكم أي مع أنكم إذا اتخذتم هؤلاء أولياء فإنكم ستبتعدون عن موالاة المؤمنين، باعتبار ما سيقع ويتحقق بسبب تلك الموالاة والعلم عند الله.

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ﴾ (آل عمران: 28) فهو في ذلك مخالفٌ شرع الله -سبحانه وتعالى -أي: فقد برئ من الله وبرأ الله منه، قال ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ (آل عمران: 28) هنا استثناء، خفّفَّ الله عز وجل فيه، وذلك لحالة الضرورة ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ (آل عمران: 28) أي: فيقع منكم اضطرار إلى أن تلينوا لهم، وأن تتقوهم بالمداراة وباللطف في القول والكلام فقوله ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟﴾ (آل عمران: 28) قالوا هنا في المختصر {إلا أن تكونوا في سلطانهم} أنتم في سلطان الكفار أو في قبضتهم، أو كانت الغلبة لهم، لذلك قولهم هنا {إلا أن تكونوا في سلطانهم} بأن تكونوا تابعين لهم في هذا المكان، أو أن تكونوا مغلوبين منهم، ولهم الغلبة عليكم وتضطرون حينئذٍ لهذه الليونة أو إلى هذه التقية، فقال الله -سبحانه -﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ (آل عمران: 28) قال في المختصر {فلا حرج أن تتقوا أذاهم بإظهار اللين في الكلام واللطف في الفعال، مع إضمار العداوة لهم} تبقى العداوة موجودة لأنّ من عادى الله وعاد رسوله -صلى الله عليه وسلم -فإنّنا نعاديه. وأما مَنْ وإلى الله، ووإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم -فإنّنا نواليه ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: 28) وواضح يا أيها الإخوة الكرام: أنّ هذه المداراة، وأن هذه التقاة أو التقية؛ ﴿أَنَّمَا﴾ تكون في حالة الاضطرار؛ لا تكون في حال الاختيار؛ وإلا فإنها في حال الاختيار تدخل في باب المداهنة التي هي صفة من صفات المنافقين. ولذلك نهى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم -أو حذّره والتحذير له تحذيرٌ للأمّة فهو قدوتنا وأسوتنا -صلى الله عليه وسلم -وهو المتبع للحق ظاهراً وباطناً قال ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9) [القلم: 9]، قال الله -سبحانه وتعالى -﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ (آل عمران: 28) وبناء عليه فيُعلم أنّه المسلك الذي يسلكه أهل الشيعة من التقية ما هو إلا مسلك مقيت، وهو الكذب بعينه ولذلك هم يتقربون بهذه التقية في كل أحوالهم، ويرون أنّه: من لا تقية له لا دين له لذلك لا حرج عليهم في الكذب وإظهار خلاف الواقع كل هذا من باب التقية في من يتعاملون معه، قال الله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: 28) وقوله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ (آل عمران: 30) فيها وعيدٌ شديد، فالله يحذرنا نفسه ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• أن التوفيق والهداية من الله تعالى، والعلم -وإن كثر وبلغ صاحبه أعلى المراتب -إن لم يصاحبه توفيق الله لم ينتفع به المرء.

• خطورة تولي الكافرين، حيث توعَّد الله فاعله بالبراءة منه وبالحساب يوم القيامة.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• أن التوفيق والهداية من الله تعالى، والعلم -وإن كثر وبلغ صاحبه أعلى المراتب -إن لم يصاحبه توفيق الله لم ينتفع به المرء: أخذوا هذه الفائدة من ماذا؟ من أنّ الله أثبت أنهم ﴿أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 23) وكان المتوقع أن من أوتي نصيباً من الكتاب، أن يكون منتفعاً بهذا الذي عرفه، لكنه مع ذلك لم ينتفع به؛ وإنما التوفيق بيد الله -سبحانه وتعالى -فرب علمٍ أورث صاحبه ذلاً وانكساراً، وربّ علمٍ أورث صاحبه بُعداً واغتراراً فهذا بحسبه، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى.

• أن الملك لله تعالى، فهو المعطي المانع، المعز المذل، بيده الخير كله، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ﴾، فلا يُسأل أحد سواه: وهذا في قوله ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ (آل عمران: 26) الآية الكريمة.

• خطورة تولي الكافرين، حيث توعَّد الله فاعله بالبراءة منه وبالحساب يوم القيامة وذلك في قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ﴾ (آل عمران: 28) نعم.

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30)

هذه الآية لها مناسبة بالآيات السابقة التي ذكَّرتْ بالتحذير من هذا اليوم ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 29) أي: وسيُحَاسِبكم الله عليه. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيكون هذا؟ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ﴾ (آل عمران: 30) بعضُ المفسرين يرى أنّ قوله ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ (آل عمران: 30) يتعلق بقوله ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) أي: تود كل نفس، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تود كل نفس؟ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ لكن؛ لأنّ هذا الزمان هو المراد بالذِكرِ قُدِّم في الذكر فقال بادئاً به ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ (آل عمران: 30) ماذا سيكون يا ربنا؟ ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) كما قال الله -سبحانه -﴿وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49) [الكهف: 49] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ﴾ (آل عمران: 30) بعض المفسرين يرى أنّك تصل فتقرأ هكذا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ﴾ (آل عمران: 30) فيكون قوله ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ﴾ (آل عمران: 30) معطوف على قوله ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) ومنه من يرى الوقف على قوله ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) وبعد ذلك يقول ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: 30) فتكون جملة مستقلة فيكون المعنى: -إنّ النفس تود لو كان بينها وبين هذا الذي عملته من السوء هذا الأمد البعيد لتتباعد عن الشر ولتتباعد عن العقاب، قال الله بعدها ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ (آل عمران: 30) تأملوا! تكرار هذه الجملة العظيمة الرهيبة ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ (آل عمران: 30) والحق أنّ من حذرك نفسه فقد رأف بك ولطف بك؛ لأنّه أعلمك بما ربما يقع بك ولك، ولذلك قال الله بعدها ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) نعم هو رؤوف سبحانه إذ حذرنا ونبهنا، وقد تقدّم معنا: أنّ هذا أحد الأوجه التي يُجَاب بها في قول الله ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) بعد ذكر بعض التهديدات والوعيد وما إلى ذلك؛ لأنّ هذا في مقام التنبيه ومن نبهك فقد أحسن إليك وأنعم عليك. ثم قال الله: -

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)

يُمكِن أن يُقَال هذا من قبيل الترغيب بعد الترهيب، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ (آل عمران: 30) ثم جاء الترغيب ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) ومن رأفته أنّه يُحِب عباده ويدعوهم إلى اتباع نبيه -صلى الله عليه وسلم -﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31) ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 31) هذا فيه أنّ من أعظم الأسباب التي تجلب للعبد الله اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم -فمن اتبع النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم -أحبّه الله عز وجل، قال ﴿فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 31) ولذلك قال عدد من العلماء هذه الآية يقال لها آية المحنة، أو آية الابتلاء، قالوا: ادعى قوم محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية؛ أتدعي أنّك تحب الله – سبحانه -فما دليل ذلك؟ وما برهان ذلك؟ ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: 31) والمتوقع أن يُقَال ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى﴾ (آل عمران: 31) تحبوا الله، فاتبعوني: تصدقوا في محبتكم لله؛ لأنّ المعنى قبلها: إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى؛ فإذا اتبعتم الرسول فأنتم تحبون الله، لكن ماذا جاء الجواب؟ ﴿فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 31) فهذا من البشارة العظيمة؛ لأنّ الشأن ليس أن تُحِب الله؛ ولكن أن يُحِبَك الله؛ فعجَّل الله بهذا الجزاء العظيم فقال ﴿يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31).

﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 32) مأمورون بطاعة الله وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم -وفي هذا فيه ذمٌ لأهل الكتاب الذين أعرضوا عن الإيمان برسول الله من ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 32) ثم قال الله:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 33)

لأنّ هؤلاء يقولون نحن أتباع هؤلاء الأنبياء، ونحن من نسلهم فيبين ربُّ العزة أنّ هؤلاء مصطفون، ولكنّهم على التوحيد، ولكنّهم على الإيمان، فمنْ ادعى أنّه من نسلهم فليتبع منهاجهم ولـ يَسِرْ على دربهم، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ذُرِّيَّة ۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولعلكم تذكرون في الدرس الماضي، ونحن نتكلم عن مقاصد هذه السورة الكريمة قُلنا إنّ هناك قولاً من الأقوال: يقول أصحابه إنّ مقصود هذه السورة معالجة قضية الاصطفاء، ولذلك جاء هنا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا﴾ (آل عمران: 33) لذلك بعض العلماء يرى أنّ ما سبق مقدمات، ثمّ جاء الحديث عن قضية الاصطفاء. فما وقع لعيسى -عليه السلام -من ولادته بلا أب ما هو إلا اصطفاء وليس معنى ذلك أنّه ابن لله أو أنّه إله مع الله أو أنّه ثالث ثلاثة؛ وإنما هو اصطفاء ﴿ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 34).

﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (آل عمران: 35)

بعد أن ذكر الله اصطفاءه لآدم ﴿وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ﴾، ذكر الله -سبحانه -بعض ما يتعلق بذلك وهو اصطفاؤه لآل عمران؛ فذكر اصطفائه لامرآة عمران ولابنتها مريم ولحفيدها عيسى -عليه السلام -فعيسى ابن مريم ابن امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (آل عمران: 35) ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم -داخل في هذا الاصطفاء؛ لأنه قال ﴿وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ونبينا -صلى الله عليه وسلم -من آل إبراهيم، لذلك قال الله ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 54) قال ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾ (آل عمران: 35) أوجبت على نفسها أن تجعل هذا المولود الذي يولد لها خالصاً لوجه الله أي مُفَرَّغاً للعبادة، لا عمل له إلا العبادة توقفه على ذلك، تُوقِفُه على ذلك بأن تجعل هذا المولود خادماً لبيت المقدس وراعياً لطاعة الله -سبحانه وتعالى – لا يتركها بل يلازمها فلا يشتغل بغيرها، قال الله ذاكراً قولها ﴿رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ﴾ (آل عمران: 35) دعاء بالقبول مع أنّه في البداية دعاء بعمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، لكن مع ذلك تطلب قبول هذا العمل ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (آل عمران: 35).

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (آل عمران: 36) وقولها ﴿رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 36) هنا في مقام التحسر، يعني تتحسر، هي كانت تريد أن يكون المولود ذكراً، لِمَ؟ ليكون أقوى لأن الذكر في الغالب معروف بقوته، هذا هو الأصل فيه ولذلك قال الله – سبحانه -في شأن قوامة الرجل على المرأة قال: -﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 34) [النساء: 34] قالوا: بما أوتي من قوة ونحو ذلك، فقالت ﴿رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (آل عمران: 36) قوله ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (آل عمران: 36) هذه يقال عنها جملة معترضة يعني ذُكرتْ في وسط الكلام لبيان ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ﴾ والقراءة الأخرى ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (آل عمران: 36) فهي تقول ﴿رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (آل عمران: 36) قولها ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 36) إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّه من تتمة قولها ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 36) أي: وليس الذكر الذي كنت أرجوه كالأنثى التي وُهِبَتْ لي في القوة والخلقة، فالأنثى دون الذكر في مثل ذلك. وقال بعض المفسرين: بل المعنى وليس الذكر الذي كانت تتوقعه كالأنثى المباركة التي رزقها الله عز وجل بها.

فقوله ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 36) يعني ليس الذكر الذي تظنه كهذه الأنثى التي وهبها الله -عز وجل – إياها؛ فتلك الأنثى خير من كثير من هؤلاء الذكور، ولذلك {كَمُلَ من النساء قلة منهنّ مريم عليها السلام} فالشاهد من ذلك أنّه على هذا المقام تكون الأنثى أعلى مقام، وبهذا دفعوا الإشكال حين يُقَال: إنّ المشبّه به يكون أقوى من المُشَبَّه. فهنا قالت ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 36) كان المتوقع أن يُقَال: وليست الأنثى كالذكر، لكنها قالت ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 36) فجعلت الأنثى هي المشبه به::

فقال بعض المفسرين المعنى: ليس الذكر الذي تريده كالأنثى التي وهبها الله -سبحانه وتعالى -بها وهي مريم عليها السلام هذا قول من الأقوال

ومنهم من قال: ليس بلازم في مثل هذا المقام؛ ﴿أَنَّمَا﴾ المراد أنّه لا يستوي هذا وذاك بغض النظر أن يكون المشبَّه دون المشبَّه به، إلى غير ذلك من أجوبة ذكرها العلماء في مثل هذا المقام.

قال الله ﴿وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: 36) أي: قالت وإني سميتها مريم فهذا من قولها ﴿وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (آل عمران: 36) وهذا من الدعاء المبارك فنتعلم من امرأة عمران أنّ الإنسان يُوقِف أولاده حسبة لله -سبحانه وتعالى -قدر استطاعته، فينوي في أولاده الخير، وأن يُنشِّأَهم نشأة صالحة طيبة، الأمر الآخر الدعاء بالقبول وأن يُبَارك الله له في هذه الذرية كذلك ﴿وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (آل عمران: 36) ولذلك شُرِعَ لنا رقية أولادنا وتعويذ أولادنا كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم – يصنع، وقد تقبل الله دعاءها، لذلك قال ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾

بل جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه – {ما من مولود إلا ويستهل صارخاً من مس الشيطان إياه غير مريم وابنها} ثم قرأ أبو هريرة -رضي الله عنه -﴿وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ حتى الاستهلال بالصراخ لم يقع لمريم ولا لابنها ببركة دعاء امرأة عمران ﴿وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (آل عمران: 36) ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (آل عمران: 37) ما معنى ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ قالوا في المختصر أي {وجعل كفالتها إلى زكريا عليه السلام} والقراءة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ والقراءة الأخرى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وهناك قراءة بنصب زكريا ﴿زَكَرِيَّاۖء﴾ لأنه ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هو الذي تكفلها، لكن ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي: وكفلها اللهُ زكرياءَ على هذه القراءة، قال الله سبحانه ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37) قد يقول قائل: ما فائدة ذِكر كفالة زكريا لها؟

فالجواب: زكريا -عليه السلام -معروفٌ بالفضل والمكانة، فإذا كان القائم والراعي معروفاً بالفضل فهذا معناه أنّ من استفاد منه هذه الكفالة ومن كُفِلَ سيكون له شأن أيضاً، فهو من تتمة الثناء على مريم -عليها السلام -فهذه أمَّها وهذا كافلها – أو من تكفل بها – وهو زكريا -عليه السلام –

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37) [سورة آل عمران:37]. كان يدخل عليها فيجد عندها رزقاً فيتعجب من أين لك هذا الرزق؟ فتقول ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37) ولذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية على ثبوت الكرامة للأولياء؛ لأنّ مريم -عليها السلام -كما وصفها الله صديقة، وعليه فليست نبية ولكن الذي وقع لها من أنها تجد الطعام – دون أن يكون هناك من أتى لها بالطعام -وقد ذكروا في ذلك أقوالاً كثيرة كأن تجد فاكهة الشتاء في وقت الصيف -والعلم عند الله -من مثل ذلك مما ذُكِر، على كل حال فهذا فيه إثبات الكرامة، وكرامات الأولياء ثابتة كما هو معروف بأدلة كثيرة منها هذا الدليل، ونطلب منكم أن تذكروا لنا دليلين آخرين يدلان على إثبات كرامات الأولياء بلا غلو ولا شطط. ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37) نعم.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• عظم مقام الله وشدة عقوبته تجعل العاقل على حذر من مخالفة أمره تعالى.

• برهان المحبة الحقة لله ولرسوله باتباع الشرع أمرًا ونهيًا، وأما دعوى المحبة بلا اتباعٍ فلا تنفع صاحبها.

• أن الله تعالى يختار ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من عباده ويصطفيهم للنبوة والعبادة بحكمته ورحمته، وقد يخصهم بآيات خارقة للعادة

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• عظم مقام الله وشدة عقوبته تجعل العاقل على حذر من مخالفة أمره تعالى: ولذلك قال الله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30).

• برهان المحبة الحقة لله ولرسوله باتباع الشرع أمرًا ونهيًا، وأما دعوى المحبة بلا اتباعٍ فلا تنفع صاحبها:

لو كان حبك صادقاً لأطعته..................... إنّ المحبَّ لمِنْ يحب مطيع.

أن الله تعالى يختار ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من عباده ويصطفيهم للنبوة والعبادة بحكمته ورحمته، وقد يخصهم بآيات خارقة للعادة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا﴾ (آل عمران: 33) الآية، وأيضاً في آخرها قال ﴿قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37)

قال الشيخ حفظه الله:

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ (آل عمران: 38)

قالوا في المختصر {عند ذلك الذي رآه زكريا من رزق الله تعالى لمريم بنت عمران على غير المعتاد من سُننه تعالى في الرزق} لأنّه وجد الرزق عندها بلا سبب، بلا سبب حسي مباشر، ولذلك قال ﴿أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 37) حينئذ دعا زكريا ربه مع أنّ زكريا -عليه السلام -نبي كريم ولا يخفى عليه أنّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، ولكنَّ الإنسان في بعض المواقف قد يجد ما يذكره وينبهه إلى أمر من الأمور الجليلة، لذلك توجه زكريا -عليه السلام -في هذا المقام إلى ربه -سبحانه وتعالى -أن يجيبه إلى سؤله وإلى طلبه مع أنّ الأسباب منتفية وذلك أنّه قد بلغه الكبر وامرأته عاقر، فحينئذ سيكون هذا آية وذلك ليس يعجز الله فالله على كل شيء قدير ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ (آل عمران: 38) وهذا حسن من زكريا -عليه السلام -فهو لم يطلب أي ذرية، وإنما طلب ذرية طيبة ولذلك قال أيضًا ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (مريم: 6) [مريم: 6] فهو يريد أن يرزقه الله بمولود رضي يرضى عنه سبحانه وتعالى.

قال ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 39)

﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ﴾ (آل عمران: 39) المراد بالمحراب: مكان العبادة، المراد بالمحراب مكان العبادة. وتأمل هنا تأتيه الإجابة وهو قائم في الصلاة، وهذا يدل على عظم الصلاة، وأنها من أعظم مواضع الإجابة، قال ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 39) ما المراد بقوله ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 39) أي: عيسى عليه السلام قالوا في المختصر {إن الله يُبشرك بولد يولد لك اسمه يحيى، من صفته أن يكون مصدقًا بكلمة من الله، وهو عيسى بن مريم -لأنه خُلِق خلقًا خاصًّا بكلمة من الله -}

لأنّه قد يقول قائل: أوليس جميع الخلق قد خُلِقُوا بكلمة كُنْ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82) [يس: 82] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40) [النحل: 40] الفرق أننا نخلق بكن ولكن الله يقدر أسباباً من الرجل والمرأة، أما عيسى -عليه السلام -ففرق بكلمة كن بلا وجود هذا السبب، فلذلك قيل له: {كلمة الله}، وقد جاء تفسيرها بعد في قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: 45) فعرفنا أنّ الكلمة هي عيسى ابن مريم، قال الله ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 39) أصل مادة الحصر تدل على المنع، فما معنى حصورا؟ قالوا: {مانعًا نفسه وحابسها عن الشهوات ومنها قُرْبان النساء} يعني: أنه ملازم لطاعة الله -سبحانه وتعالى -ومن المفسرين من قال: إنّه كان عنه النساء تعبداً وتعففاً واستغناءاً، وليس هذا دالاً على أنّ الزواج ليس بحسن، فإنّ الزواج قد بين الله أنّه من سنن الأنبياء والمرسلين ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (الرعد: 38) [الرعد: 38] لكن هذه علامة وهذه صفة خاصة بيحيى -عليه السلام -وأنها سيما يُشتَهَر بها من تفرغه للعبادة -عليه السلام -قال الله ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 39)

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (آل عمران: 40)

وهنا أورد بعض المفسرين بل كثير منهم إشكالًا في وجه هذا السؤال: لأنّه يقول ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: 40) مع أنّه هو الذي طلب، والآن يقول ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى﴾ (آل عمران: 47) هنا فسؤاله ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ﴾ (آل عمران: 40)

هذا على سبيله الاستعجاب والاستعظام لما جاءه من المفاجأة، وإلا فهو يثق في أنّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ولذلك خطَّأَ عدد من المحققين من حمل الاستفهام على الاستبعاد، قالوا: لأنّ هذا لا يليق بجناب نبي الله زكريا عليه السلام ﴿أَنَّمَا﴾ هو استعظام من الموقف. فقال أنى يكون لي غلام لأنه دعا الله سبحانه ثم جاءته هذه الإجابة فما كان منه إلا أنّ رد هذا الرد -عليه الصلاة والسلام -وبعض المفسرين قالوا: إنّه أحب أن يسمع هذه البشارة المرة تلو المرة. فحينئذ يستقر هذا الأمر أعظم استقرار؛ فإنّ الواحد منا إذا بلغه خبر يسره فإنه يحب تكرار سماعه، فقالوا هذا هو من هذا القبيل -والعلم عند الله –قال ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: 40) وجاء هنا بالجملة الاسمية في قوله ﴿وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ يعني من بداية منذ بلوغها وهي عاقر ليست محلاً للولادة بسبب ما فيها من عقر أو ما فيها من عقر، يعني: أنها ليست ممن يلد ومع ذلك فأنت قدرت ذلك فأنت على كل شيء قدير فقال ﴿كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (آل عمران: 40) قالوا هنا في التفسير ﴿كَذَٰلِكَ﴾ ما معنى كذلك؟: أي {مَثَلُ خَلْق يحيى على كبر سنِّك وعُقْم زوجك؛ كخلق الله ما يشاء} فهذا معنى ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي لخلق يحيى على كبر سنه وعقم زوجه كخلق الله ما يشاء يخلق الله أو يفعل الله ما يشاء.

﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (آل عمران: 41)

﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً﴾ (آل عمران: 41) ما معنى آية: علامة، قال ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾ (آل عمران: 41) يعني ﴿إِلَّا﴾ تقدر على كلام الناس بدون مرض ﴿ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (آل عمران: 41) ولما أمره الله بالذكر أمره بالإكثار منه، وهذا كثير في أمر الذكر، قال الله: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ (الأحزاب: 35) [الأحزاب: 35] وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 41) [الأحزاب: 41] قال الله سبحانه بعدها:

﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 42)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة