مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة آل عمران — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 264 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة آل عمران: مدنية

{سُمِّيتْ سورة آل عمران لذكر آل عمران فيها في الآية الثالثة والثلاثين من السورة}

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَة]

إثبات أنّ دين الإسلام هو الحق رداً على شبهات أهل الكتاب وتثبيتاً للمؤمنين.

قال الشيخ حفظه الله:

{سُمِّيتْ سورة آل عمران لذكر آل عمران فيها في الآية الثالثة والثلاثين من السورة}، من مقاصد السورة {إثبات أنّ دين الإسلام هو الحق رداً على شبهات أهل الكتاب وتثبيتاً للمؤمنين} سورة آل عمران هذه هي السورة الثالثة بحسب الترتيب المصحفي، بعد سورة الفاتحة وسورة البقرة، وبين سورة آل عمران، وسورتي الفاتحة والبقرة صلة وثيقة. كما سيتضح بإذن الله -تبارك وتعالى -وسورة آل عمران تسمى هكذا {سورة آل عمران} وهي أيضًا إحدى الزهراوين فقد سمّى النبي -صلى الله عليه وسلم -سورة البقرة وآل عمران بالزهراوين {اقرأوا الزهراوين} وهذا يدل على الصلة الوثيقة بينهما، فهذا الاسم: أعني -اسم الزهراوين -تُطْلَق على السورتين مجتمعتين، أعني -سورتي البقرة وآل عمران -؛ لأنّ أسماء السور على أنواع، منها: اسم يَخُصُّ كل سورة {يخص السورة} وهناك أسماء تشترك في مجموعة من السور كما في المعوذات أو المعوذتين، وتسمية سورة آل عمران بإحدى الزهراوين يدل على أنّها سورة تحوي أنواراً، فهي تحملُ {الضياء} والنور والخير والهداية للعباد، سورة آل عمران سورة مدنية وهذا بالاتفاق، فلا خلاف بين أهل العلم ولا خلاف بين المفسرين؛ أنّ سورة آل عمران سورة مدنية ويشهد لذلك أنّ السورة الكريمة تحدثت في صدرها {بل ربا هذا الحديث ما يزيد عن هذا ثمانين آية} على قول عدد من المفسرين في الحديث عن نصارى نجران وما جرى من محاجة بينهم وبين رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم -فمِنْ أول السورة إلى أكثر من ثمانين آية حديثٌ عن وفد نصارى نجران. وقال بعضهم: بل قرابة إلى مائة وعشرين آية إلى قوله ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قالوا الحديث كله عن ذلك ثمّ أيضًا سورة آل عمران تحدثت عن غزوتي بدر وأُحُد، وبدر في الثانية من الهجرة وأُحد في الثالثة من الهجرة فهي سورة مدنية باتفاق.

قالوا {سُمِّيت سورة آل عمران لذكر آل عمران فيها في الآية الثالثة والثلاثين من السورة} {﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾} فسُمِّيتْ بسورة آل عمران، لكن تقدّم أنّ وراء التسمية سراً؛ فإنّ هناك علاقة بين اسم السورة ومقصودها على ما قرَّرَه بعض المحققين من أهل العلم قالوا: إنّ اسم السورة مُنْبِيءٌ عن مقصودها، لكن قد يكون الإنباء ظاهراً، وقد يكون فيه نوعٌ من الخفاء.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا من مقاصد السورة {إثبات أنّ دين الإسلام هو الحق رداً على شبهات أهل الكتاب وتثبيتاً للمؤمنين} وهذا جيدٌ وحسنٌ منهم فهم من خلال هذه الجملة جمعوا بين مقاصد متعددة تحويها سورة آل عمران {إثبات أنّ دين الإسلام هو الحق} ولذلك تكرر ذكر الإسلام في هذه السورة: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ وقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ وجاءت المادة أيضاً: باشتقاقاتها: ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾.

وفيها الرد على شبهات أهل الكتاب -لاسيما ما كان من النصارى – من دعواهم أنّ عيسى: أنه الله أو أنّ عيسى ثالثُ ثلاثة، فردت عليهم هذه السورة الكريمة رداً واضحاً وجلياً وظاهراً، وناسب هذا أن ينزل أو أن تنزل هذه الآيات:::: في وجود أو عند مجيء وفد نصارى نجران مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ولذلك ذُكر في السورة أيضًا ذكر المحاجة {فَإِنۡ ‌حَآجُّوكَ} {‌فَمَنۡ ‌حَآجَّكَ فِيهِ} {‌لِمَ ‌تُحَآجُّونَ} كل هذا في هذه السورة الجليلة الكريمة؛ بل إنّ فيها آية عظيمة وجليلة، تُبِيِّن ضلال النصارى وأنهم على باطل فيما يذهبون إليه، قال الله {﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾} وعيسى ابن مريم ومريم من آل عمران. فهذا مناسب لتسمية السورة: بـ {سورة آل عمران}، ولم يقُل سورة عيسى عليه السلام على أنّ الاسم توقيفي، بل الاسم التوقيفي هو المشهور هو اسمه: سورة آل عمران؛ لأنّ أمر آل عمران أشمل ففيه أيضًا قصة امرأة عمران. وفيها أيضاً: قصة زكريا -عليه السلام – وكل هذه آية من آيات الله تدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وهذا مناسب لـتوحيد الله والرد على خصوم التوحيد من المشركين ومن أهل الكتاب.

قال {وتثبيتا للمؤمنين} أي: هذه السورة فيها تثبيت للمؤمنين، لذلك ذهب بعضهم إلى أنّ مقصود السورة الكلي الثبات على الإيمان أو الثبات على التوحيد أو الثبات على الهداية.

إذا أردنا أن نُفّصِّلَ بعض القول في مقصود السورة الكريمة: وقد قلتُ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ بما أنّ هذا مما نَعْتَني به في التعليق على هذا المختصر لا سيما في مثل هذه السور الطويلة التي نعيش معها مدة حتى يكون هذا عوناً لنا على فهم السورة الكريمة، ونسأل الله السداد والإخلاص فنقول إنّ: العلماء حينما يتكلمون عن مقصود سورة آل عمران فإنّ لهم في ذلك أقوالاً متعددة ولا تنافي بينها ولا تناقض فإنَّ أقوالهم يتعانق بعضها مع بعض ويؤيد بعضها بعضاً، وإذا كان أهل العلم قد قالوا: إنّ النكات لا تتزاحم فكذا المناسبات والمقاصد إذا دلّ عليها الدليل لا تتزاحم بل هي مقبولة.

فمن قائل يقول: إنّ مقصود سورة آل عمران تقرير قضية التوحيد، إنّ مقصود سورة آل عمران البارز أو الأبرز: تقريرُ قضية التوحيد وإبطال التنديد، وبناء عليه فالسورة تُعنَى أو اهتمت وكان مقصودها الأكبر تقرير التوحيد والرد على من زعم خلاف ذلك، وهذا ظاهر من صدر السورة، ثمَّ في أثناء السورة إلى انتهائها أو إلى نهايتها. فأنتَ في أول السورة تقرأ بعد: {الٓمٓ} {ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إلّا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} تأمل {ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إلّا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ}

في سورة البقرة: اتفقت السورتان في أنّ الله افتتحهما بالحروف المقطّعة {الٓمٓ} لكن بعد ذلك؛ ذكر في سورة البقرة الحديث عن الكتاب ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ثمّ بين أصناف الناس؛ أمّا هنا في سورة آل عمران ذكر من أنزل الكتاب؟ فذكر بعض صفات من أنزل الكتاب، ومن أنزل الكتب السماوية فقال ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ﴾ فإذا كانت سورة البقرة تحدثت وعرفتنا بالكتاب، فسورة آل عمران تعرفنا بمنزل الكتاب ولا يعني ذلك أنّ سورة البقرة خلت من التوحيد، ليختم فيها حديثاً واضحاً كما تقدم وأول نداء في سورة البقرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21) [البقرة: 21] ثم جاء تجلية هذا وإيضاحه والرد على شبهات المعاندين والمعارضين لقضية التوحيد في سورة آل عمران، وذكر الله سبحانه وتعالى أسماء ثلاثة من أسمائه، هذه الأسماء الثلاثة تضيء لنا الطريق، وتقطع على كل صاحب شبهة شبهته وتستأصلها وتجتثها وتجتذها من جذورها؛ فلا يكون لها أثر ولا عين ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ الله هو الله وحده سبحانه كاملة وهو الحي حياة كاملة وأنتم تزعمون أن عيسى قتل وصلب ومع أننا لا نقر بهذا وإنما نقول إنهم ما قتلوه كما قال {‌وما ‌قتلوه وما صلبوه} لكن إذا كنتم تقولون ذلك فعندكم تناقض كيف يكون هذا إلهاً؟ والإله حي، ثم الإله: قيوم قائم بنفسه مستغن عن خلقه وهو المقيم لغيره فخلقه بحاجة إليه؛ فأين عيسى حينما وقع له من وقع ولم لم يدفع عنه ما أرادوا به؟ قولوا كما تزعمون! فالله: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ وإذا كان قائماً بنفس مقيماً لغيره فلا يحتاج إلى ولد ولا يكون له ند ولا يكون له نظير ولا كفؤ -سبحانه وتعالى -

ثم تمضي الآيات الكريمة، وفيها تقرير هذه القاعدة العظيمة تقرير قضية التوحيد، لذلك إذا تأملت في سورة آل عمران تجد ذكر {الله} كثيراً جداً في السورة وذكر {لا إله إلا هو}؛ بل إنّ الآية الفذة الجليلة العظيمة التي فيها شهادة الله على أجلّ مشهود وهو التوحيد هي في سورة آل عمران {﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾} بل إنّ قوله ﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ تكرر في الآية مرتين ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ثم قال في آخرها {لآ إله إلّا هو ٱلعزيز ٱلحكيم} فهذا في سورة آل عمران واضحٌ جداً، تقدم أيضًا أنّ فيها قوله – سبحانه -{﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾}

تحليل مقارن وربط بين السور

بل إنّك حينما تتأمل قصة زكريا -عليه السلام -، وما تعلق به من دعاء وما حدث له من آية أو من آيات إذا عقدت مقارنة بين آيات سورة آل عمران وسورة مريم تجد الفرق واضحاً وظاهراً فسورة مريم كما قرر العلماء مقصودها بيان شمول رحمة الله سبحانه. لذلك في سورة مريم تكرر ذكر {الرحمن} كثيراً جداً، في سورة مريم تجد {الرحمن} متكررة؛ لأنّ مقصود السورة ذلك في سورة مريم تكرر ذكر الرحمة في أولها ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾ لكن في سورة آل عمران الحديث عن الألوهية، لذلك حينما قال زكريا ما قال، قال الله {‌قال ‌كذلك ‌ٱللّه ‌يفعل ما يشآء} هناك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ {ربك وهنا قال الله} وأيضاً في قصة مريم {قال كذلك ٱللّه يخلق ما يشآء إذا قضىٓ أمرٗا فإنّما يقول له كن فيكون} فذكر الله سبحانه ما يتعلق بذلك أيضًا في شأن مريم -عليها السلام -{قال ‌كذلك ‌ٱللّه ‌يخلق ما يشآء} فذكر الإلهية: {الله يخلق} وأيضاً بعد أنّ ذكر الله المحاجة قال {﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾} ذكر الإلهية متكرر جداً في باب المحاجة والرد على الخصوم، وبيان أنّ الله هو الإله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له لذلك قال بعضهم هذا مقصود السورة: تقرير قضية التوحيد؛ وكأن سورة البقرة كما قلت ذكرت الهداية والمنهج ثم بدأت سورة آل عمران تؤسس لأصول الاعتقاد، فأسست لقضية التوحيد وردت على كل الشبهات؛ ولذلك ذكرت الخصومات والردّ عليها من المحاجة؛ بل إنّ الله سبحانه وتعالى ذكر لنا فريقين قد يصدان الناس عن التوحيد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ وقال بعدها ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ﴾ (آل عمران: 150) تقرير لهذه القضية لا أريد أن أطيل كثيراً وإلا فالمقام يتسع وهذا باب عظيم وفسيح كما تقدّم التنبيه عليه.

هناك فريق من أهل العلم يقولون: سورة آل عمران مقصودها الأعظم ليس الحديث عن التوحيد فقط: لأنّ الحديث عن التوحيد تشترك فيه سور كثيرة، فسور القرآن الكريم تعنى بقضايا عظيمة وتقدم معنا أنّ السور المكية تعالج أصولاً ثلاثة عظيمة: التوحيد والنبوة أو الرسالة وقضية البعث، لكنكم تذكرون ونحن نفسر بعض السور كالحواميم، وكذلك بعض السور الأخرى التي سبقتها، والتي تلتها أو تبعتها كنا نقول: إن هذه السورة تعنى بقضية النبوة أكثر. أو تعنى بقضية البعث أكثر وما إلى ذلك، فقالوا كذلك سورة آل عمران فيها حديث عن التوحيد، ولكن من زاوية {وهي زاوية الثبات على التوحيد} ليس التوحيد وفقط. وإنّما الثبات على الهداية، الثبات على الإيمان؛ فإذا كانت سورة البقرة قد أرست الأساس فجاءت سورة آل عمران لتثبت هذا الأساس فكأننا نقول {سورة البقرة هدت وسورة آل عمران ثبتت} كيف ذلك؟

حينما نفتح سورة آل عمران وننظر في: طريقة حديثها عن الثبات نجد أمراً عجيباً وظاهراً وبادياً فمن أوائل آيات السورة ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ قال الله فيها {وٱلرّسخون في ٱلعلم يقولون ءامنّا به كلّٞ مّن عند ربّنا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وهب لنا من لّدنك رحمة إنّك أنت ٱلوهّاب} الراسخ: الثابت، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ في أول أدعية السورة ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إذاً معناه: أثبت على التوحيد، إياك أن يشتبه عليك الأمر، إياك أن يختلط عليك الأمر، اثبتوا يا أهل التوحيد أنتم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾؛ ثم إننا نقول: ما الذي يصد المهتدي عن الهدى؟ ما الذي يمنع الإنسان من الثبات على الهداية؟ ما الصوارف التي تصرف الإنسان عن الثبات؟ إنها الفتن: فتن الشبهات وفتن الشهوات، ففي قوله -سبحانه وتعالى -{فأمّا ٱلّذين في قلوبهم زيغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبتغآء ٱلفتنة وٱبتغآء تأويله} هذه فتنة الشبهات وقوله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ فهذه فتن الشهوات. وفتن الشهوات لها ذكر في الآيات أيضًا ولذلك ذكرنا الله بما جرى في بدر ووقع في أحد {‌منكم ‌مّن ‌يريد ٱلدّنيا ‌ومنكم ‌مّن ‌يريد ٱلأٓخرة } يبيّن لنا وأيضاً مما يفتن الإنسان ويصدّه عن الثبات: الشيطان، لذلك قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وأيضاً قد يفتن الإنسان بسبب النفس الأمارة أو النفس التي وقعت في المعصية فغرته نفسه قال {﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾} وفي آخر السورة ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ (آل عمران: 196) عدم الاغترار، إذاً السورة تذكر لنا وسائل الثبات وتذكر لنا الصوارف عن الثبات.

من أعظم ما يعين العبد على الثبات ماذا؟ الصبر والتقوى، الذي يثبت العبد الصبر: أن يصبر على طاعة الله وعن معصية الله، وأن يصبر على المصائب {الصبر والتقوى} وهذا ظاهر جداً في السورة ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ الآية {وإن ‌تصبروا ‌وتتّقوا لا يضرّكم كيدهم شيـًٔا} {وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من ‌عزم ‌ٱلأمور} وفي ختام السورة {﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾} ينهانا الله عن الإعجاب بالنفس ويبين لنا أن الله ناصر عباده وأولياءه {﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾} ثم بعدها يذكر {الربا} وهو زيادة في الأموال ممحوقة لا بركة فيها، وقلة في العدد مباركة في غزوة بدر كل هذا من أعون ما يكون للعبد على الثبات على دين الله.

مما يعين العبد على الثبات الدعاء لذلك في أوائل السورة ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ كما تقدّم، وفي أواخر السورة دعوات أولي الألباب {﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾} ثبتنا حتى تتوفانا مع الأبرار، وأيضاً قوله {﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾} هذا ثباتٌ على دين الله؛ بل إن شئت فقل: ثباتٌ في الداخل وفي الخارج.

ثبات في الداخل: ثبات في طاعة الله وكبح لجماح النفس.

وثبات أمام الأعداء، وثبات أمام الخصوم من النصارى وشبهاتهم {﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾} الثبات على المبدأ وعلى الاعتقاد، وثبات في القتال، ثم النصر في بدر وحذرنا الله مما وقع فيه البعض في غزوة أحد، إذاً ثبات مع الأعداء ثبات في المناظرة والمحاجات كلّ هذا تدعون إليه هذه السورة الجليلة الكريمة سورة آل عمران.

كذلك إن شئت فقل: إن هذه السورة الكريمة سميت بسورة آل عمران فيها قصة امرأة عمران حينما قالت {﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾} وجه ذلك أنها ثابتة، مثال للمرأة الثابتة التي لا تتغير رزقت بالذكر رزقت بأنثى هي ثابتة قد نذرتها وأوقفتها لله فليبقى الأمر على ما هو عليه، هذا من الثبات فناسب هذا أن يقال سورة آل عمران.

من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنّ مقصود السورة: قضية الاصطفاء. قضية الاصطفاء سورة آل عمران تتحدث عن الاصطفاء لم؟ سورة البقرة في صدرها حديث عن المصطفين {عن المتقين} {هدٗى لّلمتّقين ٱلّذين يؤمنون بٱلغيب} ثمّ في ختام السورة حديث عن من؟ عن المتقين كل ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ ذكر صفات هؤلاء المؤمنين، ثم جاءت سورة آل عمران لتقرر أحوال هؤلاء المصطفين، وأعظمهم وأجلهم أنبياء الله ورسله، لذلك جاء في السورة عن الاصطفاء: قال {﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾} فناسب أن نقول آل عمران لأنّ آل عمران حديثهم كثير في السورة، حديث عن امرأة عمران حديث عن زكريا ويحيى وعيسى ومريم – عليهم السلام -{يمريم إنّ ٱللّه ‌ٱصطفىك وطهّرك ‌وٱصطفىك على نسآء ٱلعلمين} بل إنّ الله ذكر خيرية الأمة في هذه السورة فقال ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ هذا في السورة. إذاً ذكر الله الاصطفاء وقواعد الاصطفاء من الإيمان والثبات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ وكذلك قال الله في السورة ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا هو الاصطفاء {ولكنّ ٱللّه يجتبي من رّسله من يشآء فـٔامنوا بٱللّه ورسله} وهكذا هذه بعض مقاصد هذه السورة الجليلة.

ترون يا أيها الإخوة الكرام: أنّ كل مقصد من هذه المقاصد إذا نظر الإنسان فيه يجد أنّ السورة تدور حوله أو تتحدث عنه، وهذا من كنوز القرآن التي لا تنقطع. ومما يفتح الآفاق أمام العبد في تدبره للقرآن الكريم وتجد كما قلت صلة وثيقة جداً بين سورة البقرة وآل عمران؛ وإذا كانت سورة الفاتحة لنعود إلى الفاتحة وهي أم القرآن فيها {﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾} فالحديث عن المنعم عليهم جاء في البقرة وجاء في آل عمران هم النصارى، ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود وقد كثر ذكرهم في سورة البقرة {ولا ٱلضّآلّين} كثر ذكرهم في سورة آل عمران فكان لسورة البقرة النصيب الأوفى فيما يتعلق باليهود ولسورة آل عمران نصيبٌ كبيرٌ فيما يتعلق بالنصارى، وهذا من المناسبات بين السور أيضًا إلى غير ذلك مما هو كثيرٌ في هذا الباب، ونكتفي بهذا ونشرع على بركة الله في تفسير السورة المباركة.

قال الشيخ حفظه الله:

{الٓمٓ ١ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتّورىة وٱلإنجيل ٣ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وأنزل ٱلفرقان إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤}

تقدم الحديث عنها في نظائرها {الٓمٓ} من الحروف المقطعة التي يأتي بعدها غالباً الحديث عن القرآن الكريم أو ما يتعلق به، وهنا جاء الحديث عن رب العزة وعن بعض أوصافه ثم بعدها قال ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ جاء حديث عن القرآن أيضاً، وأنّ الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم.

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ تقدم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام في الحديث عن مقصود السورة منذ قليل أن هذا جعل بعض العلماء يقول: إن مقصود السورة الكريمة الحديث عن قضية التوحيد وتقريرها وذلك أن افتتاح السورة ينبئ عن مقصودها، تقدّم معنا أنّ الإنسان يصل إلى مقصود السورة بعدة وسائل، منها اسم السورة ومنها استفتاح السورة، الحي: حياة كاملة -سبحانه وتعالى -، لم تستبق بعدم ولا يلحقها فناء {ٱلقيّوم} القائم بنفسه المقيم لغيره، ولذلك قالوا هنا في المختصر ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: 33) كما قال الله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: 33) [الرعد: 33] وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ اسم الله الأعظم هو ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: 33) واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة، وذهب آخرون إلى أقوال أخرى استناداً إلى بعض الأحاديث، وقد تحدثت عن هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

على كل حالٍ: فقوله ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ أيضًا مضى قريب في سورة البقرة في آية الكرسي، ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ لكن هناك هذه الجملة جزء من الآية وهنا آية كاملة ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ آية تامة.

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده، فمن قيامه على خلقه أنّه يصلح شؤونهم ويدبر أمورهم، ويبين لهم ما يصلحهم في أمر دينهم بإنزال الكتب ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ أي: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ التي تقدمته، ومعنى كونه مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: أنّه موافق لها، لا ينقضها وإنما يوافقها، فهي متفقة في الأصول كما هو معروف، لا يكذّب بعضها بعضاً وأيضاً هي بشّرت به وأخبرت عنه فمجيء القرآن تصديق لهذه الكتب لأنّه لو لم يجيء القرآن حينئذ يكون كيف ذلك؟ أو يكون هناك كذب؛ لأنّها أخبرت بأن هناك نبياً سيرسله الله في آخر الزمان؛ وأنّ هناك كتاباً ينزل عليه فمجيء القرآن تصديق لهذه الكتب قال ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ فذكر الله التوراة وذكر القرآن وذكر الإنجيل، التوراة المنزلة على موسى -عليه السلام -والإنجيل المنزّل على عيسى -عليه السلام -﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ فالكتب كلها -أعني الكتب المنزلة -من عند الله كتب هداية، وأنزل الفرقان، هنا لما ذكر الله القرآن قال {نزّل} ولما ذكر التوراة والإنجيل قال {أنزل} فبعض العلماء استفاد من ذلك أنّ {نزل} تدل على معنى التدرج فالقرآن نزل مفرّقاً منجّماً وأما {أنزل} لأنَّها نزلت جملة واحدة وفي هذا تفصيل معروف في علوم القرآن الكريم.

قال الله {وأنزل ٱلفرقان} اختلفوا في معنى الفرقان، هنا قالوا في التفسير {وأتزل الفرقان الذي يعرف به الحق من الباطل والهدى من الضلال} ﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ (آل عمران: 197) فالفرقان هنا عام، كل ما يفرق به بين الحق والباطل؛ أنزل الله الفرقان الفارق بين الحق والباطل، ﴿لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 198) وبعضهم قال {وأنزل ٱلفرقان} أي: القرآن، فذكر الله القرآن في البداية وختم به، وسماه في أول الأمر كتاباً وسماه في آخره فرقاناً كما قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 199) وقال آخرون {وأنزل ٱلفرقان} من المعجزات الفارقة بين الحق والباطل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200) أو أنها الكتب السماوية فبعدما خصّص عمّم أي: وأنزل الكتب الفارقة بين الحق والباطل {5} قال بعضهم المراد به الزبور المنزل على داود عليه السلام. أقوال للمفسرين في ذلك.

قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ تحذير من الكفر به سبحانه وتعالى.

﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 6) فمن أوصاف الله أنه لا يخفى عليه أي شيء، والذي يصوركم في الأرحام ردٌ على دعواهم أنّ عيسى ابن لله أو أنّه ثالث ثلاثة.

{﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾} فهو الذي صوّر عيسى -عليه السلام -وهو الذي خلقه بدون أب، وهذا يعني أنّه – سبحانه -هو الإله الواحد؛ وأمّا عيسى فهو عبد الله ورسوله، وليس إلهاً ولا ابنا للإله {﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾} تقدم أنّ هذه الآيات الكريمة نزلت في وفد نصارى نجران حينما جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -ففيها ردٌ على شبهات النصارى من دعواهم أنّ عيسى ابن لله أو أنّه ثالث ثلاثة.

قال الله سبحانه {﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ٧} هذا فيه ذكر للإحكام والتشابه والقرآن الكريم وصف بأنّه محكمٌ كله ووصف بأنّه متشابه كله، ووصف بأنّ منه المحكم ومنه المتشابه، فهذه الآية التي معنا آية سورة آل عمران فيها تقسيم القرآن إلى قسمين: -

إلى قسم محكم وهو الأكثر والأغلب، وإلى قسم متشابه قال الله -سبحانه -{منه} يعني بعض آياته {مّحكمتٌ هنّ أمّ ٱلكتب} يعني: معظم الكتاب وأكثره أغلبه، والمرجع إلى أم الكتاب؛ لأنّه الأم، والأم يرجع إليها، والمعنى: أنّنا في المتشابه نرجع إلى المحكم، ولذلك قالوا: يردّ المتشابه إلى المحكم، لكن قال {وأخر متشبهتٞ} إذاً هذا فيه تقسيم القرآن إلى محكمٍ ومتشابه، وقال الله في صدر سورة هود -عليه السلام -﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فذكر أنّ القرآن محكمٌ من آيات القرآن محكمة، لم يذكر فيها القسمين؛ ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر الإحكام، وقال في سورة الزمر ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ فجعل كتابه متشابهاً، فالقرآن محكمٌ كله باعتبار ومتشابه كله باعتبار كما قال الله ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ ومنه محكم ومنه متشابه كما في هذه الآية الكريمة آية سورة آل عمران، قال بعضهم: القرآن الكريم كله محكم: فالقرآن متقن كله باعتبار إتقانه {القرآن متقنٌ} وهذا معنى الإحكام: الإتقان والجودة في نظمه وأسلوبه وما إلى ذلك. والقرآن كله متشابه: أي يشبه بعضه بعضاً في الجودة وفي العظمة وفي الجلال وأيضاً في المعاني، فالقرآن تتكرر فيه المواعظ والأوامر والنواهي وما إلى ذلك والقرآن منه محكم ومنه متشابه: أي منه واضح الدلالة ومنه غامض الدلالة.

فالمحكم معناه الظاهر، أي ظاهر في دلالته بالمعنى الواسع الأعمّ؛ وإلا فإطلاق الظاهر عند الأصوليين له مفهومه كما هو معروف فمعنى المحكم هنا ما هو أوسع دائرة مما يذكره أهل الأصول لا سيما من الحنفية الذين لهم اصطلاح خاص في تعريف المحكم فهنا قال {منه ءأيتٞ ‌مّحكمتٌ} ظاهرات واضحة لا لبس فيها {وأخر متشبهتٞ} أي: فيها خفاء لا يعرفها كثير من الناس، يجهلها البعض أو يجهلها كثير من الناس ويعرفها أهل العلم. إذاً ما معنى {منه ءأيتٞ ‌مّحكمتٌ} يعني ظاهرات في معناها واضحات {وأخر متشبهتٞ} قالوا هنا في المختصر {محتملة لأكثر من معنى يلتبس معناها على أكثر الناس} {فأمّا ٱلّذين في قلوبهم زيغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبتغآء ٱلفتنة وٱبتغآء تأويله} ﴿ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: ميل عن الحق يتركون المحكم ويذهبون إلى المتشابه والذي يحتمل أكثر من معنى {فيتّبعون ما تشبه منه} فيقعون في فتنة الشبهة بسبب ذلك {ٱبتغآء ٱلفتنة وٱبتغآء تأويله} ليس لديهم قصد حسن وإنما ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله: أي: تأويله على معنى غير صحيح {وما يعلم تأويلهٓ إلّا ٱللّه وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامنّا به كلّٞ مّن عند ربّنا وما يذّكّر إلّآ أولوا ٱلألبب} قوله هنا ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ هل يوقف على قوله {إلا الله} أم توصل الآية؟ {وما يعلم تأويلهٓ إلّا ٱللّه وٱلرّسخون في ٱلعلم} هذا يترتب عليه تفسير التأويل.

فقد نقل بعضهم أنّ الجمهور يرون الوقف على قوله {إلا الله} ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ فما الذي لا يعلمه إلا الله؟ قالوا: حقائق الأشياء التي تؤول إليها، ولذلك قالوا هنا في التفسير أي {ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات وعاقبتها التي تؤول إليها إلا الله} أو لا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات وعاقبتها التي تؤول إليها إلا الله؛ الله هو الذي يعلم حقائق الأشياء التي تؤول إليها، فيعلم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تقع الساعة أو يعلم كيفيات صفاته -سبحانه وتعالى -كيف صفات الله -سبحانه وتعالى – فالله سبحانه أخبرنا عن صفاته؟ لكن كيفياتها لا نعلمها فقال ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ولذلك قالوا هذا من المتشابه الحقيقي.

ولذلك التشابه على نوعين: هناك تشابه حقيقي: لا يعلمه أحد، وهناك تشابه نسبي: يعرفه بعض دون بعض، تشابه على عوام الناس لكن يعرفه العلماء بما أوتوا من علم، وإدراك لأسباب الترجيح في التفسير وما إلى ذلك فقوله ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ حقائق الأشياء لا يعلمها إلا الله ويشهد لهذا المعنى أنّ الله قال بعدها {وٱلرّسخون في ٱلعلم يقولون} قالوا لو كان قوله {وٱلرّسخون في ٱلعلم} معطوفا لقيل {وما يعلم تأويله إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ ويقولون}؛ لكن قال يقولون فهو إخبارٌ لقوله والراسخون في العلم فهي جملة مستأنفة.

ومن أهل العلم من قال بالعطف فقالوا التأويل معناه التفسير أي: وما يعلمه تفسيره ﴿إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ﴾؛ لأنّ الراسخين في العلم يعلمونه أيضًا فيكون التأويل هنا بمعنى التفسير.

على كل حال ما هنا في الكتاب هو ما عليه الأكثرون أو الجمهور من أنّ التأويل لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى -وقالوا هذا هو الكثير في القرآن الكريم، إذا ذكر الله النفي والاستثناء في حقه فإنّه لا يعطف عليه -سبحانه وتعالى -أحد معه. قال الله سبحانه {‌﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ‌لّا ‌يعلم ‌من في ٱلسّموت وٱلأرض ٱلغيب إلّا ٱللّه} قال الله -سبحانه -{‌وٱلرّسخون في ٱلعلم يقولون ءامنّا به كلّٞ مّن عند ربّنا وما يذّكّر إلّآ أولوا ٱلألبب} الآية وهذا فيه أننا نتعامل مع المتشابه هكذا بالتسليم لله سبحانه هكذا، فنفوض أمره إلى الله -سبحانه وتعالى -لا يعلم الكيفيات إلا الله، فلذلك أمره موكول إلى الله -عز وجل -﴿أَنَّمَا﴾ نتكلم فيما أخبرنا الله به، وما لم يخبرنا ربنا -سبحانه وتعالى -عنه فإنّنا نسلّم أمره إلى الله قال {وما يذّكّر إلّآ أولوا ٱلألبب}

﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 9)

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ دعاءٌ بالثبات على الهداية، وقد تقدم أنّ هذا أحد مقاصد هذه السورة الكريمة ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ لا تمل قلوبنا بعد الهداية، بل ثبتنا ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ وهذا مناسب لقوله {وهب} فقال {وهب} ثم قال {إنّك أنت ٱلوهّاب} مناسبة بين الدعاء بأن يستعمل المسلم في دعائه من أسماء الله الحسنى ما يناسب دعاءه {‌وتب ‌علينآ إنّك أنت ٱلتّوّاب ٱلرّحيم} وهنا قال ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ ثم قال ربنا {﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾} وتأملوا هنا ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ غالب ما ذكر فيه {ربنا} نداء لله يتلوه دعاء لكن هنا ما جاء دعاء صريح ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ قبلها دعاء واضح ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذا دعاء لكن هنا إخبار {﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾} لكن قال بعضهم يمكن أن يتضمن دعاءً، وكأنّ المعنى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ فلا تزغ قلوبنا حتى نموت على الهداية يا ربنا؛ كأنّك تقول: يا رب اجمعنا على الثبات على هدايتك. وفيه أيضًا تحذير من ترك الهداية {﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾} نعم.

• أقام الله الحجة وقطع العذر عن الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب التي تهدي للحق وتحذر من الباطل.

• كمال علم الله تعالى وإحاطته بخلقه، فلا يغيب عنه شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ، سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا.

• أقام الله الحجة وقطع العذر عن الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب التي تهدي للحق وتحذر من الباطل.

• كمال علم الله تعالى وإحاطته بخلقه، فلا يغيب عنه شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ، سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا:: قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾

• من أصول أهل الإيمان الراسخين في العلم أن يفسروا ما تشابه من الآيات بما أحكم منها: ولذلك عندنا من القواعد، قواعد الراسخين في العلم القواعد الحقة: رد المتشابه إلى المحكم وهذا معنى {هنّ أمّ ٱلكتب} المرجع الذي يرجع إليه فما تشابه علينا رجعنا به إلى المحكم المتقرر المعلوم من الآيات الكثيرة.

• مشروعية دعاء الله تعالى وهذا واضح في الآيات، وكذلك وسؤاله الثبات ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، والرشد في الأمر، ولا سيما عند الفتن والأهواء.

وأذكّر بما نوهت عند الحديث عن مقاصد هذه السورة أنّه من المقاصد البارزة جداً في السورة مبدأ الثبات على الإيمان، الثبات على الهداية وهذا واضح من أول السورة هنا بذكر كلمة الراسخين {‌وٱلرّسخون في ٱلعلم} وأيضاً من ذكر: الدعاء ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وذكر الفتن كما قال الله – سبحانه -{فأمّا ٱلّذين في قلوبهم زيغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبتغآء ٱلفتنة وٱبتغآء تأويله} هذه فتن الشبهات ثم سيأتي بعد ذلك الحديث عن فتن الشهوات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ نعم.

قال الشيخ حفظه الله: قال الله سبحانه:

{إنّ ٱلّذين كفروا لن تغني عنهم أمولهم ولآ أولدهم مّن ٱللّه شيـٔٗا وأولٓئك هم وقود ٱلنّار ١٠ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١١}

إذا كانت هذه السورة الكريمة تتحدث عن المؤمنين وتدعوهم إلى الثبات؛ فإنها كذلك تندّد بالكافرين وتبين أنّ عاقبتهم وخيمة، لذلك في صدر السورة {إنّ ٱلّذين كفروا بـٔأيت ٱللّه لهم عذابٞ شديدٞ} وهنا جاء تقرير ذلك أيضًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ ومثل هذه الآية تكررت بعد ذلك ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (آل عمران: 116) وقوله هنا {‌لن ‌تغني} تأمل لم يقل {لن تدفع} لن تغني هي ليست مغنية لهم، وهذا مناسب لما ذكره الله من اسمه {القيوم}، فالقيوم هو المغني القانم بنفسه المقيم لغيره، فهؤلاء لم يتمسكوا بتعاليم القيوم، ولم يمتثلوا أمره ولم يوحدوه، فحينئذٍ ماذا يغني عنهم من مال أو ولد؟

قال الله ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾

{﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ ١٢ قد كان لكم ءأية ٞ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ ٞ تقتل في سبيل ٱللّه وأخرى كافرة ٞ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ ١٣}

{﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾} هذا تهديد ووعيد شديد لهم ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ فهي الخسارة في الدنيا ثم العذاب في الآخرة ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ دلالة وعبرة في فرقتين، يعني تحقق هذا: تحقق النصر للمؤمنين وهزيمة المشركين في غزوة بدر، ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ تأملوا أيضًا هذا من المناسبات بين فواتح السورة وما جاء بعد ذلك، فغزوة بدر جاء الحديث عنها. وسيأتينا كلام عنها بإذن الله {﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾} وهنا جاء تذكير بهذه الغزوة بشيء من الاختصار والإيجاز، ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ تأملوا هنا التعبير القرآني قال {فئة ٞ تقتل في سبيل ٱللّه وأخرى كافرة ٞ} هنا الأسلوب المشهور الذي يقول عنه علماء البلاغة: أسلوب الاحتباك، وقد تقدم التمثيل له ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وبيانه، ووجه ذلك هنا: أنّ الله قال {فئة ٞ تقتل في سبيل ٱللّه وأخرى كافرة ٞ} كان المتوقع في المقابلة أن يقال: ﴿فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ﴾ تقاتل في سبيل الطاغوت، لكن ما قال هذا قال: وفئة كافرة، وأيضاً: لم يقل {فئة مؤمنة وفئة كافرة} أو وأخرى كافرة. فعلم المقدّر من المذكور في كلٍ ولذلك سماه بعضهم كالزركشي: بالحث المقابليّ، والمعنى: فئة مؤمنة ﴿تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ تقاتل في سبيل الطاغوت فاستغني بما ذكر عمّا قدّر وحذف، وهذا من جليل ما في القرآن الكريم من الإيجاز.

قال الله سبحانه ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ﴾ من الذين يرون؟ ومن الذين يرون؟ اختلف المفسرون في ذلك، والذي قالوه هنا في التفسير {يراهم المؤمنون ضعفيهم حقيقة رأي العين} يعني: أنّ أهل الإيمان يرون المشركين الكفار ضعفهم {ضعفيهم} رأي العين، وفي الواقع هم ثلاثة أضعاف فقد كان عدد المسلمين على الثلث بالنسبة لعدد المشركين، ومع ذلك فإنّهم لم يروهم إلا ضعفاً لهم كما قال الله {يرونهم مّثليهم} أي: ضعفيهم {رأي ٱلعين وٱللّه يؤيّد بنصره من يشآء} كما قال الله -سبحانه -﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ (الأنفال: 44) [الأنفال: 44]، هذا من تأييد الله أنّك ترى الجيش الذي وصل إلى ثلاثة أضعاف لا تراه إلا ضعفين، فيكون هذا أيسر، ولذلك من حكمة الله سبحانه وتيسيره في باب القتال بعد أن قال {إن يكن مّنكم عشرون صبرون ‌يغلبوا مائتين} قال بعدها ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ فصار هناك تخفيف، فالشخص يثبت أمام الواحد وأمام الاثنين {يرونهم ‌مّثليهم رأي ٱلعين} ومن أهل العلم من عكس؛ فقال: بل رأى الكفار المسلمين ضعفيهم، وعلى كل حال فالله سبحانه قد أيد عباده المؤمنين بجند العين كما أيدهم بالأمطار وبالنوم إلى غير ذلك من تأييدات عظيمة جرت في غزوة بدر {يوم الفرقان}.

قال الله -سبحانه -{وٱللّه يؤيّد بنصره من يشآء إنّ في ذلك لعبرة لّأولي ٱلأبصر} استفاد بعض العلماء من ذلك: الأخذ بالقياس، لأنّ الله ذكر العبر فنعبر مما ذكر إلى ما لم يذكر، {نعتبر} بمعنى: -نعبر نستفيد مما علم ومما سبق فيما سيأتي، فيقاس اللاحق على السابق ويقاس غير المعلوم على المعلوم.

{زيّن للنّاس حبّ ٱلشّهوت من ٱلنّسآء وٱلبنين وٱلقنطير ٱلمقنطرة مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وٱلأنعم وٱلحرث ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ١٤}

قال الله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ ها هو الحديث عن فتن الشهوات حتى نثبت ولا نغتر، تقدّم أنّ السورة تتحدث عن قضايا الثبات فهنا الثبات أمام فتن الشهوات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ﴾ قالوا هنا في المختصر {والأموال الكثيرة المجتمعة} وهذا معنى القناطير المقنطرة قال الله: ﴿مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ﴾ ما معنى المسومة؟ المعلّمة فيها سيما علامة -الحسان -قال {وٱلأنعم وٱلحرث} من الزرع، قال الله -سبحانه -{ذلك متع ٱلحيوة ٱلدّنيا وٱللّه عنده حسن ٱلمـٔاب} ثم قال:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 15)

{﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أؤنبّئكم بخيرٖ مّن ذلكم} فله متاع الدنيا، لكن هناك من هو خير ومن هو أعظم. {مّن ذلكم} أي مما ذكر من الشهوات، لكن لمن هذا الخير يا ربنا؟ من الذي يحظى به؟ ومن الذي يناله؟ {للّذين ٱتّقوا عند ربّهم جنّتٞ تجري من تحتها ٱلأنهر خلدين فيها وأزوجٞ مّطهّرة ٞ ورضونٞ مّن ٱللّه} مطهرة من كل سوء في خلقهنّ وأخلاقهن قال {ورضونٞ مّن ٱللّه} فرضوان من الله أعظم من هذا كما قال {‌ورضونٞ مّن ٱللّه أكبر} أسأل الله – سبحانه -أن يرضى عنا وأن يرضينا. قال {وٱللّه بصير بٱلعباد}.

• كل نعيم الدنيا ولذاتها قليل زائل، لا يقاس بما في الآخرة من النعيم العظيم الذي لا يزول.

قال الشيخ حفظه الله: [من فوائد الآيات]

• أن غرور الكفار بأموالهم وأولادهم لن يغنيهم يوم القيامة من عذاب الله تعالى إذا نزل بهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾

• النصر حقيقة لا يتعلق بمجرد العدد والعدة، وإنما بتأييد الله تعالى وعونه: ولذلك قال الله {وٱللّه يؤيّد بنصره من يشآء} وقال هناك {﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾} كانوا ضعافاً، وقال أيضًا ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: 26)

• زيّن الله تعالى للناس أنواعًا من شهوات الدنيا ليبتليهم، وليعلم تعالى من يقف عند حدوده ممن يتعداها: وذلك في قوله {‌زيّن ‌للنّاس} وعرف من ذلك {‌زيّن ‌للنّاس} يعني: -زين الله للناس على سبيل الابتلاء.

• كل نعيم الدنيا ولذاتها قليل زائل، لا يقاس بما في الآخرة من النعيم العظيم الذي لا يزول: ولذلك قال {ذلك متع ٱلحيوة ٱلدّنيا} أي: قليل {وٱللّه عنده ‌حسن ‌ٱلمـٔاب} ولذلك في آخر السورة أيضًا {﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾} نعم.

قال الشيخ حفظه الله:

﴿ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: 17)

قال الله -سبحانه -{﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾} هذا من تتمة أوصاف المتقين أهل الجنة، لذلك قالوا هنا في التفسير {أهل الجنة هؤلاء هم الذين يقولون في دعائهم لربهم: ربنا إننا آمنا بك}

لذلك قول الذين يقولون يمكن أن نقول: أنّه بدل من قوله {للّذين ٱتّقوا} أي: ﴿لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ الذين يقولون؛ أو: أنهم العباد الذين قال الله فيهم والله بصير بالعباد؛ أو أن المعنى: {هم الذين يقولون} يصف الله أهل الجنان من أهل التقوى جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ تأمل يتقربون إلى الله في دعائهم بسابق إيمانهم، {ربّنآ إنّنآ ءامنّا} ولذلك في آخر السورة ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ فالعبد يتقرب إلى الله بإيمانه بالله سبحانه ويتوسل إلى الله عز وجل به، وهذا فيه أيضاً: الدعوة إلى الثبات {ربّنآ إنّنآ ءامنّا فٱغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ٱلنّار} وقد تقدم يا أيها الإخوة الكرام في الحديث عن مقصود السورة أيضاً: أنّه من وسائل الثبات على دين الله لذلك كثر في هذه السورة في أولها وفي آخرها الحديث عن الدعاء، وذكر بعض الدعوات المباركة.

قال الله سبحانه ﴿ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾

دروس مشابهة