مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة المجادلة جزء 5 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 55 من 61 · 18 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأصلّي وأسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة المجادلة، وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾2 (المجادلة: 11).

وتعرّفنا، يا أيها الإخوة الكرام، على أن هذه الآية الكريمة تدلّ على رفعة أولي الإيمان وأن أهل العلم أعلى درجة ورفعة عند الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ العبد أن يرفعه الله عز وجل الدرجات فليُقبل على تعلّم أمر دينه؛ فمهما ازداد علمًا ازداد رفعةً وقربًا من الله سبحانه وتعالى؛ ولكن عليه ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يتعلّم أن يخلص في نيّته لله عز وجل وأن يكون هذا العلم الذي يتعلّمه علمًا نافعًا. فإذا رُزق العبد النيّة الصالحة والعلم النافع فهو على خير عظيم ولا ينقصه إلا أن يعمل بما علم فيجمع بين العلم النافع والعمل الصالح. وقد فسّر بعض العلماء قول الله عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ قالوا أي: بالعلم النافع والعمل الصالح؛ نسأل الله الكريم من فضله. ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾3 (المجادلة: 11)، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». فكثير من الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يلتفت إلى رفع الناس لبعض الناس وإن كانوا ليسوا ذوي قدر عند الله عز وجل؛ فيقال له: إن المرفوع حقًّا من رفعه الله والموضوع من وضعه الله والعزيز من أعزّه الله؛ والله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآ4ءُ﴾ (الحج: 18)؛ فإذا أهان الله عبدًا فلا يقدر أحد على إكرامه وإذا أكرم الله عبدًا فلا يقدر أحد على إهانته. ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾5 (المجادلة: 11). ويكفي العلماء أنهم ورثة الأنبياء؛ ويكفي العلماء أنَّهم أكثر الناس خشية لله عز وجل؛ ويكفيهم أن يرضى عنهم ربهم سبحانه وتعالى؛ وهم مفاتيح للخير بهذا العلم الذي يعلّمونه للناس؛ يُعرف الله ويُعبد ويُذكر ويُوحّد ويُشكر ويُمجّد؛ فبهذا العلم يتميّز الحلال من الحرام وتتّضح الأحكام. لذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب مرتين أو ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أو ما قارب في اليوم والليلة؛ فإذا طعم وجبتين أو ثلاثة فإنَّه بذلك يكتفي؛ وأما العلم فإنَّه يحتاج إليه بعدد أنفاسه؛ إذ لا يدري هذا النَّفَس الذي يخرج منه وتلك الكلمة التي يردّدها أتكون في ميزان حسناته أم تكون في ميزان سيئاته؛ وإنَّما الذي يبصّره بذلك هو العلم الصحيح. قال الله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾6 (المجادلة: 11).

ثم قال الله جل ذكره: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾7 (المجادلة: 12). ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾8910 (المجادلة: 13).

يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا: نداء بعد نداء ينادي الله عز وجل المؤمنين فيعلّمهم ماذا يصنعون إذا أرادوا مناجاة الرسول «صلى الله عليه وسلم». وأنت ترى أخي الكريم أن سورة المجادلة تحدّثت عن عدد من أنواع المناجاة؛ فهي ابتداءً بيّنت أن ما يتناجى به الناس ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ﴾ عز وجل وأن تلك المجادلة لما كلّمت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وأسرت إليه حديثها فإنَّ ذلك لم يخفَ على الله عز وجل؛ كذلك بيّن الله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾11 (المجادلة: 7)؛ كذلك نهى الله عز وجل عن تلك المناجاة التي يتناجى بها أهل النفاق إذ يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول؛ وعلّمنا ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ تناجينا أن نتناجى بالبرّ والتقوى وبما فيه خير وبركة. وكان من ضمن هذه التعاليم التي بيّنها الله في هاتين الآيتين الكريمتين وهما متعلّقتان بجناب رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: ﴿إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾12 (المجادلة: 12)؛ إن للرسول «صلى الله عليه وسلم» قدرًا عظيمًا عند الله سبحانه وتعالى؛ فالناس كانوا يُقبلون على الحديث معه ومناجاته وربما لا يراعون ظروفه وأحواله؛ فهذا يُقبل عليه وذاك يُقبل عليه وهذا يزاحمه وهذا يحدّثه؛ فأدّب الله الناس: إذا أرادوا أن يكلّموا رسول الله محمدًا «صلى الله عليه وسلم» فإنَّ الأمر يحتاج إلى تقدّمة ويحتاج إلى توطئة ويحتاج إلى تمهيد ويحتاج إلى تضحية؛ فإنَّ الحديث مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حديث ذو مكانة وذو جلال. فقال: ﴿إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ﴾13 (المجادلة: 12)، يعني: إذا أردتم أن تناجوا وتحدّثوا الرسول «صلى الله عليه وسلم» ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾14 (المجادلة: 12)؛ هذه الصدقة ليست لرسول الله «صلى الله عليه وسلم»؛ فالرسول لا يقبل من أحد صدقة؛ ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى: من أراد منكم أن يخاطب الرسول «صلى الله عليه وسلم» أن يناجيه فقبل أن يحدّثه يتصدّق بصدقة على الفقراء والمساكين فتكون هذه الصدقة طهارة لنفسه وتكون هذه الصدقة فيها تهذيب لنفسه؛ فإذا جاء ليتكلّم مع الرسول عليه الصلاة والسلام تأدّب من جهة واستفاد من الكلام الذي سيكلّمه به الرسول «صلى الله عليه وسلم» لأنَّ كلام الرسول دواء وشفاء. فأنت تريد أن تكلّم؛ إذًا استعدّ؛ يبقى أنت لازم يكون عندك استعداد؛ الاستعداد إنك أنت تتصدّق؛ فلما أنت تتصدّق نفسك تطهر؛ لأنَّ الإنسان حينما يتصدّق فإنَّ نفسه تطهر وتسخو؛ فحينئذ تُقبل على الرسول «صلى الله عليه وسلم» وأنت على طهارة نفس وطهارة قلب فتتأدّب في حديثك معه؛ وإذا نصحك وقدّم لك خيرًا فإنَّك تُقبل عليه وتتمسّك به. فقال: ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: 12) وذلك أيضًا حتى يعرف كل واحد منهم قدر تلك المناجاة التي يسّرها الله عز وجل لهم؛ وكم من عبد جاء بعد الرسول عليه الصلاة والسلام. وبعد هذا الجيل العظيم يودّ لو رأى رسول الله بنفسه وماله؛ فالحديث مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» له قدره وله مكانته. ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾15 (المجادلة: 12) ذلك أي: التصدّق تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» خير لكم عند الله أعظم ثوابًا وأعظم أجرًا وأطهر؛ أطهر لنفوسكم لقلوبكم لأخلاقكم. ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾16 (المجادلة: 12) فإنْ لم تجدوا ما تتصدّقون به فالله عز وجل غفور رحيم؛ أي: ناجوا الرسول عليه الصلاة والسلام ولا حرج عليكم؛ ففي ذلك فتح مجال لأهل الصفّة للفقراء أن يناجوا الرسول لا حرج عليهم ولا تفريط؛ بل هم سينتفعون بالصدقة التي ستُقدَّم لهم؛ فكان هذا خيرًا يلحق بأولئك الفقراء والمساكين؛ فقد كان أهل الصفّة يقيمون في مسجد رسول الله «صلى الله عليه وسلم»؛ فالواحد منهم ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يحدّث الرسول «صلى الله عليه وسلم» ناجاه دون أن يدفع صدقة لأنه لا يجد ما ينفقه؛ لكن غيره من أهل الغنى واليسار يتصدّق عليهم أولًا ثم يأتي ليحدّث الرسول «صلى الله عليه وسلم» أو ليناجي الرسول «صلى الله عليه وسلم». ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المجادلة: 12).

﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ﴾17 (المجادلة: 13) الذي عليه جمهور أهل العلم أن الآية الأولى نُسخت بهذه الآية الثانية وأن هذا الأمر كان على سبيل الإلزام وأنه كان يجب على من أراد أن يناجي رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أن يتصدّق بصدقة. ثم إن الله خفّف الحكم؛ فقال: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ (المجادلة: 13). وقال فريق من أهل العلم ليست الآية بمنسوخة؛ لأنَّ الآية من بداية الأمر لم تكن على سبيل الإيجاب والإلزام بدليل ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المجادلة: 12) فقد يسّر الله الأمر من البداية ولم يجعله على سبيل الإلزام ﴿أَنَّمَا﴾ كان ذلك متّصلاً بمن كان لديه غنى؛ ولكن يبقى الإشكال قائمًا: فماذا في حكم الأغنياء؟ هل بقي الحكم عليهم واجبًا؟ فالذي عليه الجماهير أن الأمر انتقل إلى الاستحباب وصارت الصدقة مستحبّة عند مناجاة رسول الله «صلى الله عليه وسلم». ومال فريق قليل من المفسّرين إلى أنه لا نسخ في الآية وإنَّما الآية تتحدّث عن شيء آخر؛ وهو أن بعض الصحابة من أصحاب الغنى والأموال كانوا لا يضنّون بمالهم ولا يبخلون على الإنفاق والتصدّق أبدًا ولكنهم قد يجدون حرجًا لأنَّ ليس في كل الأوقات يكون المال معهم؛ وهم كانوا يناجون الرسول كثيرًا أنهم يجدون الرسول في كل صلاة فيسألونه ويتقرّبون منه؛ فهذا معنى ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ﴾ (المجادلة: 13)، يعني: وقع منكم الإشفاق: ماذا نصنع إذا لم يكن لدينا مال في هذا الوقت؟ ونحن نحبّ أن نناجي الرسول عليه الصلاة والسلام. ولذلك جاءت «صدقات» بالجمع هنا: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ﴾ صَدَقَٰتٍ ليست صدقة واحدة لأنَّها مناجاة متكرّرة؛ فهم يرونه في كل صلاة؛ وقد كان الصحب الكرام رضي الله عنهم يحرصون حرصًا شديدًا على أن يكونوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حتى إن الرجل — كما هو معروف في القصة الشهيرة — حينما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إنني أكون معك فأراك وأنظر إليك فإذا رجعت إلى بيتي أو منزلي تذكّرت حالي وحالك فأعرف أنك إذا متَّ رُفعت مع النبيين وأنا إذًا متّ لا أدري إلى أين أصير فيشقّ عليه: هل سأراك بعد ذلك؟ فأنزل الله قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾18 (النساء: 69). فقال: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟﴾ (المجادلة: 13) لأنَّ الأمر قد يشقّ عليكم ولا تجدون ما تنفقونه في بعض الأحوال؛ أيّاً ما كان الأمر فالحكم صار مخفّفاً ولم يصر على سبيل الإيجاب والإلزام وإنَّما كان هذا على سبيل الاستحباب؛ ولأن المقصود الأعظم هو توقير رسول الله «صلى الله عليه وسلم»؛ يعني: قضية الصدقة حتى وإن أُلغي وجوبها على قول الكثيرين لكن المراد: إذا ناجيتم الرسول فتأدّبوا معه؛ اعلموا مع من تتحدّثون مع من تناجون؛ ولذلك كان الصحب الكرام رضي الله عنهم يتأدّبون مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فلا يرفعون صوتهم عليه ويقولون له: يا رسول الله يا نبي الله لا يقولون له: يا محمد؛ لأنَّ الله نهاهم عن ذلك: ﴿لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ وقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾19 (الحجرات: 2).

﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ﴾ (المجادلة: 13) وأمَّا ما ورد من أنَّ الصحابة لم يقوموا بذلك ولم يقم بذلك إلا علي رضي الله عنه. فهذا لم يثبت به سند؛ والصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على امتثال أمر الله سبحانه وتعالى؛ لكن قيل إن هذا الحكم لم يستمرّ كثيرًا لكن كان المراد منه تعليمهم توقير الرسول. إذا لم تكونوا من المتصدّقين فلا أقلّ من أن تكونوا من المزكّين؛ لأنَّ الزكاة فرض والزكاة واجبة؛ فإذا لم تتمكن من الصدقة الدائمة — وهذه الصدقة كانت يومية أنَّهم سيناجون الرسول كل يوم فكل من أراد المناجاة سيتصدّق وهذا يتصدّق فينفتح كثير من أبواب الخير — فلا أقلّ من أن تقدّم الزكاة وأن تصلّي لله رب العالمين؛ وكأن الذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة يستقيم حاله فيستمع إلى مواعظ الرسول عليه الصلاة والسلام فيتلقّاها بالقبول. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾20 (المجادلة: 13) خفّف عنكم ﴿فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾21 (المجادلة: 13)، فهذا هو المقصود العظيم؛ وأطيعوا الله ورسوله؛ فبطاعة الله وبطاعة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تستقيم أحوالكم. ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾22 (المجادلة: 13) فهو سبحانه وتعالى ذو خبرة وهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ وسيجازيكم على أعمالكم هذه.

ثم إن الله عز وجل حذّر عباده من صنيع أهل النفاق الذين يميلون إلى هؤلاء تارة ويميلون إلى هؤلاء تارة ولا يستقيمون على الجادّة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾23 (المجادلة: 14). ونبدأ بتفسيرها بإذن الله تعالى في الدرس المقبل. وفّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 11 ↩
  3. آية: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 11 ↩
  4. آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۩﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 18 ↩
  5. آية: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 11 ↩
  6. آية: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 11 ↩
  7. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
  8. آية: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  9. آية: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  10. آية: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  11. آية: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 7 ↩
  12. آية: ﴿إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
  13. آية: ﴿إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
  14. آية: ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
  15. آية: ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
  16. آية: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
  17. آية: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  18. آية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 69 ↩
  19. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 2 ↩
  20. آية: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  21. آية: ﴿فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  22. آية: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 13 ↩
  23. آية: ﴿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 14 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة