سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم -وقفات مع سورة الفاتحة جزء 10 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
معالم الصراط المستقيم وكونه الطريق الواضح الموصل إلى الله
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله ومنَّته بهذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع سورة الفاتحة ومع هذا الدعاء العظيم الذي علمنا الله إياه ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾2 (الفاتحة: 6).
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾3 (الفاتحة: 7). علمنا الله سبحانه وتعالى، أن نسأله الهداية إلى هذا الصراط المستقيم والهداية فيه وتعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، في الخطبة السابقة على طرف من أوصاف هذا الصراط المستقيم فهو صراط مستقيم غير معوج لأنه صراط الله سبحانه وتعالى، الذي يوصل إليه وإلى مرضاته وهو كذلك صراط موصل إلى المقصود فالسائر عليه يعلم مقصوده وهو أنه يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله سبحانه وتعالى، فهو يسير على الصراط وهو على بصيرة من أمره ليس كهذا التائه الذي يسير فمرة يتجه يمينًا ومرة يتجه يسارًا وهو لا يدري إلى أين يذهب وإلى أين سيصير
إفراد الصراط لكونه طريقاً واحداً مقابل تعدد سبل الغواية
والصراط كذلك قيل له صراط لأنه واضح غير خفي ولا غامض وهو صراط كذلك لأنه متعين للمقصود فلا صراط مستقيم إلا هو ولا وصول إلى الله إلا به لذلك جاء معرَّفًا وجاء مضافًا فقيل الصراط ﴿وَقِيلَ﴾ ﴿صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ فلا وصول إلى الله إلا عن طريق أو سلوك هذا الصراط من سلك غيره ضل وتاه ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ﴾
ولذلك لا تجد الصراط جاء في القرآن مجموعًا ﴿أَنَّمَا﴾ لما ذكرت السبل جمعها الله سبحانه لأنَّ على رأس كل سبيل شيطان يدعو إلى هذا الطريق. نسأل الله السلامة والعافية.
أما صراط الله فهو واحد لا يتعدد، ولا يختلف لأنه صراط الله المستقيم سبحانه، صراط الله وهو الحق المبين وصراط الله واحد إذ الله واحد لا شريك له فالصراط جاء في القرآن مفردًا. كما أنَّ الله لما ذكر الظلمات والنور قال ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾4 (الأنعام: 1). فلما ذكر الظلمات جمعها لأنَّ الظلمات كثيرة ولأن الظلمات متنوعة ومتعددة.
أما النور واحد وهو طريق الله الواحد. وقال عن اليمين والشمائل فلما ذكر الشمائل جمعها وهكذا فالإفراد تنويه بشرف هذا الطريق وللدلالة على أنه واحد لا يتعدد وهو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6). ومن سار على الصراط المستقيم في الدنيا استطاع أن يسير على الصراط في الآخرة فصراط الدنيا يؤدي إلى صراط الآخرة، ومن سار هنا سار هناك، ومن ضل هنا ضل هناك.
نسأل الله السلامة والعافية. وإذا كنا قد ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن الصراط المستقيم أو. إن الصراط في اللغة يدل على معنى الاتساع فالصراط واسع لأنَّ السالكين فيه والمارين عليه كثيرون كم سار عليه من أنبياء ومرسلين ومؤمنين وصالحين. وأما صراط الآخرة فقد جاء في وصفه أنه أدق من الشعر وأحد من السيف. وهذا ورد «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» رضي الله عنه كما في صحيح مسلم قال: «بلغني أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر».
وهذا له مجموعة من الطرق حسَّنها بعض العلماء بمجموعها فيقال والله تعالى أعلم. إن الصراط واسع على المؤمنين ويضيق على الكافرين يضيقه الله على الكافرين فيصير أحد من السيف وأدق من الشعر. وأما المؤمن فيتسع له الصراط كما هو في أصله، وفي دلالته. وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن يسير على الصراط كالبرق. ويسير على الصراط كذلك حينما يسير عليه كالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مُسلَّم وناجٍ مخدوش ومكدوس في نار جهنم هناك من ينجو ويسلم، وهناك من ينجو لكنه يُخدش ثم ينجيه الله وهناك من يكدس في نار جهنم ويقع فيها كما قال الله سبحانه وتعالى، ﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾5 (مريم: 72).
بعد أن قال ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾6 (مريم: 71). قربوا الصفوف يرحمكم الله. رحم الله رجلًا تقدم للأمام. فالصراط يوم القيامة يسير عليه المؤمنون هكذا منهم من يسير مثل البرق، منهم من يسير مثل الريح، ومنهم من يسير مثل أجاويد الخيل والركاب إلى غير ذلك من الأوصاف التي ذكرها النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم فهناك من ينجو ويسلمه الله حتى يجيء الرجل فلا يستطيع أن يمر على الصراط إلا زحفًا هناك من يزحف وجاء في رواية مسلم من حديث حذيفة «تجري بهم أعمالهم».
إذن ما الذي يجعلك تجري على الصراط في الآخرة عملك يجعلك تجري على الصراط وتسير سيرا شديدًا قويًّا بفضل الله سبحانه وتعالى، وأما من قصر في العمل فإنَّه كذلك يقصر في السير والجزاء من جنس العمل أبت نفسي تتوب فما احتيالي إِذَا بُعِثَ الْعِبَادُ لِذِي الْجَلَالِ. وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ سُكَارَى … بِأَوْزَارٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ.
أهوال صراط الآخرة وتفاوت السالكين عليه بحسب الأعمال
وقد نصب الصراط لكي يجوزوا. نسأل الله الكريم من فضله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ الصراط الواضح البين وهو الإسلام كما تقدم في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه في الخطبة السابقة «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا». وهو القرآن لأنَّ القرآن فيه وصف الإسلام وهو رسول الإسلام واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنَّ اتباع الرسول اتباع للإسلام وتقدم أن حاصل القول في الصراط المستقيم، أن تعرف في كل وقت ما يجب عليك في ذلك الوقت من قول أو عمل أن تعرف في كل وقت ما يجب عليك في هذا الوقت من قول أو عمل الواجب عليك الآن، أن تصلي.
إذن هذا هو الصراط المستقيم فإذا لم تصلِّ تكون قد عدلت عن الصراط المستقيم المتعين عليك في ذلك الوقت أن تبر والديك. فهذا هو الصراط المستقيم فإذا عدلت عن بر والديك فقد عدلت عن الصراط المستقيم الواجب عليك في هذا الوقت أن تذكر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فإذا غفلت عن ذكر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فقد عدلت عن الصراط المستقيم.
والمقصود من وراء ذلك، أن تعرف في كل وقت ما الذي تحتاج إليه في ذلك الوقت لذا لا أحد يستغني عن الصراط المستقيم لذلك الدعوة المكررة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ لم تأتِ الدعوة المكررة: ارزقنا، انصرنا الرزق مطلوب والنصر مطلوب وأجل منه أن يهديك الله الصراط المستقيم لأنَّ الهداية إلى الصراط المستقيم تجلب لك الخيرات كلها بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وجاء أيضًا التعبير عن هذا الصراط بالسبيل ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾7 (يوسف: 108).
وَسُبْحَٰنَ ﴿ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ ما الفرق بين السبيل والصراط من أفضل ما يقال في ذلك والله أعلم أن الصراط مجمع السبل فالسبيل طريق واحد في داخل الصراط واسع وواضح، وفيه سبل ممتدة هذه السبل تجتمع في أنها تؤدي إلى الصراط لذلك جمعت في قول الله سبحانه وتعالى، سبل السلام ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾8 (المائدة: 16).
فالصلاة سبيل والزكاة سبيل والصوم سبيل والحج سبيل صلة الأرحام سبيل ترك المحرمات سبيل سبل يجمعها صراط الله المستقيم فالصراط أوسع وأعم بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 7). لم يقل الله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ قال صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بين لنا مَنْ الذي سلك الصراط لأننا قد نقول يا ربنا هذا الصراط الذي وضعته.
الصراط المستقيم معرفة الواجب في كل وقت
وهذا المنهج الذي ارتضيته هل سار عليه سائرون وهل سلكه سالكون فالله يقول لنا أبشروا نعم سلك هذا الصراط من أنعم الله عليهم صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فعلم من ذلك، أن صراط الله يمكن سلوكه لأن الواحد قد يقول: مَن يقدر على أن يسير في صراط الله؟ يقال له: أبشر أنت لست أول مَنْ يسير على الطريق الواحد فينا، يا أيها الإخوة، إذا سلك طريقًا يسأل هل سلك هذا الطريق غيره وهل سلك
هذا الطريق أحد قبله فإذا قيل له سلكه الأفاضل وسلكه الأطهار وسلكه من أنعم الله عليهم، ومن أوصلهم إلى الخيرات وأوصل الخيرات إليهم فإنَّك تفرح بهذا الطريق وتريد أن تسير فيه. فقال الله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. إذن هو صراط مسلوك وصراط معروف وواضح سلكه من أنعم الله عز وجل عليهم من قبلنا، وفيه فائدة أخرى وهو أنك وأنت تسأل الله تقول: يا رب لست أول مَنْ يسألك الصراط المستقيم فقد أنعمت على غيري قبلي فأنعم علي ولا تحرمني كما تقول: اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولَّنا فيمن توليت تقول: يا رب أنت هديت غيري فاهدني وأنت عافيت غيري فعافني وأنت توليت غيري فتولني وهنا تقول: يا رب أنت هديت غيري إلى الصراط المستقيم فاهدني، ولا تحرمني فهو توسل إلى الله بسابق إنعامه وفضله وإحسانه على عباده المنعم عليهم.
جعلنا الله منهم ومعهم بمنه وكرمه، وأيضًا فيه تفصيل بعد إجمال حينما يقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾. فإنَّ نفوسنا تتوق إلى معرفة مزيد من أوصاف هذا الصراط هو الصراط المستقيم ما أوصافه أيضًا يا ربنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وأيضًا فائدة أخرى حينما يقول الله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا سألت وقلت يا رب كيف أصل إليك وما الطريق الذي أسلكه قلت: إنه المستقيم فيقال لك اقتفي أثر هؤلاء وسر على منوالهم.
فإنَّ من اقتدى بهم وسار خلفهم نجى ونجح ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾9 (الأحزاب: 21). فالطريق معروف صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فاقتد بهم وسر على منوالهم فمن الذين أنعم الله عليهم والتعبير القرآني جاء بديعًا إذ قال الله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لم يقل ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ﴾ الذين غضبت لما ذكر الإنعام قال أنعمت، ولما ذكر الغضب قال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لم يضفهم إلى الله فالله أضاف المنعم عليهم إليه تشريفًا وتكريمًا ولأنه من الأدب مع الله ﴿إِلَّا﴾ ننسب الشر إلى الله وإن كنا نعتقد أن الأمور كلها قد قدرها الله فالخير بقدر والشر بقدر والقدر أن تؤمن بالقدر أن تؤمن بما يقع بأن الذي أوقعه، وقدره هو الله من خير كان أو شر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره.
لكن من باب الأدب مع الله لا نضيف الشر إلى الله ﴿أَنَّمَا﴾ تأدبا مع الله سبحانه وتعالى، لا يضاف الشر إليه لذلك قالت الجن التي آمنت أو قالت الجن كما قال الله ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾10 (الجن: 10) لما ذكروا الرشد صرحوا باسم الرب، ولما ذكروا الشرع لم يضيفوه إلى الله ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حينما قال ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ والذي يطعمني ويسقيني اسمع ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾11 (الشعراء: 80).
ولم يقل والذي يمرضني مَنْ الذي يمرضه؟ الله، لكنه لم يقل: والذي يمرضني تأدبا مع الله سبحانه فالله يعلمنا صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا الضالين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
تفسير صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وبيان أصنافهم
أمَّا بعدُ:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فمَن الذين أنعم الله عليهم؟ فيها أقوال كثيرة. من أمثلها وأفضلها أن القرآن بينها فالقرآن يفسر بعضه بعضًا قال الله في سورة النساء ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾12 (النساء: 69). ﴿ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًا﴾. إذن من ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ وَٱلصَّٰلِحِينَ فأنت حينما تقول صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: صراط هؤلاء الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا رفقاء لهم وصدر الآية الكريمة جميل لأنَّ الشخص حينما يقرأ ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ يقول لست نبيًّا والصديقين يقول أين أنا من الصديقية والشهداء. نسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله والصالحين أين نحن من أحوالهم. نسأل الله أن يحشرنا مع الصالحين.
لكن الله قال في صدر الآية ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾13 (النساء: 69). إذن إذًا أطعت الله والرسول فأنت من المنعم عليهم بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ واسمع هذه الرواية الصحيحة التي جاءت في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أخرجها الطبراني في الصغير والأوسط والحديث صحيح بشواهده أو حسن بشواهده من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ
فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي وأحب إلى من أهلي ومالي وأحب إلى من ولادي اللهم اجعلنا كذلك نحب رسول الله أكثر من حبنا لنفوسنا وأهالينا وأولادنا إنك لأحب إلى من نفسي وأحب إلى من أهلي ومالي وأحب إلى من أولادي وإني حينما أكون في البيت أذكرك فلا أصبر حتى آتيك وأنظر إليك يكون في البيت فيتذكر الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا يطيق، ولا يتحمل ينتظر أن يرى الرسول ويهرول إلى المسجد لعله يرى الرسول عليه الصلاة والسلام، وإني كلما ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا قُبضت رُفعت مع النبيين، ولا أدري إذا متُّ هل أتمكن أو أستطيع أن أراك أنت إذا قُبضت ستكون في الجنة مع النبيين في منازلهم
والرسول له صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة المنزلة التي لا تنبغي إلا لرسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، وأنا إن دخلت الجنة لا أدري هل أراك أم لا فسكت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يرد عليه حتى أنزل الله الآية، ومَنْ يطع الله ورسوله ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ وَٱلصَّٰلِحِينَ ﴿وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) الرسول وإن كان في أعلى المنازل.
لكن المطيعين له يتمكنون من رؤيته، ومن صحبته في الآخرة في الجنة. نسأل الله الكريم من فضله ﴿إِلَّا﴾ تحفظون حديث الرسول «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى للدلالة على أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قريب ممن أطاعه وسار على منواله واقتفى أثره صلوات الله وتسليماته عليه ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ سيروا على هذا الصراط.
أصناف الذين أنعم الله عليهم
وهذا الصراط أمامه عقبات. فإنَّ الرسول يقول «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». وكما تقدم في شأن الشيطان الرجيم، يقول: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ لذلك بين الله لنا أنَّ هناك من يسلك طريقهم وهناك من ينهى عن سلوك طريقهم. فقال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ لذلك قال حذيفة بن اليمان «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر». مخافة أن يدركني. الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وحذيفة يسأل الرسول عن الشر ﷺ ورضي الله عن حذيفة مخافة أن يدركني عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ ولكن لتوقِّيه، ومَن لا يعرف الشرَّ يقع فيه لذلك قال الله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ بقي لنا أن نتعرف من المغضوب عليهم، ومن الضالين مع ذكر طرف أيضًا يتعلق بالمنعم عليهم في الخطبة المقبلة بإذن الله اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق ملتبسًا علينا فنضلَّ اللهم اهدنا صراطك المستقيم اللهم اهدنا صراطك المستقيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بِرٍّ، والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم اجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 6 ↩
- آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 7 ↩
- آية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 1 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 72 ↩
- آية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 71 ↩
- آية: ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 108 ↩
- آية: ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 16 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
- آية: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 10 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 80 ↩
- آية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 69 ↩
- آية: ﴿وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 69 ↩
من سلسلة: سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم (35 درسًا)