سورة محمد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة محمّد
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد : فهذا لقاءٌ من لقاءات التّعليق على كتاب المختصر في التّفسير.
هذه السّورة تسمّى بسورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم ويقال لها أيضًا (سورة القتال)، فهذه سورة تسمّى بسورة محمّدٍ، وتسمّى بسورة القتال، وسماها بعضهم بصدرها فقالوا : (سورة الّذين كفروا)، يعني : السّورة الّتي فيها قول ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (محمد: 1) في أوّلها، هذا هو المراد بهذه التّسمية، لكنّ الاسم المشهور «سورة محمد»، ويليه «سورة القتال».
التعريف بالسورة
قالوا (سورةٌ مدنيّةٌ) والأمر كذلك فهي سورةٌ مدنيّةٌ ويدل على ذلك ذكر الجهاد في سبيل الله، فالله سبحانه وتعالى قال ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 1) وفيها أيضًا ذكر المؤمنين ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (محمد: 2).
فالحديث فيها عن قضايا الجهاد، والقتال في سبيل الله، وكذلك الحديث عن المنافقين مع ما عرف لدى أهل التّفسير، والعلم، وما ورد فيها من أمورٍ كثيرةٍ تشهد لهذا المعنى.
وأيضًا فيها قوله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 3) وفي قوله تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ﴾ (محمد: 13)، إشارة إلى أنهم أخرجوه من مكة، إذًا هذا بعد خروجه منها إلى المدينة النّبويّة فهذا يدلّ على أنّ السّورة مدنيّةٌ نزلت بعد هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
قالوا (من مقاصد السّورة : تحريض المؤمنين على القتال تقويةً لهم وتوهينًا للكافرين)
إذًا من مقاصد هذه السّورة الجليلة تحريض المؤمنين على القتال وهذا يشهد له ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 4) يعني اضربوا الرّقاب ضربًا، قالوا (تقويةً لهم، وتوهينًا للكافرين )، وكأنّه بعد الأمر بالصّبر في هذه المدّة المديدة الطّويلة في العهد المكّيّ، وقد انتقل الأمر إلى المدينة النّبويّة، ولا يزال الكافرون مصرين على ما هم عليه من الكفر، والعدوان حينئذٍ شرع الجهاد نصرةً لدين الله، ورفعًا للإيذاء الّذي وقع على هؤلاء المؤمنين بالله، وبرسوله صلّى الله عليه وسلّم.
ويشهد لهذا المقصد أنّ السّورة تسمّى بسورة القتال، وهذا يدلّ دلالةً واضحةً على أنّ هذا من مقاصدها العظيمة، لكن أيضًا يقال : ليس هذا هو المقصود الوحيد لهذه السّورة الجليلة لا سيّما وأنّ السّورة تسمّى بسورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
وإذا نظرنا : ما علاقة هذه السّورة باسم محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم؛ مع أنّ اسم محمد صلوات الله وتسليماته عليه لم تختص به السورة الكريمة وحدها؛ بل إنّه ورد في سورٍ أخرى كما هو معلومٌ في القرآن الكريم، ولذلك السّؤال المطلوب منكم : اذكر السّور الّتي ورد فيها اسم النّبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم؟
الشّاهد من ذلك أنّ هذه السّورة لا تختصّ بهذا، بل إن الموضع الذي جاء فيه اسم محمد صلى الله عليه وسلم هو موضع واحد في أولها. ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (محمد: 5) لكن لم سمّيت بسورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم؟
هل لأنّها - السّورة - تتحدّث عن حياته، وعن شخصيّته، وعن سيرته؟ لا نجد ذلك؛ يعني ربّما كان يتوقّع (متوقّعًا) حينما يقرأ سورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم أنّنا سنفتح سورة محمّد صلّى الله عليه وسلّم فنجد حديثًا عن ميلاده، وعن البعثة، وعن الهجرة، وعن أموره، وعن زواجه، وما أشبه ذلك، لكنّنا لا نجد هذا في هذه السّورة المباركة.
إذًا القضيّة ليست في شخص النّبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم؛ وإنّما السّورة الكريمة تتحدّث عن قضيّة الاتّباع، وأنّ اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو مقياس الفلاح والنّصر والتّمكين في الدّنيا والآخرة، فالسّورة حديثٌ عن الاتّباع، وإذا أردت أن تعي هذا فانظر رحمك الله :
﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد: 6) هذا شيءٌ، إذًا لا بدّ من الإيمان ﴿بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ﴾ صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ بعد ذلك. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) وهذا باتّباع الكتاب والسّنة، ثمّ أيضًا ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 8) وهذا باتّباع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 9) وهكذا تمضي الآيات.
وجاء فيها أيضًا في أواخر السّورة المباركة ما يشهد لهذا المعنى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا﴾ (محمد: 10) إلى غير ذلك من آياتٍ تشهد لهذا المعنى؛ ولذلك نستطيع أن نقول إنها أيضًا سورة فيها بيان ما يجب أن يكون عليه المؤمنون تجاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وكأنّ السّورة تبيّن أنّ الرّسول كما أنّه نبيّ الرّحمة فهو نبيّ الملحمة صلّى الله عليه وسلّم، وليس بضعيف، وليس بمهين، لكنّه لا يظلم صلّى الله عليه وسلّم.
ولك أن تقول إنّ السّورة الجليلة : تتحدّث عن قضيّة قبول الأعمال، والميزان في القبول والرّدّ؛ ولذلك تجد كلمة (الأعمال) تكرّرت في السّورة (أحبط أعمالهم)، (أضلّ أعمالهم)، وكذلك : ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 11) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12) ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد: 13) هذا يتكرّر في السّورة الكريمة ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم﴾ (محمد: 14) هذا تكرّر في السّورة الكريمة.
فالسّورة الجليلة تتحدّث عن قضيّة الأعمال ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يقبل العمل، ومتى يردّ العمل، والميزان فيه كما قلت اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكانت السّورة حقيقةً بأن تسمّى بهذا.
وأيضًا والعلم عند الله قضيّة الجهاد قضيّةٌ عظيمةٌ، وقضيّةٌ خطيرةٌ، وكثيرٌ من النّاس قد يجد سهولةً، أو يسرًا في أوامر أخرى إذا قيل له : صلّ، إذا قيل له: زكِّ، صُمْ، لكن إذا قيل له ضحّ بنفسك، وقاتل في سبيل الله، وعرّض نفسك للتّلف، أو للهلاك فإنّه لا يستجيب لذلك إن لم يستقم على طاعة الله، ويشهد لهذا أنّ الله بعد أن قال ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) قال ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد: 6) يعني آمنوا بجميع ما نزّل على محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
هذا بعض ما يقال في مقاصد السّورة الكريمة، وتكون العلاقة بينها وبين الحواميم كلّها أنّ سور الحواميم دعت إلى الصّبر في مرحلةٍ من المراحل، ثمّ جاء أيضًا الردّ على هؤلاء.
وأيضًا لك أن تقول لو أنّك قرأت سورة الأحقاف، وقرأت الختام ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ (محمد: 16) ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ﴾ (محمد: 17) يعني لو وصلت الكلام ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ (محمد: 16) من هم؟ ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ﴾ (محمد: 17) فتتمّةٌ لأوصاف هؤلاء الهالكين أهلكهم الله في الدّنيا، وفي الآخرة.
قال الله تعالى : ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ﴾ (محمد: 18)
قال الله سبحانه وتعالى في سورة محمد: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ﴾ (محمد: 18).
قوله سبحانه وتعالى ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ﴾ (محمد: 19).قالوا : أي (صرفوا النّاس عن دين الله ) فهذا معناه أنّ صدّ هنا مصدره الصّدّ؛ لذلك كلمة الصّدّ تأتي على معنيين، فإنّ كان مصدر الصّدّ الصّدود فمعناه الإعراض.﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء: 61) [سورة النساء :61 ] يعني يعرضون عنك إعراضًا.
إذًا يقال : صدّ الكافر يعني : أعرض الكافر، وإذا كان (صدّ) مصدرها الصّدّ أي : صدّ غيره صدًا، فالمصدر الصّدّ يعني أنّ الفعل صدّ متعدٍّ، وأمّا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : صدّ صدًّا فهو قاصرٌ.
إذًا الصدُّ له معنيان :
1-فلان صدّ؛ يعني فلانٌ أعرض، أعرض في نفسه.
ترجيح وتقوية الموقف
والأقرب والله أعلم ما ذكروه هنا في التفسير أنّ معنىً﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ﴾ (محمد: 19).أي : وصرفوا غيرهم لــم؟
لأنّ الإعراض مستفادٌ من قوله ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 20).
فقوله ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (محمد: 21) يكون فيه معنًى زائد، وأهل العلم يقولون : إنّ التّأسيس يقدّم على التّأكيد.
تحليل مقارن وربط بين السور
إذًا معنى قوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ﴾ (محمد: 17). أنّ الحديث عن قومٍ كفّارٍ لم يكتفوا بكفرهم، وإنّما صدّوا غيرهم عن دين الله سبحانه وتعالى فهم ضالّون مُضِلّون، فاسدون مُفسِدون؛ لذلك حكم الله فقال ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22) قالوا يعني (أبطل الله أعمالهم)، فأعمالهم وإن بدا بعضها حسنًا فإنّه لا يقبل عند الله؛ لأنّهم لم يحقّقوا شرط القبول وهو الإيمان بالله، ويتحقّق فيهم : ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان: 23) [سورة الفرقان :23]. وكما قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (النور: 39) [سورة النور :39]، وكما قال ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم: 18) [سورة إبراهيم :18 ] أو أنّ معنى ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم: 18) يعني : أضلّ أعمالهم من تخطيطٍ ومكرٍ بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قال في المقابلة؛ ولذلك يمكن أن نضيف أيضًا إلى مقاصد السّورة، وبعضهم جعله هو المقصد الأمّ لهذه السّورة : الصّراع بين المؤمنين والكافرين؛ لكنّه صراعٌ يفضي إلى نصرة المؤمنين وإن أدّى الأمر إلى القتال.
ومن قبل كان الحديث في الحواميم عن الجدال، وما يقع منهم، والرّدّ عليهم، وما إلى ذلك، ثمّ جاءت سورة محمّدٍ لتذكر لنا أيضًا بعض مواقف الصّراع الّتي أفضت إلى القتال، وأيّد الله عزّ وجلّ عباده المؤمنين.
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (محمد: 5)
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ (محمد: 23) صلّى الله عليه وسلّم إذًا عطفوا ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد: 6) على قوله ا(لّذين آمنوا)، وكأنّ المعنى : واستمرّوا على ذلك، وبكلّ ما جاءهم عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ (محمد: 24).
ولك أن تقول إنّ نصرة الله تتحقّق بهذا بالإيمان، وبالاتّباع، وسيأتي مزيد بيانٍ لهم بعد قليلٍ إن شاء الله.
قوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ۙ ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 25) جملةٌ معترضةٌ يعني لم يقل ربّنا : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴿وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ﴾ كفّر عنهم سيّئاتهم مباشرةً هذا الجزاء قال في الوسط. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ۙ ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 25) ففيه إشارةٌ إلى أنّ كلّ ما جاء به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهو حقٌّ، وهذا تكرّر ذكره في القرآن الكريم؛ ولذلك قال الله : ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66) [سورة الأنعام :66 ] فيقول يبيّن وهو الحقّ من أجل هذا.
قال : ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ كَرِهُوا۟ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلْأَمْرِ ۖ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ (محمد: 26)
وهنا قد يقول قائلٌ : أين الأمثال، يعني أين الأمثال الّتي ذكرها الله؟
نقل من المختصر وبيانه
قالوا هنا في التّفسير (كما بيّن الله حكمه في الفريقين : فريق المؤمنين، وفريق الكافرين يضرب الله للنّاس أمثالهم فيلحق النّظير بالنّظير).
إذًا ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ﴾ (محمد: 27) الأمثال هنا جمع مثلٌ، والمراد بالمثل : النّظير، فأهل الباطل هم الكفّار الصّادون عن سبيل الله، وأهل الحقّ هم المؤمنون المتّبعون للرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فهذا مثلٌ؛ لذلك قال : ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُوا۟ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُوا۟ رِضْوَٰنَهُۥ فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 28) فهذا نظيره ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) فهذا نظيره.
ثمّ قال : ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ﴾ (محمد: 29)
﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ (محمد: 30) توجيهٌ من الله للمؤمنين، ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 4) ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31) هذا مصدرٌ ناب عن فعله، أي : فاضربوا الرّقاب ضربًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّوا۟ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 32) قالوا هنا (استمرّوا في قتالهم حتى تُكثروا القتل فيهم فتستأصلوا شوكتهم فإذا أكثرتم فيهم القتل فشدّوا قيود الأسرى ).
إذًا ما معنى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 11)؟
يعني أكثرتم في قتلهم، حتّى أوهنتموهم، وأضعفتموهم فلم تعد لهم شوكةٌ، ولا قدرةٌ على الحراك بسبب كثرة الجراح وكثرة القتل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوٓا۟ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ (محمد: 33) بأن تقيِّدوا الأسرى وتُحكموا قيودهم وهذا يدلّ على الإحكام في هذا العمل، وفي الجهاد في سبيل الله.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ (محمد: 34) وجّههم الله سبحانه وتعالى إلى ما يحدثونه من هؤلاء الكفّار الصّادين عن سبيل الله؛ فإمّا تمنّون منًّا، وإمّا تفدّون فداءً يعني ماذا تصنعون مع هؤلاء الأسرى؟
إما المنُّ، أي بلا مقابل ولا عوض، وإمّا الفداء بأنّ يفتدي بأنّ يدفع الدّية أو الفدية، أو ما إلى ذلك.
بعض العلماء ذهب إلى أنّ الآيات منسوخةٌ؛ لأنّه جاء في بعض المواضع أنّهم يقتلون، وفي بعض المواضع أنّهم يسترقّون يصيرون رقيقًا، والّذي عليه الأكثرون، وهو الصّحيح أنّه لا نسخ في الآية الكريمة ويقال: أنّ الأحوال أربعةٌ يخيّر فيها الإمام، وينظر إلى المصلحة الأرجح؛ لأنّ هذا كلّه فعله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ ولذلك أسرى الحرب في الإسلام لهم أربعة أحوالٍ :
وإمّا أن يكون هناك استرقاقٌ.
فهي أربعة أحوالٍ خيّر فيها الإمام بحسب المصلحة الرّاجحة للمسلمين، وعلى عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم جرى مثل ذلك فوقع الاسترقاق، ووقع كذلك القتل، ووقع المنّ، ووقع الفداء منه صلوات الله وتسليماته عليه على بعض الكفّار، أو المشركين.
إذًا قوله ﴿فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ (محمد: 35) هاتان صورتان من الصّور الّتي بيّنها الله سبحانه وتعالى في هذه السّورة الجليلة
﴿إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْـَٔلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ﴾ (محمد: 36) الأوزار التي هي الأسلحة.
قال ﴿إِن يَسْـَٔلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا۟ وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ﴾ (محمد: 37) ما معنى ذلك؟ قالوا هنا (ذلك المذكور من ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام وانتصار بعضهم على بعضٍ هو حكم الله) إذًا هذا معنى، ولذلك قالوا : الأمر ذلك يعني ما تقدّم.
﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ (محمد: 38) يعني : ربّنا قادرٌ على أن ينتصر منهم دون أن يكون هناك جهادٌ، ودون أن يكون هناك قتالٌ، لكن ربّنا يبّلي بعضنا ببعضٍ، أيضًا ليميز الخبيث من الطّيّب إلى غير ذلك من الحكم الكثيرة.
﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) وهذا كلّه في مقابلة ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم: 18) في شأن الكافرين الصّادّين عن سبيل الله.
إنّما قال هنا : { ﲗ ﲘ ﲙ } وهناك قال ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم: 18) والله لا يضلّ أعمال المؤمنين؛ لأنّ المؤمنين متّبعون للحقّ، والمتّبع للحقّ على الحقّ، والحقّ ثابتٌ غير ضالٍّ، وغير مضمحلٍ؛ لأنّ الضّلالة ذهابٌ واضمحلالٌ، ومتّبع الحقّ على الحقّ؛ فلذلك لا يذهب الله عمله، ولا يبطل عمله.
قال { ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ }
1-فسّروا هنا ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) (بيّنها لهم بأوصافها في الدّنيا فعرفوها وعرَّفهم منازلهم فيها في الآخرة ) ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) : بأنّ ميّزها لهم، ووصفها لهم وكذلك في الآخرة يعرفون مساكنهم، ويصلون إليها بفضل الله سبحانه وتعالى.
{ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ}
وهذه آية من الآيات التي تمثل المفاصل والمحاور في السورة الكريمة، القاعدة العامّة { ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ } الصّراع بين الحقّ، والباطل ونصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين.
{ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ } أنت إذا تأمّلت أخيّ الكريم، آيات القرآن الكريم تجد أن نصرة الله للمؤمنين تُقيَّد بالإيمان، واتّباع الرّسول، ﴿إِلَّا﴾ ترى أنّ الله لـمّا ذكر الحواريّين، وأنّ الحواريّين قالوا. ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) [سورة آل عمران:52] ماذا قالوا؟ ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) إذًا إيمانٌ واتّباعٌ، وهنا قال ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) صلّى الله عليه وسلّم.
{ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ } ومعروفٌ أنّ نصرة الله نصرٌ لدينه معنى. { ﲧ ﲨ ﲩ } نصرٌ لدينه { ﲪ ﲫ ﲬ }.
{ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ }
{ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ } قالوا : فهلاكٌ لهم، قالوا هنا (فلهم الخسران والهلاك)، إذًا التعس : الهلاك، وفيه أيضًا معنى الشّقاء، والتّعاسة { ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ } تأمّل أضلّ، وأحبط، فأضلّ! هم ليسوا مهتدين!، وأعمالهم الّتي تبدو حسنةً لا يتقبّلها الله، وكذلك أحبط أعمالهم، وأصل الحبوط : انتفاخ البطن، انتفاخ بطن الدّابّة حينما تتناول سمًّا، ونحوه فيكون سببًا في حتفها، وفي هلاكها، مع أن انتفاخ البطن يُظن أنه عن قوة؛ ولكنّه في الحقيقة هلاكٌ لصاحبه.
ثمّ قال الله { ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ } تأمّل الفرق بين ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) آمنوا : يعني : وأحبّوا ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ محمّدٍ؛ ولذلك سيأتينا أنّهم يقولون { ﱄ ﱅ ﱆﱇ } يعني : معناه أنّهم يطلبون نزول القرآن، أمّا هؤلاء ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد: 13).
﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد: 13)
تأمّل أيضًا التّعبير القرآنيّ هنا قال { ﳋ ﳌ ﳍﳎ } ولم يقل دمّرهم الله؛ إنّما قال { ﳋ ﳌ ﳍﳎ } قالوا : ومن الفروق في التّعبير أنّ معنى { ﳋ ﳌ ﳍﳎ } أي : دمّره، ودمّر ما يخصّه، فدمّره، ودمّر ماله، ودمّر أهله، والذّين هم على ضربه، والذّين هم على شاكلته فدمّر الله عليهم.
وأيضًا { ﳋ ﳌ ﳍﳎ } فيه إشارةٌ إلى أنّ التّدمير جاء من فوقٍ، يعني أنزل الله عزّ وجلّ عليه عذابًا يستأصله فكلّ هذا من معاني { ﳋ ﳌ ﳍﳎ } أو سلّط الله عزّ وجلّ عليهم هذا العذاب.
{ ﳋ ﳌ ﳍﳎ ﳏ ﳐ } وهناك كذلك { ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ } فيه أخذ العظة، والاعتبار، والقياس على النّظير.
قال الله { ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ } ما معنى ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ (محمد: 16) يعني بناصر الّذين آمنوا؛ ولذلك إذا قال قائلٌ : قد أثبت الله إنّه مولى أيضًا للكافرين { ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ } فمعنى { ﱰ ﱱﱲ } يعني : متولّي أمورهم، ومالكهم وهو الله، أمّا هنا نفى قال : { ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ } يعني لا ناصر لهم؛ فالمولى المنفي هنا هو ولاية النصرة وولاية التأييد، والله تعالى أعلم.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :
النكاية في العدو بالقتل وسيلة مُثلى لإخضاعه: ولذلك قالوا: إنّ الحرب دواءٌ مرٌّ؛ ولكنه لمرضٍ أمرَّ، فالحرب وإن كانت أو القتال وإن كان مرًّا؛ لكنّه علاجٌ لمرضٍ أشدّ في المرارة.
المنّ والفداء والقتل والاسترقاق خياراتٌ في الإسلام للتّعامل مع الأسير الكافر يؤخذ منها ما يحقّق المصلحة: هذا بجمع النّصوص الواردة؛ لذلك تقدّم أنّ الآية ليست منسوخةٌ؛ إنّما ذكرت شيئين: ﴿فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ (محمد: 35) ويضمّ إليها القتل، والاسترقاق كما ورد في الآيات الأخرى.
عظم فضل الشّهادة في سبيل الله : ودليل ذلك { ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄﲅ ﲆﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ }
نصر الله للمؤمنين مشروطٌ بنصرهم لدينه { ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ }.
قال الشيخ حفظه الله
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إنّه ناصرٌ عباده المؤمنين، أنّ المؤمنين عليهم أن يشدّوا على أولئك الكافرين انتصارًا لدين الله سبحانه وتعالى، بيّن الله أيضًا أقسام النّاس؛ وأنّ المؤمنين يدخلون الجنان، وأنّ الكفّار يصلون نار جهنّم. فقال : ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ (ص: 54)
فالكافر لا غاية له ولا هدف له؛ لذلك فإنّه يأكل ﴿كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾، ثمّ قال الله
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 3)
فربّك قادرٌ على إهلاك هؤلاء، وأنت وإن أخرجت يا رسول الله من بلدك الّتي هي أحبّ البلاد إلى الله وأحبّ البلاد إليك؛ لكنّ الله ناصرك، وفيها بشارةٌ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنّ النّصرة والخاتمة ستكون له، ثمّ قال الله عزّ وجلّ لنفي المسأواة بين المؤمن والكافر، وبين المهتدي والضّالّ، فقال:
{ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ }
هل يتساوى هذا مع ذاك؟ هل يتساوى من هو على بيّنةٍ من ربّه كالرّسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين به. ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) لا يتساوى هذا مع ذاك، وتأمّل هذا أقرب ما يقال له اللّفّ والنّشر المرتّب، فبعد أن ذكر المؤمنين ذكر الكافرين، وهنا ذكر مرّةً أخرى ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم﴾ (محمد: 14).
﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم﴾ (محمد: 14) إلى آخر الآية.
هذه الآية وإن كان ظاهرها إنّها بيانٌ لصفة الجنّة، والفرق بين الجنّة، والفرق بين النّار، لكنّ عددًا من المفسّرين قالوا: إنّ في الآية الكريمة استفهامًا مقدّرًا كأنّ معنى الآية : أمثل الجنّة الّتي وعد المتّقون، وفيها كيت، وكيت من الصّفات ﴿كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ﴾، يعني هذا لا يشابه هذا، هل هذا الّذي يتمتّع في الجنّة كهذا.
فإذا كان لا يمكن أن يتساوى من هو في الجنة ونعيمها مع من ﴿هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ﴾ وجحيمها، كذلك لا يمكن أن يتساوى من هو ﴿عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ﴾؛ لذلك قالوا: إنّه قد عرّي هذا عن الاستفهام الّذي هو حرف الإنكار؛ لأنّ فيه زيادة تصويرٍ لمكابرة بين من يسوّي - بين من هو على بيّنةٍ من ربّه، ومن زيّن له سوء عمله.
ولذلك هنا في الشّرح؛ وإن كانوا في أوّل الكلام لم يقولوا (أصفة الجنّة )، وهو أولى في التّفسير أن يقال هكذا : أصفة الجنّة؛ لكنّهم قالوا في آخر الكلام (هل يستوي من كان هذا جزاءه مع من هو ماكثٌ في النّار لا يخرج منها أبدًا وسقوا ماءً شديد الحرارة فقطّع أمعاء بطونهم من شدّة حرّه).
لا أحد من العقلاء يقول أبدًا : إنّ من يدخل الجنّة ويتنعّم بنعيمها مثله كمثل من ﴿هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ﴾ وهو في الجحيم، كذلك لا يمكن أن يكون من هو ﴿عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ﴾.
{ ﱶ ﱷ } أي : صفة ﴿ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ﴾ { ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ } أي : غير متغيّر ريحًا، ولا طعمًا لطول مكثٍ { ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐﲑ } نسأل الكريم من فضله!
﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21) إذًا شرابٌ، وطعامٌ { ﲗ ﲘ ﲙﲚ } أيضًا هذا أمنٌ من العقاب، وأنّهم في هذا باقون بفضل الله سبحانه وتعالى.
أي { ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ } أي كمن جزاؤه الخلود في النّار، وتأمّل هنا قال { ﱶ ﱷ } فجاء الكلام عن الجنّة.
وقال { ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐﲑ } فكان الحديث عن من؟
عن الخالد في النّار، يعني : لم يقل مثل أصحاب الجنّة؛ إنّما قال { ﱶ ﱷ }، ثمّ قال ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأحقاف: 6) وهنا { ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ } والمراد أيضًا والنّار الّتي يدخلها، قال : { ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ }.
ثمّ قال الله سبحانه وتعالى مبيّنًا حال فريقٍ آخر لم يرد ذكره في السّور المكّيّة السّابقة في الحواميم؛ وإنّما جاء الحديث عنه هنا؛ لبيان أنّ العداوات تتزايد، وهؤلاء هم المنافقون الّذين يبرزون ويظهرون مع قوّة الإسلام، ومع تمكّن المؤمنين فيظهر هذا في وسط المؤمنين فقال: {ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ }
وقوله { ﲪ ﲫ ﲬ } يدلّ على أنّهم يستمعون استماعًا طويلًا، والتّعبير لم يقل : ومنهم من يسمع إليك، وإنّما {ﲦ ﲧ ﲨ } يعني يظهر إنّه يصغي، وإنّه مقبلٌ عليك.
{ﲦ ﲧ ﲨ } وهنا جاء يستمع باعتبار لفظ (من)، فلم يقل: ومنهم من يستمعون كما جاء في موضع آخر، باعتبار اللّفظ جاء الإفراد.
{ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ } ماذا قال الآن، ماذا كان يقول النّبيّ؟ ماذا قال في حديثه قريبًا؟ ألم تكونوا تستمعون! فما بالكم تقولون هذا الكلام؟
قولهم. { ﲳ ﲴ ﲵﲶ } يحتمل إنّه على سبيل الاستهزاء، ولذلك قالوا هنا (تجاهلًا منهم وإعراضًا) يعني كأنّهم يتجاهلون هذا الّذي قاله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم / أو إنّهم يستفسرون فيكون الاستفهام حقيقيًّا.
يعني { ﲳ ﲴ ﲵﲶ } يعني: أنّهم سمعوا الألفاظ، ولكن حِيل بينهم وبين الفهم؛ لأن المنافق يُحال بينه وبين الفهم؛ لأنه لم يُخلص في نيته فلا يوفّق للفهم، فمع أنّهم جالسون مع الصّحابة يقولون: ماذا قال آنفًا كأنّهم لم يفهموا؛ ولذلك يدلّ على المعنى. ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) يعني لم يوفّقوا للفهم ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23)
وتأمّل أوائل الآيات السّابقة أيضًا ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) وتذكّر ما تقدّم في الجاثية ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) [سورة الجاثية :23 ]
قال ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) وقبلها قال ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23)
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23)
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) يعني : لا ينتظر هؤلاء إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً { ﳏ ﳐ ﳑﳒ } وهذا يعني أنّ للسّاعة أشراطًا، ومنها بعثة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
{ ﳓ ﳔ } وهذا استفهامٌ إنكاريٌّ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ (محمد: 16) قالوا هنا في التّفسير (فكيف لهم أن يتذكّروا إذا جاءتهم السّاعة).
﴿وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ (الفجر: 23) يعني : نفع ذكراهم كقوله سبحانه وتعالى ﴿وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ (الفجر: 23) [سورة الفجر :23 ]
ثمّ جاء الأمر العظيم للرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم ولأتباعه المؤمنين {ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢﳣ ﳤ ﳥ ﳦ ﳧ }
{ ﳟ ﳠ } فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
{ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢﳣ ﳤ ﳥ ﳦ } قالوا : تصرّفكم في نهاركم، { ﳧ } مستقرّكم بليلكم لا يخفى عليه شيئًا من ذلك.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :
اقتصار همّ الكافر على التّمتّع في الدّنيا بالمتع الزّائلة : { ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ }
المقابلة بين جزاء المؤمنين، وجزاء الكافرين تبيّن الفرق الشّاسع بينهما؛ ليختار العاقل، وأن يكون مؤمنًا ويختار الأحمق ويكون كافرًا: وهذا واضحٌ. ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99) وأيضًا بعدها ﴿۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ﴾ (الرعد: 35)
بيان سوء أدب المنافقين مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : وهذا واضحٌ في قولهم : { ﲳ ﲴ ﲵﲶ }.
العلم قبل القول والعمل : وذلك في قوله {ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ }.
قال الشيخ حفظه الله
{ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚﱛ ﱜ ﱝ ﱞ}
{ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ } هذا في مقابلة حال المنافقين، فإذا كان المنافقون يقولون { ﲳ ﲴ ﲵﲶ } وهم لا يحرصون على الانتفاع بالعلم؛ فأهل الإيمان ليسوا كذلك؛ وإنّما هم حريصون كلّ الحرص على الاستماع إلى القرآن فيقولون : { ﱄ ﱅ ﱆﱇ }
2-ويمكن أن يقال - والعلم عند الله - أنّ مادّة نزّل تدلّ على التّدرّج في النّزول كما ذهب إليه بعضهم، وبناءً عليه أنّهم يتمنّون، أو يرغبون في نزول ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾، ولو كانت آيةً فهم يرغبون في نزول كلّ ما ينزل من القرآن الكريم آيةً فأكثر حتّى وإن كان بتدرجٍ.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) سورةٌ كاملةٌ عظيمةٌ كما جرى في سورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم { ﱋ } يعني ليس فيها نسخٌ، ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) أو محكمة في بيانها وأحكامها كما فسّروا هنا. ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87) وهم أهل النّفاق { ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚﱛ ﱜ ﱝ } من الجبن، والهلع؛ وأمّا أهل الإيمان فهم ثابتون واثقون بالله تعالى، وفرقٌ كبيرٌ بين المؤمن، وبين المنافق المرتاب.
وهنا قال ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87) وبعض العلماء يرى : أنّ الّذين في قلوبهم مرضٌ حالٌ من حال المنافقين، وأنّ الّذين في قلوبهم مرضٌ مرحلةً يتوصّل بعدها إلى النّفاق الّذي يكون الإنسان فيه أكثر شكًّا فهو مريضٌ، ضعيفٌ يميل إلى الإيمان تارةً، وإلى الكفر تارةً، ثمّ يزداد نفاقه؛ ولذلك عطف الّذين في قلوبهم مرضٌ على المنافقين في بعض الآيات. ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 49) [سورة الأنفال :49 ]
قال ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 49) هنا قالوا في التّفسير (فتوعّدهم الله بأنّ عذابهم قد وليّهم وقرب منهم).
إذًا ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 49) يعني : العذاب وليّهم، وقرب منهم.
2-وإلاّ فبعض المفسّرين يرون أنّ قوله : ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 49) مرتبطٌ بما بعده يعني ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 49) يعني الأولى لهم أن يكونوا مطيعين، وأن يقولوا القول المعروف هذا قولٌ آخر.
{ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ } وهذا يدلّ على أهمّيّة العزم الصّادق { ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ } ومن صدق العزم وجد السّبيل، ووصل إليه بفضل الله القدير.
{ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ }
تحذيرٌ أيضًا من الإفساد في الأرض، ومن التّولّي والإعراض ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ (محمد: 4) وهنا عطف تقطيع الأرحام على الفساد في الأرض؛ مع أنّه من الفساد في الأرض، أو من الإفساد في الأرض فهو من عطف الخاصّ على العامّ.
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر تقطيع الأرحام مع الإفساد في الأرض؛ ولذلك قال الله : ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 25) [سورة الرعد :25 ] فعطف الإفساد في الأرض على تقطيع ما أمر الله عزّ وجلّ به أن يوصل، وهذا متكرّرٌ في القرآن الكريم كما جاء في البقرة، وفي الرّعد.
قال { ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ } هنا فسّروا ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) هنا فسّروا تولّيتم : بالإعراض.
2- وهناك قولٌ آخر أنّ ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) من الولاية، يعني : أن صرتم ولاةً، أو صارت لكم ولأيةٌ وقدرةٌ
{ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ } ومن شؤم تقطيع الأرحام أنّ صاحبه ملعونٌ، ولذلك من الأدلّة على أنّ قطع الأرحام سببٌ في جلب اللّعنة هذه الآية. { ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ }.
ثمّ قال الحقّ سبحانه وتعالى {ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ}
لماذا يعرضون عن تدبّر القرآن الكريم؟
{ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ} وأنت إذا تأمّلت هذه الآية الكريمة وجدت أنّ الله سبحانه وتعالى ينعى على هؤلاء المشركين، والمنافقين عدم تدبّرهم للقرآن، وهذا فيه دلالةٌ واضحةٌ على أنّ تدبّر القرآن يخاطب به النّاس جميعًا، وليس لفئةٍ مخصوصةٍ؛ ولذلك من زعم أنّ تدبّر القرآن يشترط له الاجتهاد، أو تحقيق شروط الاجتهاد فهذا خطأٌ بيّنٌ.
صحيحٌ أنّ بعض معاني القرآن تستغلق في فهمها على كثيرٍ من النّاس، ولا يعرفها إلا أولو الألباب، ومن رزقه الله العلم والبصيرة، بيد أنّ جمهور آيات القرآن، وأكثر معاني القرآن الكريم فإنّها ظاهرةٌ بيّنةٌ؛ ولذا وصف الله القرآن بإنّه كتابٌ مبينٌ.
ودُعينا جميعًا إلى تدبر القرآن الكريم، وإذا كان الكفّار قد خوطبوا، وإذا كان المنافقون والمشركون قد خوطبوا، وأمروا بتدبّر القرآن، وذمّوا لترك تدبّر القرآن، فما بالك بالمسلم الّذي يؤمن بالله، وبرسول الله محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
{ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ} وفيه أنّ من أعرض عن التّدبّر فإنّه يخشى على قلبه، وأنّ على قلبه قفلًا حقيقٌ به أن يذهب هذا القفل عنه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح قلوبنا للقرآن، ولتدبّر القرآن الكريم! وفيه أيضًا : أنّ من تدبّر القرآن فتح الله عزّ وجلّ له المعاني الجليلة الّتي ترسّخت في القلوب، وحينئذٍ تتفتّق الفهوم، والخيرات والبركات على صاحبها بفضل الله، والمطلوب منكم هنا أن تذكروا لنا بعض الآيات القرآنيّة الدّالّة على أهمّيّة تدبّر القرآن، وفضله.
قال الله سبحانه وتعالى بعدها : { ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ }
ترون أيّها الإخوة الكرام، أنّ سورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم تنقلنا نقلاتٍ أخرى، فبعد أن كان الحديث في السّور الماضية في الحواميم، أو في السّور المكّيّة حديثٌ فيه الجدال، وفيه الرّدّ على الشّبهات، صار هنا الحديث عن أقوامٍ آخرين منهم المنافقون، والّذين في قلوبهم مرضٌ، والمرتدّون الّذين عرفوا الحقّ واتّبعوه، ثمّ تركوه. وهذا كلّه يدلّ على أنّ الأمور تتزأيد؛ لذلك شرع حينئذٍ ما ذكره الله في سورة محمّدٍ صلّى الله صلّى الله عليه وسلّم من أمر القتال، وما إلى ذلك.
قال ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) تأمّلوا هنا قالوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172) يعني (زيّن لهم الكفر والنّفاق، وسهّلهم، ومنّاهم بطول الأمل).
إذًا ما معنى { ﲔ ﲕ } يعني سهّل لهم، ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45) يعني منّاهم بطول الأمل لا تقلقوا العمر أمامكم مديدٌ وطويلٌ.
هنا قال : ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45)، والقراءة الأخرى (وأملي لهم) وبعضهم أيضًا قال : إنّ قوله : ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45) يحتمل أنّ الضّمير يعود على الله كقوله ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45) [سورة القلم:44-45]
﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45)
تأمّلوا رحمكم الله ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45) وهم أهل الشّرك والكفر، إذًا هناك فرقٌ بين المؤمن فهو يحبّ ما أنزل الله، ويرغب في نزول القرآن الكريم ويقول { ﱄ ﱅ ﱆﱇ } يعني هلّا نزلت سورةٌ.
وأمّا الكفّار فهم يكرهون ما أنزل الله { ﲙ ﲚ } أي : هؤلاء المرتدّون { ﲙ ﲚ } : أي هؤلاء المرتدّون { ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ } سنوافقكم في بعض الأمر.
قالوا هنا (كالتّثبيط عن القتال) إذًا هم يريدون اللّعب على الحبال كما يقولون! أو مسك الأمر من الوسط، فنحن نرضي هذا، ونرضي هذا، وهيهات، هيهات! وتأمّل لم يقولوا : سنطيعكم في الأمر؛ إنّما في بعض الأمر، - فاحذر يا عبد الله - من أن تكون من هؤلاء الّذين يريدون جمع المحبّات، أو إرضاء جميع الأطراف حتى وإن كان على حساب الدين، فهذا لا يليق البتة؛ وإنّما المؤمن متميّزٌ، وفرقٌ كبيرٌ بين المداراة، والمداهنة، ولعلّه يأتي بيان شيءٍ من ذلك في مناسبة تكون أليق بهذا بإذن الله تبارك وتعالى.
{ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ }
{ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ } وهذا فيه تهويلٌ، وتفظيعٌ للّذي يجري لهم، { ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ} وقد استدلّ بعض العلماء بهذه الآية وأمثالها على عذاب القبر؛ لأنّ هذا يكون عند قبض الأرواح فيدلّ على عذاب القبر.
{ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ } والمؤمن يحبّ رضوان الله، ويسعى إلى رضوانه { ﲺ ﲻ} {ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ }
{ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ } وهذا فيه إنكارٌ وتهديدٌ لهؤلاء، وتأمّل { ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ } من أهل النّفاق { ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ } بل إنّ الله سبحانه وتعالى سيخرج أضغانهم، وأحقادهم، ويعلمها، ويظهرها سبحانه وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :
التّكليف بالجهاد في سبيل الله يميّز المنافقين من صفّ المؤمنين: فهذا فيه بيان أهمّيّة الجهاد في سبيل الله، وبعض الحكم.؛ ولذلك قالوا :
فله حِكَم جليلة وعظيمة.
أهمّيّة تدبّر كتاب الله، وخطر الإعراض عنه: وهذا في قوله سبحانه وتعالى :{ﲀ ﲁ ﲂ }
الإفساد في الأرض، وقطع الأرحام من أسباب قلّة التّوفيق، والبعد عن رحمة الله : وجديرٌ بالعبد أن يتأمّل هذا، فالإنسان الّذي يقطع رحمه يحرم التّوفيق؛ لأنّه قد استحقّ لعنة الله، فنسأل الله السّلامة، والعافية!
{ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊﱋ ﱌ ﱍ ﱎ }
﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) أي : بعلامتهم ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) ولذلك لا تجد منافقًا من المنافقين إلّا وتظهر حقيقته في فلتات لسانه فأبى الله سبحانه وتعالى إلّا أن يظهر ما في ضمائرهم، ومكنونات صدورهم في فلتات ألسنتهم، وعلى صفحات وجوههم، لكنّ الله سبحانه وتعالى يستر.
{ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊﱋ } تغيّر القول، والميل به، وإمّا المتخلّق الصّادق فكلامه واضحٌ جليٌّ يجعل الله سبحانه وتعالى له القبول ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) وأذكركم أيّها الإخوة الكرام بأنّ السّورة الكريمة تقرّر قضيّة الأعمال وميزان القبول؛ لذلك. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12) ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم﴾ (محمد: 14) ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم﴾ (محمد: 14) وهكذا.
كلمة الأعمال تتكرّر في السّورة الكريمة كثيرًا؛ لبيان ما يقبل من الأعمال، وما يردّ منها قال الله : ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ (النمل: 79)
{ﱐ } ولنختبرنّكم { ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ } قوله سبحانه وتعالى : ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) يعني حتّى نعلم علمًا يترتّب عليه الثّواب، والعقاب؛ لئلا يقول قائلٌ: الله سبحانه وتعالى يعلم بالشيء قبل وقوعه. فهل الله سبحانه وتعالى لا يعلم إلّا بعد أن يختبرنا؟ فيقال: لا، الله سبحانه وتعالى يعلم ما سنعمله ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نعمل، ولكن معنى ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) يعني علمًا ينكشف ويظهر فيترتّب عليه الثّواب والعقاب.
وكذلك في الآيات الّتي جاءت تشابه هذه الآية كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 3) [سورة العنكبوت :3 ] وكقوله ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143) [سورة البقرة :143 ] فكيف الجواب عن ذلك؟
يقال: الله سبحانه وتعالى يعلم بالشّيء قبل وقوعه، لكنّه لا يحاسب العباد على علمه السّابق، وإنّما يحاسبهم ربّ العزّة سبحانه وتعالى على ما يقع منهم.
إذًا هذا العلم هو ظهور هذا العلم، وانكشافه الّذي يترتّب عليه الثّواب والعقاب، وهذا جعل بعض المفسّرين يقولون أيّ : ليعلم أولياء الله، أو ليعلم المؤمنون، وليظهر لهم، ومن الآيات الّتي قرّرت أنّ الله عليمٌ بما في الصّدور ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقع منهم قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154) [سورة آل عمران :154 ] فمع أنّه يبتلي سبحانه وتعالى إلّا إنّه عليمٌ بذات الصّدور سبحانه وتعالى، قال هنا : { ﱖ ﱗ }.
{ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ }
﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) تأمّلوا عودٌ على بدءٍ هكذا في كلّ سور القرآن؛ لذلك بعض العلماء صنّف في المناسبة بين أوّل السّورة وختام السّورة فأوّل السّورة، وختام السّورة بينهما ارتباطٌ وثيقٌ فأوّل السّورة { ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ } وهنا ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) ثمّ بعدها أيضًا : { ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ }.
قالوا هنا تأمّل ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) ماذا قال هنا الشّرّاح في المختصر؟ قالوا (وصدّوا عن دين الله بأنفسهم) تأمّل (وصدّوا عنه غيرهم) كيف هذا؟
فسّروا الصّدّ بالمعنين، وقد ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في أوّل السّورة أنّ الصّدّ على معنيين، فالصّدّ قد يكون معناه الإعراض، وحينئذٍ مصدره صدودٌ، صدّ صدود على وزن فعول معناه الإعراض.
وصدّ صدًّا معناه : صدّ غيره فيكون متعدّيًا، فانظر يا رعاك الله كيف أنّ الكلمة الواحدة، أو الفعل الواحد يتعدّد مصدره، ويختلف حينئذٍ المعنى.
وقلنا: إنّ الصّدّ الأقرب في تفسيره إنّه صدّ الغير؛ لأنّ الكفر إعراضٌ فيكون المعنى الزّائد، والذي فيه تأسيس أنهم صدّوا غيرهم، لكنّهم جمعوا بين المعنيين.
{ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ }
وهذا يدلّك على أنّ من مقاصد السّورة بيان قدر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ووجوب اتّباعه.
{ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ }
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا﴾ (محمد: 10) وهذا أيضًا من محأور السّورة الأمّ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 11) بماذا؟
لا تبطلوا أعمالكم بالارتداد عن الدّين، بالشّرك بالله، ولا تبطلوا أعمالكم بردّ أوامر رسول الله، ومخالفته صلّى الله عليه وسلّم وهذا هو سياق الآية الكريمة؛ إلّا أنّ بعض العلماء استدلّ بالآية في بعض العمومات، وفي بعض المسائل الجزئيّة أيضًا فقالوا. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 11) فوردت بعض المسائل الفقهيّة كما لو دخل إنسانٌ مثلًا في صلاة تطوّعٍ فيها، ثمّ أقيمت الصّلاة؛ فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: لا يقطع الصّلاة بدليل ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 11) مع أنّ الآية في سياقها تتحدّث عن أمر الرّدّة، ومشاقة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن محلّ ذلك في دراسة الفقه كما هو معلومٌ.
﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61)
أيضًا هنا ذكر الأعمال، لا تعارض بين هذه الآية وآية سورة الأنفال ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61) [سورة الأنفال :61 ] وهنا قال ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61) فقال بعض العلماء: النهي هنا نهي عن الابتداء بطلب السِّلم - يعني - لا تكون من المؤمنين المبادرة بالطلب؛ لأنّ المؤمنين أقوياءٌ، ومعتزّون بدينهم، وأما هناك فإن مال الأعداء إلى ذلك. ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) فاقبل منهم ذلك، ولا عليك.
وقال بعضهم : ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61) أي : في حالة القوّة، وإمّا في حالة الاستضعاف؛ فحينئذٍ لا مانع من الجنوح إلى السّلم، وقبوله فهما وجهان قيلا في الجمع بين هذه الآية، وآية الأنفال.
قال الله بعدها : { ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ }
فسّروها هنا (ولا يسألكم جميع أموالكم) لم؟ لأنّ الله بعدها دعانا إلى الإنفاق في سبيل الله، إذًا هذا يستفاد من قرائن السّورة، ومن سياق الآيات الكريمة
أيضًا ممّا يتعلّق بهذا في الختام. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (الحجر: 65)
تأمّلوا وهناك قال { ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ }. ومن دقيق العلم، ولطيفه أنّك ترى في سور القرآن الكريم بعض المفردات الّتي يقال لها الفرائد في القرآن، أو في سور القرآن أحيانًا تجد في سورةٍ من سور القرآن، بعض الكلمات الّتي لم تتكرّر في القرآن كلّه، مثلًا كلمةً :-
{ ﲰ } لا تجدها إلّا هنا، وكذلك هنا { ﳇ } هذا كلّه من دلائل ما يتعلّق بالسّورة؛ أنّ السّورة تخرج الأضغان، والأحقاد، وكيف يتعامل معها.
{ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ}
﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) إذا كانت السّورة الكريمة قد تحدّثت عن الجهاد في سبيل الله بالنّفس، فهذا حديثٌ عن الجهاد في سبيل بالمال؛ لأنّ الجهاد يكون بالنّفس، ويكون بالمال، فجاء الحديث عن الإنفاق. {ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ }
يعني يمنع عن نفسه، ويعود عليه هذا، وأحيانًا البخل يتعدّى بعن، ويتعدّى بعلى إذا كان معناه التّضييق يعني بخل عليه، يعني ضيّق عليه، وبخل عنه بأن أمسك عنه. ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133)
ثمّ جاء الختام ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133) كما قال الله ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133) [سورة النساء :133 ] فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يستعملنا في طاعته، وأن يوفّقنا لـما يحبّ ويرضى.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :
سرائر المنافقين، وخبثهم يظهر على قسمات وجوههم، وأسلوب كلامهم : وهذا واضحٌ في قوله : { ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊﱋ }ولقد أعلم الله نبيّه محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم بأسماء المنافقين، وأعلم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما بذلك.
الاختبار سنّةٌ إلهيّةٌ؛ لتمييز المؤمنين من المنافقين : وهذا في قوله {ﱐ } ولتجد أنّ الابتلاء ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرةٍ؛ لبيان أنّه سنّةٌ، بل إنّ ربّنا سبحانه وتعالى قال﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ﴾ (الملك: 2) [سورة الملك :2] بل إنّ الحديث عن الابتلاء جاء مؤكّدًا بالقسم؛ ولذلك هنا : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186) يعني والله لنبلونّكم، وكما قال : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186) [سورة آل عمران :186]
تأييد الله لعباده المؤمنين بالنّصر والتّسديد : وهذا واضحٌ أيضًا فالله قال :{ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ }.
من رفق الله بعباده أنّه لا يطلب منهم إنفاق كلّ ﴿أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾: ولذلك ربنا من لطفه بعباده أنّه أمرهم أن يخرجوا من أموالهم القليل. ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 219) [سورة البقرة:219] ولذلك قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 219) حينئذٍ يلحّ في طلبها منكم، ويأمركم بها أمرًا واضحًا { ﲪ } يقع البخل، { ﲫ ﲬ} لكنّه اللّطيف بعبادة سبحانه وتعالى.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النّافع، والعمل الصّالح
هذا والله أعلم، وفّقنا الله وإيّاكم لـما يحبّ ويرضى،
وصلى الله على نبيّنا محمّدٍ، وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)
دروس مشابهة
- لمحة في سورة الصف
- تفسير سورة الفاتحة الدرس
- وقفات مع قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر جزء1 - خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
- وقفات مع قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- سورة الزمر — الجزء 2