مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الزخرف

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 32 من 103 · 1 ساعة و53 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة الزّخرف

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:

فهذا لقاءٌ من لقاءات التّعليق على كتاب المختصر في التّفسير.

ننتقل إلى سورة الزّخرف، وسورة الزّخرف إحدى الحواميم مضى معنا من الحواميم (غافر، وفُصِّلت، والشّورى، والزّخرف) فالزّخرف هي السّورة الرّابعة من الحواميم بحسب التّرتيب في المصحف، فنستطيع أن نقول هي واسطة العقد قبلها ثلاثٌ، وبعدها ثلاثٌ.

سورة الزّخرف، وقد جاء في السّورة ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 35) [سورة الزخرف: 35]. وفسّره الأكثرون بالذّهب، إذن هي سورةٌ تتحدّث عن الزّخرف، فالاسم يدلّ على المقصود؛ لذلك قالوا هنا من المقاصد ( التّحذير من الافتتان بزخرف الحياة الدّنيا؛ لئلّا يكون وسيلةً للشّرك ).

التعريف بالسورة

بعد أن قرّروا أنّ السّورة مكّيّةٌ – وهذا واضحٌ - فهي سورةٌ مكّيّةٌ نزلت قبل هجرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ففيها ما في السّور المكّيّة من تقرير الوحدانيّة والرّسالة والبعث.

( التّحذير من الافتتان بزخرف الحياة الدّنيا ) ربّنا لـمّا ذكر مجادلة الكافرين، وذكر إعراضهم، وذكر أنّهم اتّخذوا شرائع لا تصحّ يبيّن هنا ما الّذي حملهم على ذلك، ما الّذي جعلهم لا يستجيبون للوحي؟

الوحي واضحٌ، وجليٌّ، وبيّنٌ، وبراهينه جليّةٌ، ما الّذي حملهم على ذلك؟

الافتتان بالدّنيا؛ ولذلك تجد في بداية السّورة ما يدلّ على هذا ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) [ سورة الزخرف :5 ].إذن القاعدة ما الّذي صرفهم؟ الإسراف.

ولعلكم تتذكّرون في غافرٍ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [ سورة غافر :28 ] وكذلك ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [ سورة غافر :34 ].

الإسراف هذا هو الجامع المشترك بين الكفّار الإسراف.

ثمّ ذكر الله أمورًا تتعلّق بفتنتهم بالدّنيا، ومن ذلك - من دلائل - هذا المقصد والعلم عند الله ما ذكره الله في قوله ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31) [ سورة الزخرف :31 ]. يعني : من ضمن أسباب تركهم قبول دعوة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليس غنيًّا، قالوا : النّبيّ ليس ملكًا، وليس غنيّاً، فكيف نقبل دعوته؟.

إذًا هم يرون الاصطفاء يكون في الدّنيا، فكان هذا هو الإشكال عندهم ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32).

وأيضًا جاء في السّورة الكريمة آياتٌ جليلةٌ في تقرير حقيقة الدّنيا، ومتاع الدّنيا ﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 33-35) [ سورة الزخرف :33-35 ] اسمها الزّخرف ﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 33-35).

ومن دلائل ذلك أنّ الله ذكر فيها قصّة فرعون مع موسى الكليم ’، فماذا كان فيها من قصّة فرعون مع أنّ قصّة فرعون في القرآن متكرّرةٌ، قصّة نبيّ الله موسى متكرّرةٌ ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) [ سورة الزخرف :51 ]. إنّها الدّنيا ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: 51-52) [ سورة الزخرف :51-52 ].

يقول ﴿فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (الزخرف: 53) [ سورة الزخرف :53 ].قضيّة الزّخرف، إذًا قضيّة الزّخرف فلم يؤمن بموسى، لِمَ؟ احتقره وازدراه؛ لأنّه ليس من ذوي المناصب الدّنيويّة.

ثمّ إنّ الله لـمّا ذكر نعيم أهل الجنّة ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الزخرف: 71) [ سورة الزخرف :71 ].

من أراد الذّهب فإنّه في الآخرة، وأمّا ذهب الدّنيا فإنّه ذاهبٌ، هذا كلّه في هذه السّورة.

حتّى لـمّا ذكر الله عيسى ’ قالوا : لأنّ عيسى مثالٌ للزّهد فقد عرف بالزّهد ‰ ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: 57) [ سورة الزخرف :57 ]. وقال الله في حقّه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الزخرف: 59) [ سورة الزخرف :59 ].عبدٌ منعمٌ عليه، لكنّهم يفترون على الله الكذب.

لكن أيضًا يمكن أن يقال والعلم عند الله إنّ سورة الزّخرف بيّنت وجوه الكفر الّتي وقعت من هؤلاء فإذا كانت السّور السّابقة بيّنت الإعراض، أو بيّنت الجدال هنا بيّنت أقوالهم؛ لذلك في السّورة كثيرٌ من جمع الأقوال ( وجعلوا، وقالوا ) تأمّلوا ﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15) [ سورة الزخرف :15 ].﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (الزخرف: 16-17) [ سورة الزخرف :16-17 ].

﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 19) [ سورة الزخرف :19 ]. ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) [ سورة الزخرف :20 ].﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) [ سورة الزخرف :22 ].

سورة الزّخرف جمعت الأقوال المتعدّدة الّتي يقولها الكفّار، ومن بينها من حيث السّلوك الاغترار بالدّنيا، وأيضًا فيها من وجهٍ آخر كما ذكر بعض أهل العلم -والعلم عند الله –.

إذا كانت سورة الشّورى قد بيّنت أصالة الوحي، وأن التّوحيد عريقٌ؛ فالأنبياء والمرسلون كلّهم على التّوحيد فإنّ سورة الزّخرف قد بيّنت أنّ الكفّار أيضًا توارثوا تقليد الآباء على الضّلال؛ لذلك جاء في السّورة ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22-23) [ سورة الزخرف :22-23 ].

إذا كان الأنبياء والمرسلون يقتدي بعضهم ببعضٍ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 90) [ سورة الأنعام :90 ].فأولئك أيضًا يتابع بعضهم بعضًا على الضّلال فهذا من وجهٍ آخرٍ والعلم عند الله.

ومن جميل ما قرأت للدّكتور محمّد أبي موسى وهو معروفٌ بالنّظر في الأسرار في سور القرآن وله تفسيرٌ فيما يتعلّق بالحواميم قال جملةً جميلةً «الشّورى أصَّلت، والزّخرف علَّلت».

" الشّورى أصّلت " بتأصيل الوحي، " والزّخرف علّلت " لماذا هؤلاء لم يتابعوا الوحي؟

وهذا جليلٌ أيضًا والعلم عند الله.

كلّ هذا ممّا نجده في سورة الزّخرف بإذن الله، نسأل الله أن يفتح لنا فتوح العارفين، وأن يرزقنا العلم النّافع، والعمل الصّالح، وألّا يجعل الدّنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا.

قال الشيخ حفظه الله

﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) تقدّم الكلام على نظائرها، ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25) قسمٌ بالقرآن الكريم وهذا متكرّرٌ أيضًا، وسيأتينا أيضًا في سورة الدّخان أيضًا قسمٌ بالكتاب المبين.

﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15)

وهذا عجيبٌ أيضًا أن يقسم الله بالقرآن على القرآن، لكن هنا : على جعل القرآن عربيّاً، وهذا لعظمة القرآن يقسم به، ويقسم عليه، أو على شيءٍ يتعلّق به.

نقل من المختصر وبيانه

قالوا في المختصر ( جعلناه قرآنًا بلسان العرب رجاء أن تعقلوا )

إذًا من فضائل عربيّة القرآن تيسير عقله، وفهمه، فالله جعل القرآن عربيّاً؛ لنتعقّله؛ ولذلك لا ينبغي لنا أن تكون بيننا وبين العربيّة قطيعةٌ، فإنّ العربيّة لسانُنا، وبها أنزل الله القرآن؛ فمن فهمها عقل عن الله ما ينبغي له أن يعقله قدر استطاعته.

وهنا معنى مهمٌّ ألفت الانتباه إليه أنّ معنى قوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3) يعني: صيّرناه، وليس معناه خلقناه؛ لأنّ بعضًا قد فهم خطأً، وقالوا ﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27) معناه : خلقناه!! فزعموا أنّ القرآن مخلوقٌ وهذا خطأٌ؛ لأنّ الجعل قد يكون بمعنى الخلق، وقد يكون بمعنى التّصيير كما قال الله ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91) [ سورة النحل :91 ]. هل معناه وقد خلقتم الله؟ لا يمكن، هذا باطلٌ.

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28)

هذا معنى جليلٌ في سورة الزّخرف أنّ هذا القرآن مذكورٌ في أمّ الكتاب في اللّوح المحفوظ، وأيضًا يدلّ على اتّفاق الوحي السّابق.

قال الله ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) وكما قلت يمكن أن يقال إنّ هذه السّورة تدلّ على المقصود الأُمّ، وعلى المحور الأكبر في هذه السّورة، قالوا في المختصر ( أفنترك إنزال القرآن عليكم إعراضًا لأجل إكثاركم من الشّرك، والمعاصي لنا؟ لا نفعل ذلك، بل الرّحمة بكم تقتضي عكس هذا ).

يعني : أنّ القرآن نازلٌ نازلٌ بالرّغم من عتوّهم، وإعراضهم، وجدالهم، وتكبّرهم، وأقوالهم إلّا أنّه نازلٌ، وهذا يدلّ أيضًا لماذا صدّرت هذه السّور المباركة من الحواميم بالحديث عن القرآن؛ للدّلالة على عظمة القرآن، وأنّ القرآن لن يمنع الله إنزاله بسبب ما عليه كثير من الخلق من الضّلال، والإضلال، والفساد والإفساد.

﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51)

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29) بأسلوب الإنكار؛ يعني : أنترك إنزال القرآن من أجل إسرافكم؟ أمن أجل شرككم؟ وإعراضكم، وما تفعلون نترك إنزال القرآن؟ لا، بل سننزل القرآن.

وقوله ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 30) تقدّم أنّ السّورة تتحدّث عن الإسراف - إسراف هؤلاء -، عن إسراف هؤلاء في أقوالهم، عن إسراف هؤلاء في دنياهم، عن إسراف هؤلاء في تكذيبهم إلى غير ذلك ممّا سيأتي بيانه بإذن الله بعد قليلٍ.

﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) وهذا فيه معنى جليلٍ، ولطيفٍ وهو أنّ الدّعاة إلى الله لا يَدَعون الدّعوة إلى الله، وإن وجدوا محاربةً، وإن وجدوا إعراضًا فلا يقل أحدهم: إنّ النّاس لا يستجيبون لدعوتي، وإنّ النّاس لا يسمعون لكلامي، لماذا أتكلّم إذن؟

نعم ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ (الأعلى: 9) [ سورة الأعلى :9 ]. قال بعضهم : حيث تنفع الذّكرى.

وقال آخرون : وهو قولٌ وجيهٌ ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ (الأعلى: 9) يعني : ستنفع الذّكرى، والدّليل على أنّ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى﴾ (الأعلى: 10-11) هنا تفيد إنّه يذكّر، أنّ الله بعدها قال ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى﴾ (الأعلى: 10-11) [ سورة الأعلى :10-11 ]. إذًا هو ذكّر، لكن هناك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، وهناك من لم يقبل.

فالدّاعي إلى الله يقتدي بإنزال القرآن، أنّ الله أنزل القرآن، ولم يَدَعْ إنزال القرآن من أجل إعراض هؤلاء، أو إسرافهم.

ثمّ قال ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31) دلالةً على توحيد الله بدلائل ربوبيّته هو الخالق، وهو الرّازق، فلماذا يعبدون غيره، ولماذا أشركوا به؟.

وسنقرأ الصّفحة الآتية بإذن الله، لكن تأمّل كلمة ( جعل )، وتأمّل كلمة ( جعلوا )، وأنت تسمع الآيات وتفسيرها.

﴿وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: 11) وبعدها ﴿وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: 11) [ سورة الزخرف :11 ]. ومع هذا ماذا جعل هؤلاء؟.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

سُمِّي الوحي روحًا؛ لأهمّيّة الوحي في هداية النّاس، فهو بمنزلة الرّوح للجسد : وهذا كما تقدّم في سورة الشّورى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [ سورة الشورى :52 ].وذكرنا كلام مالك بن دينار" يا أهل القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم".

الهداية المسندة إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم هي هداية الإرشاد، لا هداية التّوفيق : وبه يجمع بين قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [ سورة الشورى :52 ].وقوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56) [ سورة القصص :56 ].كما تقدّم.

ما عند المشركين من توحيد الرّبوبيّة لا ينفعهم يوم القيامة : لأنّهم يقولون ﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (الزخرف: 12) ومع ذلك لم ينتفعوا بهذا؛ لإشراكهم بالله.قال الله ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) كما قال ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) فما من قطرةٍ تنزل من السّماء إلّا بقدرٍ، وكما قال الله ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) [ سورة القمر :49 ].

قال الشيخ حفظه الله

قال ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49)

هذا دليلٌ على البعث، وهذا كما تقدّم أنّ السّور المكّيّة يكون فيها لفتةٌ إلى تقرير الأصول في كلمة ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ (ق: 11) كما قال هناك في ( ق ) ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ (ق: 11) [ سورة ق :11 ].، وكما قال في الأعراف ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29) [ سورة الأعراف :29 ].آياتٌ عظيمةٌ، بل إنّها أجزاءٌ من آياتٍ، ومع ذلك فإنّ فيها براهينَ واضحةً جليّةً لمن اعتبر وتذكّر.

﴿لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 13) ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: 14) تأمّل و﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 12-13) من هذا؟ إنّه الله .

قال ﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 12-13) [ سورة الزخرف :12-13 ]. أعادها مرّةً أخرى؛ لأنّ النّعمة تظهر عند الاستواء، والعلوّ على هذا الّذي سخّره الله.

﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: 14) يعني : وما كنّا له مطيقين لولا تسخير الله له وهذا صحيحٌ، هذا الجمل، انظر إلى الطّفل ربّما ركب عليه، وصار مسخّرًا له مذلّلًا من الّذي سخّره؟ إنّه الله .

﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15) فيه معنى عظيمٌ : وهو أنّ الإنسان عليه أن يتذكّر في سفره الزّاد الأخرويّ، والسّفر إلى الدّار الآخرة فأنت إذا ركبت دابّةً، أو إذا ركبت سيّارةً فتذكّر أنّك في الدّنيا تعبر إلى الآخرة فنحن في سفرٍ؛ ولذلك علّم الرّسول ‘ ابن عمر -¢ –"كن في الدّنيا كأنّك غريبٌ، أو عابر سبيلٍ".

ثمّ بعدها تأمّل ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ﴾ (الزخرف: 16) الله جعل، الّذي جعل، فماذا كان المقابل، ماذا كان منهم؟.

﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15) كيف يجعلون من العباد جزءً من الله، يتّصف بصفات الله؟

قال بعضهم : يعني جعلوا له البنات؛ لأنّهم نسبوها؛ لأنّ الولد ينتسب إلى أبيه، ولأنّ الولد يأخذ صفات أبيه، والله ليس له شبيهٌ، وليس له مثيلٌ، فكيف يكون له ولدٌ، وكيف يكون هناك جزءٌ من الخلق منه ؟ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (الزخرف: 17).

﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) إنّها قسمةٌ ضيزى حتّى لـمّا نسبوا إلى الله نسبوا ما لا يرتضونه لأنفسهم.

﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 19)

وتأمّل كلمة ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) لا تخلو الآيات من الرّحمات مع هذه الأقوال الّتي يقولها هؤلاء؛ ولذلك أنا أقول لك إذا أردت أن تعرف أقوال الكفّار، وأن تقرأ كثيرًا ممّا قالوا، وكثيرًا ممّا فعلوا فاقرأ سورة الزّخرف ترى فيها ماذا قال هؤلاء، وماذا فعل هؤلاء، وكيف غرّتهم الدّنيا.

﴿أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (الزخرف: 21) قالوا في المختصر( أينسبون إلى ربهم من يربّى في الزّينة وهو في الجدال غير مبين الكلام؛ لأنوثته ).

ولذلك قال بعضهم : إنّ المرأة لا تجيد غالبًا الدّفاع عن نفسها يضيع حقّها في الغالب؛ لأنّها قد تلطم، وقد تبكي، وقد ترفع صوتها، ثمّ يضيع حقّها، ولك أن تقول ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) ليس فقط في الكلام وهذا أرجح في نظري والعلم عند الله، بل هذا في كلّ المخاصمات والمقاومات، ومنه ضعف المقاومة الجسديّة فإنّها في الغالب لا تستطيع المقأومة ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) لا في الكلام، ولا أيضًا في الدّفاع عن الآخر والعلم عند الله.

﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23) ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) هذا عجيبٌ ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25).

وتأمّل قوله ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) هذه يمكن أن يقال جملةٌ معترضةٌ، لكن فيها توبيخٌ لهم، وبيان قبح صنيعهم ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26) فكيف يكونون بناتٍ لله؟.

لا يمكن، وكيف يدّعون أنّهم إناثٌ، هل رأوا أنّهم إناثٌ، أو ذكورٌ..!! ﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27) عندهم شهادةٌ!! رأوا خلقهم؟.

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28) وهذا فيه تهكّمٌ بهم؛ لأنّها ليست شهادةً، لم يقل : سيكتب ادّعائهم، إنّما قال ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29).

ثمّ قال ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 30) يحتجّون بالقدر على معصيتهم، وعلى شركهم، قالوا : لا تلوموننا على عبادة الملائكة، لماذا؟ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) نحن عبدناهم بمشيئة الله، وتقدّم مرارًا إنّه لا يصحّ هذا؛ لأنّ العبد لا يحتجّ بقدر الله على المعصية ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31).

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32) هذا أسلوبٌ بليغ العظمة، عظيمٌ جدّاً أنّ الله يوبّخهم، ويبكّتهم، وينكر عليهم، وفي الوقت ذاته يدعوهم إلى أنّ يعملوا عقولهم، هل رأيتم الملائكة؟ لا، إذن لماذا تحكمون؟ هل معكم كتاب؟ لا. هل العقل يدلّ على ذلك؟ لا العقل ولا النّقل، ولا كتابٌ، ولا شيءٌ، إذن لماذا هذا الكلام؟.

إنّما هو التّقليد الأعمى ﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (الزخرف: 33) ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) وهي ملّة الكفر هنا ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾ (الزخرف: 34) ولذلك تقدّم أنّ سورة الشّورى بيّنت أنّ الوحي أصلٌ، وأنّ الأنبياء كلّهم على منهجٍ واحدٍ، وسورة الزّخرف بيّنت أنّ الكفّار أيضًا على تقليدٍ، وعلى تقليدٍ أعمى فوقعوا في الشّرك، والعجيب كما سيأتينا بإذن الله أنّ الله ذكر لهم ما يفحمهم فقال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26) [ سورة الزخرف :26 ].وكأنّ الله يقول لهم : إذا كنتم تقلّدون فلم لم تقلّدوا أباكم وجدّكم إبراهيم؟ أليس هو أولى بالتّقليد، وقد كان على التّوحيد، فلماذا لا تقلّدونه؟.

وثَمَّةَ فوائد أخرى تتعلّق بها سيأتي بيانها بإذن الله في الدّرس المقبل، لكن هنا سؤالٌ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نختم الدّرس ونقرأ الفوائد ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) : يعني على ملّةٍ إذن الأمّة تأتي في القرآن بمعنى الملّة كما في قوله ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)[ سورة الأنبياء :92 ]. والأمّة قد تأتي على معاني أخرى بحسب السّياق فلنذكر هذه المعاني مع أدلّتها.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات :

كلّ نعمة تقتضي شكرًا، ولذلك تقول ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 13)

جور المشركين في تصوّراتهم عن ربهم حين نسبوا الإناث إليه وكرهوهنّ لأنفسهم رضوا لله ما لم يرتضه واحدٌ منهم لنفسه.

بطلان الاحتجاج على المعاصي بالقدر: ولذلك قال ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم﴾ (الزخرف: 20)

المشاهدة أحد الأسس لإثبات الحقائق لذلك قال ﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾ (يوسف: 81) لذلك نقول : هل رأيت هذا؟ ولذلك جاء ﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾ (يوسف: 81) [ سورة يوسف :81 ].

ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يرزقنا العلم النّافع، والعمل الصّالح، وأن يوفّقنا لـما يحبّ ويرضى، هذا والله أعلم.وصلى الله على نبيّنا محمّدٍ، وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله - ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29).

يبيّن الله أنّ ما زعمه مشركو العرب على عهد رسول الله ‘ من أنّهم مقلّدون للآباء كما تقدّم في قولهم ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) [ سورة الزخرف :22 ]. بيّن الله هنا أنّ هذا أمرٌ قد سبقهم إليهم الأمم السّابقة، فإنّ كلّ أمّةٍ، أو إنّ قوم كلّ رسولٍ كانوا يقولون لرسولهم هذه المقالة ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23) فالتّقليد الأعمى أضلّهم، وأزاغ قلوبهم، وجعلهم يتركون الحقّ، ولا ينقادون له، لكنّك تلحظ أيّها الأخ الكريم، في هذا التّعبير القرآنيّ الجليل أنّ ربّ العزّة سبحانه وبحمده قال ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) فدخلت كلمة ( من ) على قوله ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25) ولم يقل : وكذلك ما أرسلنا قبلك.

وتقدّم معنا في بعض المناسبات أنّ دخول ( من ) هنا تدلّ على العراقة في المضيّ من جهةٍ، ويستفاد منها العموم فهذا معناه أنّ كلّ قريةٍ قالت لنذيرها هذه المقالة قلّدوا الآباء، وتركوا اتباع الحقّ، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26) أي : في عصرٍ من العصور، أو زمانٍ من الأزمنة.

﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27) وجاء التّعبير بالنّذير؛ للدّلالة على أنّ كلّ رسولٍ كان ينذر قومه، ويحذّرهم عذاب الله، لكنّ كثيرًا منهم لا يستجيبون لدعوته.

وهذا مناسبٌ للسّورة الكريمة وما تدعو إليه من إنذار هؤلاء إذا استمرّوا على ما هم عليه من التّرف، والحرص على الدّنيا، ولذلك قال ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28) وهذا يذكرنا بالمحور الرّئيس الّذي تدور حوله السّورة الكريمة وهو التّحذير من زخارف الدّنيا.

قال ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29) : على ملّةٍ، وهي ملّة الكفر ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 30) : نقتفي أثرهم، ونقتدي بهم.

﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31)

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32) يعني : قال لهم هذا النّذير، فجاء هنا ( قال ) - بالإفراد، لم يقل ( قالوا )؛ لأنّ كلّ نذيرٍ يقول كما يقول الآخر فدعوة واحدٍ منهم كدعوة الجميع؛ ولذلك ماذا قالوا؟.

﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (الزخرف: 33) ولم يقل : إنّا بما أرسلت؛ لأنّ دّعوة الأنبياء متّفقةٌ على توحيد الله كما قرّرته سورة الشّورى سابقًا، ثمّ جاء بيانه هنا في سورة الزّخرف.

قال ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾ (الزخرف: 34)

وهناك القراءة الأخرى المتواترة ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم﴾ (الزخرف: 24) أي : ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله فهذا يعني : أنّ المرسلين من قبله قد قالوا، وأنّ الرّسول محمّداً ‘ مأمورٌ أيضًا بأن يقول ذلك.

قالوا هنا في التّفسير : ( قال لهم رسولهم أتتّبعون آباءكم ولو جئتكم بما هو خيرٌ من ملّتهم الّتي كانوا عليها ) تأمّلوا هنا كلامهم ( أتتّبعون آباءكم ) أين هذا في الآية، الآية قالت ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32) هذا فيه إشارةٌ إلى ما سبق التّنبيه عليه، وهو أنّنا إذا وجدنا مثل هذا الأسلوب في القرآن العظيم ( أولم /أو أفلم ) فإنّ هذه الواو، أو إنّ هذه الفاء تعطف كلامًا على كلامٍ، فهنا جاء التّقدير في المختصر ( أتتّبعون آباءكم ولو جئتكم ) بما هو خيرٌ لكم، أو ( بما هو خيرٌ من ملّتهم الّتي كانوا عليها؟ ).

وتأمّل هذا الأسلوب الجليل ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 35) ومن المعلوم أنّ ما جاء به الآباء ليس فيه هدًى، وإنّما هذا من باب التّنزّل مع الخصوم، ومع المنكرين لوحدانيّة الله، ومن باب الرّفق بهم ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36).

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 37)

وتأمّلوا ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾ (الزخرف: 38) وكما عرفنا أنّ الله يكرّر هذا الأمر ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (الزخرف: 39) ثمّ قال الله جلّ ذكره :.

﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزخرف: 40)

هناك صلةٌ وثيقةٌ بين هذا الكلام الّذي قرّره الخليل إبراهيم عليه السلام وقصّته، وبين ما سبق ذكره من آياتٍ؛ وذلك كأنّه يقال لهم : إن كنتم مقلّدين فقلّدوا جدّكم إبراهيم عليه السلام، فإنّ الأمم قد اجتمعت على الثّناء عليه، والله قال ﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67) [ سورة آل عمران :67 ].

فالكلّ يتشبّث بإبراهيم، ويريد الانتساب إليه، فيقال لهم: هلمّوا إلى دعوة الخليل إبراهيم ﴿إِلَّا﴾ ترون أنّه وحّد الله، وإنّه آمن بالله وحده لا شريك له، فإنَّ كنتم مقلّدين فقلّدوا جدّكم إبراهيم عليه السلام هذا من جهةٍ.

ثمّ يقال لهم ما المانع أن يترك الإنسان تقليد الآباء إذا كان الآباء على الضّلال، ﴿إِلَّا﴾ ترون أنّ الخليل إبراهيم عليه السلام قد ترك تقليد آبائه، ولم يقلّد أباه، ولم يقلّد قومه لـمّا رآهم على الباطل، فإنَّ كنتم تتلمّسون الهدى فانظروا ماذا صنع، فاصنعوا مثل صنيعه.

ثمّ إنّ الخليل إبراهيم يقول لقومه ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ (الزخرف: 41)

وقالوا هنا في التّفسير ( واذكر )، وهذا استفيد من قوله ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾ (الزخرف: 42) فـ ( إذ ) كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ تتعلّق بمقدّرٍ أي ( واذكر إذ )، حين قال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26).

قالوا ( إنّني برئٌ ممّا تعبدون من الأصنام ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ) لكنّ التّعبير القرآنيّ أبلغ فقد جاء بقوله ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) والبراء مصدرٌ، والتّعبير بالمصدر فيه مبالغةٌ ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) كأنّه المصدر نفسه، كأنّه البراءة نفسها.

﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 44)

هذا تفسير لا إله إلّا الله. فإذا قيل لك : ما تفسير لا إله إلّا الله؟ فتقول ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 44) ومن ثمّ فإنّ تفسير لا إله إلّا الله قد جاء في سورة الزّخرف في هذه الآية ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ (الزخرف: 41) ثمّ جاءت تتمّتها ﴿وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (الزخرف: 45).

فقوله ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ (الزخرف: 41) تساوي لا إله، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزخرف: 46) تعدل ( إلّا الله )﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ (الزخرف: 47)

وقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزخرف: 46) والّذي فطرني حقيقٌ بأن يعبد وحده لا شريك له )﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ (الزخرف: 47) ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 48).

تأمّلوا قالوا في المختصر( وصيّر إبراهيم كلمة التّوحيد لا إله إلّا الله باقيةً في ذرّيّته )

﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 49) : وصيّرها.

تقدّم معنا أنّ ( جعل ) قد تأتي بمعنى ( خلق )، وقد تأتي بمعنى ( صيّر )، وفهمنا هذا في قوله في صدر سورة الزّخرف ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ (الزخرف: 50) فعرفنا أنّ معنى ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا﴾ (الزخرف: 3) أي صيّرناه، وليس خلقناه، كذلك هنا ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 49) أي : صيّرها ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) وهي كلمة التّوحيد ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29) في ذرّيّته، ولذلك من فضل الله وإكرامه أن جعل من ذرّيّة إبراهيم الأنبياءَ والمرسلين فكانوا في ذرّيّته ‰، وقد قال الله في شأنه وشأن إسحاق • ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ﴾ (الصافات: 113) [ سورة الصافات :113 ].

قال ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ﴾ (الصافات: 113) : رجاء أن يرجعوا إلى الله بالتّوبة يعني يكونون هم على رجاء أن يرجعوا أو بمعنى : ليرجعوا كما تقدّم في معنى ( لعلّ ).

﴿أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: 52)

تأمّل ﴿فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (الزخرف: 53) إنّه التّمتيع، ﴿إِلَّا﴾ ترى أنّ الآيات قبل كما سمعنا ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28) المترفون، التّرف، وهنا ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54) إنّها المتع الدّنيويّة، إنّه التّرف الّذي يصد عن الحقّ هذا ما ترمي إليه السّورة الكريمة في أجلّ صورةٍ، وأوضح بيانٍ.

﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الزخرف: 55) قالوا هنا في المختصر( لم أعاجل بهلاك هؤلاء المشركين المكذّبين، بل متّعتهم بالبقاء ) وكأنّ هناك كلامًا مقدّرًا جاء قوله ﴿فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْءَاخِرِينَ﴾ (الزخرف: 56) تعقيبًا عليه، وإضرابًا عنه، فالله يقول : لم أعاجل؛ كأنّه يقول يعني :- هذا تقديرٌ - لم أعاجل بهلاك هؤلاء، لِمَ لم أعاجلهم؟.

لأنّ الله قبل قال ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: 57).

ولماذا لم ينتقم من هؤلاء؟ لأنّه أمهلهم عساهم أن يتوبوا إليه، ويرجعوا إلى رشدهم.

﴿فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (الزخرف: 53) لذلك يقال عنها إضرابٌ، إضرابٌ عن كلامٍ قد يكون مذكورًا، وقد يكون مقدّرًا، وهنا قد جعلوه مقدّرًا.

ومنهم من قال : بل هو متعلّقٌ بقوله ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ﴾ (الصافات: 113) : ﴿فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْءَاخِرِينَ﴾ (الزخرف: 56) يعني : لم يرجعوا، أو لم يرجع كثيرون، بل استمرّوا على الكفر، والعياذ بالله تعالى!.

﴿فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (الزخرف: 53) من هؤلاء؟ هؤلاء أي : المشركون من مشركي مكّة، وكفّار مكّة، وهنا قاعدةٌ جليلةٌ، أو عادةٌ من عادات القرآن قرّرها ابن عاشورٍ ¬ تعالى وبيّن أنّه لم يسبق إليها وهي أنّ كلمة هؤلاء إذا جاءت في القرآن، وأشير بها إلى غير مذكورٍ سابقٍ؛ فإنّها تنصرف إلى مشركي مكّة؛ لأنّهم كانوا الحاضرين أيّام النبي ﷺ؛ ولذلك أمثلةٌ في القرآن الكريم منها قوله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (النساء: 78) [ سورة النساء :78 ].

ومنه قوله كما سيأتي في سورة الدّخان ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ (الدخان: 34-35) [ سورة الدخان :34-35 ].

إذًا ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ (الدخان: 34-35) أي من هؤلاء المشركين الّذين يعيشون في زمانك يا رسول الله ﴿وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف: 58) أي : القرآن، ففسّروا الحقّ : بالقرآن، وهو حقيقٌ بذلك.

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الزخرف: 59) فمن أوصاف القرآن إنّه حقٌّ ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةً فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (الزخرف: 60) هذا أوّل ما قالوه ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: 61).

ثانيًا ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31)

تركوا الكلام عن القرآن؛ ليتّجهوا على من أنزل الله عليه القرآن أي : المنزل عليه وهو محمّدٌ ‘، محمّدٌ عندهم ليس ثريًّا، ليس غنيًّا، ليس ذا مالٍ، وليس ذا ثروةٍ وهم يريدون أن يكون الرّجل الّذي له السُّؤدد بينهم؛ إنّما هو المعروف بالثراء والغنى فقالوا إذا كان القرآن ولا بدّ أن ينزل، وأنّه من عند الله فليكن على غنيٍّ من الأغنياء ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 62) أي : على رجلٍ من إحدى القريتين؛ لأنّ الرّجل لا ينتسب إلى قريتين، إنّما ينتسب إلى قريةٍ واحدةٍ؛ لذلك قدّر المفسّرون فقالوا : ( أي على رجلٍ من إحدى القريتين )، وقد اختلفوا في المراد بهم، وأيًّا ما كان هذا أمرٌ بيّنه الله على الإجمال؛ وإن كان كثيرون يقولون : إنّه الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمرٍو الثّقفيّ، من مكّة الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمرٍو الثّقفيّ هذا من الطّائف.

يقولون : إذا كان القرآن سينزل فلينزل على رجلٍ من أهل الثّراء إنّها الدّنيا بحذافيرها، إنّه متاع الدّنيا كما قرّرته سورة الزّخرف، وهذا يذكّرنا بقصّة طالوت وجالوت في سورة البقرة حينما قالوا ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247) [ سورة البقرة :247 ].مع أنّ المقام هنا مقام قرآنٍ، ومقام وحيٍ، ومقام إنزالٍ من عند الله .

﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31) لولا هنا بمعنى : هلّا، وهذا فهم هنا من السّياق.

ثمّ قال ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الزخرف: 63).

﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: 64) أي : أهم يقسمون النّبوّة، يعني : هذه النّبوّة يعطونها لمن يشاؤون، ويمنعونها ممّن يشاؤون، ليس لهم أن يفعلوا ذلك، وليس لهم ذلك، فذلك إلى الله .معناه : أنّهم اعترضوا على قسمة الله، وعلى عطاء الله، ثمّ قال الله في جملةٍ عاليةٍ جليلةٍ عظيمةٍ ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (الزخرف: 65) معيشة النّاس في الدّنيا من أكلٍ، وشربٍ، وغنًى وفقرٍ، وقوّةٍ، وضعفٍ، وجاهٍ، وسلطانٍ من الّذي قسمها؟.

هو الله، فإذا كان تقسيم أمور الدّنيا، إذا كان تقسيم أمور المعاش إلى الله، وليس إلى النّاس أفيجعل الله الوحي السّماويّ ينزل بما يريد هؤلاء، لا بما يريد هو ؟.

لم يجعل الله الأرزاق الدّنيويّة إلى الخلق، إنّما هي له، فكيف بالرّزق المتعلّق بالدّين وهو أعظم وأجلّ، ثمّ قال ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) وهذا فيه إثبات التّفاضل في الرّزق كقوله.

﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) [ سورة النحل :71 ].

قال ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) قالوا هنا في المختصر أي ( ليصير بعضهم مسخّرًا لبعضٍ ).

إذًا ما معنى كلمة ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الزخرف: 66) أي : ليخدم بعضنا بعضًا؟

فقوله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الزخرف: 66) مأخوذٌ من التّسخير، لا من السّخرية على قول جماهير أهل التّفسير، وهو الصّحيح.

إذًا ما معنى ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) يعني أنّ الله فاضل بين النّاس في الأرزاق فجعل هذا غنيًّا، وجعل هذا فقيرًا، وجعل هذا قويًّا، وجعل هذا ضعيفًا حتّى ينتفع بعضنا ببعضٍ؛ ولذلك نرى بعضنا ينتفع ببعضٍ؛ لأنّ أحدنا يفتح له في بابٍ، ويغلق عليه في بابٍ، وكذلك الآخر كلّ ذلك لينتفع بعضنا ببعضٍ كما قالوا :.

النّاس للنّاس من بدوٍّ وحاضرةٍ................ بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمٌ

فكلٌّ منّا يخدم الآخر شاء أو أبى، وإمّا أن تكون من السّخرية فهذا ليس بصحيحٍ وإن جوّزه بعضهم على أنّ اللّام لام العاقبة في قوله ﴿يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الزخرف: 68) وليست لام التّعليل، لكنّ المشهور أنّها بمعنى التّسخير.

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ﴾ (الزخرف: 69) ومن أعظم الرّحمات النّبوّة.

﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (الزخرف: 70) تأمّلوا هذه الآية الجليلة الّتي تبيّن أنّ الدّنيا رخيصةً، وأنّه لا ينبغي للعبد أن يشتغل بها عن الإيمان، وطاعة الله وبحمده.

﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الزخرف: 71) لولا هنا ليست بمعنى هلّا، وإنّما هي حرف امتناع لوجود، إذًا هناك فرقٌ بين قوله ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الزخرف: 72) وقوله ﴿لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (الزخرف: 73) فالمعنى : ولولا أنّ الله يكره أن يكون النّاس كلّهم مجتمعين على الكفر ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ﴾ (الزخرف: 74).

إذًا السّؤال : لم يجعل الله لمن يكفر بالرّحمن، لم يجعل بيوتهم ﴿سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾؟

الجواب: لأن الله لم يرضَ أن يكون الناس مجتمعين على الكفر، فإذًا هذا امتناع لوجود، لـمّا امتنع هذا وجد هذا.

قال هنا ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (الزخرف: 75) يعني : ولولا أنّ كثيرًا من النّاس ضعاف القلب إذا كان النّاس يغترّون بمن أوتي الأموال مع أنّ المؤمنين أيضًا قد يؤتون الأموال، فكيف لو لم يفعل، وكان الكافر هو الّذي يعطى وحده، والمؤمن لا يعطى؛ ولذلك لو لم يفعل!! قيل لنا في معادلةٍ سهلةٍ : أيّها المؤمن، هل ترضى ﴿إِلَّا﴾ تعطى شيئًا في الدّنيا في مقابل أن تكون لك الآخرة، وأن نعطي الكافر كلّ شيءٍ في الدّنيا، ولن تكون له الآخرة؟.

لكان على المؤمن أن يجيب ويقول : نعم، يا ربّ، رضيت، لكن مع ذلك فإنّ الله بلطفه وتيسيره، ورحمته لم يفعل ذلك، بل ترى المؤمنين يعطون أيضًا "ونعم المال الصّالح للعبد الصّالح " وقد يوجد في المؤمنين من هو أغنى من الكفّار، فكان هذا من تيسير الله وفضله، ولطفه.

﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الزخرف: 76) لم يقل : لجعلنا لمن يكفر بنا، وهذا هو السّياق، لكن هنا التفت -حدث التفاتٌ - ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الزخرف: 76) مع أنّه الرّحمن؛ إلّا إنّهم يكفرون ﴿وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ﴾ (الزخرف: 77) وهذا بدلٌ ممّا قبله ﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾ (الزخرف: 33) ﴿لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (الزخرف: 78) يصعدون ﴿أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ (الزخرف: 79) سلالم يصعدون عليها، كلّ ذلك ليقال لهم خذوا الدّنيا، وليست لكم الآخرة إلّا بالإيمان بالله ربّ العالمين.

من فوائد الآيات

التّقليد من أسباب ضلال الأمم السّابقة : وهذا ظاهرٌ من الآية الأولى ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) إلى آخر الآية.

البراءة من الكفر والكافرين لازمةٌ : وهذا مأخوذٌ من قول الخليل إبراهيم ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 44).

تقسيم الأرزاق خاضعٌ لحكمة الله : ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (الزخرف: 65)

حقارة الدنيا عند الله، فلو كانت تزن عنده جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء : وهذا واضحٌ من الآية الأخيرة ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف: 80) إلى آخر الآية الكريمة.

قال الشيخ حفظه الله

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29).

تقدّم أيّها الإخوة الكرام أنّ سورة الزّخرف تدور حول هذا الغرض العظيم وهو بيان أنّ الكفّار إنّما كفروا وأعرضوا عن الحقّ بسبب افتتانهم بالدّنيا؛ ولذلك بيّن الله في هذه الآيات حقارة الدّنيا، وأنّها مهينةٌ، وأنّها زائلةٌ ذاهبةٌ، وأن متاعها لا يدلّ على قرب العبد من الرّبّ ؛ لذلك قال الله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26).

وهذا معطوفٌ على ما سبق، أي لجعلنا لهم ذلك؛ فكأنّ الله سيعطي الكفّار كلّ ما يشاؤون من الفضّة، ومن الذّهب، والزّخارف، والنّعيم؛ ليعلموا أنّها دنيا، وأنّها فانيةٌ ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ﴾ (الزخرف: 81).

بهذا الأسلوب الّذي يفيد أنّ الآخرة مقصورةٌ على المتّقين فليست لغيرهم، ثمّ قال الله

﴿سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الزخرف: 82)

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ﴾ (الزخرف: 83) 1- قالوا في المختصر ( من ينظر نظر غير متمكّنٍ في القرآن يوصله إلى الإعراض يعاقب بتسليط شيطانٍ ملازمٍ له يزيده في الغواية ) يعني هذا الّذي ينظر نظرًا غير متمكّنٍ؛ وذلك أنّ الأعشى لا ينظر نظرًا واضحًا وهذا معنى ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ﴾ (الزخرف: 83).

2- وقال بعضهم معنى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) يعني :ومن يتعامى، ومن يتغافل، ومن يعرض كما قال الله ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) [ سورة طه :124 ].

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) ومن أعظم الذّكر وأجلّه القرآن الكريم فيدخل في المعنى : ومن يتعامى، ويعرض عن القرآن ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَـٰهٌ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 84).

أي : يسلّط عليه هذا الشّيطان الّذي يلازمه؛ ولذلك قالوا ( من ترك الطّاعة ابتلاه الله بالمعصية)؛ ولذلك النّفس إن لم تشغلها بالطّاعة شغلتك بالمعصية؛ فالّذي لا يوفّق إلى الهدى تراه مقبلًا على الشّيطان، نسأل الله السّلامة!.

﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزخرف: 85)

تأتي البراءة يتبرّأ الإنسيّ من الشّيطان الجنّيّ في وقتٍ لا ينفعه النّدم، وحينئذٍ يتبرّأ الشّيطان من هؤلاء وهنا قال ﴿وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: 86)، والقراءة الأخرى المتواترة : ( حتّى إذا جاءانا ) فيجيء القرين الجنّيّ للإنسيّ وتأمّل قوله ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (الزخرف: 87) يعني : هو ملازمٌ، والإنسيّ يصير قرينًا أيضًا؛ لذلك يتحوّل هذا الإنسيّ إلى شيطانٍ إنسيٍّ بسبب اتّباعه للشّيطان الجنّيّ نسأل الله السّلامة!.

ثمّ قال ﴿وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (الزخرف: 88)

قالوا في المختصر يعني ( حتى إذا جاءنا المُعرض عن ذكر الله يوم القيامة قال متمنّيًا يا ليت بيني وبينك أيّها القرين مسافة ما بين المشرق والمغرب فقبّحت من قرينٍ ).

قال الله للكافرين يوم القيامة ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: 89) : وقد ظلمتم أنفسكم بالشّرك والمعاصي اشتراككم في العذاب، فلن يحمل شركاؤكم عنكم شيئًا من عذابكم، وهذا شديدٌ أنّ العبد الّذي يعذّب في الآخرة لا يخفّف عنه العذاب بسبب الاشتراك معه مع الآخرين، فنحن في الدّنيا نقول : إنّ المصائب إذا عمّت خفّت، فالواحد فينا إذا وجد من يشترك معه في المصيبة هانت عليه مصيبته، أمّا في الآخرة، فمع أن أهل النار يشتركون في مكان واحد يُحبسون فيه، فإن كل واحد منهم يشعر كأنّه المعذّب وحده وهذا معنى ﴿وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (الزخرف: 88).

﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ قالت الخنساء وهي ترثي أخاها :

فيهون عليها الأمر حينما تجد الآخرين مصابين، أمّا في الآخرة، فكلٌّ منهم يشعر أنّه المعذّب وحده، وهذا من التّنكيل والتّشديد، نسأل الله السّلامة.

ثمّ قال الله للرّسول الأكرم محمّدٍ ‘ {ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ} وهذا كما يقولون : استفهامٌ إنكاريٌّ : لم تتعب نفسك يا رسول الله، كأنّك ترى أنّك ﴿تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ﴾، أو تظنّ ذلك؟ إنّك تحرص كلّ الحرص على تبليغهم الدّعوة، وعلى أن يكونوا مهتدين، لكن : اعلم أنّ الأمر ليس إليك، ما عليك إلّا البلاغ، أفأنت يا رسول الله ﴿تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ﴾؟، ومعروفٌ أنّ الصّمّ والعمي، هذا الصّمّ لا يسمعون، والعمي لا يبصرون، فكيف يتأتّى لك أن تصل إليهم، ثمّ قال { ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ} فهذا عامٌّ بعد خاصٍّ.

ثمّ لفت الله رسوله محمّداً ‘ لـما ينبغي أن يحرص عليه، قال {ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ}.

هذا هو المطلوب منك أن تستمسك بالّذي أوحاه الله إليك، وهي دعوةٌ عامّة لنا جميعًا، وأمرٌ لنا جميعًا ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170) وهي نصيحةٌ عظيمةٌ جليلةٌ وأمرٌ جليلٌ عظيمٌ؛ ولذلك قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170) [ سورة الأعراف :170 ]. وتأمّل ختام الآية ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170) من الأهمّيّة بمكانٍ أن يكون العبد على يقينٍ في الطّريق الّذي يسلكه فإنّ ممّا يعين العبد على الثّبات أن يشعر بإنّه على الحقّ؛ ولذلك ربّنا علّم رسوله فقال ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ (النمل: 79) وقال أيضًا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ (النمل: 79) [ سورة النمل :79 ].

أمّا الإنسان إذا لم يكن ذا بصيرةٍ، ولم يكن ذا معرفة بدينه، وبصيرةٍ بأمره فإنّه يتذبذب أمام الشّبهات، ثمّ قال الله.

{ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ}

1-شرفٌ، وعزٌّ لك ولقومك؛ قالوا هنا في المختصر ( وإنّ هذا القرآن لشرفٌ لك، وشرفٌ لقومك ) فمن معاني الذّكر : الشّرف كما تقدّم في قوله ﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ (ص: 1) [ سورة ص :1 ].

2-أو المعنى : وإنه لمذكّرٌ لك ولقومك، فالقرآن شرفنا، وصدق الرّسول ‘ إذ قال "إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين ".

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28) سوف تسألون عن هذا القرآن ماذا عملتم به، وماذا حرصتم، وماذا قدّمتم له؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المعروفة الّتي توجّه للعبد.

{ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ}

هذا فيه تقرير قاعدةٍ عامّةٍ، وهي أنّ كلّ الرّسل جاءوا بالتّوحيد، وأنّه لم يكن في الأرض رسولٌ يدعو إلى الشّرك، بل كان يهدم ما كان عليه أهل الشّرك، فيقال لهم : " أنتم قلّدتم الآباء الجهلاء، وغفلتم عن تقليد الأنبياء والرّسل، وهو اتّباع الحقّ"، وما أتى أحدٌ منهم إلّا بتوحيد الله ربّ العالمين، لكن هنا سؤالٌ يحتاج إلى جوابٍ : كيف يسأل الرّسول ‘ الرّسل من قبله، والرّسل من قبله قد ماتوا؟.

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ (الكهف: 1) كيف يتوجّه له، ويقال له اسأل هؤلاء الرّسل؟

لأهل العلم في ذلك أقوالٌ، لعلّ من أظهرها والعلم عند الله :

1-أنّ السّؤال يتأتّى بالنّظر إلى كتبهم، أو بالنّظر في كتبهم، أي : اقرأ كتبهم يا رسول الله، فإنّك ستعلم أنّهم جميعًا قد دعوا إلى توحيد الله.

2-وهناك من قال : بل كان هذا عند اجتماعهم به ‘ في المعراج، لكنّ هذا فيه نظرٌ، والعلم عند الله. ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ (الكهف: 1).

3-أو أنّ السّؤال ليس على حقيقته يعني بمجرّد النّظر والاطّلاع على ما كان عليه مناهج الأنبياء والمرسلين تعرف أنّهم على التّوحيد كما تقول مثلاً : سل الأرض من الّذي خلقها، أو سل السّماء من الّذي بناها، فيكون المراد بذلك انظر إلى الحال وتعرف الجواب.

ثمّ قال {ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ}.

أيّها الإخوة الكرام، تقدّم غير مرّةٍ أنّ الله سبحانه وبحمده إذا ذكر قصّةً، أو جزءًا من قصّةٍ في سورةٍ، فإنّه يذكرها لارتباطها الوثيق بالغرض الّذي تعالجه السّورة، وهنا سيأتينا جزءٌ من قصّة موسى وفرعون؛ للدّلالة على أنّ فرعون غرّه ما غرّه!!، أو أفتتن بسبب الدّنيا، وأعرض عن الحقّ بسبب الزّخارف، فهي الّتي صدّته عن سبيل الله.قال ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46).

من فوائد الآيات

خطر الإعراض عن القرآن : وهذا مستفادٌ من قوله ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) فالمراد به القرآن الكريم، وتأمّلوا أيّها الإخوة الكرام، ذكر كلمة ( الرّحمن )، وسنقف معها أيضًا بعد ذلك في السّورة فهي متكرّرة في السّورة؛ فالله لو لم يفعل وآخذنا بما نفعل لكانت العقوبة حالّة وسريعةً، لكنّه مع ذلك تتنزّل رحماته إلى العباد .

القرآن شرفٌ لرسول الله ‘ ولأمّته : {ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ}

اتّفاق الرّسالات كلّها على نبذ الشّرك : ولذلك قال {ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ} ولذلك يمكن أن نقول : إنّ هنا فائدةٌ، وهي أنّ الشّرك بدعةٌ، بدعةٌ عن منهج الأنبياء والمرسلين، أمرٌ مبتدعٌ لم يقل به أحدٌ من المرسلين، وليس موجودًا في كتاب؛ ولذلك جاءنا في الآيات السّابقة ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32) أين حجّتهم على ما يزعمون.

السّخرية من الحقّ صفةٌ من صفات الكفّار : وهذا مستفادٌ من قوله ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46)

{ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ}

وقد بيّن الله في مواطن أخرى، أنّه قد أعطى موسى ’ آياتٍ متعدّدةٍ وقال ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) [ سورة الإسراء :101 ].

كلّ آيةٍ تدلّ على صدقه، ثمّ تأتي الآية الّتي تليها، وتتبعها؛ لتدلّ أكثر، وأكثر على أنّه صادقٌ، وأنّه رسول الله حقًا ومع ذلك فإنّهم لا يستجيبون له فحينئذٍ أخذوا بالعذاب { ﱍ ﱎ} حينئذٍ وقع التّضرّع.

وقولهم {ﱐ ﱑ ﱒ }

1-يحتمل والعلم عند الله أنّهم قصدوا بكلمة ( السّاحر ) : العالم، فالسّاحر عندهم ذو وزنٍ ومكانةٍ؛ فكأنّهم لـمّا وجدّوا من موسى ما وجدوا وعرفوا قدره، ومكانته وصفوه بهذا الوصف.

2-أو إنّه وصفٌّ تهكميٌّ به فيقولون : يا أيّها السّاحر، انظر ماذا ستصنع مع هذه الابتلاءات الّتي حلّت بنا؟ كما قال الله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133) [ سورة الأعراف :133 ].

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133)

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة