مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الزمر — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 363 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

ثم تمضي الآيات الكريمة ويقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الزمر: 52) [الزمر: 52] هنا أقف مع كلام أصحاب المختصر حتى نعقل هذه الفائدة فإذا مرت بنا مرة أخرى أدركناها قالوا: هنا المذكور في الآية ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الزمر: 52) [الزمر: 52] وهنا قالوا جملة كاملة (أقال هؤلاء المشركون ما قالوا، ولم يعلموا) & يعني وعطفوا، وأتوا بجملة قبل كلمة ولم، لمَ؟ لأن الواو في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الزمر: 52) [الزمر: 52] يقال لها وأو عاطفة تعطف ما بعدها على كلام آخر مقدر، وهكذا في كل الجمل التي جاء فيها أولم تجد أن العلماء يقدرون الجملة يقولون مثلًا عمي عليهم، ولم يبصروا، أخفي عليهم، أكفروا ولم يؤمنوا، أعرضوا ولم يؤمنوا وهكذا.

فهنا قالوا: (أقال هؤلاء المشركون ما قالوا، ولم يعلموا) & وهذا أحد مذهبين مشهورين لأهل العلم في ذلك، بعضهم يقول: بالتقديم، والتأخير فيقول: أصل الكلام وألم، لكن اختار كثيرون أن هناك مقدرًا كما استقروا عليه هنا، ولعلنا نلفت النظر إليه في مواطن أخرى إن شاء الله.

إذن هذا فيه من فوائد التقدير في القرآن الكريم أولم يعلموا، الواو لفتت نظرنا إلى جملة كاملة يعني ربنا يقول: أقال هؤلاء المشركون ما قالوا، لم قالوا هذا الزعم، ولم ﴿يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾؟

يعني قد يوسع الله على الكافر، وقد يضيق على المؤمن؛ ولذلك ربنا بين هذا فقال: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ (الفجر: 17) [الفجر: 15، 16] رد الله ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ (الفجر: 17) [الفجر: 17] ليس هذا بمقياس، ربنا يُعطى الدنيا لمن يحب، ولمن لا يحب.

﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ (الفجر: 17) [المؤمنون: 55، 56] فظن الناس أن إعطاء الله في الدنيا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون للمؤمنين فحسب ليس بصواب، وليس بصحيح، ثم تمضي الآيات الكريمة ويقول الله في الآية الجليلة العظيمة التي تحمل معنى الرجاء في أعلى صوره؛ ولذلك اختار عدد من السلف من الصحابة، ومن تبعهم أن هذه الآية هي أرجى في القرآن الكريم وهي قوله: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53] وقال آخرون بل الآية أرجى آية في القرآن ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 48) [النساء: 48] ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك، لكن هذه من الآيات التي قيل فيها هذا من أرجى الآيات.

سبحان الله، الآيات السابقة وعيد، وعيد، وتهديد، ثم هنا فتح باب الرجاء سبحان الله مع أنَّ هؤلاء قالوا ما قالوا، وكفروا بالله، واتخذوا الوسائط، وأشركوا إلا أن الله يفتح لهم باب التوبة، ويقول: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53] ويضيف العباد إليه، وغالب العباد إذا أضيفوا إلى الله في القرآن فالمراد بهم أهل الإيمان وهذه تدخل في عادات القرآن الكريم في ألفاظه يعني الأصل لما تجد كلمة عباد أضيفت إلى الله فهذا من أ هل الإيمان، أو مع أهل الإيمان إلا في مواضع قليلة يسيرة منها هذه الآية على قول كثير من المحققين؛ لأن ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53] ليست خطابًا لأهل الإيمان فقط، ولذلك لما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أناس أسلموا، وأخبروا أنهم كانوا على شرك، ثم أسلموا، وزنوا فأكثروا، وقتلوا فأكثروا فأنزل الله الآيات ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53] فقالوا: هذه للجميع.

لذلك أسرفوا على أنفسهم سواء كان بالشرك، أم كان بما دون الشرك من المعاصي والذنوب، ومثل ذلك أيضًا قوله في سورة الفرقان في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ﴾ (الفرقان: 17) [الفرقان: 17].

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ﴾ (الفرقان: 17) [الفرقان: 17] المراد بالعباد هنا أهل الشرك، وليس المراد بهم الإيمان هذا قليل في القرآن الكريم، لكن إضافة العباد إلى الله إضافة جليلة؛ ولذلك كما يقولون: الياء لها معنى لطيف قُلْ يَا عِبَادِيَ} [الزمر: 53] ما أجمل هذه الياء!

ياء أضافتنا إلى الله، ياء جعلتنا عبيدًا، بل عبادًا لله وهذا معنى أسمى، ومعنى جليل ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53].

هنا قد يبدو إشكال في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53] فقد يقول قائل هذا معناه إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا حتى الشرك مع أنَّ الآية الأخرى، بل مع أنَّ الآيتين في سورة النساء ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 48) [النساء: 48] فهناك تقسيم يغفر، ولا يغفر ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 48) [النساء: 48] لذلك أراد، أو حاول بعض العلماء الجمع بين الآيتين، فقالوا: هذه الآية في شأن من تاب، فالله يقبل توبة من تاب، ويغفر الذنوب جميعًا لكل التائبين حتى وإن كانوا من الشرك فمن أشرك، ثم تاب، وأسلم تاب الله عز وجل عليه؛ كما قال: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال: 38) [الأنفال: 38].

إذن الآية التي معنا آية الزمر في حق من؟ في حق التائبين، أما آيتا النساء فهي في غير التائبين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 48) [النساء: 48] ولذلك استدل بها أهل العلم، وأهل السنة على أن من مات على المعصية، ومن مات على الكبيرة دون الشرك فأمره مفوض إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، لكنه لو تاب في الدنيا تاب الله عز وجل عليه، ويشهد لهذا والله أعلم بقية الآيات ﴿وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (الزمر: 54) [الزمر: 54] فالمراد هنا التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 55) [الزمر: 55] ذكروا أن المراد بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم القرآن الذي هو أحسن ما أنزله ربكم على رسوله -صلى الله عليه وسلم- ﴿وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 55) [الزمر: 55، 56] يأتي يوم القيامة النفس ماذا تقول؟

يا حسرتا، يا حسرتاي.

﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ﴾ (الزمر: 56) [الزمر: 56] أول شيء النفس تتحسر على التفريط، ثم بعد ذلك تتعذر، وتتنصل، وتطلب الشفاعة، وتطلب الرجوع إلى الدنيا كما سيأتي في بقية الآيات الآتية بإذن الله تبارك وتعالى.

أيضًا ما معنى في جنب الله؟ يعني في جانب الله، في حق الله، ليس في ذلك إثبات الجنب لله، فلم يقل بذلك أحد من أهل العلم لا سلفًا، ولا خلفًا؛ لذلك العلماء قالوا هذه الآية ليست من آيات الصفات، وإلا لو كانت من آيات الصفات فكأنهم يقولون نحن فرطنا في إثبات صفة الجنب الله، ولم نفرط في شيء آخر وهذا ليس بمراد.

وقالوا: هذا ما تقتضيه اللغة فهذا أسلوب معروف يقال: فرطت في جنب فلان، والمعنى فرطت في حقه، قصرت في حقه.

وهذا يعلمنا شيئًا وهو أن أهل العلم حينما يفهمون آية، أو يتأولون آية فإنهم ينظرون إلى السياق، وينظرون إلى قرائن السياق، وإلى الاستعمال اللغوي فحيث أمكن حمل اللفظ على حقيقته على الوجه اللائق سبحانه وتعالى فإنهم يقولون بذلك، وحيث يستحيل هذا من كل وجه ولا يكون لائقًا بالله فإنه لا يدخل أصلًا في باب الصفات، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ﴾ (الزمر: 56) [الزمر: 56] فلم يقل أحد أن الله ينسى على المعنى المتبادر إلى الذهن وهو أن النسيان الذهول، ﴿أَنَّمَا﴾ النسيان هنا فنسيهم يعني تركهم، تركهم كالمنسيين كما يقول أهل العلم فهذا أيضًا مما يلتفت إليه في ذلك، والعلم عند الله.

من فوائد الآيات:

*الندم النافع هو ما كان في الدنيا وتبعته توبة نصوح.

(النعمة على الكافر استدراج) وهذا واضح ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 49) [الزمر: 49].

(سعة رحمة الله بخلقه) هذا من آي الآيات؟ ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [الزمر: 53].

(الندم النافع هو ما كان في الدنيا) ﴿وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 55) [الزمر: 55].

ذكر الله سبحانه وتعالى تتمة ما يقوله الإنسان المفرط في جنب الله الكافر بالكافر الذي لم يتب إلى الله.

أولًا: يتحسر ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ﴾ (الزمر: 56) [الزمر: 56].

وقوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ﴾ (الزمر: 56) [الزمر: 56] إن كما مضى معنا يراد بها التأكيد فهي إن المخففة من الثقيلة بدليل دخول اللام يعني وإنني لكنت من الساخرين، وإنني كنت من الساخرين يثبت هذا.

من لو، وهذا فيه أن من معاني لو التمني، ففي قولهم: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الزمر: 58) [الزمر: 58] لو هنا تفيد معنى التمني.

ثم تمضي الآيات ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الزمر: 58) [الزمر: 59، 60] قال بعضهم: لم يقول: وجوههم سوداء، سوداء صفة لازمة، لكن وجوههم مسودة يعني اسود، يسود فهو مسود اسم مفعول؛ وكأن هذا السواد طارئ عليهم يوم القيامة يعني كانوا في الدنيا ذوي منظر ربما كان أحدهم في الدنيا ذا منظر جميل، لكن السواد طرأ عليه يوم القيامة فغشاه، أو غشيه الذل ﴿خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ﴾ (القلم: 43) [القلم: 43]، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 106) [عبس: 40، 42].

وكما قال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 106) [آل عمران: 106] لكن جاء التعبير أيضًا بالجملة الاسمية وكأن هذا السواد لما طرأ بقي لازمًا وبقية سيمة لهم؛ ولذلك قال بعضهم: يعرف هل الحق من أهل الباطل، وأهل السنة من أهل الضلال ببياض الوجوه، واسوداد الوجوه، نسأل أن يبيض وجوهنا!

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 60) [الزمر: 60] ولاحظ الختام هنا ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 60) [الزمر: 60] سواد الوجوه مناسب للتكبر؛ لأن الإنسان في الدنيا يتكبر بمنظره، وبما أوتي من كمالات دنيوية في زعمه فزال عنه هذا الكبر؛ لأن الإنسان إذا رأى في شكله نقصًا، فما بالك بالباقي؟ فهذا فضلًا عن عاقبته فلو قيل له: أخبرنا عن حالك؟ منظره يكفي، فلا وجه للتكبر حينئذ، نسأل الله السلامة!

﴿وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الزمر: 61) [الزمر: 61] هذا ترغيب، وترهيب وفيه ذكر حال أهل التقوى، وهذا فيه أن المتقي لا يتكبر، وأن التقوى تنافي الكبر ﴿وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الزمر: 61) [الزمر: 61] بمفازاتهم.

لكن قبلها في قوله: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 60) [الزمر: 60] نجد أن أصحاب المختصر ماذا قالوا؟ (أليس في جهنم مقر للمتكبرين على الإيمان بالله، ورسله) & تأمل (بلى إن فيها لمقرًا لهم) & هذا هو الجواب، لكن لم يجرِ، تركه الله لنا.

﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 60) [الزمر: 60] نقول: بلى إن فيها لمقرًا لهم.

هنا قال: ﴿وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الزمر: 61) [الزمر: 61] والقراءة الأخرى (بمفازاتهم) بمعنى بالفوز فتكون بمعنى المصدر، أو بالمكان؛ لذلك هنا فسروها قالوا: (بمكان فوزهم) & والجنة كما قال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ (النبأ: 31) [النبأ: 31].

﴿ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر: 62) [الزمر: 62] وفيها أن الله خالق كل شيء﴿ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر: 62) [الزمر: 62] حفيظ مدبر أمره يصرفه كيف يشاء.

﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (الزمر: 63) [الزمر: 63] تأملوا، أصل الجملة مقاليد السموات والأرض له هذا أصل الجملة، فلما قدم له أفادت الحصر، والقصر يعني له وحده.

لله ملك السموات والأرض فيكون لله وحده، الشاهد من ذلك أن تقديم ما حقه التأخير يفيد معنى الحصر، ثم قال أيضًا في الآيات: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (الزمر: 65) [الزمر: 65] وفي ذلك أن من محبطات الأعمال الشرك، الشرك الأكبر يحبط الأعمال كما قال الله ﴿ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 88) [الأنعام: 88].

لذلك من الأسئلة التي نريد إجابتها منكم اذكر لنا ثلاثة من محبطات الأعمال مع الدليل غير الشرك يعني لا تأتِ بالشرك، ﴿أَنَّمَا﴾ زدنا ثلاثة لنتجنبها.

ثم تمضي الآيات ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: 67) [الزمر: 67].

﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: 67) [الزمر: 67] ما عظموا الله حق تعظيمه، ما عظم المشركون الله حق تعظيمة حين أشركوا؛ كما قال: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (نوح: 13) [نوح: 13].

؟

*ثبوت القبضة، واليمين لله سبحانه وتعالى دون تشبيه، ولا تمثيل.

(الكبر خلق ذميم مشؤوم يمنع من الوصول إلى الحق) وقد جاء ذمه في أكثر من موضع ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 59) [الزمر: 59] وأيضًا ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 60) [الزمر: 60] سواد الوجوه وهذا ظاهر في قوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 60) [الزمر: 60].

(الشرك محبط لكل الأعمال) ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (الزمر: 65) [الزمر: 65].

(ثبوت القبضة، واليمين لله سبحانه وتعالى دون تشبيه، ولا تمثيل) وهذا من قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: 67) [الزمر: 67] ومن يتأولها يقول: بقدرته، ونحو ذلك، وإنما إذا أثبتها فإنه يبقي المعنى على ظاهره، ويقول، أو يقول كما قال ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: 67) [الزمر: 67] ثم يقول: ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) [الشورى: 11] والله أعلم!

﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68) [الزمر: 68] هذا حديث عن بعض مشاهد يوم القيامة، وبهذا تختم السورة الكريمة ترغيب وترهيب وذكر لحال الناس يوم القيامة وانقسام الناس إلى شقي، وسعيد؛ ولذلك سميت السورة الكريمة بسورة الزمر فهم أصناف هناك المؤمنون، وهناك الكافرون، هناك المتقون، وهناك المتكبرون.

﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68) [الزمر: 68] هذه نفخة الصعق.

﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68) [الزمر: 68] نفخة البعث، وهذا فيه أن ليوم القيامة نفختين، أو نفختان في الصور، وهل هناك نفخة ثالثة؟

هل محال نزاع بين أهل العلم منهم من يكتفي بهاتين، ويقول: إن نفخة الفزع الموجودة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ﴾ (النمل: 87) [النمل: 87].

هي أيضًا المذكورة هنا، وهناك من يفرق بينهما قال الله سبحانه وتعالى.

﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68) [الزمر: 68] سبحان الله، كما قال أيضًا ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المطففين: 6) [المطففين: 6].

قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الزمر: 69) [الزمر: 69] قال بعض أهل العلم ذلك أن الأرض تكون مظلمة؛ لأن ما يضيء في الدنيا يبدل؛ ولذلك ربنا قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ (القيامة: 8) [التكوير: 1، 2] وكذلك قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ (القيامة: 8) [القيامة: 8].

فهنا قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الزمر: 69) [الزمر: 69] قال هنا: (ونشر صحف أعمال الناس) & هذا فيه أن الكتاب هنا المراد به صحف أعمال الناس، كتب الناس، وليس المراد به القرآن الكريم وهنا ألفت النظر إلى قضية وهي أن الكتاب جاء بهذا المعنى مع أنَّ الكتاب جاء معنا في آية سابقة ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41) [الزمر: 41] وهناك الكتاب القرآن الكريم، وقد يأتي الكتاب المراد به الكتب السماوية، وقد يراد به الكتابة كما في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ (آل عمران: 48) [آل عمران: 48]، قالوا الكتابة، وأيضًا يأتي الكتاب بمعنى التوراة ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 2) [الإسراء: 2] هذا يسمى في علم علوم القرآن، أو في علوم القرآن بعلم الوجوه والنظائر يعني قد ترد الكلمة ولها عدة معان، وهذا المعنى يتضح من خلال السياق.

وهذا مما ينبغي لدارس القرآن الكريم أن يتلفت إليه حتى لا يشكل عليه الأمر فيفسر كلمة في كل مواضعها بمعنى وهي قد جاءت في بعض المواضع بمعنى أخص، أو بمعنى آخر والله أعلم.

ثم تمضي الآيات الكريمة ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 71) [الزمر: 71] ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] شتان، شتان بين سوق وسوق، فسوق الكفار سوق إذلال، وإهانة لهم، وأما سوق أهل التقوى فهو سوق تكريم؛ ولذلك جاء في أواخر سورة مريم { ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (85) وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا } [مريم: 85، 86].

شتان، شتان بين من يأتي إلى الجنة، وهو راكب قالوا: وفدًا ركبانًا كذا قال عدد من أهل التفسير.

﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (مريم: 86) [مريم: 86] عطاشًا فهم في مذلة، ومهانة، وعطش، نسأل الله السلامة!

تأملوا هنا ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 71) [الزمر: 71] كان المتوقع أن يقولوا ماذا؟ أن يقولوا بلى يجيبوهم ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 71) [الزمر: 71] علينا؛ لأنهم يجيبون، لكن هم عمموا، ولكن قالوا: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ كأنهم يقولون، ما أدخلنا تلك النار إلا الكفر، فالكفر هو الذي ضرانا، وهو الذي أوردنا هذه المهالك.

﴿قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: 72) [الزمر: 72] وتلاحظ كثرة الحديث عن التكبر، وأن التكبر يصد الإنسان عن الحق، وقد تقدم أنه يمنع الإنسان من هذا من قبول الحق؛ لذلك حذرنا الله سبحانه وتعالى منه، وسيأتينا في سورة غافر أيضًا حديث عن المتكبرين ويكون هذا من التناسب القوي بين سورتي الزمر، وغافر.

ثم قال الله: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73].

تقدم أيضًا في سورة ص لو تذكرون في قوله تعالى: ﴿جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ﴾ (ص: 50) [ص: 50] قالوا هنا في دخول الواو ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] قالوا: إن هذه الواو وأو حالية، يعني حتى إذا جاءوها رأوا ما يسرهم، أو جرى ما يجري، أو كان ما كان من العظمة، ومن الكرامة من الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] يعني والحال أن الجنة مفتحة فكان هذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإكرامه لهم أن تكون الجنة مفتوحة سابقًا فيكون هذا من التهيئة والإكرام.

ولا ينافي هذا أن الجنة تفتح بفتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها، وأنه أول من يفتح الجنة، ثم تصير مهيئة بفضل الله وإكرامه، أما النار تكون مؤصدة، مغلقة، وفي إغلاقها ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتوا وهم ينتظرون ماذا سيكون فيها إهانة لهم، ثم أيضًا لإعلامهم أن هذا هو دأبها بمعنى أنهم سيدخلونها، ثم تسكر، ثم تغلق عليهم، نسأل الله السلامة!

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] وهنا أيضًا لطيفة أخرى أن جواب إذا مقدر إذن، لأنه ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 71) [الزمر: 71] هناك في الكفار عرفنا أن فتحت هو جواب إذا، لكن هنا ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] وإن كان هناك أيضًا في الكفار هناك كلام للمفسرين في جواب إذا، لكن هنا ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] أين الجواب؟

قال بعضهم: مقدر لتذهب النفس فيه كل مذهب يعني حتى إذا جاءوها وجدوا النعيم المقيم، ونحو ذلك فهذا أيضًا من عظيم الإنعام، والإكرام، وهذا ذكروه أيضًا في قوله تعالى: {﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ} [الصافات: 103، 104] ماذا كان؟ أين الجواب؟ بعضهم يقول: الواو زائدة، أو الواو صلة وهذا في محل نظر، لا، الجواب مقدر يعني كان ما كان تفكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان في الجواب ماذا سيكون من الرب الكريم سبحانه وتعالى.

﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] كما كانوا في الدنيا طيبين، فإنهم في الآخرة أيضًا يكونون طيبين ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73].

﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ (الزمر: 74) [الزمر: 74] وهي أرض الجنة، إذن كلمة الأرض أيضًا تكررت في القرآن الكريم، لكن بحسب السياق ما المراد بالأرض؟

﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ (الزمر: 74) [الزمر: 74] تأملوا ﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ (الزمر: 74) [الزمر: 74] فاعمل، وأبشر فإنَّ هذا العمل ينفعك يوم القيامة.

من فوائد الآيات:

*طيب العمل يورث طيب الجزاء.

ثبوت نفختي الصور وهذا مأخوذ من آية ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68) [الزمر: 68].

(بيان الإهانة التي يتلقاها الكفار، والإكرام الذي يستقبل به المؤمنون) وهذا واضح ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 71) [الزمر: 71] ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73].

(ثبوت خلود الكفار في الجحيم) وهذا أيضًا واضح في الآيات الكريمة، وكذلك طيب العمل يورث طيب الجزاء يعني أن العمل الطيب يورث الجزاء الطيب فهذا من باب الجزاء من جنس العمل؛ ولذلك قالوا هنا ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73]؛ لأنهم كانوا في الدنيا طيبين.

ألفت النظر أن هناك من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن الواو في قوله: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] يقال لها وأو الثمانية؛ قالوا: لأن أبواب الجنة ثمانية، وفي اللغة اسمها وأو الثمانية تأتي مع الثامن في الذكر كما في قوله تعالى: ﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 112) [التوبة: 112] جاءت مع الثامن، وكذلك ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5) [التحريم:5].

فقالوا: قبل الثامن تذكر الواو، فقالوا لها وأو الثمانية، وقد ضعفها عدد من المحققين:

أولًا: لأن كلمة ثمانية غير مذكورة في الآية ابتداءً، ثم إن ذكر الواو في الآيات الأخرى له مقصد، ففي قوله: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5) [التحريم: 5] لأن المرأة لا تكون ثيبًا، وبكرًا، لكن ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5) [التحريم: 5] كل هذه أوصاف تجتمع في المرأة.

وكذلك لما قال: ﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 112) [التوبة: 112] لأن هذا باب مكمل للباب الآخر فيناسبه دخول الواو.

إذن الواو على ما تقدم ذكره ليس كما زعموا أنها وأو الثمانية، والعلم عند الله.

﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75] محيطين بالعرش ينزهون الله ع ما لا يليق به يسبحون بحمد ربهم، جمعوا بين التسبيح، والحمد، والتسبيح فيه ذكر جلال الله، والحمد فيه ذكر إكرام الله، ولذلك تبارك اسم ربك ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 78) [الرحمن: 78] من جلال الله تسبيح الخلق لله أن يسبحه العباد، ومن إكرام الله سبحانه وتعالى أن يحمده الخلق، فأنت حينما تعتقد أن الله ذو الجلال والإكرام فأنت تجمع بين التسبيح والحمد.

﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75] وتقدم هنا أيضًا ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الزمر: 69) [الزمر: 69] فهذا أيضًا إعاد، أو تكرار، أو تأكيد لما سبق.

﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75] بهذا تختم السورة الجليلة، والعجيب أن قوله: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75] جاء هنا بما لم يسم فاعله؛ يعني لم يقل من القائل؛ لذلك قال بعضهم وهذا قول صحيح قال الجميع المؤمنون، والكفار، والأبرار، والفجار، والأتقياء، والأشقياء اعترف الجميع.

﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75] على كماله نفذ وعده سبحانه وتعالى ووعيده، وقضى، وقوله الحق، وقضاؤه الحق سبحانه وتعالى.

فأهل الإيمان يحمدونه؛ لإنعامه، وفضله، وأهل الكفر يحمدونه لعدله، وحكمته فقد كان ولا يزال سبحانه وتعالى هو الحكيم في قدره، وفي شرعه عز وجل فختمت الآيات.

وتأملوا ﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75]، وفي الأول السورة ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] جاء الحكم، وقضاؤه الحق سبحانه وتعالى وبهذا تختم سورة الزمر، وندخل إلى سورة غافر وفقنا الله وإياكم.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة