سورة غافر — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
وهذا فيه أن من رضي بما عليه الآباء، والأسلاف فإنَّ له حظًا من ذلك، وإنما الذي عليه أن يتبع الحق ولو كان مخالفًا لما عليه الآباء، والأجداد.
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] قالوا هنا: (﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ موسى)& فعرفنا أن قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] يعني ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ موسى، ولذلك يقولون في قبل: إنه مبني على الضم؛ لمَ؟ لأنه قد حذف المضاف إليه، ونوي معناه، يعني معناه منوي، فمعناه هنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ موسى عليه السلام كما في قوله: ﴿فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: 4) [الروم: 4] يعني ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ذلك، ومن بعد ذلك.
قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] أي توفي ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] ازداد شككم وقلتم هذا، وبالفعل جاءكم موسى عليه السلام، وأنتم لم تصدقوا به، واتبعتم ما عليه الآباء والأجداد ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] وتأمل ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] و ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34].
وهنا ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] مناسب لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] لأن الارتياب شك.
﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] تأمل ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] وتقدم أن هذا مقصود السورة الأكبر وهو الحديث عن مجادلة أهل الباطل.
﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] وهذا فيه أن المجادلة لا ينبغي أن تقع إلا بحجة وبرهان، فمن دخل في مجادلة، أو مخاصمة، وليس معه دليل فلماذا دخل في تلك المجادلة ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] قال: (أي كبر جدالهم ﴿مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ به، وبرسله) &.
وإنني حينما أقرأ ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] تجد أن لها لذة عظيمة أن الله سبحانه وتعالى يعطف المؤمنين عليه ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] هذا يبغضه الله سبحانه وتعالى، لكن أن يذكر الله عز وجل على سبيل التنصيص أن هذا أيضًا يبغضه أهل الإيمان فهذا معناه أن لأهل الإيمان قدرًا عند الله، وأن الله سبحانه وتعالى يحبهم، وأن الله جعل لهم قدرًا فيسجل ما يبغضون، ويسجل ما يحبون، ومن المعلوم أن أهل الإيمان يحبون من يحب الله، ويبغضون ما يبغض الله سبحانه وتعالى، فما أبغضه الله أبغضوه، وما أحبه الله عز وجل أحبوه هذا معنى جميل!
تجده في بعض المواضع من القرآن ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9) [البقرة: 9] ويعطف الذين آمنوا على الله سبحانه وتعالى وهكذا في مواضع أخرى.
﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] هنا قالوا: (كما ختم الله على قلوب هؤلاء المخاصمين في آياتنا لإبطالها يختم الله على كل قلب مستكبر عن الحق)&.
قولهم: (كما ختم الله)& هذا تفسير لـ ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] يعني كما ختم الله؛ لأن ذلك يعود على الكلام السابق ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] هنا جمع الله سبحانه وتعالى في هذا الطبع بين هذين الوصفين لهؤلاء المطبوع عليهم وصف التكبر، ووصف التجبر متكبر جبار، وقد ذكر بعض العلماء؛ كالرازي وغيره: أن كمال سعادة الإنسان تتحقق بأمرين: بتعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله".
يعني الذي يريد السعادة فإنَّ السعادة تحصل له بتعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، وينافي ذلك ﴿إِلَّا﴾ يكون الإنسان معظمًا لأمر الله، وهذا يحصل بالتكبر، وألا تكون لديه شفقة على خلق الله، وهذا بالتجبر فهذا معناه أن الله يطبع ﴿عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ لا يعظم أمر الله جبار لا يشفق على خلق الله.
ولعل هذا والعلم عند الله من أسرار اقتران الزكاة بالصلاة كثير في القرآن الكريم، أو اقتران الإنفاق بالصلاة؛ لأن الصلاة مدعاة إلى الإخلاص، وإلى تعظيم أمر الله، والزكاة مدعاة إلى الشفقة والإحسان لخلق الله سبحانه وتعالى.
لكن هنا أيضًا من أسرار التعبير القرآني أن الله قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] لم يأتِ الأسلوب ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، لا، على كل قلب قال بعضهم في هذا: أن الطبع هنا طبع كامل يعني ليس على جزء من القلب، لذلك جاءت الكلية قبل القلب يعني أن قلبه غلف أن قلبه مطبوع عليه، وهذا مناسب لما ذكره فرعون بهذا التكبر حينما يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ﴾ (غافر: 36) [غافر: 36، 37] بهذه الطريقة التي تدل على سخافة عقله، وعلى تفاهة قوله، وأنه يجعل نفسه في شق، ويجعل الله عز وجل في شق آخر يحاد الله سبحانه وتعالى فيقول: ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35]، بل القراءة الأخرى المتواترة (﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾) فجاء متكبر على أنها وصف، وليس إضافة كما هي هنا.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ﴾ (غافر: 36) [غافر: 36] قالوا هنا: (الطرق)& ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 36، 37] يعني جاء البيان ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] أريد أن أصل إلى إله موسى أنظر ماذا يصنع هذا الإله، ولماذا يحتمِ به موسى، ويستعيذ به، وما الذي فعله به؟ سبحان الله! بهذه الجرأة.
قال: ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] هذا أسلوب احتراس يعني حينما قال: ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] حتى لا يتوهم أحدٌ من أتباعه أنه اعترف بإله موسى فيحترس فيقول: ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] يعني ولن أجد ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] وهذا الضمير في قوله: ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] يعود على من؟ يعود على موسى، لذلك قالوا: إني لأظن أن موسى كاذب، وذلك أنه أقرب مذكور، وإن كان هناك إشكال من حيث قواعد التفسير؛ لأن الأصل في الضمير إذا كان هناك مضاف، ومضاف إليه فإنه يعود إلى المضاف إليه غالبًا، لكن أحيانًا يعود إلى المضاف إليه بالقرينة هنا القرينة؛ لأنه تكلم عن موسى فهو المتحدث عنه، ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] نعم، زين له ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37] قالوا: إلا في خسارة.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 38) [غافر: 38] يرغبهم ﴿يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ وَإِنَّ ٱلْءَاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ﴾ (غافر: 39) [غافر: 39].
ثم رغب، ورهب ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (غافر: 40) [غافر: 40].
من فوائد الآيات:
الجدال لإبطال الحق، وإحقاق الباطل خصلة ذميمة وهي من صفات أهل الضلال.
التكبر مانع من الهداية من الحق.
إخفاق حيل الكفار ومكرهم لإبطال الحق.
وجوب الاستعداد للآخرة، وعدم الانشغال عنها بالدنيا.
(الجدال لإبطال الحق، وإحقاق الباطل خصلة ذميمة وهي من صفات أهل الضلال) ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35].
(التكبر مانع من الهداية من الحق) ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35].
(إخفاق حيل الكفار ومكرهم لإبطال الحق) وذلك في قوله: ﴿أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (غافر: 37) [غافر: 37].
(وجوب الاستعداد للآخرة، وعدم الانشغال عنها بالدنيا) في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ وَإِنَّ ٱلْءَاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ﴾ (غافر: 39) [غافر: 39].
تستمر الكلمات الطيبة وتستمر هذه المحادة، وهذه النصيحة من مؤمن آل فرعون لقومه ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] وأن ترى أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر كلام هذا المؤمن على صورة النصائح؛ لذلك لم يورد جوابًا من قومه له، يعني لم يرد ماذا قالوا له، وبماذا ردوا عليه، فمثل هذه الحكم لا وجه للرد عليها إلا لاستماع الحق، أو الإعراض من هذا المسرف.
﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] هكذا جاء الأسلوب بهذه الطريقة البليغة في تمام البلاغة ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] كان المتوقع أن تكون المقابلة مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى الجنة، وتدعونني إلى النار، أو مالي ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾، وتدعونني إلى الهلاك مثلًا، لكن جاء هنا النجاة، وفي مقابلتها النار، وكلمة النجاة واسعة؛ لأن النجاة من الزحزحة عن النار نجاة، ودخول الجنة نجاة فقوله: ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] من السلامة من النار، ودخول الجنان ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] وأيضًا هو دعاهم ابتداءً للإيمان وهم يدعونه إلى الكفر فهو ذكر النتيجة أو المسبب ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] والمراد السبب يعني ﴿مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى﴾ الإيمان، ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] يعني إلى الكفر، لكن الكفر سيودي بكم إلى النار.
﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] تأمل هنا حدث التغاير يعني لو سار على نفس المنوال، أو على المنوال نفسه لكان قوله: ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] مسبقًا في الذكر؛ لأنه في البداية قال: ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] يوازيها من المعنى ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] وأنتم ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42]، لكن قدم هنا ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] ليكون متصلًا بقوله: ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] فيكون بمثابة التفسير له هذا من جهة.
ومن جهة أخرى إشارة إلى أنهم لم ينتفع بدعوته ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] يعني هذه هي النهاية ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 41، 42] لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ بهذا الشريك الذي تقولونه، وهذا معناه أن الإنسان ﴿أَنَّمَا﴾ يتبع بالدليل والحجة.
وقوله: ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] هنا نفي العلم، والمراد نفي المعلوم، ولذلك من القواعد أنه قد ينفى العلم، والمراد نفي المعلوم أنه غير موجود أصلًا، ولذلك هو يقول: ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42] هو ليس له به علم؛ لأنه ليس علم أصلًا، لأن هذا الشريك لا علم له، ولا وجود له في الحقيقة؛ ولذلك قال بعض المفسرين في قوله الله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 142) [آل عمران: 142] يعني قالوا: ولما يوجد الله الذين جاهدوا منكم؛ لأن الله يعلم مسبقًا، لكن يظهر أثره، أو يظهر أثر علمه سبحانه وتعالى فيما يخلقه، وفيما يقدر.
قال: ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ﴾ (غافر: 42) [غافر: 42، 43] فسروا ﴿لَا جَرَمَ﴾ بمعنى حقًا، وفيها كلام كثير، لكن تفسيرها بحق هذا كلام كثير من المفسرين.
إذن حينما تجد في القرآن ﴿لَا جَرَمَ﴾ يعني حقًا؛ لأن أصل كلمة جرم تدل على القطع، ﴿لَا جَرَمَ﴾ حقًا.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 43) [غافر: 43] وتأمل كلمة الإسراف تكررت ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28]، ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] وهنا ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 43) [غافر: 43] قالوا هنا: (فرفضوا نصحه).
فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 44) [غافر: 44] ستذكرون ما قدمتم لكم، إذن قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 44) [غافر: 44] ما أقول لكم أفاد أنهم لم يقبلوا نصيحته فحينئذ يقول: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 44) [غافر: 44] التجئ إلى الله، وأتوكل عليه ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 44) [غافر: 44].
﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 45) [غافر: 45] قالوا هنا في الشرح: (فحفظه الله من سوء مكرهم حين أرادوا قتله) من أين استفادوا هذا؟ من قوله: ﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 45) [غافر: 45] يعني أنهم خططوا، ودبروا له، قالوا هذا سيغوينا، هذا سيضلنا، كيف فيكون معنا، كيف ندعه، وليس لنا معنا ما نرد به عليه؟ إذن لا بد من اغتياله لا بد من قتله.
﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 45) [غافر: 45، 46] هذا فسر به سوء العذاب، سوء العذاب يدخل فيه الغرق، ويدخل فيه النار، ويدخل فيه عذاب البرزخ، ولذلك استدل كثير من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على عذاب البرزخ، أو عذاب القبر؛ قالوا: لأنّّ الله قال: ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [غافر: 46] هذه مرحلة، ثم قال: ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [غافر: 46] فمعناه أن آل فرعون سيعذبون بعذاب قبل يوم القيامة إذن يكون هذا عذاب في مرحلة البرزخ.
وقوله: ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [غافر: 46] قالوا: يعذبون بها، وأنت إذا تأملت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: H0 عرض عليه المقعد، وهنا هو الذي يعرض، يعني الحديث عرض عليه مقعده، يعرض المقعد على الإنسان، أما هنا ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [غافر: 46] فإذا عرضوا هم عليها فهذا يكون بأن يأخذوا من لهيبها، أو ينالهم من لهيبها، أو من حرها، وذلك بالعذاب نسأل الله السلامة.
﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [غافر: 46] والقراءة الأخرى: (ادخلوا آل فرعون) يعني يقول الله ادخلوا؛ يعني يا آل فرعون ادخلوا أشد العذاب.
﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 47) [غافر: 47] هنا قدر الشارحون حفظهم الله: (واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول) & ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: هذا مستفاد من كلمة ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 47) [غافر: 47] يعني واذكر.
﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 47) [غافر: 47] إلى آخر الآيات الكريمة.
تأمل عفا الله عني، وعنك، ورحمنا وإياك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر موقفًا من مواقف أهل الجنة وأهل النار ذكر موقفًا من مواقف أهل النار ذكر المحاجة أيضًا فعذاب النار متعدد، وذكره في القرآن كثير، وبصور متعددة، لكن لما جاء ذكر النار في سورة غافر جاءت المحاجة؛ لأن هذا مناسب أيضًا لمقصود السورة فذكر المحاجة التي تقع يوم القيامة بين الضعفاء، والمستكبرين ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 47) [غافر: 47] الأقرب أنه استفهام حقيقي، يعني يقولون هل بالفعل أنتم ستنفعوننا، وتغنون ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾؟
﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 48) [غافر: 48] فلما يأسوا، ويئسوا من هؤلاء وعلموا أنهم لن ينفعوهم بشيء توجهوا إلى خزنة جهنم.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 49) [غافر: 49] تأمل، لم يقولوا ادعو ربنا؛ هم يعلمون أن ربهم، وهم يعتقدون أن الله ربهم، لكنهم ما عملوا شيئًا لله، فوجدوا أنهم بعيدون عن الله، أما أنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملائكة يا خزنة جهنم أنتم قريبون من الله، ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 49) [غافر: 49] وتأمل في بعض الآيات ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ﴾ (المؤمنون: 107) [المؤمنون: 107] ولذلك قال بعض العلماء: هذه مراحل تمر بأهل النار، فمن هذه المراحل أنهم ﴿أَنَّمَا﴾ يطلبون تخفيف يوم من العذاب ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 49) [غافر: 49].
من فوائد الآيات:
¯أهمية التوكل على الله.
¯نجاة الداعي إلى الحق من مكر أعدائه.
¯ثبوت عذاب البرزخ.
¯تعلق الكافرين بأي سبب يريحهم من النار، ولو لمدة محدودة وهذا لن يحصل أبدًا.
(أهمية التوكل على الله) من قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 44) [غافر: 44].
(نجاة الداعي إلى الحق من مكر أعدائه) ﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 45) [غافر: 45].
(ثبوت عذاب البرزخ) ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [غافر: 46].
لذلك قال الحافظ ابن كثير، وهذا الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ؛ فهي من الآيات التي يستدل بها أهل السنة على عذاب البرزخ، عذاب القبر، وهناك أدلة أخرى أيضًا في القرآن الكريم، ثم هناك نصوص واضحة نستطيع أن نقول إن دلالتها قاطعة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ كانت بعض الآيات الدلالة فيها دلالة ظنية، فإنَّ دلالة بعض الأحاديث في ذلك دلالة قطعية.
وقد أجمع أهل السنة على ذلك وأن عذاب القبر حق.
قال: رابعًا، أو الفائدة الرابعة: (تعلق الكافرين بأي سبب يريحهم من النار، ولو لمدة محدودة) وهذا في قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 49) [غافر: 49].
ذكر الله سبحانه وتعالى جواب خزنة جهنم عليهم حينما قالوا: ﴿قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 50) [غافر: 49، 50] هم يعلمون الجواب حينما قالوا: ﴿قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 50) [غافر: 50] لكن هذا على سبيل التوبيخ لهم، والتقريع لهم، ﴿قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 50) [غافر: 50] وهذا أيضًا فيه أسلوب ذكره بعضهم: وهو الاستدراج يعني يستدرجهم في الاعتراف فيعترفون ﴿قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 50) [غافر: 50] وهذا فيه أن دعاء الكافرين في ضلال لا قيمة له، ولا وزن لا يتقبله الله سبحانه وتعالى، وفيه أن من أراد أن يجاب دعاؤه فعليه بالإيمان والإخلاص كما قال: ﴿فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 14) [غافر: 14].
ثم بين الله سبحانه وتعالى القاعدة العظيمة التي قررها في غير ما موطن من كتابه ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ (غافر: 51) [غافر: 51] كما قال ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21) [المجادلة: 21] وكما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ (الصافات: 171-173) [الصافات: 171 - 173].
هنا تجد أن الشراح، أو المعلقون على التفسير قالوا: (ولما ذكر الله قصة فرعون وما آل إليه أمره، وأمره أتباعه في الدنيا والآخرة ذكر أمر الرسل والمؤمنين، وما يصيرون إليه من نصر في الدنيا والآخرة فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ (غافر: 51) [غافر: 51])&.
هذا يسمونه بوجه المناسبة فأنتم إذا قرأت في كتاب تفسيري يقولون لما ذكر الله كذا، ذكر كذا هذا نستفيد منه المناسبات، فمن وفقه الله لقراءة كتب التفاسير فوجد فيها مثل هذه العبارات فليعلم أن المفسر يريد أن يبين المناسبة فيقول: لما ذكر كذا ذكر كذا، أو بعد أن ذكر كذا، ذكر كذا؛ حتى إن البقاعي وهو مشهور بهذا الباب ذكر أن كتابه يمكن أن يسمى بكتاب لما من كثرة ما ذكر في هذا المضمار.
ثم تمضي الآيات الكريمة وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (غافر: 53) [غافر: 53] وهو التوراة فهنا الكتاب المراد به التوراة؛ لأن هذا هو الكتاب الذي نزله الله على موسى عليه السلام ﴿هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (غافر: 54) [غافر: 54] فكتب الله عز وجل كلها كتب هداية، وجاء القرآن الكريم؛ ليكون خاتمها، وليكون المهيمن عليها بكمال ما فيه هدايات.
قال هنا: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (غافر: 53) [غافر: 53] كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32) [فاطر: 32] في شأن القرآن الكريم هذا فيه أن ميراث النبوة الكتاب، والرسالة التي جاءوا بها، والتعالىم التي جاءوا بها؛ ولذلك H0.
ثم تمضي الآيات الكريمة ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) [غافر: 55] ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) [غافر: 55] ثلاثة أوامر عظيمة، أوامر ثلاثة عظيمة جدًا: الصبر، والاستغفار، والتسبيح؛ ولذلك من رام النصرة، والتوفيق فعليه بالثلاثة الصبر، والاستغفار، والتسبيح، ولقد قرن الله بين الثلاثة في هذه الآية الكريمة فاصبر، واستغفر، وسبح؛ الثلاثة.
﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) [غافر: 55] وهنا قدم العشي على الإبكار، وقد يقول قائل الأصل أن الإبكار متقدم؛ ولذلك زكريا عليه السلام قال الله عنه: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (مريم: 11) [مريم: 11].
ولذلك السؤال الذي يوجه في هذا الدرس: هل من سر نقف عليه في تقديم العشي على الإبكار في هذه الآية الكريمة؟
ثم قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56)
﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) المقصود الذي تقدم ذكره مرارًا ﴿وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (غافر: 58) تقرير له مرة أخرى ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (غافر: 59) هذا فيه تشنيع المجادلة بغير دليل، ولا حجة، وبيان أنه لا ينبغي لأحد أن يجادل بدون برهان هذه تستفاد من رام المجادلة فليكن معه الحجة، والبرهان، وإلا فلا فائدة من مجادلته، إذ هذه المجادلة تكون في حقه عبثًا.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] تقدم معنا قاعدة وهي أننا إذا وجدنا إلا مع إن ومعها إلا فهي بمعنى ما فهي نافية.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] قالوا هنا في التفسير: (لن يصلوا إلى ما يريدونه من الاستعلاء عليه)& إذن ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] يعني لن يصلوا إلى مرادهم يريدون الاستعلاء على الرسل، وعلى الأنبياء، وعلى الحق لا يمكن لهم ذلك.
ولذلك قد يقول قائل: إنه يعود أيضًا على ما فهم ضمنيًا أي ما هم ببالغين إبطال النبوات، والقضاء على الدعوات الحقة هذا لا يمكن ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] أمر أيضًا بالاستعاذة.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] وتجد أن الله سبحانه وتعالى لما أمرنا بالاستعاذة من الشيطان الرجيم قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) [فصلت: 36] فذكر معه العليم، وهنا قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56].
ولعل هذا والعلم عند الله؛ لأن المجادلة تصدر من هؤلاء الناس، وهؤلاء الناس يجادلون ظاهرًا عيانًا في وضوح فذكر ما يتعلق بذلك ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] يعني يرى مجادلتهم، وينصر عباده المرسلين عليهم، وأما الشيطان الرجيم فإنه وسوسته خفية فناسبها أن يذكر مع اسم الله السميع، اسم الله العليم.
ثم جاء قول الله: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) [غافر: 57] وكأنهم يقال لهم دعوا تلك المجادلات الباطلة تعالوا اسمعوا الجدال بالحق، الجدال للوصول إلى الحق، لماذا لا تعبدون الله وحده لا شريك له؟ لماذا تشركون بالله آلهتكم، لماذا لا تقرون بالبعث، والنشور؟
﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) [غافر: 57] ثم قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (غافر: 58) [غافر: 58] وهذه قاعدة عامة وهي أن الله عز وجل لا يسوي بين البر والفاجر والمؤمن والكافر كما تقدم مرارًا.
من فوائد الآيات:
· دلالة خلق السموات والأرض على البعث؛ لأن من خلق ما هو عظيم قادر على إعادة الحياة إلى ما دونه.
(نصر الله لرسله) ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ (غافر: 51) [غافر: 51].
(اعتذار الظالم يوم القيامة لا ينفعه) ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ (غافر: 52) [غافر: 52].
(أهمية الصبر في مواجهة الباطل) ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) [غافر: 55].
(دلالة خلق السموات والأرض على البعث) ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) [غافر: 57].
قواعد وسنن مستفادة
ومما يستفاد من الآيات أيضًا ما جاء في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] كما تقدم فيه إشارة إلى أن المتكلم في أمر الدين لا ينبغي له أن يتكلم إلا مع حجة وبرهان، وهذا ذكره الألوسي وغيره من أهل التفسير.
﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (غافر: 59) [غافر: 59] إذن هذا فيه مناسبة ذكر هذه الآية لما سبق ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) [غافر: 57] وإذا كان الأمر كذلك فالله قادر على إحياء الموتى.
وهنا ختمت الآية ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (غافر: 59) [غافر: 59] لأن كثير منهم يكذب بالبعث، وجاء في الأولى ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) [غافر: 57]، ثم جاء في الثالثة بعد ذلك ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] وهي مراحل يترتب بعضها على بعض، فالعلم يقود إلى الإيمان، والإيمان يقود إلى الشكر فضلًا على أن كل آية يناسبها ما جاء في فاصلتها.
ففي قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] واضح أنه يناسبه ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61].
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] وهذا من كرم الله، ولذلك ورد في الحديث H0.
وربنا سبحانه وتعالى يريد منا أن ندعوه، وأن نكثر من الدعاء، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] وقد فسر الدعاء بالعبادة وهو صحيح، فالدعاء هو العبادة كما جاء H1.
ومن معاني ادعوني: ارغبوا إلي استجب لكم، وشتان بين هذا وبين ما جاء في قول مؤمن آل فرعون حينما قال لقومه فيما يبين لهم أنهم يدعون آلهة باطلة: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 43) [غافر: 43] قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] وهذا من أوجه تفسير الدعاء بالعبادة؛ لأنه قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] وقد سبق قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] فهذا معناه عن دعائي أي عن عبادتي ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] فيه أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم لما استكبروا كان الجزاء أنهم سيدخلون جهنم داخرين أذلاء صاغرين.
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعض دلائل قدرته سبحانه وتعالى، ودلائل إلهيته عز وجل ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] وتأملوا هذه الآية، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] لم تأتِ الآية بهذه الطريقة ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ﴾ الليل ساكنًا، أو مظلمًا لتسكنوا فيه، والنهار مبصرًا لتعملوا فيه مثلًا، ﴿أَنَّمَا﴾ لما ذكر الليل قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] ولما ذكر النهار قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61].
ففهم من كل كلمة مقابل الكلمة المقدرة في الوجه الآخر فقال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] أي مظلمًا، أو ساكنًا ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61]، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] لتعلموا فيه، أو ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضله.
هذا يسميه بعض أهل العلم بأسلوب الاحتباك، أو يسمى بالحذف المقابلي أن يذكر كلام، وكلام آخر فيذكر في الكلام ما لم يذكر في الأول، وكذا العكس فيعلم من المذكور ما حذف في كل.
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61، 62] إذا تأملتم هذه الآيات المباركة يا أيها الإخوة الكرام، تجدون أن رب العزة سبحانه وتعالى قد قرن بين اسميه الله، والرب وهذا كثير، ومتكرر تأملوا ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (غافر: 62) [غافر: 62] وبعد ذلك قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64] تأمل ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64] وقبلها ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (غافر: 62) [غافر: 62].
وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا يكثر في مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن من علم أن الله هو الرب فعليه أن يعتقد أنه الإله الحق الذي ينبغي ﴿إِلَّا﴾ يعبد أحد سواه سبحانه وتعالى.
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64] لكن قبلها قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 62، 63] كما صرف هؤلاء عن الإيمان بالله، وعبادته وحده يصرف عنه من يجحد بآيات الله، هذا كله تفسير كذلك، وهذا مهم جدًا في الفهم.
﴿كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (غافر: 63) [غافر: 63] الإفك أصله الكذب، والخداع والصرف فهو إفك انصراف مع كذب، وخداع فهم قد جمعوا بين الانصراف عن الحق، وبين الكذب، والخداع.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64] تأمل هنا ماذا قالوا؟
قالوا: (وزرقكم من حلال الأطعمة ومستطابها)& ففسروا الطيبات بماذا؟ بحلال الأطعمة ومستطابها وهذا يرد في القرآن في بعض المواضع تأتي كلمة الطيبات، وقد ذكر بعض العلماء؛ كابن جزيء أنه إذا ذكرت الطيبات في مقام الإنعام فالمراد بها المستلذات، إذا ذكرت في مقام الحل والحرمة فالمراد بها الحلال، وهنا جمعوا بين الاثنين فقالوا: (من حلال الأطعمة ومستطابها)&؛ لأن المقام مقام إنعام، والمستلذ لا يكون إلا حلالًا؛ لأنه هو المراد هو حلال، ومستلذ أيضًا.
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64] فسروا ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64] (صير لكم) تأملوا (صير لكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس الأرض)& لأن جعل قد تأتي بمعنى خلق، وبمعنى صير هنا بمعنى صير لكم الأرض.
﴿هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 65) [غافر: 65] هذه دعوة لنا لأن نحمد الله سبحانه وتعالى وأن ندعوه مخلصين له الدين، وتأملوا ما جاء في أوائل السورة في سورة غافر التي معنا ﴿فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 14) [غافر: 14] فهذا عود على بدء.
﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 66) [غافر: 66] هنا معنى جميل في الآية.
﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 66) [غافر: 66] ﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 66) [غافر: 66] ما أجمل أن يفهم المسلم هذا، وأن يعترف ويقر بهذا!
إني نهيت، إني أمرت أنت عبد، إذن الله ينهاك، الله يأمرك فصرح بهذا، قالوا لك: لم تترك هذا؟ تقول: نهيت، لماذا تفعل هذا؟ تقول: أمرت، فالله يعلم رسوله -صلى الله عليه وسلم- ذلك.
من فوائد الآيات:
· دخول الدعاء في مفهوم العبادة التي لا تصرف إلا إلى الله؛ لأن دعاؤه هو عين العبادة، نعم الله تقتضي من العباد الشكر.
· أهمية الإخلاص في العمل.
(دخول الدعاء في مفهوم العبادة) في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] بعد قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] نعم الله تقتضي من العباد الشكر، ولذلك قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] يعني الحري بهم أن يشكروا الله سبحانه وتعالى.
(ثبوت صفة الحياة لله) وهذا مأخوذ من اسمه الحي ﴿هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 65) [غافر: 65],
(أهمية الإخلاص في العمل) لذا أمر الله بالإخلاص ﴿هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 65) [غافر: 65].
وأيضًا من الفوائد الجزاء من جزء العمل، وهذا في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60] بعد قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) [غافر: 60]
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] هذه أيضًا من الآيات التي يبين الله سبحانه وتعالى فيها عظيم قدرته، ويبين فيها بعض دلائل قوته وقهره، وأنه المستحق للعبادة سبحانه وتعالى.
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] قالوا هنا في التفسير: (خلق أباكم آدم من تراب).
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] أي ثم جعل خلقكم من بعده من نطفة.
إذن عاد الضمير في قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] على كل بحسب ما نعلم، فربنا سبحانه وتعالى خلق آدم من تراب، وخلقنا من نطفة مع أنه لم يصرح هنا بالذي خلق من تراب، وبالذي خلق من نطفة، لكن هذا معهود من الآيات الأخرى، ومما هو معلوم لدينا، وإلا فبعض المفسرين قالوا: خلقكم أيضًا أنتم من تراب باعتبار الأصل، أو باعتبار أنه لا غنى عن التراب الذي هو الأرض، وذلك أن المطر ينزل من السماء على الأرض فتنبت الكلأ، والعشب، والخير الكثير فيأكل الناس، وينتفعون بها فيكون هذا سببًا في أرزاقهم، وفي نموهم، وما إلى ذلك.
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] لكن والعلم عند الله، إن ذكر التراب هنا له مقصد أيضًا؛ وذلك أن الآيات الكريمة تحدثت عن تكبر هؤلاء الكفار، فهم متكبرون فيقال له: وما التكبر، أنسيت أصلك، فأصلك تراب، وأصلك نطفة، فلم التكبر، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة عبس وهذا مما يعالج به كل متكبر إن أراد عالجًا ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ (عبس: 17-22) [عبس: 17 - 22] فإذا تذكر الإنسان أصله لن يجد هناك مساغًا للتكبر.
قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] قال: (ثم بعد النطفة من دم متجمد)& ففسروا العلقة.
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] هذه هي المراحل التي مر بها الإنسان.
قال الله سبحانه وتعالى في آخر الآية ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67) [غافر: 67] قالوا لعل هنا بمعنى التعليل أي ولتعقالوا وهذا من دلائل أن لعل هنا تأتي بمعنى التعليل؛ لأنَّها عطفت على اللام فكانت قريبة منها في المعنى؛ ولذلك لأنَّها جاءت في حق الله سبحانه وتعالى، والكلام في لعل كلام طويل، وتقدم ذكره في تفسير الجلالين.
﴿هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (غافر: 68) [غافر: 68] قالوا هنا في التفسير: (هو وحده سبحانه الذي بيده الإحياء) & تأملوا هو سبحانه وتعالى من أين قالوا: (هو وحده)؟
من تعريف جزي الجملة؛ لأنه هو معرفة، الذي معرفة، يعني هو وحده الذي فهذا أيضًا من أساليب الحصر.
إذًا نحن نستفيد أخذنا في الدرس السابق في درس سابق أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، كذلك هنا ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (غافر: 68) [غافر: 68] أي هو وحده الذي بيده الإحياء سبحانه وتعالى وهو وحده الذي بيده الإماتة، ثم قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ﴾ (غافر: 69) [غافر: 69].
تأملوا، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ﴾ (غافر: 69) [غافر: 69] تكرر الحديث أيضًا عن الجدال في آيات الله.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ﴾ (غافر: 69) [غافر: 70، 71] يعني توقد بهم النار، نسأل الله السلامة!
هذا كلام عمن؟ عن الكفار، عن المجادلين في آيات الله ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 70) [غافر: 70] هذا كلام عن الكفار المجادلين، لكن عمر بن العزيز رحمه الله تعالى قد ذكروا في ترجمته: أنه ربما قرأ تلك الآيات في ليلة فلم يستطع تجاوزها يقرأها ويبكي، يقرأها ويبكي ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ﴾ (غافر: 69) [غافر: 69] إلى أن يصل ﴿إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ (غافر: 71) [غافر: 71] يتذكرها ويبكي رحمه الله تعالى.
وهذا فيه أننا حينما نقرأ القرآن، ونقرأ آيات وردت في الكفار ليس معنى ذلك أن الإنسان لا يتذكر، ولا يعتبر بها، فالمرء لا يدري بما يختم له، وأيضًا الكفار لهم صفات لا ينبغي أن يتصف الإنسان بهذه الصفات، وهكذا كان يفهم أئمتنا وسلفنا رحمهم الله رحمة واسعة.
﴿إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ (غافر: 71) [غافر: 71، 72] ومما ذكره بعضهم في وجود الأغلال في الأعناق مع أنه في النار يعذب، يعذب قال بعضهم: وهذا من شديد العذاب أنه من شدة لهيب النار يرتفعون تطفيهم النار تعليهم، فالأغلال تمسك بهم حتى ينالوا من العذاب على أتم وجه، وهذا من شديد العذاب نسأل الله السلامة والعافية.
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (غافر: 73) [غافر: 73] تأملوا هنا ماذا قالوا؟ (ثم قيل لهم: تبكيتًا لهم، وتوبيخًا) من أين أخذوه من الاستفهام ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (غافر: 73) [غافر: 73] أين هم، أين هؤلاء؟ ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (غافر: 75) [غافر: 73، 74] يعني مثل إضلال هؤلاء يضل الله الكافرين.
﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (غافر: 75) [غافر: 75] هذا قيد إذًا ليس هناك مانع من الفرح بالحق فأهل الإيمان يفرحون ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58) [يونس: 58] لكن الفرح المذموم هو الفرح الباطل ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: 75-77) [غافر: 75 - 77] وتقدم معنا قريبًا ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) [غافر: 55].
فهذا يدل على أن هذا القصص الذي ذكره الله، وأن هذه الآيات التي ذكرها الله يراد منها أيضًا تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته الصبر، ويسليهم وهذا مناسب لما تقدم في السور السابقة ففيها دعوة إلى الصبر كما تقدم معنا في سورة ص ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17]إلى غير ذلك مما جاء سابقًا في السور المكية.
من فوائد الآيات:
· أهمية الصبر في حياة الناس، وبخاصة الدعاة منهم.
(التدرج في الخلق سنة إلهية يتعلم منها الناس التدرج في حياتهم) لأن الله خلقنا على مراحل ﴿مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهذا من الحكم التي ذكرها العلماء في خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فقالوا: هذا يعلمنا التدرج والصبر، والأناة.
(قبح الفرح بالباطل) وهذا في قوله: ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (غافر: 75) [غافر: 75].
(أهمية الصبر في حياة الناس وبخاصة الدعاة منهم) وذلك في قوله: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: 77) [غافر: 77].
والله سبحانه وتعالى يُعطى الصابرين الجزاء في الدنيا، وفي الآخرة؛ لذلك قال: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: 77) [غافر: 77] يعني لا تقلق، قد يأتيك النصر عن قريب في حياتك، وقد يؤخر بعد وفاتك، ولكن الله ناصرك ولا بد.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] أمر الله سبحانه وتعالى النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين به بالصبر، وبين أن الرسل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ جاءوا بالدعوة الحقة؛ فمنهم من استجاب، ومنهم من لم يستجب قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78].
وهذا فيه دلالة على أن ما ذكر من الرسل في القرآن ليسوا هم جميع الرسل، ولكن هناك رسل آخرون لم يذكرهم القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] تأملوا هنا قالوا في الشرح: (وما يصح لرسول أن يأتي قومه بآية من ربه إلا بمشيئته سبحانه وتعالى)& وهذا أسلوب جليل يأتي في القرآن الكريم ويتكرر ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] لم يقل لم يأتِ رسول إلا بآية إلا بإذن الله.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] يعني ما يصح، ما يتأتى هذا، فإذا جاء نفي الكينونة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] يعني لا يمكن، لا يصح هذا؛ ولذلك قال الله أيضًا ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (يونس: 37) [يونس: 37] يعني ما صح، كيف أن يصح أن يفترى هذا القرآن؟ مثل هذا القرآن لا يفترى، لا يكون إلا من عند الله سبحانه وتعالى.
وهذا فيه أن الرسل ﴿أَنَّمَا﴾ جاءوا بالآيات بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] وفي آخر السورة ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 85) [غافر: 85].
ففيه أن الله ينصر أوليائه ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ (غافر: 51) [غافر: 51] وأن أهل الباطل يخسرون كما قال هنا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 85) [غافر: 85].
في الدنيا قد يكون لهم ما لهم، لكن وخسر هنالك في الختام يكون الخسران لاحقًا بهم.
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (غافر: 79) [غافر: 79] تأملوا هذه الآيات جاءت منفصلة عن آيات الإنعام السابقة مع أنَّ آيات الإنعام السابقة ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61) [غافر: 61] هذا تقدم، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (غافر: 64) [غافر: 64].
وهذا فيه أن آيات الله سبحانه وتعالى في بعض الأحوال تأتي متتابعة، وفي بعض الأحوال تأتي متفرقة حتى لا ينسى الإنسان هذه الآيات، فالله يذكر، ثم بعد ذلك يذكر بعض القصص، ثم يعود التذكير بآيات الله سبحانه وتعالى وبدلائل قدرته.
وهنا ذكر الأنعام؛ لأن الأنعام يستفاد منها، وتستفيد، فالأنعام استفادت من الأرض، واستفادت من الماء، ثم ينتفه بها فهي تشترك مع الإنسان في هذا أنها قد استفادت، ثم استفاد منها الإنسان، وكأن الله يقول: أنت قد انتفعت، وغيرك قد انتفع، ومن انتفع أنت انتفعت به أيضًا.
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (غافر: 79) [غافر: 79] هنا فسروا الأنعام بالإبل، والبقر، والغنم، لكن لما قال الله ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (غافر: 79) [غافر: 79] ماذا يقولون؟ والذي يركب الإبل، ولذلك البقر قال: إنا لم نخلق لهذا؛ لذلك احترزوا فقالوا: تركب بعضها، وهذا يعني أن الضمير أحيانًا لا يعود على جميع المذكور، وعلى جميع جنسه، بل يعود على بعضه، لكن بعضه ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (غافر: 79) [غافر: 79] هذا مناسب للجميع ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (غافر: 80) [غافر: 80] فنحن نستفيد من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وما إلى ذلك من لبنها وغير ذلك ومن بيعها، وشرائها وما إلى ذلك.
﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ (غافر: 81) [غافر: 81] تأملوا ﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ (غافر: 81) [غافر: 81] هذا الاستفهام، استفهام إنكاري وهو عجيب ﴿فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ هذه آيات واضحة ظاهرة أمامكم لا مجال لإنكارها فهو إنكار لإنكارهم آيات الله سبحانه وتعالى هو إنكار لإنكارهم آيات الله ﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ (غافر: 81) [غافر: 81] يعني ربنا ينكر عليهم كيف تنكرون آيات الله وهي ظاهرة واضحة، ثم جاء الختام في خواتيم السورة.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 82) [غافر: 82] وقد تذكرنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في بدايات السورة جاء ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] هنا ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 82) [غافر: 82] لذلك تجد ختام السورة ينبئنا عن ما ذكر فيه أوائل السورة، أو في وسط السورة ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 82) [غافر: 82].
هذه الجملة ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 82) [غافر: 82] تحتاج إلى تقدير قبلها، لماذا؟
لأن الله يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 82) [غافر: 82] فماذا كان؟
فجاءتهم رسلهم بالبيات فأعرضوا، وكذبوا فأهلكهم الله ﴿فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ هذا كله طوي، ثم جاء بعد ذلك ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (غافر: 83) [غافر: 83] وكأن هذا حقه السبق؛ لأنه ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (غافر: 83) [غافر: 83] قبله ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 82) [غافر: 82] لكن هذا لبيان العاقبة فأنت تدرك هذا.
﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (غافر: 83) [غافر: 83].
ثم ختمت السورة ﴿فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ﴾ (غافر: 84) [غافر: 84] أي عذابنا ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (غافر: 83) [غافر: 84، 85] وهذا فيه أن الإيمان لا ينفع صاحبه إذا عاين العذاب، فالإيمان بالله يكون قبل معاينة العذاب؛ ولذلك أيضًا لا ينتفع الإنسان بالتوبة إذا كان في الغرغرة، وكذلك إذا طلعت الشمس من مغربها، وكذلك إذا عاين العذاب ولذلك لم ينتفع فرعون بدعواه أنه آمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل؛ لأن ذلك كان بعد معاينة العذاب.
وتأملوا هنا ذكر كلمة بأسنا مع قول مؤمن آل فرعون ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] ثم ختمت السورة ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 85) [غافر: 85] وكأن السورة تبين أن الخاتمة للمؤمنين، والمتقين فهم في الدنيا منصورون بالغلبة في الحجة، وقد يكون كذلك بالسنان، والسيف، ثم هم في الآخرة منصورون ولا شك حينما يدخلهم الله جنات النعيم، ويهلك أعدائهم.
بطلان الإيمان عند معاينة العذاب المهلك.
(لله رسل غير الذين ذكرهم الله في القرآن الكريم نؤمن بهم إجمالًا) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [غافر: 78] فحينئذ نؤمن بهم إجمالًا.
(من نعم الله تبيينه الآيات) ﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ (غافر: 81) [غافر: 81].
(خطر الفرح بالباطل) قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (غافر: 83) [غافر: 83].
(بطلان الإيمان عند معاينة العذاب المهلك) ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 85) [غافر: 85].
وهكذا يا أيها الإخوة الكرام، نجد أن سورة غافر قد قررت قضية التوحيد، وبينت الجدال بالحق، أو الجدال عن آيات الله، والجدال عن آيات الله، وكيف ينصر الله أوليائه، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يهلك أعدائه.
ننتقل بإذن الله تعالى إلى سورة فصلت، وقفة يسيرة مع مقدمتها وأول صفحة بحسب ما يتيسر من باقي الوقت وفقني الله وإياكم.