مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة فصلت — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 365 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34] تنقلب العداوة إلى محبة بالإحسان، ولذلك من أعظم ما يزيل الضغائن، ويزيل الأحقاد، والمشكلات، والأزمات الإحسان قال: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 35) [فصلت: 35] هذا فيه مكانة الصبر، وفي مواضع كثيرة من القرآن الكريم يذكر الله سبحانه وتعالى أن الصبر هو ملاك الأمر، به زمام أمور الأعمال الصالحة، وعليه جماعها، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر أوصاف أولي الألباب في سورة الرعد قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 23-24) مع أنه وصف أولي الألباب بأوصاف كثيرة، لكن هذا هو جماعها الصبر.

وكذلك لما وصف الله عباد الرحمن قال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾ (الفرقان: 75) [الفرقان: 75].

وكذلك في سورة الإنسان ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: 12) [الإنسان: 12] فالصبر يجمع لك أبواب الخير؛ لأنه بالصبر يجتنب الإنسان النواهي، وبالصبر يمتثل الإنسان الأوامر إذن هذه أدلة تشهد لهذا المعنى.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) [فصلت: 36] وهنا أمران:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطَبٌ به، ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) [فصلت: 36] الخطاب ابتداءً للرسول، ثم لكل مخاطَبٍ مع أنَّ الله قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201) [الأعراف: 201] هنا قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) [فصلت: 36] وقال هنا وسوس، والنزغ قد يكون فيه شيء من القوة في الأمر، وفي الكيد، وكأنه والله أعلم لارتفاع قدر الرسول صلى الله عليه وسلم يريد الشيطان أن يتسلط عليه، ولكن هيهات، ولذلك همَّ جنيٌّ، أو هذا الشيطان أن يلقي نارًا في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: H0.

وهذا يدل على أن المرء كلما علا كعبه يريد الشيطان الضر، ولكن الله يحفظه، ولذلك قال الشيطان: ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: 16) [الأعراف: 16] فلا ينبغي للعبد إذا أعلى الله قدره وكانت له منزلة بين الناس ﴿إِلَّا﴾ يتلفت إلى عدوه، بل إن عليه أن يواظب على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن يكون أتم حرصًا على مواجهة هذا العدو مستعينًا بالله سبحانه وتعالى.

﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) [فصلت: 36] وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى عدوين، هناك معاداة تكون من الإنس، هناك شخص تكون بينك وبينه عداوة فماذا تصنع معه تصانعه، تحسن إليه هذا هو العلاج، والدواء، وأما الشيطان فلا مجال للمصالحة، وإنما علاجه الاستعاذة بالله من كيده ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) [فصلت: 36].

وهذا موجود في ثلاث آيات من القرآن ليس لهن رابع كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هذه واحدة آية سورة فصلت، والآية الثانية قول الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199) [الأعراف: 199] هذا مع من يعاديك، ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 200) [الأعراف: 200].

والموضع الثالث في سورة المؤمنين، أو المؤمنون ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 96-98) [المؤمنون: 96 - 98].

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37) [فصلت: 37].

هنا ذكر الله بعض آياته التي تدل على عظيم قدرته، وفيها أيضًا دعوة لهؤلاء الكفار أن يلتفتوا وأن يعبدوا الله الذي خلقهم كما قال الله في شأن عاد ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] وهنا قال: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37) [فصلت: 37] هذا هو الدليل اسجدوا لله فهو الخالق، وإذا كان هو الخالق إذًا لا يُعبد إلا هو، ولا يسجد إلا له.

وقال: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37) [فصلت: 37] إن كنتم إياه وحده تعبدون ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾ (فصلت: 38) [فصلت: 38].

﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾ (فصلت: 38) [فصلت: 38] فاستكبارهم وبالٌ عليهم، ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾ (فصلت: 38) [فصلت: 38] أهلكهم الله ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾ (فصلت: 38) [فصلت: 38] وهذا معناه أن عبادة العبد تعود إليه، وإلا ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ﴾ الخلق أجمعين سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات:

¯منزلة الاستقامة عند الله عظيمة.

¯كرامة الله لعباده المؤمنين، وتوليه شؤونهم، وشؤون من خلفهم.

¯مكانة الدعوة إلى الله، وأنها أفضل الأعمال.

¯الصبر على الإيذاء، والدفع بالتي هي أحسن خلقان لا غنى للداعي إلى الله عنهما.

وهذا واضح (منزلة الاستقامة عند الله عظيمة) ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت:30].

(كرامة الله لعباده المؤمنين، وتوليه شؤونهم) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (فصلت: 31) [فصلت:31].

وتولي الملائكة لهم ﴿أَنَّمَا﴾ هو من تولي الله عز وجل لهم، فما تولتهم الملائكة، ولا حفظتهم إلا بحفظ الله سبحانه وتعالى.

قال: (مكانة الدعوة إلى الله) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33].

(الصبر على الإيذاء، والدفع بالتي هي أحسن) ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34].

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) [فصلت: 39] هذا معطوف على ما سبق فيه أيضًا ذكر لبعض آيات الله الدالة على عظمته، وتوحيده، وعلى قدرته على البعث، وها أنتم ترون يا أيها الإخوة الكرام، أن هذه السورة كغيرها من السور المكية لا تخلو من التذكير بالتوحيد، والدلالة عليه، أو الاستدلال له وعليه، وكذا من ذكر البعث، وتقريره، فجاءت هذه الآية مقررة لقدرة الله سبحانه وتعالى من جهة، ولبيان أن البعث حق.

﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) [فصلت: 39] وتجد أن هذا ذكر في مواضع أخرى من القرآن فقد جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5].

وترى التعبير هنا جاء بخاشعة وهو مناسب والعلم عند الله لما تقدم من سجود الشمس والقمر، فسجود الشمس والقمر مؤذن بالخشوع لله، وهنا جاء أيضًا وصف الأرض بالخشوع ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) [فصلت: 39] قالوا: (تحركت بسبب نمو المخبوء فيها من بذور، وارتفعت)&.

﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) [فصلت: 39].

ثم قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] إذًا هم جمعوا بين الإعراض، والإلحاد، والجحود، ولذلك تجد أن هذه الكلمات تكررت في السورة فجاء ذكر الإلحاد هنا، وجاء ذكر الجحود وتقدم، وجاء ذكر الإعراض.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] وهذا فيه ما فيه يدل على معانٍ كثيرة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] والمعنى سيجازون، وسيحاسبهم الله فهم ليسوا بخافين على الله.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] لا يتساوى هذا وذاك ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] وتأمل هذا الأسلوب البديع العظيم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] الإلقاء وحده يدل على أن الأمر شديد، فكيف إذا كان الإلقاء في النار.

إذًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] ولا شك أن الجواب: ﴿مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ﴾ ٱلْقِيَٰمَةِ هو الخير، ولا خير في الطرف الآخر، فالآخر ليست فيه خيرية؛ لذلك يقول بعضهم أسلوب التفضيل.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] كان من المتوقع أيضًا أن يقال: ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن﴾ يدخل الجنة، لكن جاء التعبير ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40].

فـ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] واسعة من بداية الأمر يؤمنه الله إلى أن يدخل الجنة؛ ولذلك بعضهم قال: هو من أسلوب الاحتباك، ﴿وَقِيلَ﴾: بخلافه فعلى قول من قال بهذا؛ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] خائفًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] ويدخل الجنة.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] أيضًا جاء هنا أسلوب الالتفات قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] يتحدث عن ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] يتحدث عنهم، لم يقل: ليعملوا ما شاءوا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] فهذا خطاب لهم فيقال: التفات من الغيبة إلى الخطاب وفيه زيادة في التهكم بهم، والوعيد لهم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40].

ولعل بهذا يتضح وضوحًا جليًا أن قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] سيق هنا مساق التهديد؛ فلذلك يقوله بعض الناس في غير موضعه، وفي غير سياقه، فيقول: إن الله خير وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] وإنما هنا جاء في مقام الوعيد، وأنك حينما تقول لولدك، وقد أساء مرارًا، وتكرارًا فتقول له: اعمل ما شئت وسترى فأنت بهذا لا تقول له افعل ما تريد من الباطل، أو افعل ما تريد من المعاصي، ﴿أَنَّمَا﴾ هو تهديد، ولله المثل الأعلى.

قال هنا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40]، ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41].

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] أين خبر إن؟

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] ماذا لهم؟ ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] بعضهم يقول: الخبر ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] والواو زائدة وهذا خلاف الأصل، لا يقال إن الواو هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ الجملة هنا حالية أي والحال أن القرآن كتاب عزيز، لكن الخبر ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] مقدر؛ لتذهب النفس فيه كل مذهب، ولذلك هنا ماذا قالوا في التفسير؟ (﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا بالقرآن لما جاءهم من عند الله لمعذبون يوم القيامة)& ويدل عليه ما جاء قبله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) [فصلت: 40] إذن هؤلاء سيلقون في النار.

وقال بعضهم: بل الخبر هناك في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] انظر إلى الفاصل الكبير، لكن ضعف لطول الفاصل هذا معناه أنه في بعض الأحيان ربما حذفت كلمة ضرورية في السياق بمعنى خبر، والخبر، الإنسان لا بد أن يقدره؛ إما أن يجده، وإما أن يقدره، لكن ليعلم الإنسان أن الأمر شديد ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] ماذا ستصنع بهم يا ربنا؟ لمعذبون.

قال: ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) [فصلت: 41، 42] أيضًا جاء هنا التعبير ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) [فصلت: 42] هنا ﴿مِنْ أَىِّ﴾ جهة من الجهات، من جهة أحكامه، من جهة أخباره ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: 115) [الأنعام: 115] وغير ذلك من كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى قد حفظه.

﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) [فصلت: 42] يعني لا بزيادة، ولا بنقصان، لا يزاد فيه، ولا ينقص منه فقد حفظه الله سبحانه وتعالى، وهذا من حفظ الله للقرآن ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) [فصلت: 42].

إذًا قوله: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ (فصلت: 43) [فصلت: 43] تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم يقول له يا رسول الله تحمل، واصبر، فالأنبياء من قبلك أيضًا تعرضوا لهذا.

﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ (فصلت: 43) [فصلت: 43] وتأمل قدم ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ (فصلت: 43) [فصلت: 43] وهو مناسب لأصل السورة ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (فصلت: 2) [فصلت: 2].

قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44].

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] كما طلب بعضهم على قول كثير من المفسرين فرضًا ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] وفي أول السورة ﴿كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3) [فصلت: 3] أي هذا من رحمة الله، وفضله، وقد قال الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم: 4) [إبراهيم: 4] فالقرآن جاء بلسان عربي مبين، وفي هذا خير كثير للناس لتفهمه، ولتعي؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) [يوسف: 2].

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] يعني أن يقولوا أأعجمي، وعربي يعني القرآن ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾، والرسول عربي، فكيف يقول هذا، أو المخاطبون عرب، فإذًا لماذا تطلبون هذا الطلب، والعجيب أن التعبير القرآني جاء ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] لم يقل: ولو أنزلناه قرآنًا جعلناه، وكأن هذا سيكون عارضًا؛ لأن الله أنزله بلسان عربي مبين.

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] وصف الله القرآن بأنه هدى وشفاء وهذا من أوصاف القرآن أنه هدى، ومن أوصافه أنه شفاء، وهذا أعظم مما جاء في سورة النحل في وصف العسل الذي يكون من النحل؛ لأنّّ الله قال هناك ﴿ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 69) [النحل: 69]، لكن هنا قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44].

فالقرآن كله شفاء؛ ولذلك في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) [الإسراء: 82] قالوا: إن من هنا بيانية يعني القرآن كله شفاء وهو في الحقيقة شفاء للأبدان، وشفاء للعقول، والقلوب فهو شفاء للظاهر، والباطن.

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] وكأني أتذكر صدر السورة الكريمة ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) [فصلت: 5] بين الله سبحانه وتعالى هذا أيضًا هنا قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] ومعروف أن الذي ينادى من مكان بعيد لا يكاد يسمع، فكيف إذا كان على أذنه، أو على آذانهم وقر، فعلى آذانهم وقر، والنداء من بعيد فهم لا ينتفعون.

وقال بعض العلماء: بل أُو۟لَٰٓئِكَ ﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ هذا مراد به أمر آخر زيادة عن الوقر الذي على الآذان؛ لأن الوقر على الآذان يمنع السماع من قريب، أو بعيد، ولكن كأن المعنى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] بإبعادهم، وإهلاكهم للدلالة على الإهلاك.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (فصلت: 45) [فصلت: 45] أيضًا هذا من وجوه التسلية، وتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبر ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (فصلت: 45) [فصلت: 45].

وكثيرًا ما يذكر بعض ما يتعلق بموسى عليه السلام.

﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (فصلت: 45) [فصلت: 45] ولولا وعد من الله أن يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا لحكم بين المختلفين في التوراة؛ فالله سبحانه وتعالى لا يعجل لعجلتهم سبحانه وتعالى.

قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (فصلت: 45) [فصلت: 45] يعني لفي شك في القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (فصلت: 45) [فصلت: 45] مقلق؛ ولذلك وصف الشك بأنه مريب مع أنَّ الريبة شك، وأيضًا فيه دلالة على أنه شك شديد جعلهم في حيرة شديدة ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46) [فصلت: 46].

من فوائد الآيات:

¯حفظ الله القرآن من التبديل، والتحريف، وتكفل سبحانه وتعالى بهذا الحفظ بخلاف الكتب السابقة له.

¯قطع الحجة على مشركي العرب بنزول القرآن بلغتهم.

¯نفي الظلم عن الله، وإثبات العدل له.

(حفظ الله القرآن من التبديل، والتحريف، وتكفل سبحانه وتعالى بهذا الحفظ) وهذا من أين أخذناه؟ أخذناه من قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ (الحجر: 9) فكتاب الله محفوظ كما قال أيضًا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ (الحجر: 9) [الحجر: 9].

وهنا لطيفة أذكرها؛ لأن بعض الناس فهم الآيات خطأ وقال فيها قولًا لا يليق في هذه الأزمنة، إذ خرج علينا الحداثيون بالدعاوى، من هذه الدعاوى قالوا: القرآن نعم، محفوظ، لكن لما كتب القرآن، وصار مكتوبًا ما يدرينا أنه بقي محفوظًا، ما يدرينا أن الصحابة قد جمعوا كل ما قاله الرسول على النحو الذي قاله الرسول، وأخذه من الوحي؟

قالوا هذا وهذا افتراء، ومما يدل على افترائهم ما جاء في الآيات الكريمة هنا؛ لأنّّ الله قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] وهو القرآن، وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] أي القرآن ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41] فالقرآن كتاب ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت: 41) [فصلت: 41، 42] وهو كتاب فهذا يعني أنه مكتوب محفوظ كما أنه مقروء، محفوظ، ويشهد لهذا أيضًا في أول السورة الكريمة ﴿كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3) [فصلت: 3] تأمل كتاب، وقال: قرآنًا.

فإذًا عندنا أن الكتاب محفوظ، وأن القرآن محفوظ بفضل من الله سبحانه وتعالى.

(قطع الحجة على مشركي العرب بنزول القرآن بلغتهم) وهذا في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44].

وقال: (نفي الظلم عن الله، وإثبات العدل له) ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46) [فصلت: 46].

ومن معاني ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46) [فصلت: 46] يعني بذي ظلم للعبيد، والكلام فيها طويل؛ لأنه قد يتوهم واهم إن ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46) [فصلت: 46] فعال صيغة مبالغة، فالمعنى ليس بظلام، لكن يوجد ظلم لا، ليس بظلام، وليس بظالم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40) [النساء: 40] فمن أقوى ما يقال أي وما ربك بذي ظلم للعبيد سبحانه وتعالى.

هناك أوجه كثيرة ذكرها السيوطي وغيره.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] أيضًا جاءت هذه الآية الكريمة؛ لبيان بعض ما يدل على قدرة الله وعظمته، وهذا كثير في القرآن الكريم في أثناء الحديث عن الوعد، أو الوعيد تذكر بعض الآيات الدالة على وحدانية الله، وعظيم قدرته، هنا جاء الحديث عن علم الله سبحانه وتعالى، وتقدم حديث عن قدرته، وهذا حديث عن علمه ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] قالوا إلى الله وحده يرد علم الساعة وهذا استفيد من تقديم ما حقه التأخير ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] وحده سبحانه وتعالى، وبدأ بعلم الساعة؛ لأنه أغمض، فعلم الساعة لا يعلمه أحد، ولذلك قال الله: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 187) [الأعراف: 187].

فلا يعلم وقت الساعة إلا الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر أمرًا غيبيًا آخر: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] فعلم ثمار الأشجار في البدء، ومتى تثمر، وما الذي سيخرج منها ﴿أَنَّمَا﴾ يعلمه الله سبحانه وتعالى ولذلك قال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] من أوعيتها التي تحفظها؛ هذه تنتج، وهذه لا تنتج، وهذه تنتج طيبًا، والأخرى لا تنتج وما إلى غير ذلك.

﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47]، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] وجاءت هنا من، ما قال: وما تحمل أنثى، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] يعني أي أنثى، ففي كل مكان، وفي كل زمان، الله سبحانه وتعالى هو العليم.

﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] علمًا تامًا، وأما ما وقع من علم الخلق كما يقع من الأطباء بعلمهم ببعض مراحل الجنين، وما يكون من الجنين فهو علم جزئي، وهو علم ظاهري، وليس علمًا حقيقيًا، وربما قالوا: شيئًا، ولم يقع كما يظنون، ثم إن هذا في مرحلة، لكن منذ أن بدأ الحمل، فالله يعلمه، ويعلم ما سيكون، ومتى سينزل، وكيف ستضع، ومتى ستضع، ويعلم صفات هذا الجنين إلى غير ذلك، فالذي يعلم كل هذا هو الله سبحانه وتعالى.

﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] ينادى على هؤلاء المشركين الذين أشركوا بالله، أين شركائي يعني على سبيل الإنكار، والتوبيخ؟ ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] يعني اعترفنا أمامك، وأعلمناك ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47] لا نشهد لأحد من شريك، لا نشهد لأحد بأنه شريك لك، نحن نوحدك، لكن هذا بعد فوات الأوان.

﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (فصلت: 48) [فصلت: 48] غاب عنهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (فصلت: 48) [فصلت: 48].

﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (فصلت: 48) [فصلت: 48] أي وأيقنوا ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (فصلت: 48) [فصلت: 48] من مهرب.

﴿لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49) [فصلت: 49] بدأ يذكر الله سبحانه وتعالى حال كثير من الناس؛ حال الإنسان الجحود ﴿لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49) [فصلت: 49] يعني إن وقع ومسه وهذا فيه أن الخير غالب، وكثير ﴿لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49) [فصلت: 49] هذا وصفه.

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] كان المفترض أن يشكر الله، لكنه ما شكر الله، ﴿أَنَّمَا﴾ نسب الفضل إلى نفسه، فقال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] ونسي أن ينسبه إلى الله سبحانه وتعالى وهو المنعم، ولم يشكر الله سبحانه وتعالى، أو قال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] يعني أعطاني الله إياه باستحقاقي له، فأنا مستحق له.

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] عنده شك فيها

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) وهذا قياس فاسد؛ ولذلك قاسوا الآخرة على الدنيا فكما أن الله أعطاهم في الدنيا ظنوا أن الله سيعطيهم في الآخرة، وقد ذكر الله ذلك أيضًا في قصة صاحب الجنتين حينما قال ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ (مريم: 77-78) وقال أيضًا في مريم ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ (مريم: 77-78) [سورة مريم:77-78].يظن أن يوم القيامة سيؤتى أيضًا المال، والولد كما أعطي في الدنيا

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) ولذلك هنا فائدة عظيمة أن مقياس الآخرة يختلف عن مقياس الدنيا، فليس كل من متع في الدنيا يمتع في الآخرة، فكم من عبد فرح في الدنيا، وحزن في الآخرة، وكم من عبد شقي في الدنيا، أو تعب في الدنيا استراح في الآخرة.

قال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] وتأمل هنا ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] لم يقل فلننبئهم ﴿أَنَّمَا﴾ سجل عليهم الكفر ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50] هذا مناسب لهذا الجرم العظيم الغليظ الذي وقعوا فيه.

﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: 51) [فصلت: 51] أيضًا جاء ذكر الإعراض ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: 51) [فصلت: 51] وهنا أمر قد يبدو فيه إشكال، والكلام فيه طويل، لكن أختصره اختصارًا أن الله قال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: 51) [فصلت: 51]، وهنا تقدم ﴿لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49) [فصلت: 49] فاليؤوس القنوط هل يكون ذا دعاء عريض، يعني ذو دعاء عريض يعني دعاء واسع، وهناك ذكر أنه يؤوس قنوط، واليؤوس القنوط لا يلتفت إلى الدعاء أصلًا.

فيحتمل والعلم عند الله أن الله ذكر حال جماعة من الناس، وجماعة أخرى يعني الإنسان من الناس من إذا مسه الشر كان يؤوسًا قنوطًا، ومن الناس من إذا مسه الشر رجع إلى الله سبحانه وتعالى فهذه حالة بعض الناس أن يرجع إلى الله في الشدة؛ ولذلك هنا في الموضع الآخر ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: 51) [فصلت: 51] ثم لم يحكم عليه بحكم بخلاف السابق قال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (فصلت: 50) [فصلت: 50].

وذكر بعض أوصافهم من شكهم في البعث.

أو أن يكون والله أعلم الإنسان هو الإنسان، لكنه إنسان متقلب فيجمع بين المتناقضات، فتراه يؤوسًا قنوطًا، ومع ذلك يقول: أفعل كما يفعل المؤمنون أدعو فيدعو كثيرًا، ويرى أن في ذلك الفرج مع أنَّ عنده اليأس، وليس عنده الإقبال، ولذلك من فضل الله على المؤمن أنه حينما يدعو ربه، ويقبل على ربه يرزقه الله من السكينة، واللطف، ويرزقه الله من الأنس ما هو أعظم من قضاء حاجته؛ لأنه أخلص في دعائه فيجد استجابة، ويجد أنسًا بالله أعظم من الطلب الذي طلبه ابتداءً بخلاف الإنسان الذي عنده هذا اليأس، وهذا القنوط.

ثم قال: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52) [فصلت: 52].

﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52) [فصلت: 52] قالوا هنا: (أخبروني)& وهذا كثير في القرآن أن «أرأيتم» تأتي بمعنى أخبروني، وقال بعض المعاصرين يعني استحضروه كأنه في الذهن حاضر ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52) [فصلت: 52] وهو من عند الله ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52) [فصلت: 52] جاءت ثم التي تفيد التراخي وهي تفيد معنى الاستبعاد يعني هو من عند الله فكيف تكفرون به ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52) [فصلت: 52] وأيضًا تركت لكم الفرصة، ومع ذلك تستمرون على الكفر.

وهذه ثم تفيد أحيانًا معنى الاستبعاد يعني ما جاء بعدها بعيد عما قبلها، ومن ذلك ما جاء في سورة الأنعام في صدرها﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1) [الأنعام: 1] ما كان يتوقع منهم ذلك، وأيضًا في الآية التي بعدها ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 2) [الأنعام: 2] فيكون هذا للاستبعاد.

﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52) [فصلت: 52] ولم يقل من أضل منكم، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ ففيها أيضًا التفات، وفيها أيضًا بيان أنهم في شقاق بعيد، وهذا الذي جرهم إلى الكفر بالله، وعدم الإيمان بما أنزل الله.

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [فصلت: 53] سنريهم آياتنا تفيد معنى الاستقبال ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [فصلت: 53] فسَّروه هنا (بآفاق الأرض مما يفتحه الله للمسلمين)& وهي أعم، فالآفاق والعلم عند الله تشمل؛ لذلك قال بعضهم: آفاق الأرض، وآفاق السموات، فالآفاق كثيرة.

قال: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [فصلت: 53] قالوا: (بفتح مكة) وأيضًا الآية عامة، ليست لأهل مكة فقط، ﴿أَنَّمَا﴾ هي عامة.

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [فصلت: 53] ولذلك وجد في القرآن الكريم دلائل كثيرة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك دلائل في الكون تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى.

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [فصلت: 53] وهنا دلالة على عادة من عادات القرآن الكريم كثر في القرآن الكريم الجمع بين ذكر الدلائل في الآفاق، ودلائل الأنفس يذكر الله آيات عن خلق السموات والأرض، ويذكر أشياء تتعلق بالأنفس، وهذا تكرر في القرآن الكريم، يذكر الله ما يتعلق بخلق السموات والأرض، وما يتعلق بخلق الأنفس كما جاء أيضًا في سورة الذاريات ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [الذاريات: 21، 22] إلى غير ذلك من آيات.

ثم قال: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53) [فصلت: 53] قالوا: (أو لم يكفِ هؤلاء المشركين أن القرآن حق بشهادة الله) يعني ربنا على كل شيء شهيد، وقد شهد أن القرآن حق، فقد كان يكفيهم ذلك، أو أن المعنى أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ بكفايته للرسول صلى الله عليه وسلم فهو كاف الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول كفاه الله، ولو أن الرسول كاذب ما أقام الله له دعوة، ولا أبقى له ذكرى، لكن الله نصره، وما خذله، وهذا دليل على صدقه.

﴿أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ﴾ (فصلت: 54) [فصلت: 54] واسمع يا رعاك الله، كيف أن السورة ختمت بهذين التنبيهين، ﴿إِلَّا﴾، ﴿إِلَّا﴾، ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ﴾ (فصلت: 54) [فصلت: 54] هذه المرية، وهذا الشك، وهذا القلق، والاضطراب عندهم ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ﴾ (فصلت: 54) [فصلت: 54] سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات:

¯علم الساعة عند الله وحده.

¯تعامل الكافر مع نعم الله، ونقمه فيه تخبط، واضطراب.

¯إحاطة الله بكل شيء علمًا، وقدرة.

(علم الساعة عند الله وحده) ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (فصلت: 47) [فصلت: 47].

(تعامل الكافر مع نعم الله، ونقمه فيه تخبط، واضطراب) ﴿لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49) [فصلت: 49] وفيه ما تقدم من اضطراب حال الإنسان.

(إحاطة الله بكل شيء علمًا، وقدرة) ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ﴾ (فصلت: 54) [فصلت: 54].

نستفتح سورة الشورى، ونسأل الله العون، والتوفيق.

دروس مشابهة