مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الشورى — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 366 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

وأيضًا يقبلها عنك كأنه يتسلمها عنك سبحانه وتعالى، فهو وكيلك، فهو يأخذها منك، ويوفقك لها، ثم يتقبلها سبحانه وتعالى.

﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: 26) [الشورى: 25، 26].

هنا فسروا ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: 26) [الشورى: 26] (ويجيب دعاء الذين آمنوا)، إذًا معنى ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: 26) [الشورى: 26] أي ويستجيب الله وهذا قول كثيرين من المفسرين كما ذكروا هنا ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: 26) [الشورى: 26].

ثم جاءت قاعدة عظيمة جدًا ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27) [الشورى: 27].

إذًا أيضًا تقدم معنا أنه من أسباب تفاوت الناس في الأرزاق، وتوسيع الرزق لبعض، وتضيق الرزق على بعض الابتلاء، ومن أسباب ذلك منع الفساد في الأرض، فبعض الناس إذا أعطي المال فسد؛ فالله يحجب عنه الرزق؛ لئلا يفسد، فهذا من فضل الله؛ لذلك قال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27) [الشورى: 27] ولذلك قال قتادة: "خير الرزق ما لا يطغيك، ولا يلهيك".

وربنا قال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27).

وهناك حكمة ثالثة ذكرها الله في سورة الزخرف سنعرض لها بإذن الله، كل هذا من حكم تفاوت الناس في الأرزاق.

ثم تمضي الآيات الكريمة ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ (الشورى: 28) [الشورى: 28] فالولي يحسن إلى مواليه سبحانه وتعالى، وهو الحميد يُعطي ما يُحمد عليه، فهو يعطينا من فضله.

﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29) [الشورى: 29] وهنا سؤال أطرحه في قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29) [الشورى: 29] فيهما: يعود على ماذا؟ على السموات والأرض، فهل ما في السموات يقال له دابة، وهل يقال للملائكة دابة؟

يعني ربنا قال: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29) [الشورى: 29] أي السموات والأرض، فما توجيه ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29) [الشورى: 29].

﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30) [الشورى: 30] هذه قاعدة عظيمة جدًا ما أصابنا من مصيبة فبسبب ذنوبنا ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30) [الشورى: 30] سبحانه وتعالى.

ولو أن العبد تأمل هذا وتذكر هذا لسهلت عليه الأمور، ولهانت عليه الصعاب، ولقبل ما يجري من أقدار؛ لأنه يعلم أن ذنوبه هي السبب وهي التي أودت به إلى ما وصل إليه.

قال: ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (الشورى: 31) [الشورى: 31].

من فوائد الآيات:

¯الداعي إلى الله لا يبتغي الأجر عند الناس.

¯التوسيع في الرزق، والتضييق فيه خاضع لحكمة إلهية قد تخفى على كثير من الناس.

¯الذنوب والمعاصي من أسباب المصائب.

(الداعي إلى الله لا يبتغي الأجر عند الناس) وذلك في قوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى: 23) [الشورى: 23] هناك آيات كثيرة تدل على هذا.

(التوسيع في الرزق، والتضييق فيه خاضع لحكمة إلهية) هنا ذكرها الله في قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27) [الشورى: 27].

(الذنوب والمعاصي من أسباب المصائب) قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30) [الشورى: 30].

﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30) [الشورى: 32، 33].

الآيات الكريمة تتحدث عن بعض آيات الله كما تقدم ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29) [الشورى: 29] أيضًا من آياته ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الشورى: 32) [الشورى: 32] السفن ﴿ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ﴾ ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الشورى: 32) [الشورى: 32] مثل الجبال في ارتفاعها، وعلوها تأمل ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] وهذا يدل على أن الريح نعمة عظيمة ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] يعني ثوابت في البحر لا يتحركن، إذًا من الذي حرك هذه السفن بتلك الريح؟

إنه الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] انظر إلى هذا الختام ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] لأن الإنسان في البحر وهو يسير في تلك السفينة، أو تجري به تلك السفينة بين حالين:

إما أن يكون خائفًا من الغرق، والخوف يستدعي صبرًا، وثباتًا، وإما أن يكون ناجيًا ينجيه الله وهذا يستدعي شكرًا فقال: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] مما يستدعي الصبر ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] من كل ما يستدعي الشكر من الإنجاء، والإعطاء، والمنح التي تكون في البحار.

ثم قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 34) [الشورى: 34] قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 34) [الشورى: 34] هذا معطوف على قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] فما علاقة ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] بـ ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 34) [الشورى: 34]؟

يعني كان المتوقع أن يقال: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ﴾، أو إن يشأ يهلك السفن بإرسال الريح العاصفة، لكن استغني عن ذلك بقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 34) [الشورى: 34]؛ لأن الإيباق ﴿أَنَّمَا﴾ يقع عند شدة هذه الريح العاصفة فهم هذا؛ لهذا جاءت مجزومة ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 34) [الشورى: 34] معطوفة على ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33].

﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 34) [الشورى: 34] يعني أنه أيضًا يعفو عن كثير، فقد يتجاوز فمع وجود الرياح الشديدة، والأمواج المتلاطمة، والناس يدعون الله مخلصين له الدين، وينجيهم الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (الشورى: 35) [الشورى: 35] وكأن قوله: ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (الشورى: 35) [الشورى: 35] معطوف على مقدر؛ أي ليبين لهم ويعلم، أو لتظهر قدرته ويعلم ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (الشورى: 35) [الشورى: 35].

واسمع يا رعاك الله، كيف جاءت جملة ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ (الشورى: 35) [الشورى: 35] سيعلمون في هذه الحال، والسور السابقة تتكلم عن المجادلة فهو ارتباط وثيق بين السور.

﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى: 36) [الشورى: 36] إلى آخر الآيات، ثم إن الله ذكر بعض صفات أهل الإيمان ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى: 36) [الشورى: 36].

وتأملوا معي حتى إذا دخلنا إلى سورة الزخرف كنا مهيئين لها ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى: 36) [الشورى: 36] إذًا ما الذي جعلهم يجادلون؟ وما الذي جعلهم يعرضون، ما الذي جعلهم لا يقبلون الدعوة؟ الاغترار بالدنيا، وهذا سيأتي بوضوح في سورة الزخرف، لكن جاء هنا ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى: 36) [الشورى: 36، 37] إلى غير ذلك من الصفات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

ومن الصفات الجليلة التي ذكرها الله هنا ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38) [الشورى: 38] وتأملوا هذه الصفة كيف أن الله ذكرها بين إقامة الصلاة وبين الإنفاق مما رزقنا الله مع أنك إذا تتبعت آيات القرآن الكريم تجد أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ذكر الصلاة والزكاة قرن بينهما، أو الصلاة، والإنفاق قرن بينهما لا يفصل بينهما بفاصل، وحينما تتبعت الآيات الواردة في ذلك وجدت هذا الفصل هنا، وأيضًا في سورة المؤمنين، أو المؤمنون ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ (المؤمنون: 2-4) [المؤمنون: 2 - 4] ففصل بينهم بالإعراض عن اللغو، وهنا ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38) [الشورى: 38].

وهذا يدل على عظمة الشورى في الإسلام أنها تذكر بين الصلاة، وبين الإنفاق، وكأن قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38) [الشورى: 38] والعلم عند الله فيه أن الشرع الذي أتانا وأن الوحي الذي جاءنا يفتح لنا مجال الشورى في أبواب، ويحجز عنا أبواب؛ لأن عقولنا لا تصل إليها.

أما هؤلاء المشركون فلم يميلوا إلى الشورى الحقة، وإنما اتخذوا هؤلاء الشركاء الذين ﴿شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ﴾ فهي تبين ما للمسلم أن يجتهد فيه، وماذا عليه أن يأخذه دون أن يعمل عقله، أو دون أن يجد لعقله مساغًا في ترك ما شرع الله، وإلا فلا تعارض بين شرع الله، وبين العقل لو أن العقل قد استنار كما هو معروف.

ثم قال الله من أوصاف هؤلاء ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39) [الشورى: 39] هذا فيه أن من ينتصر ممن بغى عليه لا يلام، بل هو محمود؛ لأنه مذكور في سياق المدح، وأيضًا جاء بعدها في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 41) [الشورى: 41] إذًا أثنى الله عليهم، لكن أيضًا قال: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [الشورى: 43] وقال أيضًا: ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشورى: 40) [الشورى: 40].

إذًا من انتصر ممن ظلمه لا يلام وهو محمود في هذا؛ لأنه ما بدأ بظلمه، وإنما أخذ حقه، وأما إذا عفا، ﴿وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾، وقد أحسن هنا الشراح حينما قالوا في هذه المسألة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشورى: 40) [الشورى: 40] وأيضًا في قوله: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 41) [الشورى: 41] قالوا في ذلك مبينين: (والذين إذا أصابهم الظلم ينتصرون إكرامًا لأنفسهم وإعزازًا لها، فتأملوا إذا كان الظالم غير أهل للعفو، وهذا الانتصار حق، بخاصة إذا لم يكن في العفو مصلحة) إذًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يعفو الإنسان، ومتى لا يعفو؟

إذا كانت هناك مصلحة فيترجح العفو، أما إذا لم تكن هناك مصلحة من العفو حينئذ يؤخذ على يده، لا سيما إذا كان ظالمًا مستمرًا في ظلمه، وغيه فإنه يؤخذ على يده حتى لا يستمر في الغي، وحتى لا يظلم الناس الآخرين فحينئذ يكون الأخذ على يديه أولى من العفو فهذا يعني أن العفو له مجاله، وأن الأخذ على يدي الظالم له مجاله وهذا من عظيم القرآن الكريم، وجلال بيانه لما ينبغي للمسلم أن يتخلق به.

ثم قال الله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [الشورى: 43] هنا أيضًا ألفت النظر قبلها ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشورى: 40) [الشورى: 40] هنا عبر عن الجزاء بالسيئة مع أنَّ الإنسان إذا رد اعتداء المعتدي فهو لم يُسِئْ، لكن يقولون هذا من قبيل المشاكلة اللفظية؛ كقوله: ﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194) [البقرة: 194] فسمى رد الاعتداء بالاعتداء اسمه مشاكلة لفظية يعني هي في الصورة مثلها، لكن في الحقيقة تختلف.

كذلك ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشورى: 40) [الشورى: 40] ولأن المراد بالسيئة هنا المعنى العام اللغوي أي هي تسوؤه لكنها تسوؤه بحق؛ لأنه هو الذي ابتدأ، ثم قال الله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [الشورى: 43] وتجد أن الله هنا لما قال: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [الشورى: 43] ذكر اللام التي تدل على معنى التأكيد بينما نجد في سورة لقمان ﴿يَـٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17) [لقمان: 17].

وكأن هذا والله أعلم راجع إلى أمرين:

الأمر الأول: أن بداية الآية هنا مؤكدة ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [الشورى: 43] فناسبها التأكيد في ختامها، وأيضًا شيء آخر أن الصفات هنا أكثر، كثيرة، ولأن الصبر هنا ليس صبرًا على المصائب، وإنما هو صبر على ظلم الظالم وهذا أشد، فالإنسان حينما يبتلى ابتلاء، أو مصابًا لا يعلم من أين أتى، لكن أصيب به بقدر الله فالأمر يكون سهلًا، لكن إذا ظلم من شخص وصبر عليه فهذا يحتاج عزم شديد؛ لذلك قال: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [الشورى: 43].

من فوائد الآيات:

¯الصبر والشكر سببان للتوفيق للاعتبار بآيات الله.

¯مكانة الشورى في الإسلام عظيمة.

¯جواز مؤاخذة الظالم بمثل ظلمه، والعفو خير من ذلك.

(الصبر والشكر سببان للتوفيق للاعتبار بآيات الله) ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى: 33) [الشورى: 33] ولذلك حال الإنسان لا يخلو من أحد أمرين:

إما أن يكون حاله مستدعيًا الصبر، أو أن يكون حاله مستدعيًا الشكر؛ ولذلك ذم الله الإنسان الذي لا يعني هذا فقال: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ﴾ (المعارج: 19-22) [المعارج: 19 - 22].

(مكانة الشورى في الإسلام عظيمة) ومن الدلائل على عظمتها أن الله أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بها فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) [آل عمران: 159] ولو كان أحد يستغني عن الشورى لاستغنى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها؛ لأنه أكمل الناس عقلًا، ولأنه المؤيد بالوحي ومع ذلك يأمره الله عز وجل بها، لكن أهل العلم يقولون إن الشورى أن يستشير الإنسان الآخرين فيما لا نص فيه، أما ما كان فيه نص فإننا نتبع النص حينئذ، ويكون النص هو المقدم بلا شك.

(جواز مؤاخذة الظالم بمثل ظلمه، والعفو خير من ذلك) أيضًا بحسب ما يتعلق من إصلاح كما تقدم في الآيات.

﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (الشورى: 45) [الشورى: 45] يعني ترى هؤلاء الظالمين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 44) [الشورى: 44] وهم يتمنون ذلك، ويندمون على ما فاتهم.

وتذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، كثرة ورود كلمة الظالمين في هذه السورة الكريمة منذ صدر السورة ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (الشورى: 8) [الشورى: 8] ﴿تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ﴾ (الشورى: 22) [الشورى: 22] وهنا ﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (الشورى: 45) [الشورى: 45].

﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (الشورى: 45) [الشورى: 45] هنا خشوع لا ينفعهم؛ لأنهم ما خشعوا في الدنيا قال: ينظرون إلى النار خلسة، ﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (الشورى: 45) [الشورى: 45] فسروها هنا: (خلسة)& من شدة خوفهم منها، لا يريد أن تتملى عيناه بالعذاب، فالشخص منا حينما يرغب في شيء فإنه يملأ عينيه بهذا الشيء الذي يقبل عليه، أما هؤلاء ينظرون خلسة من طرف خفي، نسأل الله السلامة!

﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (الشورى: 45) [الشورى: 45] لم يقل أيضًا ﴿إِلَّا﴾ إنهم ﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (الشورى: 45) [الشورى: 45] يسجل الظلم عليهم.

﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 46) [الشورى: 46] تأملوا يا أيها الإخوة الكرام، الآيات السابقة ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 44) [الشورى: 44] وهنا ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 46) [الشورى: 46] وكأني بك إن رجعت إلى السورة من أولها لوجدت هذا، ولوجدت الارتباط بين الختام، وبين البداية.

هناك ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الشورى: 6) [الشورى: 6] وهنا قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48] تؤدّي معنى قريبًا جدًّا ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48].

هناك أيضًا ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 44) [الشورى: 8، 9] وهنا يقول: ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 44) [الشورى: 44] وأيضًا سبق ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ (الشورى: 28) [الشورى: 28].

إذًا ربنا يبين أنه الولي، وليس هؤلاء الأصنام التي عبدت ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى فلا ولاية لها فكيف تشرع لهم، أو كيف يتخذونها ويجعلونها مُشرِّعةً لهم؟

قال: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ (الشورى: 47) [الشورى: 47] أمر عظيم من الله العظيم سبحانه وتعالى ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ (الشورى: 47) [الشورى: 47].

فسروا هنا ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ (الشورى: 47) [الشورى: 47] وما لكم من إنكار تنكرون به ذنوبكم التي اكتسبتموها في الدنيا يعني ليس معكم إنكار، كيف تنكرون، ليس معكم حجة، كيف وقد شهدت عليهم الأسماع، والأبصار، السمع، والبصر، والجلود؟

وأيضًا من المعاني في قوله: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ (الشورى: 47) [الشورى: 47] ليس هناك أحد ينكر العذاب الذي لحقكم؛ لأن عدل الله قد ظهر للجميع، ولهذا قد تقدم معنا في ختام سورة الزمر ﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75] من الجميع حتى من دخل النار علم أنه استحق دخول النار؛ فلذلك من الذي ينكر، من الذي يقول لماذا عذبهم، لماذا أدخلهم النار؟

قد ظهرت المحجة، وحينئذ لا ينفع الندم.

﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48] تأمل ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48] إذًا هناك إعراض لفتتنا إليه سورة فصلت، واستمر معنا في هذه السورة قال الله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48] تأملوا حينما يأتي ذكر الرحمة كثيرًا ما يأتي معها إذا، وإذا ذكرت السيئة جاء إن.

إذا تدل على تحقق الوقوع بكثرة يعني أن الرحمة غالبة في الغالب الإنسان في نِعَم، وإذا ابتلي فهذا قليل إن ابتلي فهذا قليل بالنسبة لجوانب الإنعام؛ لذلك قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48].

﴿لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾ (الشورى: 49) [الشورى: 49] وهناك في صدر السورة في الصفحة الثانية كما بدأنا بها الدرس ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) [الشورى: 11] عود على بدء.

﴿لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾ (الشورى: 49) [الشورى: 49] فيه أن الإناث هبة من الله، وبدأ بالإناث قال بعضهم: جبرًا لخواطرهنَّ، ولبيان قدرهنَّ، ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾ (الشورى: 49) [الشورى: 49] وقال بعضهم: وجاء الذكور فذكرهم بالتعريف، فجاء الذكور فعرف، ولما ذكر الإناث قدم، فكان لكل قدره عند الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـٰثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 50) [الشورى: 50] أن يجمع للشخص بين هذا وذاك؛ ولذلك قال: أو يجعل لمن يشاء الذكور والإناث معًا؛ ولذلك الناس أربعة أصناف منهم من له الإناث فقط، ومنهم من له الذكور فقط، ومنهم من له الجانبان، ومنهم من يجعله الله، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾.

ولذلك قيل لأحدهم: ماذا عندك من الأولاد؟ أنا من القسم الرابع.

قال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـٰثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 50) [الشورى: 50].

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51] عدنا إلى قضية الوحي وهي أصل عظيم في السورة تقرير قضية الوحي هل الوحي لكل الناس، الوحي له مقتضيات، و﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (الحج: 75) [الحج: 75] ولذلك قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51] يعني ما صح لبشر أن يكلمه إلا عن طريق الوحي، كيف ذلك؟

الوحي بالإلهام، أو غيره من النفث في الروع، أو الرؤيا التي يراها النبي فإنَّ رؤيا الأنبياء وحي.

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51] بحيث يسمع كلامه، ولا يراه، وقد كلم الله موسى، ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164) [النساء: 164] وكذلك آدم كما جاء في السنة H0 وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج.

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51] له ملكًا ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51] مثل جبريل وقد وقع هذا للرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم في نزول القرآن الكريم.

ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51].

من فوائد الآيات:

· يوحي الله تعالى إلى أنبيائه بطرق شتى لحكم يعلمها سبحانه.

(وجوب المسارعة إلى امتثال أوامر الله) وهذا في قوله: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ (الشورى: 47) [الشورى: 47].

(مهمة الرسول البلاغ) ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48) [الشورى: 48] والنتائج بيد الله.

(هبة الذكور والإناث) كل ذلك بمقتضى علم الله؛ لذلك قال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـٰثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 50) [الشورى: 50] ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾ (الشورى: 49) [الشورى: 49] إلى أن قال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـٰثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 50) [الشورى: 50].

(يوحي الله تعالى إلى أنبيائه بطرق شتى) وهذه الأنواع الثلاثة الرئيسة التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51) [الشورى: 51].

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] يعني مثل ذلك الإيحاء الذي أوحى الله به إلى الأنبياء أوحى إليك، هناك احتمال آخر في معنى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] يعني هذه الطرق، أو هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرها الله عز وجل في الوحي، وبين أنها أنواع الوحي ومراتبه أوحى الله عز وجل بها إليك ومثل ذلك أوحى الله إليك؛ لذلك الأنواع الثلاثة جاء بها الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وهنا سمى الله القرآن روحًا وهذا عظيم، فالقرآن روح، ولذلك كان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ القرآن زرع؛ لأنه غيث، فالقرآن الكريم غيث كما أن الغيث ربيع الأرض؛ فكذلك القرآن ربيع القلوب.

قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] خير ما نفسر به قوله في سورة الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ (الضحى: 7) [الضحى: 7] ما معنى ضالًا هناك؟

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] فالذي دلك وهداك هو الله سبحانه وتعالى.

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] واضح جدًا أن الهداية هنا بمعنى الدلالة؛ لذلك قالوا: وإنك لتدل الناس إلى طريق مستقيم هو دين الإسلام.

وأما الهداية التي لا يملكها الرسول فهي هداية التوفيق؛ لذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56) [القصص: 56].

﴿صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ (الشورى: 53) [الشورى: 53] وهنا أضاف الله الصراط إليه؛ لأنه هو الذي أنشأ هذا الصراط، وقد أضاف الله الصراط إلى المتبعين له ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الشورى: 6) [الفاتحة: 6، 7].

فهو صراط الله، وهو صراط المنعم عليهم هو الذي أنشأ وهم سلكوه، واتبعوه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة