مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القصص 6 27 9 2013م جزء 1

سلسلة التفسير · الدرس 12 من 61 · 8 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة القصص، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله سبحانه: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾2 (القصص: 25). ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾3 (القصص: 26). ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾4 (القصص: 27). ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾5 (القصص: 28).

توقّف بنا الحديث. يا أيها الإخوة الكرام، عند قول الله عز وجل: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾6 (القصص: 25). فجاءته إحداهما: إحدى المرأتين اللتين سقى لهما موسى عليه الصلاة والسلام. وهذه استجابة من الله سبحانه لدعاء الكريم موسى عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربه: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾7 (القصص: 24)؛ فهو في حاجة إلى الطُعمة وفي حاجة إلى الرزق والخير، فيسّر الله عز وجل له الأسباب، فجاءته تلك المرأة لتكون سببًا في سوق الخير إليه بفضل الله عز وجل.

﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآ8ءٍ﴾ (القصص: 25) — ففي مشيتها حياء، ومن صفاتها الحياء. وهذه الصفة من أجلّ ما تكون في المرأة، أو من أجلّ الصفات التي تكون في المرأة، أو يحسن بالمرأة أن تحقّقها. وقد قالوا في وصف النبي «صلى الله عليه وسلم» كما جاء في الصحيح: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدّ حياءً من العذراء في خدرها» «صلى الله عليه وسلم». وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن لكل دين خُلقاً، وإن خُلق الإسلام الحياء». وجاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي مسلم: «الحياء خير كلّه». وجاء عنه عليه الصلاة والسلام: «دعه فإنَّ الحياء من الإيمان».

قال بعضهم: ليست بولّاجة ولا خرّاجة ولا سفعاء، وليست من أولئك النسوة اللاتي يتكلّمن كلامًا خارجًا أو شديدًا أو ترتفع أصواتهن. ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى9 عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ10 إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25).

قلت: إن بعض المفسّرين يقف عند قوله ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى﴾ (القصص: 25) ثم يقول: ﴿عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ﴾ (القصص: 25)، فيجعل الحياء للقول؛ أي: حينما تكلّمت تكلّمت بالحياء أو بطريقة فيها حياء. وهذا لا إشكال فيه؛ فكلامها فيه حياء، وكذلك مشيتها فيه حياء؛ لا إشكال فيه من حيث الأصل، ولكنه من حيث الموقف هنا في الآية ضعيف. فالصحيح أنَّ الوقف على قوله ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25)؛ لأنَّ الجار والمجرور متعلّق بما قبله وهو قوله ﴿تَمْشِى﴾.

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾11 (القصص: 25) — أي: إن الطلب ليس طلبي ولا الأمر أمري، وإنَّما الطلب طلب والدي: ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ﴾12 (القصص: 25). وجاءت بالجملة الاسمية التي تدلّ على تأكيد الخبر، والمراد به الاهتمام لإدخال المسرّة عليه؛ يعني: هي تزفّ إليه خبرًا سارّاً: ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾13 (القصص: 25). وقولها: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾14 (القصص: 25) بيان نوع هذا الجزاء؛ أي: أن هذا الجزاء مكافأة على ما تقدّم منك من خير وفضل وسقيا لنا.

﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾15 (القصص: 25). لم يمتنع موسى عليه الصلاة والسلام من أن يذهب مع تلك المرأة إلى هذا الرجل الصالح الكريم الذي يريد مكافأته؛ ومثل هذا الذي يذكر الإحسان يُظنّ به الخير. فلو كان من أصحاب اللؤم ما فكّر فيه ولا أعاد المرأتين إليه أو إحداهما إليه، لا سيما وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يطلب منهما أجرة أصلًا كما قال غير واحد من أهل التفسير.

﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ﴾ — وصل إليه — ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾16 (القصص: 25)؛ يعني: كأنه وصل إليه فأطال له وأجلسه مجلسًا مباركًا وأحسن ضيافته وأراد أن يَسمع منه خبره وقصّته. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾17 (القصص: 25) — اقتصّ عليه الخبر وذكر له ما كان من سابق أمره في مصر، وما وقع له في شأن القبطي وأمر الإسرائيلي، وما دبّر فرعون وملؤه له من المكيدة وإرادة قتله، وأنه خرج فارّاً من هذا البلد بسبب ما وقع.

فقال له هذا الرجل الصالح — وكما تقدّم ليس هناك دليل صحيح يدلّ على أن هذا الرجل هو شعيب عليه الصلاة والسلام، وإن كان كثير من أهل التفسير يجنحون إلى أنه شعيب، لكن الدليل لا يدعم ذلك ولا يدلّ عليه — ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ﴾18 (القصص: 25). لا تخف؛ طمأنه وأمّنه. وهكذا المسلم مع أخيه المسلم؛ على المسلم أن يطمئن أخاه، ولذلك نُهي المسلم عن ترويع إخوانه؛ نهى النبي «صلى الله عليه وسلم» المسلم أن يروّع أخاه. فلا يسوغ لمسلم أن يروّع أخاه، ومن ذلك حمل السلاح على أخيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: من حمل السلاح علينا فليس منا، أو: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»، إلى غير ذلك مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. وإنَّما طمأنه.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  3. آية: ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 26 ↩
  4. آية: ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 27 ↩
  5. آية: ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 28 ↩
  6. آية: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  7. آية: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
  8. آية: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  9. آية: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  10. آية: ﴿عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  11. آية: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  13. آية: ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  14. آية: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  15. آية: ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  16. آية: ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  17. آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  18. آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

دروس مشابهة