تفسير سورة القصص 5 جزء 2 20 9 2013م
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
أرادتا أن تثبتا له لأنَّهما خرجتا من بيتهما إلا من أجل الضرورة: ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآ2ءُ﴾ (القصص: 23). إذ قد يأتي سائل ويسأل: إذا كنتما عاجزتين عن مخالطة الناس وعن السقيا في وجود الناس، فما الذي حملكما على الخروج من بيتكما خرجتما من البيت لماذا خرجتما من البيت وما أحوجكما إلى الخروج فقالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾3 (القصص: 23)، يعني: اضطررنا إلى الخروج، ولولا ذلك ما خرجنا.
لو أنَّ أبانا كان على القوة وكان قادرًا متمكّناً من السقي، كان سيأتي ويسقي ولن نخرج من البيت. وكذلك في طيّات ذلك: لو كان لنا أخ كبير يقوى على ذلك لخرج الأخ وسقى ولبقينا في بيوتنا. وهذا معناه: المرأة ﴿أَنَّمَا﴾ خرجت من أجل الضرورة أو الحاجة؛ فهي تعتذر وتبيّن عذرها، وأنها ما خرجت إلا من أجل الحاجة. فحينما كانت الحاجة ماسّة لخروجها أو لخروجهما خرجتا، وهما تسألان الله جل وعلا التوفيق والتسديد.
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾4 (القصص: 23) — هذا هو السبب؛ لولا أن أبانا شيخ كبير ما خرجنا. وهكذا هذه الجملة جملة زائدة بمعنى ماذا بمعنى أنها زيادة عن إجابة السؤال؛ هو سأل سؤالًا محددًا: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾، قالتا: ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ (القصص: 23)، لكن هذه الزيادة زيادة مفيدة؛ يسمّيها العلماء بجواب الحكيم. بجواب الحكيم: أن يُسأل الإنسان سؤالًا فيجيب على السؤال ويزيد في الإجابة بما يحتاج إليه السائل أو ما يفيد السائل ولو لم يتعرّض له السائل.
وهذا مشهور في أحاديث النبي محمد «صلى الله عليه وسلم»؛ فمن ذلك حينما قال له أولئك الذين ركبوا البحر قالوا: «يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإنَّ توضّأنا به عطشنا، أفنتوضّأ بماء البحر؟». كان بإمكانه أن يقول: نعم. أفنتوضّأ بماء البحر لو قال: نعم ممكن يُتأوَّل على ماذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام رخّص لهم في حالة الحاجة: إن نحمل معنا القليل من الماء؛ إذًا لو معكم الكثير من الماء العذب لا تتوضّأوا من ماء البحر. ممكن يُفهمها لو قال: نعم فقط. ثم إن مَن أشكل عليه شأن الماء — والأصل في الماء أنه طهور، ماء نازل من السماء — ما مشكلته طهور. الذي يُشكل عليه الماء ﴿إِلَّا﴾ يُشكل عليه ميتة البحر من باب أولى الميتة التي في البحر هيكلها كيف إذا كان أصلًا الميتة في الأصل أنها محرّمة لكن هذه الميتة حلال؛ هو يعرف من أين إذا كان الماء خفي عليه أمره لذلك أجاب النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته». هم يقولون: أن نتوضّأ بماء البحر، وهو يجيب قائلًا: هو الطهور ماؤه، يعني: ليس على قدركم فقط؛ ليس لكم فحسب، وليس في حالة الضرورة فحسب، بل من شاء أن يتوضّأ من ماء البحر ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت فليتوضّأ. «الحلّ ميتته» — وهم ما تكلّموا عن الميتة، لكن مادام يركبون البحر إذن سيحتاجون إليه أكيد، وإذا أشكل عليهم الماء فسيُشكل عليهم أمر الميتة من باب أولى. هذا اسمه جواب الحكيم.
ومن ذلك لما رفعت امرأة5 ابنها — كما في صحيح مسلم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما — رفعت ابنها في الحج وقالت: «يا رسول الله، ألهذا حج؟»، يعني: لو إن رجلًا عنده معه ابنه طفل فأحرم للابن وأخذ معه للحج، حجّه صحيح ولمَّا حجّه صحيح حجّه صحيح لكن لا يجزئ عن حج الفريضة؛ بمعنى لو أنَّ طفلًا حجّ وأدّى المناسك مع والده وأحرم فحجّه صحيح، ولكن عليه إذا بلغ أن يحجّ حجّة الإسلام. الشاهد من ذلك أن المرأة لما رفعت الصبيّة وقالت: «يا رسول الله، ألهذا حج؟» كان بإمكانه أن يقول: نعم، وانتهت المسألة. لكن قال: «نعم، ولكِ أجر». ولكِ أجر، لماذا من باب التشجيع. ممكن الرجل يقول: وأقعد أشتري ابني وأنت واقف وحرّكوا؛ فقال: ولكِ أجر، من باب الترغيب في هذا العمل. فهذا يُسمّى بجواب الحكيم.
كما لو جاء سائل يسأل الشيخ مثلًا، يسأل عالمًا، ويقول: يا شيخ أنا عندي مشكلة مثلًا، وهو يسأله عن مسألة من المسائل، يقول: أنا فعلت كذا وكذا، ويسأل عن حكم، ونسي أن يسأله عن الحكم الأهم؛ لكن الشيخ لما سمع السؤال وجد في سؤاله شيئًا مهمًّا هو غافل عنه، فيقول: يا أخي بارك الله فيك، أنت سألت عن هذا السؤال فإجابته كذا، ولكن أهم من ذلك أن تسأل عن كذا وكذا؛ فإنَّ هذه المسألة حكمها كذا وكذا. فهذا يكون من جواب حكيم. وأحيانًا يُسأل المفتي سؤالًا فيجيب بجواب غير السؤال الذي سُئل عنه، لما يعلم من حاجة السائل إلى غير ما سأل، أو يجيب بطريقة أخرى.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لما سُئل: ما يلبس المحرمات من الثياب — «لا يلبس المحرم...» من الثياب. ما يلبس المحرمات من الثياب كان المتوقّع أنه يقول ماذا: المحرم يلبس كذا وكذا وكذا. طب هو الحلال أكثر أم الحرام أكثر الحلال أكثر؛ هذا الممنوع أولى. يبقى لو قال: يلبس، يلبس، يلبس، يلبس، لن ينتهي. لكن قال: «لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات» الحديث. يبقى هو سُئل عما يلبس، لكنه أجاب عما لا يلبس. لماذا لأنه محدود محصور. بما يوجّهك لك يا شيخ: ما الحلال أنا أريد آكل أكلًا طيبًا؛ ما الأكل الحلال طب ما الأكل الحلال كثير. الحرام: الميتة ولحم الخنزير، الحرام كذا وكذا؛ يحدّد الحرام لأنَّ الحرام قليل.
هكذا يكون الجواب هنا: قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23)، فذكرت العذر؛ لأنَّهما ﴿أَنَّمَا﴾ خرجتا من أجل الحاجة والضرورة، ولولا ذلك ما خرجتا. وهذا يعني: أنَّ البيت مستقرّ المرأة، والأمر كما قال الله جل وعلا لأزواج النبي «صلى الله عليه وسلم». وقالوا: هو النبي شعيب عليه الصلاة والسلام الذي أُرسل.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- تعليق: مه جواب الحكيم. ومن ذلك لما رفعت امرأة ابنها — كما في صحيح مسلم، الحديث ابن عباس رضي الله عنهما — رفعت ابنها في الحج و — كتاب: «صحيح مسلم». الذكر في الدرس: صحيح مسلم. ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)