مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القصص 6 جزء 2 27 9 2013م

سلسلة التفسير · الدرس 13 من 61 · 8 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

﴿إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ﴾2 (القصص: 27) — هكذا دعاه إلى هذا الأمر: إلى أن يكون ناكحاً أو زوجًا لإحدى ابنتيه، فيجمع بذلك خيرات عظيمة. أولًا: يكون دخوله وخروجه أيسر؛ هذا من جهة التعامل معه سيكون أقرب؛ فرق بين الأجير والعامل وبين زوج البنت؛ هذا من جهة. وأيضًا بعد ذلك يعينه على غضّ بصره وإحصان فرجه؛ فهذا الذي تريد أن تجعله عاملًا عندك لا شك أنه سيحتاج إلى زوجة، يحتاج إلى ما يتعفّف به؛ فأنت حينما تقضِ له حاجته حينئذٍ تضمن أن يكون معك وأن يسهل الأمر الذي تريده. ولذلك كانوا في السابق إذا أرادوا أن يقيّدوا عالمًا من العلماء ماذا يصنعون ولذلك فرق كبير بين أن يقال مثلًا للشباب: اذهبوا واضربوا في الصحراء كيفما تريدون — والشاب ما يجد زوجه وهو في حاجة إلى ما يعفّه — وبين أن يقال له: سنيسر لك بناء دار وسنيسر لك تكاليف زواج، فخذ هذا القرض الحسن دون أن تكون فيه فائدة؛ فحينئذٍ يتزوّج الشاب ويتقوّى ويعمل، فيشعر بالأمر اليسير، فيشعر أن الأمر يسير، وتقوى همّته وتعلو عزيمته بفضل الله عز وجل. هذا كلّه من فطنة الرجل ومن رجاحة عقله.

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ﴾3 (القصص: 27) — يعني: يذكرها في معرض العرض؛ يعني: يذكر له ما يجول في خاطره وما يدور في ذهنه: عندي إرادة وعندي عزيمة وعندي رغبةٌ في ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ﴾. والمعنى أن هذا ينتظر فيه رأيك؛ فإنْ أبديت قبولًا فعلى بركة الله. فهكذا يكون الأسلوب: ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ﴾4 (القصص: 27)، أي: أن أزوّجك إحدى ابنتي هاتين، ﴿عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾5 (القصص: 27).

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ﴾ (القصص: 27) — اختلف أهل التفسير في هذه البنت؛ منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هي الصغرى، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هي الكبرى، ولا يضرّ ذلك أيّاً كان؛ وأهي المرأة التي ذهبت إليه الله أعلم.

لكن هنا مسألة مهمّة، وهي أن الرجل عرض ابنته على الرجل من أجل الزواج بها، وهذا مما تأباه كثير من الأعراف، إلا أن الإسلام أقرّه — إلا أن الإسلام أقرّه بالضوابط المرعيّة — أن يعرض الرجل ابنته على رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾؛ في الشريعة لا إشكال في ذلك. رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يريد أن يزوّج ابنته لرجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾؛ يأتي إلى ذلك الرجل ويعرض عليه ابنته إذا علم أنه أمين. يعني: هَبْ أن هذا الرجل الصالح عنده ظروف ما تسمح له بالزواج في هذه الفترة؛ حتى إن اعتذر فإنَّه يستر ولا يتكلّم ولا يشهّر؛ ما يقول: أتاني فلان ورغب إليّ وطلب مني أن أتزوّج ابنته وما إلى ذلك؛ ﴿أَنَّمَا﴾ يرى هذا فضلًا من ذلك الرجل عليه. يرى هذا فضلًا من هذا الرجل عليه؛ يرى أنَّ هذا الرجل الذي اختير من بين الناس ليكون زوجًا لابنته — وابنته جزء منه — يعني: أن هذا الرجل يحبّه وأن هذا الرجل يقدّره. فإنْ وافق فالحمد لله، وإن حدث سبب لم يتمّ به أو لم تتمّ به الموافقة، لا تزال حافظًا لجميلك، لا تزال حافظًا لجميلك؛ هذا دأب الصالحين.

وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه — وهو مَن هو في غيرة، هو مَن هو في غيرة — لأنَّ بعض الناس ربما يأنف من ذلك ويقول: كيف عندي غيرة على ابنتي وأنا ما كنت لأتكلّم وما أشبه ذلك. وهل أنت أغير من عمر رضي الله عنه عمر المعروف رضي الله عنه بما كان عليه حتى إن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه تذكّر غيرته في الرؤية؛ يعني: وصلت المرحلة أنه هو — غيرة عمر — لم ينسها الرسول «صلى الله عليه وسلم» في رؤياه. فالنبي «صلى الله عليه وسلم» كما في الصحيحين رأى قصرًا في الجنة ورأى بجواره جارية فقال: «لمن هذا القصر؟» قالوا: «لعمر» — الجارية مع القصر لمَن لعمر — قال: فذكرت غيرة عمر فأدبرت؛ يعني: هو في الرؤية تذكّر غيرة عمر فما التفت عن المرأة عن الجارية. فبكى عمر رضي الله عنه وقال: «أو عليك أغار يا رسول الله؟»، يعني: الشاهد أن غيرته معروفة، وليكن معروفة معروفة.

لما مات زوج حفصة رضي الله عنها حدث ما حدث لحفصة؛ أراد أو عرض — عرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفصة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ عرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفصة ابنته على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يردّ عليه أبو بكر في ذلك بشيء؛ يعني: سكت. ثم تركه ومضى إلى عثمان فاعتذر رضي الله عنه: «أو ليس لي فيها حاجة». فلما حدث ما حدث وجاء النبي «صلى الله عليه وسلم» ليخطب حفصة، وكان قد وقع في صدر عمر رضي الله عنه شيء من أبي بكر؛ يعني: عثمان ردّ عليّ خلاص المسألة انتهت، لكن أنت علّقتني يعني: على أمل. وأبو بكر رضي الله عنه بلغه أن الرسول — أو عرف أن الرسول — ذكر حفصة فلم يتقدّم في ذلك بشيء حتى يقضي الرسول «صلى الله عليه وسلم» فيها أمره. فجاء النبي «صلى الله عليه وسلم» وكان هو الذي قد خطب أو خطب حفصة وتزوّجها «صلى الله عليه وسلم».

الشاهد من ذلك «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه عرض ابنته على مَن على أبي بكر وعلى عثمان رضي الله عنهما، ومع أنَّها أرملة — يعني: خلاص — يعني: نحن بالنسبة لنا الواحدة لو تزوّجت وطُلّقت أو تُوفّي زوجها كأن بعد الزواج أُغلق فيها شأنها؛ هذه مشكلة وآفة من الآفات، وصار هذا أمرًا منتشرًا بين الناس. وخلاص «يعلّمها» ولا كفاية عليه، وما تجاوزت ثلاثين سنة، ربما كانت بنت خمس وعشرين سنة وما أشبه ذلك؛ فلماذا تُمنع ويُحال بينها وبين الزواج وهذا شرع الله سبحانه وتعالى.

فهو الرجل يقول: ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ﴾ (القصص: 27)؛ فلا يضرّ الرجل ولا يخدش في مكانته أن يعرض ابنته على رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾؛ لا إشكال في ذلك، بل هو مثاب على ذلك. ليه لأنه يريد أن يحفظ ابنته وأن يزوّجها من رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وأيضًا هو يريد أن يقدّم معروفًا لرجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 27 ↩
  3. آية: ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 27 ↩
  4. آية: ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 27 ↩
  5. آية: ﴿عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 27 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة