مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 244 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة البقرة

فاتنا أن نعلّق على أنّ سورة الفاتحة مكّيّةٌ – وإن ذكرت في أثناء الكلام - فهي مكية بالإجماع.هذا لا نزاع فيه - بل بعضهم يرى : - أنّها أوّل ما نزل من القرآن - والصحيح أن أول ما نزل صدر سورة العلق. لفتنا النظر إلى ذلك قبلها.

التعريف بالسورة

أمّا سورة البقرة فقالوا (هي سورة مدنيّة )، وهذا بإجماعٍ أيضًا، فسورة البقرة إحدى السّور المدنيّة بالإجماع. ولذلك ثبت أنّه ما نزلت سورة البقرة كما تقول عائشة - (رضي الله عنها) - إلا وأنا عنده ﷺ، وما بنى الرسول ﷺ بعائشة رضي الله عنها إلّا بالمدينة، وهذا نصٌ في المسألة.

وأيضاً موضوعات السّورة تدلّ على مدنيّتها، وكثيرٌ ممّا ورد من أسباب نزولها أيضًا يدلّ على هذا، فهناك آياتٌ عديدةٌ في سورة البقرة لها أسباب نزولٍ، وكلّها أيضًا تدلّ على هذا الأمر؛ هذا بالنّسبة لسورة البقرة.

وسورة البقرة أيضًا أطول سورةٍ في القرآن الكريم، وسورة البقرة نزلت في مناسباتٍ شتّى، وفي أوقاتٍ مختلفةٍ. ولذلك يمكن لك أن تقول إنّها أطول سورةٍ من حيث الكمّ، وإنّها أطول سورةٍ من حيث المدّة في النّزول، فلذلك هي استمرّ نزولها مدّةً طويلةً.

فهي من أوائل ما نزل بالمدينة، وفيها آخر ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي ﷺ على القول المرجّح وهي قوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281) فهذه الآية كما سيأتي التنبيه عليها في موضعها بإذن الله تعالى أنّها آخر ما نزل من القرآن الكريم، ومع ذلك هي في سورة البقرة.

نقل من المختصر وبيانه

قالوا في المختصر (من مقاصد السّورة : الأمر بتحقيق الخلافة في الأرض بإقامة الإسلام والاستسلام لله، والتّحذير من حال بني إسرائيل ).

هذا جعلوه من مقاصد السّورة، وسورة البقرة سورةٌ طويلةٌ، وحين يتحدّث المرء عن مقصودٍ واحدٍ يجمع شتات موضوعاتها؛ فإنّ الأمر لا يكون هيّناً!

أنواع مقاصد سور القرآن الكريم

ولذلك مقاصد السّور على أنواعٍ : -

هناك مقصودٌ للسّورة يكون واضحًا وجليًّا؛ لا سيّما في السّور القصيرة الّتي يكون موضوعها واحداً.

لكن؛ في السّور الطّويلة لا سيّما إذا كانت في طول البقرة وآل عمران والنّساء والمائدة، مع اختلاف موضوعاتها في الظّاهر، فحينئذٍ يكون الأمر فيه شيءٌ من البذل والجهد، والتّأمّل العميق والدّقيق للوصول إلى مقصودٍ كلّيٍ.

لذلك بعض العلماء يتّخذ منهجًا وهو :- أنّه لا يرى أنّ السّور الطّويلة يلزم أن يكون لها مقصودٌ واحدٌ أصلاً، ويرى أنّ هذا لا ينبغي أن يبحث عنه المرء ابتداءً؛ وإنّما هي مقاصد متعدّدةٌ. وهذا محلّ نظرٍ؟!

1- لأنّ هذه الموضوعات المتعدّدة جاءت في فلكٍ واحدٍ، وتحت دائرةٍ واحدةٍ، وباسم واحد وهو اسم السّورة. فلا بد أن يكون بينها جامع مشترك؛ علمه من علمه وجهله من جهله. إذًا القضيّة في مسألةٍ من يصل إليه أو من لا يصل إليه.

2-ثمّ من جهةٍ أخرى : إنّ الباب يتّسع للاجتهاد لكن مع تحقيق الآلة، والنّظر في جهود العلماء مشكورةً، وهذا يعني أنّه قد تتعدّد وجهات النّظر في معرفة مقصود السّورة الكلّيّ، ويكون لكلٍّ وجهةٌ لها وجهٌ من القبول - والعلم عند الله تعالى-

أيضًا أمرٌ آخر : وهو أنّنا إذا استطعنا أن نقول إنّ هناك اشتراكًا أو موضوعًا كلّيًّا أو مقصودًا كبيرًا لهذه السّورة وأمثالها. فهذا وحده كافٍ في إثبات علم التّناسب داخل السّور.

وفيه ردٌّ واضحٌ على من ينفي المناسبات داخل السّور بدعوى أنّ الآيات القرآنيّة نزلت في مناسباتٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متعدّدةٍ فكيف يلتمس لذلك مناسبةً؟ وهذا ما ذكره العزّ ابن عبد السّلام والشّوكاني وغيرهما لأنّنا نقول إنّ الخطأ جاء هنا أو أنّ الإشكاليّة وقعت هنا من جهة أنّ الّذي يبحث عن المناسبات يظنّ أنّه يلزم بالضّرورة أن تكون المناسبة مناسبةً جزئيّةً - وهذا ليس بلازمٍ - أن تكون المناسبة بين آيةٍ والآية الّتي قبلها والآية الّتي بعدها - لكنّ هذه الآية ضمن مجموعةٍ من الآيات - والآيات الأخرى في مجموعةٍ من الآيات، وهذه تتحدّث عن موضوعٍ، وهذه تتحدّث عن موضوعٍ، وبين الموضوعين تناسبٌ، وكلّ موضوعٍ جزءٌ من الموضوع الكلّي.

وهذا وحده كافٍ في إيجاد المناسبة بل إن شئت فقل : - هو المناسبة الأمّ، الأصل الكبير، وهي الأساس في هذا الباب والّذي ينبغي أن يكون عليه التّعويل؛ وإنّما وقع من وقع من خللٍ في تفسير القرآن، أو إن شئت فقل إذا ترفّقنا في العبارة : - لم يصل إلى المقصود الأكبر من الهدأيات القرآنيّة، والوقوف على المقاصد القرآنيّة بسبب الغفلة عن ذلك.

وشتّان شتّان بين من كان همّه معرفة المناسبة بين آيةٍ وآيةٍ، وبين من ارتقى فجمع بين المتفرّقات؛ وكمثالٍ قريبٍ من هذا - والعلم عند الله - مع الفارق؛ لكن من باب تقريب المثال : -

إذا نظر أحدنا إلى ثوبٍ يلبسه (فلان من النّاس ) ممّن هو معروفٌ بالجودة في ملابسه. فأنت إذا نظرت إلى بعض الخيوط على وجه التّدقيق؛ بحيث أنّك تقول إنّ هذا الخيط لونه أسودٌ وهذا لونه بنّيٌّ وهذا لونه أخضر؛ فلربّما لم تجد مناسبةً بين هذا اللّون واللّون الآخر إذا كانت نظرتك ضيّقةً!

فإذا ارتفعت نظرتك أعلى وأعلى، وابتعدت عن بعض الجزئيّات ثمّ نظرت النّظرة الكبرى لهذا الملبس فنظرت إليه وهو في أبهى صورةٍ حينئذٍ أيقنت أنّ الّذي صنعه قد أجاد في صناعته. هذه نظرتنا إذا أردنا أن ننظر إلى لباسٍ في فخامته. ولله المثل الأعلى ولكلامه عظيم ما ينبغي للعبد أن ينظر إليه، وجليل الشّأن فهو كلام الله. وقد قالوا " إنّ فضّل كلام الله على كلام الخلق كفضل الله على خلقه."

فأقصد بهذا :أنّ هذا ممّا ينبغي الالتفات إليه - على أنّه في واقع الأمر توجد أيضًا هناك مناسباتٌ جزئيّةٌ، يعني ليس هذا معناه أنّنا نسلّم أنّه ليست هناك مناسبةٌ، نقول فضلاً على هذا.

ولذلك سيأتينا إن شاء الله تعالى في المواضع الّتي ورد فيها إشكالٌ كقوله تعالى ﴿حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾ (البقرة: 238) وردت بعد ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237) وجاء بعدها أيضًا ذكر عدّة المتوفّى عنها زوجها ما العلاقة؟

العلماء ذكروا أيضًا مناسباتٍ، ومع ذلك فالمناسبة الأكبر هي المناسبات الكلّيّة - والعلم عند الله -، الباب في هذا فسيحٌ؛ لكنّها إشاراتٌ؛ لأنّ المرء إذا تكوّنت عنده ملكةٌ في معرفة ما ينبغي له أن يلتفت إليه صار معنيًّا بالأمر وهذا في حدّ ذاته علمٌ عظيمٌ.

يعني أريد أن أنصّ على هذا، يعني سامحوني؛ لكن هذه القضية مهمة، كونك تعرف القضيّة الّتي ينبغي أن تشغل بها هذا وجهٌ من العلاج. يعني الآن أنا أقرأ السّورة، وهمّي أن أصل إلى شيءٍ!!

حتى لو لم أصل إليه في حد ذاته (أنا أعرف الإشكاليّة )؛ كوني أعرف أن هناك إشكاليةً، وأنّ هناك أمرًا ينبغي الالتفات إليه، وأنا أتدبّر القرآن هذا وحده مؤذنٌ بفتحٍ كبيرٍ عمّا قريبٍ بإذن الله تعالى فهذا وجهٌ من وجوه التّدبّر العميقة في كتاب الله.

مقاصد سورة البقرة

إذا رجعنا إلى سورة البقرة ماذا نصنع مع سورة البقرة؟ وهي سورةٌ طويلةٌ جدًّا!

لذلك وقع كلامٌ كثيرٌ من العلماء، ومن أمثلِ وأجلِّ من كتب في بيان تفسير سورة البقرة من حيث المقصود وعناصر السّورة الكريمة " الشّيخ محمّد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه : النّبأ العظيم ".

فقد خصّ هذه السّورة بالحديث وأراد أن يضرب بها مثالاً على وجود التّناسب. وإن كان اعتناء الشّيخ ليس بالمقصود الكلّيّ. وإنّما أراد أن يقسّمها إلى أقسامٍ، ولذلك هو قسم السّورة إلى : -

- المقدّمة

- وإلى أربعة عناصر

- وإلى خاتمة.

كأنّك تتكلّم عن خطبةٍ مكوّنةٍ من عناصر، لكن هناك أيضًا خطواتٍ تبعت الشّيخ، فأجادت وراعت القضيّة الّتي نبحث عنها وهي الموضوع والعامل المشترك؛ ولا شك أن ما قاله سُلَّمٌ لمن يأتي بعده، ورحم الله أئمّتنا من السّابقين واللّاحقين؛ وإلّا فهناك نظراتٌ سابقةٌ عليه كالبقاعيّ وغيره.

هم هنا قالوا في المختصر: (الأمر بتحقيق الخلافة في الأرض بإقامة الإسلام والاستسلام لله، والتّحذير من حال بني إسرائيل. )

هذه جملةٌ يسيرةٌ أنت تقرأها تراها قليلةً؛ إلّا أنّ جملةً (الأمر بتحقيق الخلافة في الأرض بإقامة الإسلام ) هذا هو المقصود الكلّي عند فريقٍ كبيرٍ من العلماء؛ لا سيّما من المعاصرين.

(والاستسلام لله) هذا رأيٌ آخر، أو منهجٌ آخر، وإن كان لا تعارض بين المنهجين؛ لكن أقصد في التّصريحات كيف هذا؟

وأمّا قولهم (في المختصر ) : (والتّحذير من حالٍ بني إسرائيل ) فهو تابعٌ من التّتمّات لما قيل قبله.

بعض العلماء يقول إنّ الله لـمّا ذكر في سورة الفاتحة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) هنا سؤالٌ مطروحٌ، ما هذا الطّريق الّذي تهدينا به يا ربّنا؟ كيف نهتدي بهداك؟ ما صراطك؟ كيف نعرف صراطك؟ كيف نسير على صراطك؟ فجاءت في سورة البقرة ﴿الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.

وكأنّ الإشارة لقوله ﴿ذَٰلِكَ﴾ إلى هذا الصّراط المستقيم، طريق الهداية الّذي ينبغي لنا أن نسلكه.

لذلك بعض العلماء قال كما ذكر البقاعيّ : - إنّ سورة البقرة تدلّ، المراد منها أو المقصود منها التّعريف بالكتاب. وكل ما بعد ذلك سوابق وتوابع ومتممات.

يعني الكلام عن القرآن والذي تمسّك بالقرآن، والذي انحرف عن القرآن، وما يتعلّق بذلك بذكر بني إسرائيل، وكيف انحرفوا عن الكتب السّابقة كالتّوراة، هذا اتّجاهٌ.

إذًا منهم من يختار أنّ مقصود السّورة التّحدّث عن الكتاب، وما يتعلّق بذلك من تتمّات؛ لأنّ معرفة الكتاب تستدعي أن تعرف الكتب الأخرى. ومن أبرز الكتب الأخرى كتاب التّوراة، والتّوراة ما حال النّاس معه؟ ذكر ما جرى مع بني إسرائيل. تحذيرًا لنا من أن نكون مثلهم. وإلى هذا صارت السّورة الكريمة.

هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ كما قالوا هنا وهو قريبٌ من ذلك (الأمر بتحقيق الخلافة في الأرض بإقامة الإسلام). إذًا سورة البقرة تتحدّث عن منهج (الخلافة في الأرض) يعني : ربّنا استخلفنا في الأرض ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (البقرة: 36). لذلك ربّنا ذكر قصة إهباط أبينا آدم -’ - إلى الأرض، هذه أرض الخلافة، الأرض الّتي نعيش عليها والّتي علينا أن نعبد الله عليها، وأن نستسلم له.

خلاصة وتثبيت الفكرة

فإنَّ قلت وما دليل ذلك وما يشهد له؟ فاسمع يا رعاك الله : -

من دلائل ذلك أنّ الله لــمّا ذكر قصّة آدم ’ ذكرت في القرآن في أكثر من موضعٍ. (سبعة مواضع ) في أكثر من مواضع. قصّة آدم كقصّةٍ - وليس ذكر كلمة آدم -، والموضع الوحيد الّذي جاء ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ (البقرة: 30) إلى آخر الآية، ليس إلّا في سورة البقرة. هو موضعٌ واحدٌ في سورة البقرة؛ قصّة سجود الملائكة وامتناع إبليس هذا متكرّرٌ؛ لكنّ الّذي خصّت به قصّة أبينا آدم ’ في سورة البقرة : - الحديث عن استخلافه، هذا شيءٌ.

ثمّ إنّ الله لـمّا ذكر بني إسرائيل وذكّرهم بالنّعم ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 122) ومن النّعم أنّه استخلفهم في الأرض. وأنّه كما قال الله ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20).

قضيّة استخلاف بني إسرائيل وأنّه لهم تمكينٌ. ومع ذلك وقع منهم ما وقع لبيان أنّ هذا المنهج هناك من وافق، وهناك من خالفه، وقبله ذكر قصّة آدم ببيان أنّ إبليس سيبعدنا عن هذا المنهج، لذلك قال الله حينما ذكر هبوط آدم عليه السلام قال ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38) (سورة البقرة ).

مضت الآيات في الحديث عن بني إسرائيل (وإذ، وإذ، وإذ استسقى، كثير وإذ )، بما خصّت قصّة بني إسرائيل في سورة البقرة؟

بقوله ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40) أيضًا أوّلها ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40) وآخرها ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 122). وهذا من الجميل في البدء والختام : ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122) انتهى الحديث عن بني إسرائيل في هذه الجزئيّة.

بعد ذلك جاء انتقالٌ إلى مَن؟ إلى الخليل إبراهيم (’ )، فلمّا ذكر الله إبراهيم عليه السلام ماذا ذكر عنه؟

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 124) حديثٌ عن خلافة إبراهيم عليه السلام. وذكر الكعبة وهذا مهّد للحديث عن نسخ القبلة، وهذا مناسبٌ أنّ من الشّرائع نسخت، وأن ما وقع عند بني إسرائيل سيقع النسخ لبعضه، وها هو الخليل إبراهيم عليه السلام وجرى، ثمّ مضت السّورة في ذكر الأحكام الشّرعيّة، والحجّ والعمرة والصّفا والمروة، والحديث عن الصّيام وأحكام القصاص وغير ذلك من أحكامٍ.

فلمّا ذكر الله قصّةً أيضًا بعد ذلك ذكر : قصّة طالوت وجالوت وهي قصّةٌ منفردةٌ في القرآن الكريم لم تذكر في موضعٍ آخر.

وأيضًا ماذا فيها؟ ﴿قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247) فهذه قضيّة الاستخلاف، أنّ من الّذي يحمل منهج الله؟ الّذي أعطاه الله قوّةً في علمه وفي بدنه، والّذي أقبل على الله وأطاع الله، وما إلى ذلك.

وفاتنا أن نقول : إنّ أوّل السّورة حديثٌ عن المتّقين، لبيان صفات من يتبع هذا المنهج، منهج التّمكين في الأرض يكون بماذا؟ بصفات المتّقين، ثمّ التّحذير من الأعداء الدّاخلين والخارجيّين : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 6) وهم ظاهروا العدأوة، وبعد ذلك : ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ التّحذير من المنافقين، وهم يكونون في داخل الصّفوف إلى غير ذلك، ثمّ جاء في آخر السّورة الحديث عن الاستسلام. وقول المؤمنين ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285) هذا كلّه من هذا القبيل.

إذا نظرنا إلى المقصد الثّاني " الاستسلام لله" هذا وجهٌ قويٌّ جدًّا، وهو في نظري من أقوى ما يقال في مقصود السّورة، أنّ سورة البقرة دعوةٌ إلى الاستسلام لأوامر الله.

فإذا كانت سورة الفاتحة رسمت لنا طريق الهداية، وبيّنت وجوب اتّباعه فإنّ سورة البقرة جاءت لتفصيل هذا المنهج، منهج الهداية. وأنّه يتمثّل في الاستسلام لله : -

أوّله التّقوى ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) ثمّ ذكر صفات المتّقين، ومن أعظم صفاتهم الإيمان بالغيب، ولذلك الفرق بين المؤمن والكافر والبرّ والفاجر، من الفروق العظيمة : الإيمان بالغيب. لذلك كثر الحديث عن الإيمان بالغيب في سورة البقرة، لأنّه دعوةٌ إلى الإسلام، من أين أخذنا هذا المقصود؟

ما اسم السّورة؟ سورة البقرة؛ إذًا اسم السّورة يدلّ على مقصودها. كما تقدّم التّنبيه عليه مرارًا.

إذا قرأنا قصّة البقرة ما أبرز ما في قصّة البقرة؟ أبرز ما فيها أمران : -

أ-أنّ بني إسرائيل تلكؤوا عن الاستسلام؛ فلم يستحقّوا الخلافة. -أو الخلافة بمنأًى عنهم-، فلم يستسلموا وإنما تلكؤوا وتقاعسوا وهذا فيه تحذيرٌ لنا أن نكون مثلهم في هذا التلكؤ وأن نكون مسارعين في الامتثال.

ب-وفيها أيضًا ذكرٌ لإحياء الموتى ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73)

الّذي موجودٌ في سورة البقرة في أولها ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3) دعوةٌ إلى الاستسلام.

ممّا يتعلّق بالإيمان بالغيبيّات : قصّة هاروت وماروت، وهذا من خصائص سورة البقرة وليس في غيرها مثلها في ذكرها لأنّه يتعلّق بالغيبيّات والسّحر، الرّدّ على السّحر يكون بأن نعلم أنّه لا يعلم الغيب إلّا الله، فهذا أيضًا موجودٌ في هذه السّورة.

ومن اللطيف فيما يُذكر هنا أنّ السّورة الّتي تقابلها من آخر القرآن : سورة الفلق، وسورة الفلق فيها حديثٌ عن السّحر والحسد وما إلى ذلك.

جاء في السّورة الكريمة الدّعوة إلى الاستسلام بذكر الأحكام التّشريعيّة عمومًا، ولذلك السورة في أولها ذكرت تعريفًا بالكتاب - بالقرآن الكريم-، ثمّ بعد ذلك جاء الحديث عن المتّقين وصفاتهم والكفّار والمنافقين، ثمّ بعد ذلك دعوة النّاس عمومًا إلى اعتناق الإسلام ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21) وهذا جعله الشّيخ (دراز رحمة الله ) العنصر الأوّل الدّعوة العامّة، ثمّ الدّعوة الخاصّة (دعوة أهل الكتاب).﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21) ثمّ ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 122). هذه دعوة بني إسرائيل، ثمّ بعد ذلك استمرّ الحديث عن بني إسرائيل، ثمّ جاء الحديث عن إبراهيم كما تقدّم الكلام.

ثمّ جاء ذكر الأحكام التّشريعيّة. ولمّـا ذكرت الأحكام، ذكر تمهيدٌ فيما يتعلّق - بتحريم أكل الميّتة - وأنّ الله حلّ لنا الطّيّبات،.

ثم جاءت آية جامعة بمثابة الفهرس للأحكام التّشريعيّة؟ ثمّ جاء تفصيلها في بقيّة السّورة إلى آخره، لذلك الاستسلام للأحكام التّشريعيّة.

ما هذه الآية الّتي تعدّ فهرسًا لهذه الموضوعات التّشريعيّة أو الأحكام التّشريعيّة؟ هذا سؤالٌ أدعكم لتجيبوا عليه. حتّى نستثير الذّهن خوفًا من أن يكون أحدٌ قد شرد، إذًا جاءت آيةٌ إجماليّةٌ تتحدّث عن الأحكام التّشريعيّة المجملة إجمالاً، ثمّ جاءت الأحكام التّشريعيّة بالتّفصيل.

فجاء حديثٌ عن أحكام القصاص والصّيام وجاء حديثٌ عن الأهلّة وأحاديثٌ عن الحجّ والعمرة، وحديثٌ عن الطّلاق، عن المعاملات، عن البيع، عن الرّبا، عن النّفقات، الصّدقات، أحكام المداينات، أو أحكام الدّين في أطول آيةٍ في القرآن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (البقرة: 282) إذًا هذا كلّه فيه دعوةٌ للاستسلام، لذلك أكبر سورةٍ من القرآن تذكر الأحكام التّشريعيّة هي " سورة البقرة " فصّلت لنا أبواب الاستسلام.

ثمّ في الختام قال الله ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (البقرة: 285) الدّعوة إلى الاستسلام، ماذا كان قول المؤمنين في الختام ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وقبلها ذكر النّازع والوازع ﴿وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 284) بل هذا الّذي يدفع الإنسان للاستسلام، إذًا جعله عنصرًا مستقلًّا مع أنّه جاء في - آية - ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ﴾ (البقرة: 284) ثمّ جاء بعد ذلك بيان حال المستجيبين : ﴿وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285) إلى آخر الآية الكريمة.

أيضًا قولهم (في المختصر) - (التّحذير من حالٍ بني إسرائيل ) باعتبار أنّهم عدوٌّ واضحٌ العداوة فألّا نسلك مسالكهم، لذلك يمكن أن نقسم السّورة بهذا التّقسيم : -

1 - دعوة الناس عامةً إلى الإيمان بهذا القرآن. 2 - ثم دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا القرآن.

3 - ثمّ تفصيل الأحكام التّشريعيّة وقلت إنّ هنا سؤالاً وهو وجود أيّةٍ بمثابة الفهرس أو الإجمال للأحكام التّشريعيّة ثمّ بعد ذلك جاء التّفصيل في الأحكام التّشريعيّة في سورة البقرة.

- ثمّ بعد ذلك ذكر الوازع والنّازع ﴿وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ (البقرة: 284)

- ثمّ ختمت السّورة بذكر حال المستجيبين ﴿وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285)

هذا بعض ما يقال في سورة البقرة وغيره كثيرٌ، وهو لائقٌ بمقام هذه السّورة الجليلة العظيمة. ولذلك كان أحدهم (إذا حفظ البقرة جدّ فيهم ) عظم فيهم : لذلك سورة البقرة إذا حفظها الإنسان وفهمها كان على خيرٍ كثيرٍ، وقد ألمّ بكثيرٍ من أمور دينه (علمًا واعتقادًا وسلوكًا ).

والعمل! فهذا يحتاج إلى عزيمةٍ صادقةٍ.

نسأل الله أن يجعلنا من العالمين العاملين، وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى؛ لنأخذ ولو قدرٍ يسيرٍ من أوّل السّورة المباركة.

قالوا في المختصر (سمّيت سورة البقرة بهذا الاسم لورود قصّة بقرةٍ بني إسرائيل فيها، وفيها إشارةٌ إلى وجوب المسارعة إلى تطبيق شرع الله، وعدم التّلكّؤ فيه كما حصل من اليهود )

وكما تقدّم هذا لفت نظرنا أو أنظارنا إلى مقصود السّورة، فهي سورة الدّعوة إلى الامتثال وإلى التّسليم لأمر الله، وألّا نكون متقاعسين أو متلكّئين كما وقع من بني إسرائيل.

﴿الٓمٓ﴾ (البقرة: 1)

الف لام ميم، هذه من الحروف الّتي افتتحت بها بعض سور القرآن، افتتح الله عزّ وجلّ تسعةً وعشرين سورةً بهذه الحروف، يقال لها " الحروف المقطّعة " أو حروف التّهجّي الّتي افتتح الله بها بعض السّور - فواتح السّور.

قالوا (في المختصر ) (وهي حروفٌ هجائيّةٌ لا معنًى لها في نفسها إذا جاءت مفردةً هكذا (أ، ب، ت، إلخ )، ولها حكمةٌ ومغزى ) هذه الحروف مجموعةٌ في قولنا " نصٌ حكيمٌ قاطعٌ له سرٌّ " أو " صحّ طريقك مع السّنة " أو " طرق سمعك النّصيحة "، ففي عباراتٍ ذكرها بعض أهل العلم لجمع هذه الحروف الأربعة عشر فهي أربعة عشر حرفًا، وربّما لفتنا النّظر إلى ذلك في صدر بعض السّور الّتي سبقت معنا ك " يس وص "، قالوا هنا : - الحروف من حيث هي من حيث الأفراد لا معنًى لها أنت حينما تقول الف، (الفٌ ) هذا حرف والحرف لا يلتمس من ورائه معنى.

عندنا الحروف على نوعين. 1 - حروف معنى 2 - وحروف مبنًى

فأنت حينما تقول (على ) و (في ) هذه حروف معنًى، يعني لها معاني، فتقول على تدلّ على معنى العلوّ، وتقول في تدلّ على معنى الظّرفيّة، وكذلك الباء، فالباء تأتي بمعنى السّببيّة، مثلاً، والتّاء قد تأتي للقسم، واللّام قد تأتي للتّعليل، وقد تأتي للملك، فهو حرفٌ واحدٌ؛ لكن له معنى. هذا يقال له حروف معاني.

هناك حروف مباني : - يعني مثلاً نضرب مثالاً كلمةً (كتبٌ ) إذا قيل لك تهجّى كلمة كتبٍ تقول : كا تاء با أو إذا نطقت بالاسم تقول : - (كافٍ تاء باءٍ )، الكاف وتاء وباء حروف مباني لا تدلّ على معاني كافٍ وتاء وباءٍ؛ لكنّك إذا قلت (تالله ) فالتّاء في (تالله ) تدلّ على معنًى، وإذا قلّت : - (بالله ) فالباء في (بالله ) تدلّ على معنًى، وإذا قلّت محمّد كالأسد ف (الكاف ) تدلّ على معنًى. هذا هو الفرق.

أقوال العلماء في الحروف المقطّعة في القرآن الكريم

أنت إذا قلت الف لام ميم من حيث هي : - لا تدلّ على معاني إلّا أنّها حروفٌ، هذا القول قال به بعض المفسّرين وبناء عليه فلا يجوز أن نقول ما معنى ألّف وما معنى اللّام وما معنى الميم إذًا أهل العلم لهم في ذلك أقوالٌ شهيرةٌ منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : - هي من المتشابه لا نتكلّم عنه. سرّ من أسرار الله في كتابه.

وقد ورد هذا عن بعض السّلف من الصّحابة والتّابعين؛ ولم أقف على أثرٍ واحدٍ من هذا مسندًا، يعني ليس هناك أثرٌ فيما نقف عليه من كتب التّفاسير المعروفة بالإسناد كالطّبريّ وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم. لا تجد فيها إسنادًا عنهم بشيءٍ من ذلك - إنّما هي أقوالٌ مقطوعةٌ - عن أصحابها ليس لها سندٌ في ذلك. القول بالتّشابه هذا قولٌ.

القول الثّاني قالوا : - نلتمس لها معنى فبدءوا يتكلّمون فيها، منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هي أسماءٌ للسّور، هي أسماءٌ لله، هي أسماءٌ لعدد السّنين، هي أسماءٌ للقرآن، هي أقسامٌ أقسم الله بها كثيرًا.

إذا نظرنا إلى الحروف من حيث هي وبدأنا نطبّق القاعدة نقول الحروف من حيث هي لا معنًى؛ إلّا أنّها حروفٌ؛ لكن لا يلزم من ذلك أنها جاءت بدون مغزى، إذًا سيكون الكلام في الحِكَم.

فالّذين قالوا من أهل العلم أنّها جاءت للتّحدّي والإعجاز هذا ليس بيانًا للمعنى لأنّك حينما تقول : - هي جاءت للإعجاز، جاءت للتّحدّي، الكلام الّذي سبق معنا في بعض المواضع.(هذا القرآن مؤلّفٍ أو هذا القرآن جاء بهذه الحروف وأنتم تعرفونها، وتقرأونها وتكتبونها فهل تستطيعون أن تأتوا بمثلها ) هذا كلّه حديث عن الحكمة والمغزى وليس عن المعنى هذا معنى كلامهم.

قالوا (في المختصر ) (ولها حكمةٌ ومغزى؛ حيث لا يوجد في القرآن ما لا حكمة له، ومن أهمّ حكمها الإشارة إلى التّحدّي بالقرآن الّذي يتكوّن من الحروف نفسها الّتي يعرفونها ويتكلّمون بها؛ لذا يأتي غالبًا بعدها ذكر للقرآن الكريم، كما في هذه السّورة.)

إذًا هذا هو وجه الحكمة في مجيء هذه الحروف للتّحدّي. وقولهم ((من ) حينما قالوا (ومن أهمّ حكمها ) إذًا هناك حِكَمٌ كثيرة، ومنها لفت الانتباه وما إلى ذلك كما ذكروا.

هنا قولهم (في المختصر ) (ولذا يأتي غالبًا بعدها ذكر للقرآن الكريم. ) لذلك هذه يقال لها عادةٌ من عادات القرآن، إذًا من عادات القرآن مجيء الحديث عن القرآن عقب الحروف المقطّعة (غالبًا ). إذا هذه عادةٌ قرآنيّةٌ غالبةٌ، وأشار إلى ذلك الزّركشي وغيره، لكنّ قالوا (غالبًا ) لأنّ هناك استثناءاتٌ في بعض المواضع. قالوا مثل سورة الرّوم مثّلا ﴿الٓمٓ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لم يأتِ بعدها حديث عن القرآن في صدر السورة، في سورة مريم، بعض السّور الّتي استثنوها العنكبوت.

لكنّ العلماء قالوا : - هذه السّور الّتي استثنيت فيها حديثٌ عمّا يختصّ به القرآن، كحديثٍ عن أمرٍ غيبيٍّ.

.﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ وهذا من أين للرّسول ‘ أن يعلم إلّا بوحيٍ؟ فرجعنا أيضًا إلى أنها من أدلة إثبات أن القرآن حق. والكلام في ذلك طويلٌ.

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109)

قالوا في المختصر (ذلك القرآن العظيم لا شكّ فيه، لا من جهة تنزيله، ولا من حيث لفظه ومعناه، فهو كلام الله، يهدي المتّقين إلى الطّريق الموصل إليه. )

قالوا في المختصر (ذلك القرآن العظيم ) إذا ما معنى الكتاب؟ القرآن العظيم

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ﴾ (البقرة: 2) إشارةٌ للبعيد تنويهًا بشأنه وشرفه، فأحيانًا يوصف القرآن أو يشار إلى القرآن بالقريب ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ﴾ (النمل: 76) وأحيانًا يشار إليه بالبعيد ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ﴾ (البقرة: 2). هو قريبٌ : - يعني سهلٌ منكم أنّ تقرأوه وأن تعرفوه. فلا تبتعدوا عنه، ويشار إليه بالبعيد : - باعتبار بعد المكانة، وشرف المكانة

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) قالوا في المختصر (لا شكّ فيه)، وتقدّم أنّ الرّيب شك مع التّهمة.

﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) (لا من جهة تنزيله، ولا من حيث لفظه ومعناه ) من حيث اللّفظ والمعنى لا شكّ فيه فهو من عند الله. ولا من حيث التّنزيل. لأنّه تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ﴾ (فصلت: 42)

هنا إشكال يحتاج إلى جوابٍ :- ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) كيف أنّ القرآن لا ريب فيه وقد ارتاب فيه مرتابون كثيرون؟ قد يقول قائلٌ ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) ربّنا نفى عنه الرّيب، مع أنّه وجد من يرتاب في القرآن. فالجواب عن ذلك من وجهين مشهورين : -

الوجه الأوّل : - ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) يعني :- لا ترتابوا فيه إذا هو خبرٌ بمعنى الإنشاء بمعنى النّهي، إذًا هو توجيه لنا كقوله ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ (آل عمران: 97) يعني : أمّنوه.

المعنى الثّاني : - القرآن من حيث هو لا ينبغي أن يرتاب فيه، فإن وُجد مرتاب، فالإشكال في المرتاب لا في القرآن. فالقرآن في ذاته بكماله لا ينبغي أن يرتاب فيه أحد، فإنّ وقع ارتياب من أحدٍ فالخلل عنده.

كما يقال مثلاً : - إنّ الخفافيش لا ترى بالنّهار وإنّما ترى في اللّيل فهذا ليس لخللٍ في الشّمس ولا لضوء النّهار. قد يقدّم إليك شرابٌ حلوٌ وأنت لا تشعر بحلأوته لمرضٍ فيك. فليس الخلل في الشّراب، وإنّما الخلل فيك أنت بسبب المرض الّذي أصابك لذلك قالوا :

قد تنكّر العين ضوء الشّمس من رمدٍ..............وينكر الفم طعم الماء من سقم

فالإنسان قد ينكر طعم هذا الشّيء الّذي يشربه بسبب السقم الذي حلَّ به.

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109)

قال بعضهم ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) تعود على ما سبق في سورة الفاتحة، ليس من حيث الإعراب؛ لكن من حيث المعنى. أي: هدى للمتقين - صراط المغضوب عليهم وصراط الضّالّين. اتّقى، اتّقى ماذا؟ اتّقى الشّيء : ابتعد عنه، يعني اتّقى صراط المغضوب عليهم وصراط الضّالّين بماذا؟ باتّباعه هذا الكتاب.

قالوا (في المختصر) ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) (يهدي المتّقين إلى الطّريق الموصل إليه ).

وهذا فيه : أنّ المتّقين مهتدون. اهدنا الصّراط المستقيم وهو طريق المتّقين، ثمّ بدأ وصف المتّقين فقال :

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3)

إذا نظرت في صدر السّورة الكريمة، ثمّ نظرت في الموضوعات بعد ذلك ستجد وجه التّرابط بين فاتحة السّورة

وبين موضوعات السّورة، وإذا كان أهل العلم قد قرّروا أنّ فاتحة السورة تدل على المقصود فإنّ فاتحة السورة تُنبئك عن الموضوعات بعدها. لذلك ستجد في السّورة حديث عن الإيمان بالغيب كثيرٍ، ستجد فيها حديثًا كثيرًا عن الإيمان بالغيب، وستجد فيها حديثًا كثيرًا عن إقامة الصّلاة، وستجد فيها حديثًا كثيرًا عن الإنفاق. والصّدقات وما يتعلّق بذلك.

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3)

3 - وممّا رزقناهم ينفقون : - حظّ المال.

وهذا ذكره القرطبيّ، إذا فيه جمع بين الثّلاث. ولا يمنع أنّ كل واحدٍ منها يعني الصّلاة فيها حظّ البدن والقلب أيضًا لكن من باب التّغليب.

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3) قالوا هنا في المختصر هو (ما لا يدرك بالحواسّ وغاب عنّا، ممّا أخبر الله عنه أو أخبر عنه رسوله، كاليوم الآخر ) إذا ما تعريف الغيب؟ الغيب ما لا يدرك بالحسّ، ما لا يدرك بالحسّ وغاب عنّا. وبعضهم يقول : - ما لا يدرك بالحسّ ولا تقتضيه بديهة العقل، فحينئذ يقال عنه غيب.

ما معنى الإيمان به؟ أي : بالغيب، الّذي غاب عنّا من هذا وأخبرنا الله عنه أو أخبرنا عنه رسوله ‘، فيدخل في ذلك الإيمان بالله، الإيمان باليوم الآخر، قال في المختصر (كاليوم الآخر ).

قال في المختصر (وهم الّذين يقيمون الصّلاة لأدائها وفق ما شرع الله من شروطها وأركانها وواجباتها وسننها) وهذا في قوله ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ لم يقل(يصلّون فقط )؛ إنّما قال ﴿وَيُقِيمُونَ﴾؛ فالإقامة من معانيها : - الدّوام والجدّ والاجتهاد، وأيضًا من معانيها التّشمير عن ساعد الجدّ في الصّلاة وأيضًا من معانيها تعديل أركانها. فهذه كلّها في معنى إقامة الصّلاة.

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3)

قالوا هنا في المختصر (وهم الّذين ينفقون ممّا رزقهم الله بإخراج الواجب كالزّكاة أو غير الواجب كصدقة التّطوّع ) إذًا قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3) يشمل الأمرين : - يشمل الزّكاة أو الواجبات، ويشمل المندوبات من التّطوّعات، ويشمل النّفقات الواجبة كنفقة الشّخص – الرّجل – على أهله، هذا كلّه داخلٌ في قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3).

وهنا فائدتان في قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ﴾

الأمر الأوّل : - إشارةٌ إلى أنّه رزق الله، وأنت مستخدمٌ فيه، ففيه شحذٌ للهمم على الإنفاق، حينما تعلم أنه رزق الله، وأنّ الله هو الّذي أعطاك إيّاه.

والأمر الثّاني : - أنّ (من ) في قوله ﴿وممّا﴾ للتّبعيض، يعني بعضٌ ممّا رزقك الله؛ لم يأمرك الله بإخراج كلّ ما عندك.﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219).

والأمر الثّالث : قال ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3) وأذكّر بالفائدة الّتي سبقت مرارًا، أنّ الجمع بين الصّلاة والزّكاة من أسراره، أنّ الصّلاة فيها تحقيق الإخلاص وأنّ الزّكاة أو الإنفاق فيه تحقيق الإحسان إلى العباد وعنوان السّعادة : الجمع بين الإخلاص والإحسان فمن أخلص في عبادته وأحسن إلى خلق الله؛ فإنّ الله يسعده في دنياه وأخراه. قال ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3).

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ (البقرة: 4) وهو القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ (البقرة: 4) من الكتب السّابقة، ﴿وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ما معنى (يوقنون)؟ قالوا (في المختصر ) (يؤمنون إيمانًا جازمًا بالآخرة) لذلك قالوا إنّ اليقين أعلى مراتب أو درجات العلم. ولذلك قال هنا ﴿وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾؛ فالآخرة لا بدٍّ من الإيقان بها، لا يكون الإنسان شاكًّا في أمرها، فهذا من أركان الإيمان (الإيمان باليوم الآخر) ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ تأمّلوا قولهم (في المختصر ) (وهم الّذين يؤمنون بالوحي الّذي أنزل الله عليك ) هذا يعني أنّ قوله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ معطوفٌ على قوله ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3) وأنّ هذه جميعًا من صفات المتّقين.

إذًا إذا نظرنا نقول : ما صفاتٍ المتّقين في ضوء سورة البقرة أو في ضوء صدر سورة البقرة؟

5 - وبالآخرة همّ يوقنون. خمس صفاتٍ.

1- هناك فريق من العلماء من يقسّم فيقول ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ (البقرة: 4) هذا فريقٌ آخر فيجعل أنّ ربّ العزّة وصف المتّقين بقوله ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3) ويكوّن المعنى القرآن هدًى للمتّقين بهذه الأوصاف، وهدى للّذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ويقصد بهم المؤمنون من أهل الكتاب. قالوا لأنّ الله بعد ذلك ذكر قسمين الكفّار والمنافقين، فذكر قسمين من المتّقين وذكر قسمين من الكافرين. ذكر الكفّار والمنافقين وذكر المؤمنين على قسمين قسم هم أهل التّقوى الموصوفون بهذه الصّفات الثّلاث، ثمّ ذكر بعد ذلك المؤمنون من أهل الكتاب.

2-ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بغير ذلك ويقول : بأنّ الآيات كلّها في صفاتٍ المتّقين - والعلم عند الله - وهذا ما درجوا عليه كما يظهر من كلامهم. قال ﴿وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5)

إذًا هذه صفات جليلة الإيمان بالكتب المنزلة والإيمان باليوم الآخر، وقبلها الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق ممّا رزقنا الله. وتلاحظ أنّ هذه الصّفات منها صفاتٍ تتعلّق بالاعتقاد ومنها صفاتٌ تتعلّق بالعمل بالطّاعات والأعمال الصّالحة. ما الجزاء يا ربّنا لهؤلاء؟ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى﴾ (البقرة: 5) للجميع، لهؤلاء المتّقين بهذه الأوصاف؟ لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنّهم فريق وهم المتّقون؟ أم أنّهم فريقان من أهل الإيمان من أمّة محمّد ‘ والمؤمنون من أهل الكتاب.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5)

قالوا هنا (في المختصر ) (هؤلاء المتّصفون بهذه الصّفات على تمكّن من طريق الهداية ). من أين أخذوا ذلك؟ من قوله ﴿عَلَىٰ هُدًى﴾ (البقرة: 5) فالتّعبير بـ(على ) يدلّ على التّمكّن فهم مستعلون بالإيمان وبالهدأية لذلك جاء التّعبير ب (على) ﴿عَلَىٰ هُدًى﴾ (البقرة: 5) يعني على تمكّنٍ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ : هدى عظيمٌ لذلك جاء (منكرًا ) بتفخيمٍ وتعظيمٍ.

﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5)

قالوا (في المختصر ) (وهم الفائزون في الدّنيا والآخرة بنيلهم ما يرجون ونجاتهم ممّا يخافون )

وهذا فيه : أنّ الفلّاح فيه تحقيق أمرين : - النّجاة من المرهوب، والفوز بالمطلوب.

ولذلك قالوا : - إنّ الفلّاح معناه الظّفر بدرك البغية، ما معنى الفلّاح؟ الظّفر بدرك البغية. وأصّل مادّة الفلّاح أو المفلح من فلح ومنه الفلّاح. قالوا : - لأنّ أصل مادّةٍ الفلح تدلّ على الشّقّ والقطع. ومنه قيل للفلّاح : فلّاحٌ لأنّه يقطع الأرض ويشقّ ويبذر؛ فكذلك قيل للمفلح مفلح لأنّه شقّ الطّريق ووصل لتحقيق رؤيته؛ فلذلك قيل له مفلح جعلنا من المفلحين بمنّه وكرمه. وفوائد الآيات سنبدأ بها بإذن الله تعالى في الدّرس المقبل حتّى لا نطيل عليكم أكثر من هذا. والإجابة عن الأسئلة في أوّل الدّرس والتّنبيه على بعض ما قيل في المحاضرة مع مقصودٍ سورة الفاتحة ومقصود سورة البقرة أخذ منّا جزءًا كبيرًا؛ ففي الدّروس المقبلة إن شاء الله تعالى سنسير على نفس المنوال، أو على المنوال السّابق بإذن الله تعالى من قراءة مجموعةٍ من الصّفحات. على ما يفتح الله ويمنّ ونسأل الله أن يرزقنا العلم النّافع والعلم الصّالح وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

سبق في اللّقاء السّابق التّعليق على الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة وهذه قراءةٌ للفوائد كما سمعتموها ونعلّق على هذه الفوائد، قالوا:

دروس مشابهة