سورة الفاتحة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تفسير سورة الفاتحة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد :-
فمرحبا بكم يا أيها الإخوة الكرام مع استكمال دورة التعليق على كتاب " المختصر في تفسير القرآن الكريم ". وقد من الله سبحانه وتعالى علينا، وقد انتهينا من التعليق على المختصر من أول سورة يس إلى آخر سورة الناس.
وبإذن الله تعالى سنشرع في هذه اللقاءات بدءا من التعليق على سورة الفاتحة، بما يفتح الله سبحانه وتعالى ويمن علينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبين يدي اللقاء أو المحاضرة الليلة فإنني سأجيب على بعض الأسئلة التي كنت قد طرحتها في أثناء اللقاءات السابقة، من باب الاستذكار، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
إجابات على أسئلة الربع الأخير من القرآن الكريم
ففي الدرس الأول من سورة يس كان هناك سؤال وهو : -
ما الفرق بين التعبير بالقرية والتعبير بالمدينة؟
وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ (يس: 13) [ سورة يس :13 ]. ثم بعد ذلك قال ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (يس: 20-21) [ سورة يس :20 - 21 ] إلى آخر الآيات الكريمة. فعبر الله - سبحانه وتعالى - عنها في أول الأمر بـ ( القرية )، ثم عبر عنها بعد ذلك بـ ( المدينة )
الجواب : وأهل العلم لهم في ذلك توجيهات متعددة، وأنا قصدت بـ طرح هذا السؤال إثراء الملكات العلمية، وحمل الإخوة - بارك الله فيهم - على المدارسة، والنظر في تقريرات المفسرين؛ وإلا فإنَّ المسألة قائمة على الاجتهاد والأمر فيها يسير، ومنهجنا في هذه الدورة أننا ﴿أَنَّمَا﴾ نعلق على الضروري واللازم - لطالب العلم - في بادئ حياته، وفي بداية مشواره العلمي في تفسير القرآن الكريم، لكن هذا من باب الإثراءات والاجتهادات.
على كل حال فمن أهل العلم من قال في ذلك :
1 - ( إن القرية والمدينة قريبان من حيث المعنى ) صحيح أنه في عرف الناس اليوم أن المدينة تكون أوسع، تكون أوسع دائرة من القرية؛ لكنهما في أصل إطلاقهما هما قريبان.
وبناء عليه يقال : - إن التعبير عنها بالقرية وبالمدينة هو من باب التفنن في العبارة، وأسلوب التفنن أسلوب مشروع، ومعروف في اللغة. هذا جواب.
وجواب آخر وهو : أن القرية ( في كثير ) من إطلاقاتها في القرآن الكريم، وردت في مورد الذم، وفي الحديث عن قوم مجتمعين على الكفر؛ وأما المدينة فإنها تتحدث عن مؤمنين أو عن مؤمنين وكافرين، فيكون في المدينة الفريقان.
فلما ذكر الله إطباقهم على الكفر عبر بالقرية فقال ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ (يس: 13) ولما ورد ذكر المؤمن الذي جاء إلى الله سبحانه وتعالى من أقصى المدينة عبر عنها بالمدينة، فقال ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ (يس: 20) للدلالة على أنها رغم كفر أهلها لم تخلُ من وجود هذا الرجل المؤمن بالله، العارف بالله سبحانه وتعالى. هذا وجه آخر.
3 - وهناك وجه ثالث قام على التفريق العرفي المشهور فقالوا : - إن الرجل جاء من أقصى المدينة، يعني : من مكان أبعد، فهو ليس في القرية ذاتها؛ وإنما أبعد من هذا المكان؛ لكنه في المحيط الذي يحيط بهذه القرية، فدل ذلك على همته العظيمة، ولذلك والله أعلم جاء تقديم قوله ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (القصص: 20).
لأننا حينما نرى نجد أن في سورة القصص ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (القصص: 20) [ سورة القصص :20 ] بتقديم ( رجل )؛ لكن هنا قال ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (القصص: 20) فقدم المكان للدلالة على بعد المكان؛ وأنه مع ذلك لم يألُ جهدًا في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يكتفِ بوجود ثلاثة من الرسل؛ بل مع ذلك كان داعيا إلى الله ناصحا لقومه.
4 - وهناك وجه آخر أيضًا في الباب وهو : - أن المدينة تدل على شرف المكان من حيث أنها أكبر، ويكون فيها كما تقدم مؤمنون وغيرهم فلما جاء الحديث عن القرية في مقام المدح عبر بـ ( المدينة )، ولما جاءت في مقام الذم عبر بـ ( القرية ).
وقريب من ذلك ما جاء في سورة الكهف فإنَّ الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف قال ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: 77) [ سورة الكهف :77 ].
فعبر عنها بـ ( أهل القرية ) لأنه ذكر بخلهم وعدم إكرامهم لضيوفهم.
ثم قال الله تبارك وتعالى : ﴿وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82) [ سورة الكهف :82 ].
فعبر عنها بـ ( المدينة ) لما ذكر قوله ﴿وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82) [ سورة الكهف :82 ]. فلما ذكر الرجل الصالح، وأنه هذا ميراث، وأن هذا مما خلفه هذا الصالح عبر عنها ب ( المدينة )، وهذا يدل على فائدة جليلة : وهي أن المكان يشرف بشرف أصحابه؛ فربما تكون هناك قرية مغمورة أو مكان مغمور، لكن إذا وجد فيه أهل الفضل، وأهل العلم، وأهل العبادة والتقوى؛ فإنَّ الله عز وجل يرفع هذا المكان ويكون له قدر ووزن، والعكس كذلك صحيح.
هذه بعض الفوائد واللطائف والأقوال المتعددة في إيراد هذه المسألة.
طرحنا أيضًا سؤالا، وهو : اذكر ثلاث فوائد من هذه السورة الكريمة غير الفوائد التي سيقت في القراءة، وفي التعليق، وهذا أمر - يعني - سهل وميسور، والحمد لله هناك من أجاب في ذلك فالأمر في ذلك سهل وبإمكاننا أن نستخلص كثيرًا من الفوائد، ولذلك إن شاء الله تعالى في المرحلة التي نقدم عليها سيكون هناك كثير من الاستنباطات والفوائد، وهذا إن شاء الله تعالى سترونه جديدا مما سأعرض له بعد قليل في الخطة التي سنسير عليها بإذن الله تبارك وتعالى، لكنني أحببت من البداية أن نبدأ ببعض الأسئلة، ومن باب إعمال الذهن، وكد العقل والفكر أو زناد الفكر.
سؤال حول النظر بمعنى : الانتظار
أيضًا من هذه الأسئلة التي وردت علينا في المجلس الثاني : اذكر لنا آية جاء فيها ( النظر ) بمعنى ( الانتظار ) كهذه الآية ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ (ص: 15) [ سورة ص :15 ]. لكن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من سورة يس ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (يس: 49) [ سورة يس :49 ]. هذا ونحن نشرح سورة ( ص )، ونحن نتكلم عند قوله ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (يس: 49).
أردنا أن نذكر بدرس سابق فنربط اللاحق بالسابق، فمعنى قوله ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) يعني : وما ينتظر هؤلاء.
وأيضا في سورة يس ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (يس: 49) يعني : ينتظرون.
والقاعدة العامة في ذلك أن النظر إذا تعدى بنفسه كان بمعنى الانتظار، يعني : : إذا تعدى ( النظر ) بدون ( إلى ) أو بدون ( في ) فهذا بمعنى ( الانتظار ) ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: 158) [ سورة الأنعام :158 ]. يعني : هل ينتظرون؟.
إذا ( النظر ) إذا تعدى بدون حرف الجر ( إلى ) أو ( في )؛ فإنه يأتي بمعنى الانتظار. هذه قاعدة عامة في كتاب الله عز وجل.
سؤال : فكيف يكون العبد عبدا مخلصا لله سبحانه وتعالى؟
جواب السؤال الثالث مهم جدًا، ذكر الله عز وجل عباده المخلصين في مواضع عديدة ( طبعًا المخلصين والمخلصين ). ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ جاءت القراءتان ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: 83) ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: 83) [ سورة ص :83 ]. فكيف يكون العبد عبدا مخلصا لله سبحانه وتعالى؟
وهذا جواب يحتاج إلى إجابة طويلة، والمقام لا يتسع له، لكن نسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص والسداد.
من أكبر ما يعين العبد على تحقيق الإخلاص : -
مراقبة الله عز وجل، أن يراقب العبد ربه في أموره كلها،في حركاته وسكناته،في ذهابه وإيابه لمن يعمل هذا العمل؟، وما الذي يقصده بهذا العمل؟ فإن كان العمل لله أمضى، وإن كان لغيره تأخر، إذا لكي تحقق الإخلاص لا بد وأن تراقب الله في أعمالك.
فاسأل نفسك قبل العمل : لمن هذا؟ لمن أتكلم؟ لمن أقول؟ لمن أتحرك؟ لمن أفعل هذا الفعل؟ لمن أمتنع عن هذا الأمر أو الشيء؟ فتكون هناك المراقبة لله سبحانه وتعالى.
2 - ثم بعد المراقبة تكون هناك محاسبة، لتصحيح النية وتعديلها، لأن أصعب ما يكون على المرء نيته، فإنَّ النية تتقلب على الإنسان؛ لأنه لا حظ للنفس فيها كما قالوا : ( ( أشد ما على الإنسان نيته ) ) - كما عليه عدد من السلف الصالح – لم؟ لأنَّها تتقلب عليه، وليس للنفس حظ فيها؛ وبناء عليه فالإنسان يراقب ابتداء، ويحاسب بعد ذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18) [ سورة الحشر :18 ]
3 - الأمر الثالث أن يراجع الإنسان حساباته بمعنى : أن يضع كل شيء في موضعه اللائق به؛ فالعبد عبد والرب رب فلمن يصرف العبد عبادته؟ من يستحق هذا؟
يعني - أنت الآن - حينما ترائي بعملك أي شخص أيا كان قدره وأيا كان وزنه ( علما - مالا - جاها - سلطانا ) من هو؟
هو مخلوق لا يملك نفعا ولا ضرا؛ وإنما الذي يملك ذلك كله هو الله، والذي بيده قلوب العباد هو الله. فإذا لا يرائي الإنسان من أجل أحد؛ وإنما يخلص في عمله لله، ويضع الشيء في موضعه، يقول : يا رب أنا سأرائي من أجل فلان، ومن أجل فلان! وماذا يملك فلان وما الذي عند فلان؟ ﴿أَنَّمَا﴾ اعتمد عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ؛ ﴿أَنَّمَا﴾ اعمل للذي بيده زمام القلوب، للذي بيده الأمر كله، بيده النفع والضر، بيده قلوب العباد.
ولذلك من أخلص لله سبحانه جعل الله له القبول في الأرض، ومن راءى الناس فإنَّ الله يقلب الخلق عليه نسأل الله السلامة والعافية - على كل حال - هذا موضوع خطير، وجدير بالاعتناء والاهتمام.
4 - وأيضا سؤال الله ذلك، بأن يكثر الإنسان من سؤال الله الإخلاص، بأن يسأل العبد ربه أن يرزقه الإخلاص وأن يقيه الرياء، ولذلك ورد في الحديث، وقد صححه بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ( ( ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه ) ) فتأملوا : ( ( ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه ) ) فنعوذ بالله من الشرك كبيره وصغيره.
5 - أيضًا مما يعين الإنسان على تحقيق الإخلاص ( العبادات الخفية ) بأن يستتر الإنسان بما يمكن من العبادات.
فالعبادات على نوعين :
1 - هناك عبادات يحسن بالإنسان أن يجهر بها، كصلاة الجماعة؛ بل قد تجب، وأيضا صلاة الجمعة هي فرض عين على من تحققت فيه الشروط كما هو معلوم، هذه عبادات ظاهره ( حضور صلوات الجنازة، اتباع الجنائز ) هذه يحسن بالإنسان أن يقوم بها، وإن كان في حضرة من الناس، وفي وجودهم ويستحضر النية.
2 - أما ما يمكنه أن يستتر به كعبادات : مما يتعلق بالذكر والاستغفار، وما يتعلق بقيام الليل والصدقات الخفية، وقراءة القرآن الكريم، والبكاء من خشية الله، وغير ذلك من هذه العبادات، فالإنسان يكون له خبء من عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فلا شك أن هذا أعون ما يكون للعبد على تحقيق الإخلاص، ونسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المخلصين.
نكتفي بهذا القدر من الإجابة على هذه الأسئلة، وبإذن الله تعالى تباعا سنجيب على هذه الأسئلة.
المنهج والخطة التي سنسير عليها في شرح الكتاب
لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نبدأ بإذن الله تعالى في - سورة الفاتحة - فبإذن الله تبارك وتعالى المنهج الذي سنسير عليه وهو قريب مما سرنا عليه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، لكن أيضًا يحتاج الأمر إلى بعض التنبيهات منها :
أننا بإذن الله تعالى ستكون دروس الأسبوع درسين فقط ( يوم السبت ويوم الأربعاء ). وبناء عليه فيوم الاثنين لن يكون هناك درس - إجابة لطلب كثيرين منكم - للتخفيف وأيضا للتمكن مما أخذناه ومما نأخذه، فيكون هذا أعون على الاستذكار وعلى مراجعة المحفوظ والمدروس والمفهوم. ونسأل الله الإعانة والتوفيق هذا من جهة.
من جهة ثانية بإذن الله تبارك وتعالى سيكون هناك عقب الدرس طرح لبعض الفوائد التي قيلت في أثناء الدرس أو اختصار لبعض ما قيل في الدرس على القناة التفاعلية أو على أساس أن هذا فيه شيء من التفاعل، وفيه شيء من الاستذكار - بإذن الله تعالى - سترون هذا ويكون أعون ما يكون للعبد على مراجعة الفوائد شيئًا فشيئا.
ثم بعد ذلك هناك أيضًا بعض الإخوة الأفاضل - أكرمهم الله وأعزهم - سيقومون بتفريغ الدروس، هناك دروس فرغت من أوائل السلسلة، أو من أوائل الدورة وأخرى ستأتي تباعا إن شاء الله تعالى، سينشر هذا وذاك لكم تباعا قدر المستطاع، ونسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق فبإمكان الإنسان أن يذاكر درسا قديما أو درسين مع درس جديد فيجمع بين هذا وذاك؛ فحينئذ تسهل عليه المراجعة، كما نصنع في مراجعة القرآن الكريم يكون هناك مراجعة في القريب ( الماضي القريب - والماضي البعيد ) - كما يسمى - وأيضا حفظ للجديد، فنعتبر الدرس الجديد نعده هو الجديد. ونسأل الله سبحانه وتعالى الإخلاص والسداد والقبول.
4 - طريقتنا هي الطريقة العامة التي نسير عليها، وهي أننا نمر على الكتاب، بحيث نتفهم معانيه وندرك غوامضه. فإذا وجدنا شيئًا يحتاج إلى بيان نبينه، أو إلى فائدة تحتاج إلى إبراز أبرزناها، نعتني بمقاصد السور لأن السور إذا عرفت مقاصدها اتضح كثير من مسالكها ومن معانيها ومن أهدافها ومراميها.
5 - الأمر الآخر أيضًا : إذا ورد هناك سبب من أسباب النزول بإذن الله فإننا سننبه عليه، أو كان هناك إشكال في فهم بعض الآيات فإننا نعرض له قدر المستطاع، بما يناسب المقام ويتسع له المجال بإذن الله تبارك وتعالى.
ربما سنطيل شيئًا ما - ليس إطالة - تليق بالمقام - يعني بمقام السورة وهي سورة الفاتحة؛ وإلا فالحديث عن سورة الفاتحة حديث طويل وكبير ومتسع، لا تسع له - يعني مجالس كثيرة -؛ وإنما مجالس كبيرة؛ وربما تعقد دورة كاملة من أجل الاطلاع على ما في سورة الفاتحة!
لكن في هذا الدرس بإذن الله سنعرض لكثير من فوائدها بما يفتح الله وبما يناسب المقام، ثم بعد ذلك نشرع في سورة البقرة أيضًا بما يناسب، ثم بعد ذلك سنمر في بقية الدورة على الوجه العام الذي نسير عليه قدر المستطاع في مدة الساعتين.
6 - الأمر الآخر سأطرح بعض الأسئلة كما هي العادة في كل درس، ونجيب عليها بعد ذلك مباشرة، لكن ستكون في خارج الدرس بإذن الله.
يعني بإذن الله سأرسل لكم مقطعا عن إجابة السؤال الذي طرحته غالبًا قبل مجيء الدرس الذي بعده، لكن أترك مجالا لكم للإجابة عليه، وأيضا من طرح منكم أسئلة فليطرحها؛ فإنَّ من الله علينا واستطعنا فسنجيبه بإذن الله، بحيث نجمع بين الأمرين فلا نزيد في الدرس عن المادة العلمية حتى لا يطول بنا المقام، ونستفيد بإذن الله تبارك وتعالى في الوقت بين الدرسين للإجابة على هذا بمقاطع صغيرة ترسل إليكم، وأسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص والقبول. وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
سورة الفاتحة
قال أصحاب المختصر في التفسير " سورة الفاتحة : مكية، [ من مقاصد السورة ] : تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى "
هذه السورة الجليلة تسمى بسورة الفاتحة، ويقال لها فاتحة الكتاب، ويقال لها أم الكتاب، ويقال لها أم القرآن، إلى غير ذلك من أسماء كثيرة، وهي أكثر سور القرآن الكريم أسماءً، فسورة الفاتحة لها أسماء كثيرة وعديدة، وكل اسم يدل على معنى في هذه السورة الجليلة.
أسباب تسمية الفاتحة بهذا الاسم
فهي تسمى بسورة الفاتحة أو بفاتحة الكتاب : -
تحليل مقارن وربط بين السور
1 - لأنَّها أول الكتاب، بحسب الترتيب المصحفي؛ وليس بحسب النزول، ولذلك سورة الفاتحة هي أولى السور من حيث الترتيب المصحفي وأما من حيث النزول فكما تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، صدر سورة العلق ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5) [ سورة العلق :1 - 5 ] على قول جمهور المفسرين.
2 - على أن هناك توجيها آخر وهو : - أنه يقال لها ( الفاتحة )؛ لأنه يفتتح بها في الصلاة، فهي تقرأ قبل السور الأخرى، فإذا ضممنا إلى الفاتحة سورة أخرى فإننا نبدأ بفاتحة الكتاب، فهي يبدأ بها في الصلاة.
مسألة ترتيب القرآن الكريم
وبناء على ذلك، هنا لفتة وفائدة جليلة وكثير ممن يتكلم في هذه القضية في علوم القرآن، ربما لا ينص عليها مع أنها جديرة بالعناية وهي : أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أطلق على الفاتحة أنها فاتحة الكتاب، فهذا فيه إشارة إلى أن هذا الترتيب ترتيب دلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يمكن أن يوضع هذا مع أدلة القائلين بأن ترتيب السور توقيفي والله أعلم.
وأهل العلم مختلفون في ترتيب السور، وأما ترتيب الآيات فهذا بإجماع توقيفي، ترتيب الآيات داخل السور بإجماع توقيفي.
ما معنى توقيفي؟ يعني أنه بوحي وأن النبي صلى الله عليه وسلم علم الصحابة ذلك – الترتيب.
من أسماء سورة الفاتحة : أم الكتاب وأم القرآن
هذه السورة تسمى بسورة الفاتحة وتسمى أيضًا بأم القرآن.
قالوا هنا في المختصر ( من مقاصد السورة تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى ).
سورة الفاتحة تسمى بأم القرآن وبأم الكتاب. وهذا الاسم لهذه السورة له ملحظ مهم جدًا. ولذلك سنقف معه ولن نقف مع بقية الأسماء التي سميت بها سورة الفاتحة، لكن المقام يقتضي الوقوف مع هذا الاسم على وجه الخصوص وهو أن كلمة ( أم الكتاب )، ( أم القرآن )، ما معنى أم القرآن؟ ما معنى كلمة أم القرآن؟ وما معنى أم الكتاب؟
الأم لها أكثر من معنى، من المعاني المشهورة : -
1 - أن الأم قيل لها ( أم ) : لأنَّها المبدأ ولأنها المرجع، ولذلك يقال للأم : ( أم ) لأنَّها مبدأ نشأة الإنسان؛ فالإنسان يرجع إلى أمه، هي مبدأه. فقيل للفاتحة فاتحة : لأنَّها أيضًا بداية الكتاب وحينئذ اجتماع في المعنى بين فاتحة الكتاب وأم الكتاب أو أم القرآن، إذا المعنى الأول لأم القرآن هو فاتحة الكتاب. فهما بمعنى واحد، فقيل لها : أم القرآن لأنَّها أول الكتاب.
المعنى الثاني : أن الأم جماع الشيء ومقصود الشيء، يقال : ( أم الشيء ) يعني : قصده فمعنى ( الأم ) : أي التي يرجع إليها غيرها، فلذلك الأولاد تضمهم أمهم، ويرجعون إليها، ويقصدونها.
فحينئذ قيل لأم القرآن - أعني سورة الفاتحة – ( أم القرآن ) لأن مرجع القرآن الكريم في مقاصده الكلية ومعانيه الجامعة المجملة موجود في سورة الفاتحة.
أصول مقاصد القرآن الكريم في سورة الفاتحة
لذلك نص عدد من الأئمة على أن سورة الفاتحة : حوت أمهات مقاصد القرآن الكريم وهذا معنى عظيم، إذا سورة الفاتحة جمعت مقاصد القرآن الكريم، ومن هنا سعى العلماء سعيًا حثيثًا، وحاولوا محاولات كبيرة في بيان مقاصد سورة الفاتحة؛ لأنهم علموا أنهم إذا وقفوا على مقاصد سورة الفاتحة فقد وقفوا على مقاصد القرآن إجمالا.
وهذا أيضًا فيه ملحظ آخر - وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه الأنظار إلى مقاصد القرآن، فمسألة مقاصد القرآن من الذي بينها وأشار إليها؟
أول من بينها هو الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا بعض الحكم من إنزال القرآن، وهذه من مقاصد القرآن، فحينما يقول : ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1) [ سورة إبراهيم :1 ].
فهذا معناه أنه من مقاصد القرآن : إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ.
﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9) [ سورة الإسراء :9 ]. إذا من مقاصد القرآن : هداية الناس للتي هي أقوم. إذا هذا المقصود صرح به القرآن الكريم.
ثم جاءت السنة النبوية ببعض اللفتات، وببعض الإشارات منها :
تعبير النبي صلى الله عليه وسلم عن سورة الفاتحة بأنها أم القرآن الكريم، فإذا أم القرآن لأنَّها حوت مقاصد القرآن.
والمعنى الثالث : من معاني أم القرآن وأم الكتاب : - اشتملت على مجمل المعاني القرآنية وبعضهم يجمع بين المعنيين فيجعل المقاصد والمعاني الكلية بمعنى واحد.
سورة الفاتحة بالنسبة للقرآن اجمال جاء بعدها تفصيل
ثم من جهة ثالثة قال بعض العلماء " إن سورة الفاتحة بالنسبة للقرآن اجمال جاء بعدها تفصيل " فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إن مجمل مقاصد القرآن في سورة الفاتحة هذا معناه أن سورة الفاتحة هي القرآن إجمالا، ثم جاء التفصيل بعد ذلك". إذا سورة الفاتحة هي القرآن إجمالا ثم جاء التفصيل بعد ذلك. فإنَّ قلت هل من حجة على ذلك؟ نقول نعم.
خلاصة وتثبيت الفكرة
فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه في البخاري وكذا في بعض الأحاديث، عبر عن سورة الفاتحة قال ( ( هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
وهنا مسألة : كيف يعبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن سورة الفاتحة بأنها القرآن العظيم؟
يعني وقال ( الفاتحة : هي السبع المثاني ) ) : سبع آيات تكرر، وهذا من أسماء الفاتحة.
( والقرآن العظيم الذي أوتيته ) ) معناه : - أن سورة الفاتحة حوت أمهات القرآن الكريم فهذا يشعر بهذا؛ بل يدل عليه دلالة قوية والعلم عند الله تبارك وتعالى.
لذلك صرح عدد من العلماء كالطوفي والطييي والسيوطي وغيرهم : - أن سورة الفاتحة أجملت مقاصد القرآن ثم جاء التفصيل بعد ذلك.
حتى إن بعض العلماء المعاصرين كالدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز رحمة الله ذكر عن سورة الفاتحة قال :إذا كان القرآن هو الدستور؛ فإنَّ سورة الفاتحة دستور الدستور، أو أساس الدستور.
يعني : إذا صح لنا أن نسمي القرآن بأنه ( الدستور ) الذي لا ينبغي لنا أن نتركه أو أن نتخلى عنه؛ فإنَّ سورة الفاتحة فيها دستور الدستور وهو أساسه.
وأيضا من جهة أخرى فيها - براعة استهلال -، فأنت في حديثك يحسن بك في المقدمة أن تشير إلى الموضوع بعد ذلك وهذا ما جاء في سورة الفاتحة والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فضائل سورة الفاتحة
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها، وهي أعظم سورة في القرآن بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لأعلمنك سورة هي أعظم سور القرآن، ثم ذكر له سورة الفاتحة ) ) إذا سورة الفاتحة هي أعظم سور القرآن.
ولماذا هي أعظم سور القرآن؟ وهذا سؤال : - لماذا سورة الفاتحة أعظم سور القرآن؟
والجواب : - لأن مقصودها هو أعظم مقاصد القرآن؛ لأنَّها حوت جميع المقاصد.
ولذا عبر البقاعي قال : - ( لأنه لا مقصود أعظم من مقصودها ) فلذلك هي أعظم سور القرآن الكريم.
مقاصد القرآن من خلال سورة الفاتحة
ثم بعد ذلك هذا يجرنا إلى مسألة أشير إليها إشارة خفيفة وأطرح فيها بعض الأسئلة.
وهي : إذا كانت سورة الفاتحة تمثل مقاصد القرآن، فما مقاصد القرآن من خلال سورة الفاتحة؟
يعني - الآن - نحن نريد أن نعرف كيف أن سورة الفاتحة حوت مقاصد القرآن؟ ما مقاصد القرآن من خلال سورة الفاتحة، كيف نستخرج هذه المقاصد من خلال سورة الفاتحة؟
للعلماء في ذلك محاولات كثيرة جدًا، وبفضل الله سبحانه وتعالى كتبت بحثا في هذا ولعلي إن شاء الله تعالى أمكن أن أرسل لكم بعضه - إذا تيسر في بعض الأوقات - في حين المستقبل إن شاء الله في ( أثر السنة النبوية في توجيه الأنظار إلى المقاصد القرآنية من ذلك ما جاء في سورة الفاتحة ).
لكن هنا شيء واحد نذكره هنا، وهو الذي عرضوه، قالوا في المختصر ( سورة الفاتحة : من مقاصدها تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى ).
إذا هم هنا – تأملوا – يقولون ( من مقاصد السورة )
وهذا أيضًا مما يحسن أو مما نستحسنه من صنع المعلقين أو الكاتبين للمختصر في التفسير أنهم يقولون " من مقاصد السورة " ولذلك في بعض الطبعات ذكروا أشياء، وفي بعضها ذكروا أشياء أخرى.
لأن مسألة مقاصد السور مسألة اجتهادية؛ فأنت قد تظن أن هذا هو المقصود الأكبر، ويأتي غيرك بأدلة تنبئ عن مقاصد أخرى، فتفاديا لهذا نقول " من مقاصد السورة العظيمة " فلذلك هم يقولون" من مقاصد السورة تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى".
وهذا واضح من أول السورة إلى آخرها، مما يذكر هنا في مقاصد السورة - سورة الفاتحة - أن سورة الفاتحة ذكرت لنا أمورا عظيمة، وقالوا أعظم المقاصد ثلاث :
1 - معرفة المدعو إليه : معرفة من يجب علينا أن ندعو، وأن ندعوه، وأن نصرف العبادة إليه، وهو الله سبحانه وتعالى، إذا معرفة المعبود أن تعرف الله، فنصرف العبادة إليه، وهو الله سبحانه وتعالى، إذا معرفة المعبود أن تعرف الله.
الأمر الثاني : أن تعرف الطريق الموصلة إليه. كيف تصل إليه؟
الأمر الثالث : أن تعرف الجزاء.
إذا تأملنا في الفاتحة ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (الفاتحة: 3) هذا تعريف بالله.
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ (الفاتحة: 4)
هذا بيان الصراط، بيان المنهج، بيان الطريق الذي يوصل إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) هذا بيان الجزاء، فهناك من رضي الله عنهم، أو من أنعم الله عليهم، وهناك من غضب عليهم، وهناك من صاروا ضالين أو أضلهم الله سبحانه وتعالى. فهذا بيان الجزاء.
وأيضا في ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) اشتراك الجزاء. فهذه من أشهر ما يقال في مقاصد سورة الفاتحة.
هناك من جعل مقاصد سورة الفاتحة ( ثلاثة )، منهم من جعلها أربعة، منهم من جعلها خمسة، منهم من زاد إلى عشرة أقوال كثيرة جدًا!.
حتى إن بعض المعاصرين كتب كتابا في سورة الفاتحة وسماه ( الإسلام في سبع آيات )، وجعل - أن سورة الفاتحة – ( الإسلام في سبع آيات منهج حياة )، وإن كنت أنا أرى أن التسمية هذه محل نظر، ولذلك قلت : لو أنه لم يقل هذا كان أفضل، وإن كان المعنى فيه شيء من الصحة. وقد بين في شرح الكتاب أنه لا يقصد أن الإسلام يكفينا في أن نعرف سورة الفاتحة، لأنك إذا حفظت سورة الفاتحة، وفهمت معانيها؛ في الحقيقة لا تعرف الإسلام كله!؛ لكنه يشير إلى أن المعاني الإجمالية موجودة في سورة الفاتحة، لكن الاشكالية أن كثيرًا من الناس يلتفتون إلى العناوين، ويترك المضامين.
ولذلك يراعى الإنسان في تسمية الكتب ما يتعلق بمسألة المضامين أيضًا، وقد قالوا كما يسمي أحدنا ولده ويختار أفضل اسم لولده فكذلك في تسمية الكتاب، على كل هذا باب فسيح.
فالسؤال المطروح لكم : اذكروا لنا قولين من أقوال العلماء في مقاصد سورة الفاتحة. نريد رأيين أو قولين - وجهتي نظر من وجهات أنظار العلماء في مقاصد سورة الفاتحة؟ طيب. هذا بالنسبة لهذا الذي ذكروه هنا قالوا في المختصر ( تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى ).
نشرع على بركة الله في قراءة هذه السورة الجديدة.
قالوا هنا في المختصر ( سميت سورة الفاتحة لافتتاح كتاب الله بها ) وهذا واضح. ( وتسمى أم القرآن لاشتمالها على موضوعاته ) يمكن أن نضيف على ذلك فنقول لاشتمالها على موضوعاته، وإجمالي مقاصده أو مقاصده الكلية. ( من توحيد لله، وعبادة، وإشارة إلى قصص وغير ذلك )، ( وهي أعظم سورة في القرآن ) هذا بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( لأعلمنكم سورة هي أعظم سورة في القرآن الكريم ) )
من فضائل سورة الفاتحة نزول ملك يبشر بنزولها ( أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة علمنكم سورة هي أعظم سورة في القرآن الكريم شر الرسول صلى الله عليه وسلم بها حينما قال ( ( أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة ) ).
ومجيء هذا الملك للنبي صلى الله عليه وسلم مجيء بالبشارة - لا بالإنزال - فالصحيح أن الذي نزل بسورة الفاتحة هو جبريل عليه السلام؛ لكن هذا الملك جاء ليبين للرسول صلى الله عليه وسلم هذه البشارة العظيمة.
وأيضا من فضائل السورة ( ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ) وهذا يدل على عظم قدرها، وأنها ركن من أركان الصلاة. كما هو مذهب جمهور أهل العلم.
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 7)
قالوا في المختصر ( باسم الله أبدأ قراءة القرآن ) إذا ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 7) ماذا أصنع؟
أي : ( بسم الله أبدأ قراءة القرآن مستعينا بالله تعالى متبركا بذكر اسمه ) هنا إشارة إلى شيء وهو أن قولنا با { ﱁ ﱂ } يحتاج إلى متعلق { ﱁ ﱂ } ماذا أصنع؟ لذلك وقع اختلاف كثير بين أهل العلم فيما يتعلق بقولنا { ﱁ ﱂ }؟
ومن أشهر ما قيل في ذلك : أننا نقدره ( فعلاً متأخرا خاصا ). فنقول عند القراءة ( بسم الله أقرأ )، ونقول عند الأكل ( بسم الله آكل )، ونقول عند الكتابة ( بسم الله أكتب ) فنقدره فعلاً. قالوا : لأنه الأصل في العمل. ونقدره متأخرا : ليفيد معناه الحصر، وتبركا بالبدء بكلمة { ﱁ ﱂ } ونقدره خاصا : لأنه أدل على المقصود.
فهنا قالوا في المختصر ( بسم الله أبدأ قراءة القرآن مستعينا بالله تعالى متبركا بذكر اسمه )
من أين استفادوا كلمة ( مستعينا )؟ وكلمة ( متبركا ) من ( الباء ) { ﱁ ﱂ } يعني : بسم الله أقرأ، ف { ﱁ ﱂ }
1 - يقولون : إن الباء هذه تسمى ( باء الاستعانة ).
وبعضهم يسميها ( باء المصاحبة )، وهي التي يقال لها الملابسة أيضًا. إذا { ﱁ ﱂ } يعني : أصحب اسم الله في كل شيء، في قراءتي، وفي تلاوتي، وفي أكلي وشربي. إذا { ﱁ ﱂ } باء استعانة أو باء ملابسة أو مصاحبة ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 7)
عدد آيات سورة الفاتحة
ألفت النظر إلى شيء وهو : أننا حينما نمسك بهذا المصحف في أيدينا نجد أن البسملة بعدها رقم ( 1 ) إشارة إلى أنها آية من سورة الفاتحة، وهذا ليس إجماعا؛ وإنما :
1 - هذا قول فريق من أهل العلم، من القراء والمفسرين والفقهاء.
2 - وهناك من يرى : أن البسملة آية لكنها مستقلة، وحينئذ سيختلف عنده العد، بمعنى سيقول : إن الفاتحة سبع آيات؛ لكن سيأتي بعد ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) ويضع الآية السادسة ( 6 ) ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 7) ستكون السابعة ( 7 ) ويشهد لهذا حديث مسلم ( ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إذا قال العبد ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ قُلْ﴾ الله : حمدني عبدي، وإذا قال : الرحمن الرحيم، قال الله : أثنى علي عبدي ) ).
فالشاهد أنه بدأ بقوله " إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين "، وقوله " قسمت الصلاة " قالوا : الصلاة يعني الفاتحة، لذلك قالوا من أسماء الفاتحة ( الصلاة )؛ لأنه لا تصح الصلاة إلا بها، فلم يذكر باسم الله الرحمن الرحيم.
وقالوا أيضًا : مما يشهد لذلك التقسيم : أن سورة الفاتحة تقسيم ثلاثي ( قسم لله، وقسم للعبد، وقسم بين الله وبين العبد ) ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ (الفاتحة: 2-4) [ سورة الفاتحة :2 - 4 ] هذا لله وهذا في الحديث ( ( هذا لي ولعبدي ما سأل ) ) وأيضا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 5-7) [ سورة الفاتحة :5 - 7 ] هذا للعبد.
فإذا قررنا أن البسملة هي آية فمعنى ذلك : أن الجانب الأول وهو ما يتعلق بحق الله وردت فيه أربع آيات، وأن الجانب الآخر وردت فيه آيتان فحسب، وهذا مما يعكر على هذا أيضًا والعلم عند الله، على كل هذه اجتهادات. لكن وردت آثار كثيرة وأحاديث، وكلام طويل، والأمر في ذلك واسع.
لكن على كل حال من الأقوال الشهيرة في هذا : أن البسملة آية من سورة الفاتحة في بعض القراءات دون بعض، في بعض القراءات المتواترة، لأن بعض القراء ممن تواترت عنهم القراءات لا يرون البسملة آية، وبعضهم يرى البسملة، وهذا مؤذن بهذا والعلم عند الله تبارك وتعالى؛ لكن على كل هذه المسألة من المسائل طويلة الذيول والبحث في هذا؛ لكن أحببت أن أشير فقط إلى هذا الترقيم الموجود أن هذه المسألة فيها بعض خلاف.
مسألة عدد آيات القرآن الكريم
وهذا يجرنا لمسألة أخرى، وهي مسألة عد الآيات وهذا مبحث ربما لا نكرره بعد ذلك. لكن نشير إليه وتكون فائدة ندركها بإذن الله تعالى.
إذا قرأنا في بعض التفاسير المتوسعة بعض الشيء، فنجد أنهم ينصون على عدد الآيات، فيقولون : سورة كذا مكية مثلًا أو مدنية وعدد آياتها كذا. وإذا قرأنا في بعض التفاسير الموسعة أكثر وأكثر، أو المطولة، ربما وجدناهم يقولون " في العد الكوفي عددها كذا، وفي العد البصري عددها كذا وفي العد المكي عددها كذا " فحينئذ يقع من الإنسان إشكال، ولا شك! يقول كيف هذا! أهناك اختلاف بين العلماء في عدد الآيات؟
معروف أن القرآن لا زيادة فيه ولا نقص. والله سبحانه قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ (الحجر: 9) [ سورة الحجر :9 ]. فالقرآن ليس فيه زيادة وليس فيه نقص فكيف وقع الاختلاف بين العلماء في العدد؟ فنقول إن هذا الاختلاف اختلاف صوري وليس حقيقيًّا؛ بمعنى أنهم لا يزيد أحدهم كلمة ولا ينقص أحدهم كلمة؛ لكن الخلاف في مكان نهاية الآية ( في مكان الفاصلة ) فمنهم من يعد هذه الكلمة هي نهاية الآية، ومنهم من يمزج آيتين ولا يجعلها آيتين ويجعلهما آية واحدة؛ فحينئذ يرد الاختلاف بينهم في العدد؛ وحينئذ فلا إشكال. فهذا لم يرد آية وهذا لم ينقص آية والله تعالى أعلم.
• وهُنَا أَنْقِلُكَ نَقْلَة مُبَاشَرَة إِلَى سُورَة النَّاسِ، وَهِيَ النَّقْلَة الَّتِي نَقَلَنَا إِلَيْهَا مِنْ قَبْلُ البِّقَاعِيُّ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهَا هُنَاكَ فِي خِتَامِ القُرْآنِ فِي المُخْتَصَرِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ ضَمِنِ المُنَاسَبَاتِ - المُنَاسَبَاتِ بَيْنَ آخَرِ سُوَرِ القُرْآنِ وَأَوَّلِ سُوَرِ القُرْآنِ بِأَنْ تَعْكِسَ الدَّائِرَة، كَأَنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ دَائِرَة :
فإذا نظرنا إلى سورة الناس : { ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ } ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) هنا في الفاتحة.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) وهنا في الفاتحة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) وهنا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) ذكر الإله، أو ذكر - الله - سبحانه وتعالى. فهذا مناسب بين السورتين والعلم عند الله تبارك وتعالى.
{ ﱋ ﱌ }
قالوا هنا في المختصر ( " الرحمن"؛ أي : ذو الرحمة الواسعة. فهو الرحمن بذاته. - " الرحيم" أي : ذو الرحمة الواصلة. فهو يرحم برحمته من شاء من خلقه ومنهم المؤمنون من عباده )
1 - هذا من أمثل ما قيل في التفريق بين الاسمين، إذا الرحمن : واسع الرحمة وعلى ذلك فهي صفة ذات، الرحيم : واصل الرحمة هي صفة فعل، فرحمته واسعة ورحمته واصلة للخلق، فرحمته وسعت كل شيء وأيضا رحمته واسعة، ورحمته واصلة تصل للخلق.
2 - وبعضهم يفرقون أيضًا فيقولون : ( " الرحمن خاص الاسم عام السبب" ). يعني : الرحمن لا يطلق إلا على الله، ولذلك قالوا : لما تجهرم مسيلمة الكذاب ووسم نفسه - برحمن اليمامة - كساه الله جلباب الكذب فلا يكاد يذكر إلا ويذكر الكذب معه.
" عام السبب" يعني : أن الرحمن أعم فتشمل رحمة الدنيا، ورحمة الآخرة، أو رحمة بالمؤمنين ورحمة بالكافرين.
" وأما الرحيم فهو عام الاسم خاص السبب" عام الاسم : يطلق على غير الله كما جاء ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128) [ سورة التوبة :128 ]. في حق النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو خاص السبب : بالمؤمنين. ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128) يعني : " بالمؤمنين وحدهم"، فقالوا : رحيم خاص بالمؤمنين. هذا أيضًا من التفريق بين الاسمين الكريمين { ﱋ ﱌ }.
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2)
قالوا هنا في المختصر ( الثناء الكامل وجميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه )
هذا تفسير { ﱆ ﱇ }، يعني هم يفسرون { ﱆ ﱇ } بـ
1 - ( الثناء الكامل وجميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه ) إذ هو رب كل شيء وخالقه ومدبره سبحانه وتعالى.
2 - وتفسير الحمد بـ ( الثناء ) أيضًا يقال هذا محل نظر، الثناء هناك فرق بينه وبين الحمد، فالثناء هو : تكرار الحمد؛ إذا هو حمد بعد حمد يقال له : ثناء، ولذلك في الحديث الذي سبق ذكره ( ( إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين قال الله : حمدني عبدي، وإذا قال : الرحمن الرحيم قال : أثنى علي عبدي ) فقالوا الثناء تكرار، ومنه أصل المادة التثنية.
• فنقول هنا قالوا في المختصر : ( الثناء الكامل... ) لكن أخذوه بمعنى أن الحمد أي : ( الثناء الكامل وجميع المحامد لله سبحانه وتعالى وحده، دون من سواه )
3 - وبعضهم فسر الحمد فقال الحمد : ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه. إذا معنى الحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه، وأيضا هو : وصفه المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
هذا معنى حمد الله سبحانه وتعالى.
والله يحمد لإنعامه، ويحمد لكماله؛ فالحمد لكمال الله والحمد لإنعام الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2)
قالوا هنا في المختصر (إذ هو رب كل شيء وخالقه ومدبره) إذا من معاني الرب: الخالق والمدبر، إذا ما معنى {ﱈ ﱉ} يعني: الخالق والمدبر. وأيضا من معاني الرب ما يدل على معنى الإصلاح. ومنه في الحديث ((هل لك عليه من نعمة تربها عليه)) فالرب يأتي بمعنى المصلح لشؤون الخلق سبحانه وتعالى، فهو مربيهم ومنه التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله بالتدريج شيئًا فشيئا، فهو يربيهم بنعمه، (ويربيهم بنعمه): ما يتعلق بالناحية الدينية والناحية المادية ما يتعلق بصلاح دينهم، وصلاح أبدانهم وأموالهم وما إلى ذلك، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يغفل هذا النوع العظيم من التربية أن يربيك الله عز وجل بأن يقربك منه، فكما أن الله يغذوك أو يغذيك بالطعام والشراب، فهو سبحانه وتعالى يربينا بتشريعاته، بكتابه بإرساله الرسل على أنبيائه ورسله.
قالوا في المختصر (و “ العالمون “ جمع “ عالم “ وهم كل ما سوى الله تعالى)، وإذا أعرضنا صفحا -عن الخلاف الموجود في العالمين وما يتعلق بذلك، والتعبير بكلمة (العالمين) وأصل الاشتقاق، وما إلى ذلك من تفصيلات معروفة في التفسير -فإننا يمكن لنا أن نفسر آية رب العالمين بموضع آخر في القرآن ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ (الشعراء: 23-24) [سورة الشعراء:23 -24].؛ فيكون هذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.
إذا؛ إذا قيل لنا: ما المراد بـ {ﱈ ﱉ}؟ نقول من باب (تفسير القرآن بالقرآن) {ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨﱩ} إذا ما المراد بالعالمين؟: السماوات والأرض وما بينهما. بدليل آية (سورة الشعراء)، هذا من تفسير القرآن بالقرآن.
وقالوا أيضًا: لأن الخلق علامة على وجود الخالق سبحانه وتعالى.
فيا عجبا كيف يعصى الإله......... أم كيف يجحده الجاحد
وفـي كـــل شيء لـــــه آيـــة.......... تــدل عـــلى أنه الواحد
{ﱋ ﱌ}
قالوا في المختصر في قوله سبحانه وتعالى {ﱋ ﱌ} (ثناء على الله تعالى بعد حمده في الآية السابقة) ويشهد لهذا في الحديث (أثنى علي عبدي)، فهم توجهوا بما ورد في الحديث.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6)
قالوا في المختصر (تمجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما في القيامة، حيث لا تملك نفس لنفس شيئًا في يوم الدين، يوم الجزاء والحساب)
وهذا يشهد له ما في الحديث ((مجدني عبدي))، وفي لفظ ((فوض إلي عبدي)) هذا من محاسن ما ذكروه هنا أنهم لفتوا النظر إلى ما ورد في الحديث القدسي. (بأنه المالك لكل ما في القيامة) ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6)
أيضًا هنا مسألة ما معنى {ﱐ}؟ نقول أيضًا من باب تفسير القرآن بالقرآن، جاء في سورة الإنفطار بيان ذلك ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ (الانفطار: 17-19) [سورة الانفطار:17 -19].
ولذلك مما يحسن بك في التفسير أنك حينما تقرأ آية أو كلمة تنظر إلى نظائرها في القرآن الكريم؛ فربما جاءت في موضع خفية، وجاءت في موضع بينة أو أكثر بيانا منها.
ولذلك قالوا “ ما اختصر في موضع، فقد بسط في موضع، وما أجمل في موضع، فقد بين في موضع آخر “
{ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ}
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ (الفاتحة: 2-4) هذا كله حديث عن من؟ عن الله سبحانه وتعالى -عن المقصود الأعظم -وهو التعريف بالله.
وبعض العلماء حصر كل مقاصد القرآن في هذا المقصود!! لأن معرفة الطريق راجع إلى معرفته، ومعرفة الجزاء راجع إليه، لذلك لو قيل لك: أحصر مقاصد القرآن في مقصود واحد؟
فيقال “ تعريف الخلق بالخالق “، تعريف الخلق بالخالق سبحانه وتعالى، ودعوتهم إلى عبادته. {ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ}
قالوا في المختصر (نخصك وحدك بأنواع العبادة والطاعة، فلا نشرك معك غيرك، ومنك وحدك نطلب العون في كل شؤوننا، فبيدك الخير كله، ولا معين سواك).
(نخصك وحدك بأنواع العبادة والطاعة) من أين أخذنا هذا؟ هذا تقدم معنا مرارا في التفسير، من تقديم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه في التأخير يفيد الحصر، لم يقل: (ربنا نعبدك)؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال {ﱒ ﱓ} إذا هذا اسمه أسلوب حصر، لماذا؟
لأنه {ﱒ} مفعول به مقدم حقه التأخير؛ لكنه تقدم فأفاد الحصر، ما معنى الحصر؟: “ إثبات الشيء أو الحكم للشيء ونفيه عما عداه “ فهنا إثبات أن العبادة لله وحده ونفيها عما سواه أو عمن سواه، يعني: نخصك بالعبادة وحدك، فهو سبحانه وتعالى الذي يخص بالعبادة.
هنا لفتة يسيرة وهي: أن قوله {ﱒ ﱓ} فيه أسلوب التفات، كما صرح بذلك كثير من أهل التفسير. بمعنى أنت حينما تقرأ {ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ} كان المتوقع أن يقال “ إياه نعبد “؛ لأنه حديث عن الله بضمير الغيبة أو بما هو في معنى الغيبة، ثم جاء الحديث {ﱒ ﱓ} فبعد أن كان الحديث عن الله صار التوجه إليه على أنك تخاطبه، فتحول الأمر من الغيبة إلى الخطاب، هذا يسمى بأسلوب الالتفات، وهذا فيه إثارة للذهن، وتنشيط له.
وفيه أيضًا: أن العبد لما أثنى على الله استشعر القرب من الله فحينئذ استلذ بمناجاة الله فأقبل على الله قائلا {ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ}.
ومن لطيف ما يذكر في سورة الفاتحة -وإن لـم نذكره في بادئ السورة -ولكنه جليل جدًا -أنك حينما تقرأ القرآن الكريم تجد القرآن الكريم كله على قسمين:
١ -سورة الفاتحة تمثل قسما منفردا. ٢ -والقرآن كله يمثل القسم الثاني.
القرآن كله من أول البقرة إلى الناس تجد أنه حديث من الله إلى الخلق، حتى حينما يذكر الله كلاما لبعض الأنبياء والرسل، لكنه حديث بادئ من الله ﴿الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 1-2) [سورة البقرة:1 -2]. لكن حينما تقرأ الفاتحة من أولها إلى آخرها: من مقول الخلق إلى الله، يعني الخلق هم الذين يتوجهون بالخطاب، كأن سورة الفاتحة رسالة صاعدة من الخلق إلى الله، -هي رسالة الله -لكن الله سبحانه وتعالى جعلها على لسان خلقه، كأن الخلق هم الذين يقولون {ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ}
توجه من الخلق، وهذا حمل بعض المفسرين على أن يقدروا فقالوا قبل ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) قولوا: الحمد لله، ولا شك أيضًا -أننا مطالبون -بأن نقول، لكن هذا يغنينا عنه ما تقدم ذكره والعلم عند الله، وربنا أثنى على نفسه، ونحن مأمورون بذلك، فهذا أيضًا من لطائف سورة الفاتحة.
{ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ}
قالوا في المختصر: أي (ومنك وحدك نطلب العون) ومنك وحدك أيضًا، من أين أخذنا ذلك؟ من قوله {ﱒ} تقديم ما حقه التأخير في قوله {ﱒ}، وأفرد الاستعانة عن العبادة مع أنَّ الاستعانة نوع من أنواع العبادة؛ للدلالة على جليل شأنها {ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ}
مضى معنا في أكثر من مرة، وفي أكثر من درس ولقاء في المجالس السابقة:
أن الله لما قال {ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ} قرن بين -العبادة -بين الأمر بالعبادة والاستعانة أو التوكل، وقلنا هناك آيات كثيرة فيها الاقتران بين الأمر بالعبادة، والأمر بالاستعانة.
فأيضا من باب تأكيد المعلومة السؤال الثاني في هذا الدرس: -اذكروا لنا آيات تدل على اقتران العبادة بالاستعانة في القرآن الكريم أو الجمع بين الأمر بالعبادة والتوكل في القرآن الكريم. أي من أدلة القرآن الكريم؟
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 5-7)
طبعًا ذكر العبادة، ومعنى الاستعانة، وأنواع الاستعانات، كل هذا.... لكنه كلام معروف وطويل وله مقامات أخرى، وعطف الاستعانة على العبادة، وتقديم العبادة على الاستعانة، هذا كله مما يذكره العلماء في لطائف الآية الكريمة.
وبعض العلماء قال: إن القرآن كله كما أنه مجموع في سورة الفاتحة -مقاصد القرآن في سورة الفاتحة -قالوا خلاصتها في {ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ} أيضًا فأرجعوا هذا إلى ذلك.
وبناء عليه نصب بعض كتبهم على ذلك، على ما ذهب إليه الهروي في كتاب “ منازل السائرين إلى رب العالمين “ ثم عقبه أو شرحه ابن القيم في كتاب “ مدارج السالكين بين منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ “.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 6-7)
ما معنى اهدنا؟
قالوا في المختصر (دلنا إلى الصراط المستقيم، واسلك بنا فيه، وثبتنا عليه، وزدنا هدى).
هذا جميل ورائع، ومعان متتابعة ومتكاملة. تأمل (دلنا إلى) الآية ما جاء فيها (إلى)! ما قال “ اهدنا إلى الصراط “!؛ مع أنَّ هذا موجود. ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [سورة الشورى:52]. يعني هذا موجود. الهداية تتعدى بـ (إلى)، وتتعدى باللام، وتتعدى بنفسها. ولكل معنى ومقصود، لكن هنا قالوا (دلنا إلى الصراط) لأن هذا هو البداية، أن تتجه إلى الإسلام.
إذا عندنا الهداية مراتب:
1 -أول مرحلة أن تهدى إلى الحق، إذا (هداية إليه، وأن تكون مخلصا فيه) فتهدى له.
2 -ثم أيضًا بعد ذلك قالوا في المختصر (واسلك بنا فيه): يعني أنت وصلت إلى المكان، دخلت إلى الإسلام تستمر في الإسلام، إذا (واسلك بنا فيه) فالهداية هنا علمية وعملية.
3 -(وثبتنا عليه وزدنا هدى): وهذا معنى جليل، إذا أنت وصلت إليه وسلكت وثبت عليه.
• ولذلك يقال: كيف يأمر الله عباده المؤمنين بالهداية وقد هدوا؟ فيقال:
1 -هم يحتاجون إلى الثبات 2 -وإلى ازدياد. 3 -وأيضا ما خفي عليهم أكثر مما علموه.
فمن أحاط بكل أبواب الهدايات علما أو عملا!!
إذا الجميع يحتاج إلى هذا، ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من أصحابه هذه الأدعية، علم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ “ اللهم اهدني وسددني “ وعلم الحسن بن علي رضي الله عنهما في دعاء الوتر ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ “ اللهم اهدني فيمن هديت “ وهكذا.
فقالوا في المختصر: (دلنا إلى الصراط المستقيم، وثبتنا عليه، وزدنا هدى)، وكلمة (زدنا هدى) جملة (زدنا هدى) أي: زدنا علما وعملا يشمل المعنيين، وتوبة إلى الله لأن من معاني الهداية التوبة إلى الله، لأن الإنسان قد يقع منه خطأ وخلل فيراجع ويتوب، إذا يزداد بالطاعة، يزداد في الطاعة ويتدارك ما فاته ويتوب عما وقع منه، هذا كله من معاني الهداية.
إذا لا يرد إشكال ويقال: كيف يطلب المؤمنون الهداية وهم مهتدون؟
فالجواب عن ذلك بعدة أجوبة:
1 -بأن الهداية مراتب ولا يخلو واحد من العباد من حاجته إلى بعض هذه المراتب، ثم إن الهداية تأتي بمعنى الازدياد منها والثبات عليها وما إلى ذلك.
أيضًا هنا لفتة في مسألة الهداية: سورة الفاتحة كما تقدم حوت مجمل مقاصد القرآن، والدعاء الذي ورد فيها سؤال الله الهداية! إذا أعظم الأدعية التي تدعو بها، وأجل الأدعية التي تدعو بها الدعاء بتحصيل الهداية -الهداية التامة -أي: الهداية التي تخلو أو التي تنأى بك عن اتباع صراط المنحرفين على اختلاف طرقهم، وتنوع أشكالهم والوإنهم، وأيضا من أعظم ما يعطاه العبد لما يعطى العبد الهداية.
فإذا هداك الله فتلك نعمة عظيمة. نسأل الله أن يهدينا، وأن يثبتنا على الهدى.
قالوا في المختصر (والصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام الذي أرسل الله به محمدا صلى الله عليه وسلم) •
الصراط المستقيم من حيث المعنى في الأصل (هو الطريق الواضح)، إذا الصراط: (الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه)، من أين أخذنا (لا اعوجاج فيه)؟ من وصفه بالاستقامة، إذا الصراط طريق واضح (لا اعوجاج فيه) أخذناها من معنى: المستقيم.
بعض العلماء يقول “ الصراط في نفسه يدل على الاستقامة “ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ذلك فـ (المستقيم) هنا: وصف كاشف، زيادة في البيان)، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الصراط فلا يشترط فيه الاستقامة فقوله المستقيم (قيد له)، فلذلك بعضهم يقول: قيد أو وصف كاشف.
إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: أن الصراط في نفسه يدل على الاستقامة فـ (المستقيم) جاءت لزيادة الإيضاح، هذا معنى وصف كاشف أو لبيان الواقع.
وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن الصراط قد يكون مستقيما، وقد لا يكون؛ فسيكون قوله (المستقيم) للاحتراز أو قيد لبيان أن المراد به صراط مستقيم. وقد قال الله ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) [سورة الأنعام:153].
قال الله ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)
قالوا هنا في المختصر (وهو الإسلام) إذا فسر الصراط بماذا؟
بالإسلام الذي أرسل به محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن الصراط: القرآن، وعندنا في هذا الباب حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه ((ضرب الله مثلًا صراطا مستقيما)) الحديث، وهو من الأحاديث الظاهرة في معنى هذا الصراط.
• على أن تعبيرات العلماء التي وردت عنهم في تفسير الصراط المستقيم كما قالوا (بينها تلازم) الذي يفسر الصراط بأنه القرآن، أو بأنه الإسلام أو بأنه اتباع النبي عليه الصلاة والسلام.
آتي بهم التلازم؛ لأن الإسلام يدعو إلى اتباع القرآن، والقرآن باتباعه اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)
قالوا في المختصر (طريق ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من عبادك بهدايتهم) أنعمت عليهم بماذا؟ بهدايتهم! أعظم النعم هنا: الهداية في ذلك، لأنه المنصوص عليها سابقا، فعرفنا أن أنعمت عليهم الإنعام هنا إنعام بالهداية. يشهد له أمران: 1 -الأمر الأول أنه مذكور قبل في ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) 2 -والثاني: أنه مذكور بعد في الاستثناء ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) والمغضوب عليهم والضالون غير مهديين.
إذا أنت تطلب أن تكون في سبيل، أو في سلك هؤلاء المهتدين. قالوا هنا في المختصر ((كالنبيين وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رفيقا)).
إذًا هم فسروا ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 41) بهؤلاء أو أن هؤلاء منهم -وهذا أيضًا داخل في تفسير القرآن بالقرآن -إذا نستطيع أن نقول من خلال ما أخذنا ما دليل ذلك؟
أولا: قوله سبحانه ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) [سورة النساء:69]. فقال ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) ثم جاء التفسير، جاء البيان: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) ولذلك بإمكاننا أن نسأل سؤالا مما شرح ليس خارجا عما شرح، أذكر لنا ثلاثة مواضع في سورة الفاتحة تدخل في تفسير القرآن بالقرآن. من خلال السورة نفسها.
قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)
إذا ما معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) يعني (الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه) وانصرفوا عنه، إذا تركوا الحق عنادا كاليهود.
وغير الضالين قال ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) قالوا في المختصر (وغير طريق الضالين عن الحق الذين لم يهتدوا إليه لتفريطهم في طلب الحق والاهتداء إليه كالنصارى).
الضالون: من انصرف عن الحق بسبب جهله وتفريطه، هذا هو الضال كالنصارى، جاء
، (فسر ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باليهود، وفسر ولا الضالين بالنصارى) فحينئذ قد يقول قائل: أليس هذا تفسيرا نبويا؟ نقول: بلى، هو تفسير نبوي؛ لكن كثيرًا من العلماء قالوا هذا التفسير النبوي ليس تخصيصا للعام يعني قوله {ﱟ ﱠ ﱡ} حينما H1.
إذا {ﱟ ﱠ ﱡ} من انصرف عن الحق عنادا، ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) من انصرف عن الحق جهلا وتفريطا.
{ﱟ ﱠ ﱡ} من أظهر من كان على هذه الشاكلة؟ اليهود، ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) من أظهر من كان على هذا النصارى.
ولا يمنع أن يلحق بهم من كان على منوالهم، ولذلك قال سفيان (من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى).
(من فسد من علمائنا): لأنه يترك الحق، وهو يعلم، إذا فيه شبه بالمغضوب عليهم، نسأل الله السلامة.
(ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى): ويكون جاهلا يعبد ربه على جهالة لا على بصيرة ففيه شبه بالنصارى. وهذا فيه فائدة وهي أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قد يفسر آية ويكون تفسيره لها من باب البيان بالمثال.
وقد سبق ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفسير جزء عم، سبق لنا الحديث عن ذلك في أثناء تفسير سورة من السور فلتبين لنا هذه السورة. فالسؤال المطروح ما هذه السورة؟ أو ما هذه الآية؟ يعني أنا أسهل المسألة ما هذه الآية؟ التي ورد فيها هذا الكلام، وهي أن التفسير النبوي قد يكون من قبيل التفسير بالمثال.
{ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ} هذا فيه أيضًا معنى لطيف وهو أن أسباب الانصراف عن الحق، سببان رئيسان العناد والجهل؛ (العناد والجهل)؛ وأن طريق الهداية يحصل أيضًا بأمرين مقابلين: العلم والعمل؛ لأن العناد هذا في مقابلة علم، فمعناه انكسار واستسلام وامتثال لما علم الإنسان، ويتأتى بالعلم الذي يصحبه العمل الصالح.
﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) في مقابلته العلم هم جهلوا، فلم يعلموا ﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) عاندوا، ولم يعملوا.
فإذا هذا فيه أن العبد الصالح تتحقق له الهداية بالعلم النافع والعمل الصالح، وهذا معنى أيضًا ﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) [سورة ص:45]. أولى الأيدي: في تنفيذ الحق، والعمل بالعلم، والأبصار في معرفة الحق. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
افتتح الله تعالى كتابه بالبسملة ليرشد عباده أن يبدؤوا أعمالهم وأقوالهم بها طلبا لعونه وتوفيقه:. وهنا أحسنوا إذا قالوا (افتتح الله تعالى كتابه) ولم يقولوا افتتح الله سورة الفاتحة خروجا من الخلاف، فهل البسملة آية مستقلة أم من الفاتحة؟
قولان: تقدم البيان أو الإشارة إلى ذلك، لكن بإجماعهم البسملة في بداية القرآن الكريم حتى من يرى الإسرار بها أو الجهر بها، فهذا يدل على أننا نبدأ أعمالنا بالبسملة، ولذلك كثير من الأعمال يبدأ فيها أو يشرع فيها البدء بالبسملة. ولذلك حينما يقال لماذا نبدأ بالبسملة؟ حينما يأتي شارح من الشراح لكتاب علمي فيجد أن المصنف بدأ بالبسملة، فيقال اقتداء بالكتاب العزيز يعني أقتدي بالقرآن الكريم حيث بدأ بالبسملة، ثم يقولون (وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم المروي عنه (كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر أو أقطع) ولكن الحديث على الراجح ضعيف، فيه كلام -وإن حسنه بعض العلماء -الأقوى من هذا أن يقال: اقتداءً بالسنة الفعلية؛ لأنه ثبت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) إذا ثبت هذا أيضًا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
حتى لو لم يثبت في الحديث (كل أمر.....) وإن كان بعضهم قد جمع الحديث بعد فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
لكن هنا أيضًا لفتة وهي أن هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل: لأن بعض الناس قد ينحو منحى آخر، وهو أنه يبدأ في العبادات التي شرع لها بدء خاص بالبسملة، وهذا لا يصح؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هذا في الأحكام العامة، أما ما شرع له البدء بشيء معين فإنه يبدأ به -بهذا الشيء المعين -لذلك دعونا نوضح ذلك عن طريق مثال: الصلاة. فقد ثبت H2. نقول -لا -لا تفعل هذا. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن تحريم الصلاة التكبير؛ فالتكبير هو الأول في هذا الباب. وكذلك في الأذان؛ فإنه -لا -يبدأ بالبسملة وهكذا. هذه قاعدة في هذا الباب.
من هدي عباد الله الصالحين في الدعاء البدء بتمجيد الله والثناء عليه سبحانه ثم ليشرع في الطلب: وهذا حسن، وهذا من آداب الدعاء أيضًا، ولذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ألَّا يعجل الإنسان في دعائه، ولكن فليبدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم -وألا يكون عجلا في دعائه -فيشهد لهذا: (الآية)، وما جاء في أحاديث أو ما جاء في سورة الفاتحة وما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
لذلك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقول المؤمن ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) ماذا قال؟ أثنى على الله ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) والثناء داخل في الدعاء؛ ولذلك ورد في الحديث الذي حسنه بعضهم عند الترمذي وغيره ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله) فجعل (الحمد لله) دعاء؛ لأنه ثناء على الله فهو يتضمن أيضًا الدعاء.
فإذا يبدأ الإنسان بالثناء بعد ذلك يتبعه بالدعاء على أن هذا ليس بلازم؛ لكنه مستحب وهو الأفضل، وفي بعض المقامات إذا ضاق المقام؛ فإنه يبدأ بالدعاء أو يشرع في الدعاء مباشرة كما ورد في أحاديث كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام وهذا وجه الجمع بين الأمرين.
تحذير المسلمين من التقصير في طلب الحق كالنصارى الضالين، أو عدم العمل بالحق الذي عرفوه كاليهود المغضوب عليهم: وهذا واضح من قوله {ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ} إذا عليهم أن يعلموا، وأن يعملوا.
دلت السورة على أن كمال الإيمان يكون بإخلاص العبادة لله تعالى وطلب العون منه وحده دون سواه.
من أين آتينا بمعنى الإخلاص؟ من تقديم ما حقه التأخير وهو الحصر {ﱒ ﱓ} يعني نخلص العبادة لك وحدك، وأيضا {ﱔ ﱕ} أي: نستعين بك وحدك، فـ (وحدك) التي جاءت من تقديم ما حقه التأخير هي التي دلت على معنى الإخلاص، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
هذا غيض من فيض مما يتعلق بسورة الفاتحة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، ولذلك حقيق بنا ونحن نقرأ هذه السورة الجليلة، ونحن نرددها في صلاتنا وفي غير صلاتنا، أن نتأملها، وأن نتفهم معانيها، وهذا عظيم جدًا، ولهذا السر -والعلم عند الله -ولغيره من الأسرار. شرع لنا أن نقرأها في كل ركعة من صلواتنا، حتى نستذكر هذه المعاني الجليلة، وغيرها كثير. ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
بعد هذا ننتقل إلى ما تيسر من صدر سورة البقرة.