مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 245 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الثّقة المطلقة في نفي الرّيب دليل على أنّه من عند الله؛ إذ لا يمكن لمخلوق أن يدّعي ذلك في كلامه.

مرادهم بذلك أنّ الله - -قال ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) هكذا بالأسلوب الواضح الجليّ به. والإنسان منّا حينما يتكلّم في هذه الحياة، فإنّه يحترز لنفسه؛ خوفًا من أن يجد خصمًا يردّ عليه؛ أو يبيّن خطأ في كلامه؛ أمّا ربّ العزّة - سبحانه -؛ فلأنّه العليم الحكيم قال ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) لأنّه لا يمكن لمخلوق أن يوجد، أو أن يقع على خطأٍ في كلام الخالق . فقال هنا ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) وسيأتينا بإذن الله بعد ذلك ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ (البقرة: 23) فهناك جاء أسلوب التّعجيز والتّحدّي فهو جزم بأنّه لا ريب في كتابه وتحدّاهم وبيّن عجزهم وكلّ هذا دليلٌ على أنّ القرآن من عند الله. ليس لمخلوقٍ فيه شيء إلّا التّبليغ فمهمّة جبريل عليه السلام التّبليغ ومهمّة رسولنا محمّد -‘ - التّبليغ

لا ينتفع بما في القرآن الكريم من الهدايات العظيمة إلّا المتّقون لله تعالى المعظّمون له.

وذلك لأنّ الله قال ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) ولذلك إذا قال قائل إنّ ربّ العزّة قال في شأن القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185) فبيّن أنّ القرآن هدًى للنّاس وهنا قال ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) فيقال القرآن هدًى لجميع النّاس من حيث الدّلالة فهو دال لهم على الصّراط المستقيم، وأمّا المتّقون فإنّه يدلّهم وهم منتفعون به فينتقلون من دلالة البيان إلى دلالة العمل والتّطبيق وذلك بتوفيق الله سبحانه لهم، فخصّ المتّقون بذلك لأنّهم المنتفعون بهذه الهداية، كقوله ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق: 45) مع أنّ القرآن يذكر به جميع النّاس، لكنّ الّذي ينتفع بذلك هو من يخاف الوعيد. وهكذا.

من أعظم مراتب الإيمان الإيمان بالغيب؛ لأنّه يتضمّن التّسليم لله تعالى في كلّ ما تفرد بعلمه من الغيب، ولرسوله بما أخبر عنه سبحانه.

ولذلك ذكرت كصفةٍ أولى؛ هي الصّفة الأولى الّتي ذكرها الله في صفاتٍ المتّقين هنا فقال ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3).

كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصّلاة والزّكاة؛ لأنّ الصّلاة إخلاص للمعبود، والزّكاة إحسان للعبيد، وهما عنوان السّعادة والنّجاة. هذه فائدةٌ ثمينةٌ وجليلةٌ وقد تقدّم بيانها مرارًا.

الإيمان بالله تعالى وعمل الصّالحات يورثان الهداية والتّوفيق في الدّنيا، والفوز والفلاح في الأخرى.

الإيمان قال ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3) هذا إيمانٌ وعملوا الصّالحات قال ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3) وعاد إلى الإيمان فقال ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ إذا صفات المتّقين جمعت بين الإيمان والعمل الصّالح، وهؤلاء حينما يؤمنون بالغيب ويعملون الصّالحات فإنّ هذا يورثهم الهداية والتّوفيق في الدّنيا، لذلك في أوّل الآيات ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) وفي الختام قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (البقرة: 5) والفوز والفلاح في الأخرى قال ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5).

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6)

قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) بعد أن حدّثنا الله عن الكتاب، وبيّن لنا صفات المنتفعين بهذا الكتاب وهم أهل التّقوى اتّبع الله ذلك بالحديث عن الكفّار على اختلاف أنواعهم.

فهناك كفّار خالصون في كفرهم، أيٌّ : كافرون في الظّاهر والباطن، وهم الّذين قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) وهناك من يظهر شيئًا ويبطن خلافه فيظهر الإيمان ويبطن الكفر. فهو في حقيقة الأمر كافر : وهم أهل النّفاق، وهم الّذين قال الله عنهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ هذا وجه المناسبة بين هذه الآيات والآيات السابقة، بعد أن حدّثنا الله عن المتّقين المؤمنين حدّثنا عن الكافرين (فحدّثنا عن المشركين وعن المنافقين ).

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) يعني : سواء عليهم إنذارك، وعدم إنذارك. فقوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) تؤوّل بمصدرٍ، أي : سواءٌ عليهم إنذارك وعدم إنذارك، ويقال لها همزة التّسوية وتأتي مع سواءً.

إشكال وجوابه في قوله تعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6)

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) هم مستمرّون في كفرهم وطغيانهم فلا يؤمنون بالله - - وهنا قد يأتي إشكال في فهم الآية الكريمة وأمثالها وذلك أنّ القارئ يقرأها فيقول إنّ الله حكم بأنّ الكفّار لا يؤمنون ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) مع أنّنا نرى بعض الكفّار آمنوا ودخلوا في دين الله فكيف هذا والآية تقول ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6)

فيقال الجواب عن ذلك: -

1 - إمّا أن يقال إنّ المراد بهؤلاء الكفّار كفّار معيّنون من أمثال أبي لهب وأبي جهل وأمثالهم ممّن ختم الله على قلبه واستمرّ على الكفر إلى أنّ مات على ذلك، إذًا نقول هذا عامٌّ أريد به الخصوص فقالوا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 6) ليس المراد بذلك جميع الكفّار، وإنّما المراد به الطّائفة الّتي تستمرّ في الطّغيان والعدوان والكفران، فهؤلاء هم الّذين قال الله فيهم ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) وكذلك في قوله ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 264) وأمثال ذلك من الآيات.

2 - أو أن يقال إنّ معنى الآية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) ما داموا على كفرهم. أي ما داموا على كفرهم فالإنذار لا ينتفعون به، فإذا قضى الله لهم وقدّر أن يكونوا من المهتدين زال عنهم الكفر إذًا هذا وصف لهم وقت الكفر، هذا جوابان مشهوران يذكرهما أهل العلم في أمثال هذه الآية قال الله ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) قد يسأل سائلٌ ويقول وما السّبب؟

﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7)

إذنٌ ممكنٌ أن نقول إنّ هذا هو السّبب لماذا لا ينتفعون بالإنذار لماذا إنذار النّبيّ – ‘ – وعدم إنذاره سواءٌ عندهم؟ لأنّ الله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: 7) فلا ينتفعون، ﴿وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ فلا ينتفعون بما يسمعون ﴿وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ (البقرة: 7) فلا ينتفعون بما يبصرون. كما قال ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) وقال في الأخرى ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171).

﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: 7) أي : طبع الله على قلوبهم؛ ولكن ما ظلمهم كما قال الله ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5) ولذلك قوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: 7) تدلّ على إثبات القدر ولكنّنا نقول في باب القدر ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والله لا يظلم أحدًا ﴿وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ هم يسمعون؛ لكن لا يسمعون الحقّ أي : لا يستجيبون له، ولا ينتفعون به؛ فالسّماع المنفيّ المراد به : - السّماع للحقّ والانتفاع به، أي : لا يسمعون سماعًا ينتفعون به ولا يبصرون بصرًا ينتفعون به لذلك، قالوا هنا في المختصر (وطبع على سمعهم فلا يسمعون الحقّ سماع قبولٍ وانقيادٍ، وجعل على أبصارهم غطاءً فلا يبصرون الحقّ مع وضوحه ) وهنا جعلوا قوله ﴿وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ (البقرة: 7) مستقلًّا عن قوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة: 7) فيكون قوله ﴿عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة: 7) متعلّقًا بالختم.

وأمّا الأبصار فعليها غشاوة، ويشهد لهذا ما تقدّم في سورة الجاثية في قوله ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23).

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) فلمّا ذكر السّمع والقلب ذكر الختم، ولمّـا ذكر البصر قال ﴿عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ﴾.

قال ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7) فهذا جزاؤهم في الآخرة.

ثمّ قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾

قالوا هنا في المختصر (ولما بيّن الله صفاتٍ الكافرين الّذين فسد ظاهرهم وباطنهم؛ بين صفاتٍ المنافقين الّذين فسد باطنهم وصلح ظاهرهم فيما يبدو للنّاس )

إذا ربّنا ذكر حال الصّالحين في الظّاهر والباطن : وهم أهل التّقوى.

وذكر حال الفاسدين في الظّاهر والباطن : وهم الكفّار.

ثمّ ذكر حال من صلح ظاهرهم وفسد باطنهم : وهم أهل النّفاق.

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقد ذكر الله الكفّار في آيتين.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 6) والآية الّتي بعدها ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: 7) وأمّا المنافقون فأفاض بعض الشّيء فيما يتعلّق بصفاتهم لأنّ أمرهم أخطر.

وقد قرر أهل العلم أن النفاق إنّما يظهر عند قوّة الإسلام والمسلمين، فيستتر المنافق ويظهر خلاف ما يبطن فيكون ضرره غير واضحٍ ويكون عدوًّا غير مظهر عداوته فيكون الاحتراز منه أولى والاعتناء ببيان خطره أهمّ لذلك جاء التّحذير من النّفاق والمنافقين في مواضع كثيرةٍ من كتاب الله وهناك سورةٌ كاملةٌ تسمّى بسورة المنافقون أو المنافقين كما تقدّم تفسيرها بفضل الله.

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ هم قالوا آمنا؛ لكن ليسوا بصادقين في الإيمان

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9)

هذا من دلائل عدم إيمانهم! أنّهم يقصدون المخادعة فليسوا صادقين في الإيمان!

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9) يعني يحاولون الخداع، يعملون عملاً المخادع؛ لكنّهم لا يتمكّنون من هذا الخداع. كما قال الله أيضًا ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 142) [سورة النساء:142].

لذلك قالوا هنا في المختصر : (يعتقدون لجهلهم أنّهم يخادعون الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر ) فهم يقولون نحن سنظهر الإيمان وحينئذٍ ستسلّم أموالنا وأنفسنا، ولن يعتدي على أموالنا ولا على أبنائنا؛ بل سنغنم مع المسلمين، وسنعيش في أمان وسلامة مع أنّهم يبطنون الكفر، والله مطّلعٌ على السّرائر، ومن كرم الله أن قرن المؤمنين به فقال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 9) لم يقل يخادعون الّذين آمنوا (فقط )، فهمٌ حينما خادعوا المؤمنين كأنّما خادعوا الله وهذا لا يمكن؛ وبناء عليه فليستبشر أهل الإيمان، وليعلموا أنّ هذا الخداع ليس بنائلٍ منهم – بإذن الله – لأنّ الله معهم.

﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ (البقرة: 9) أي : ضرر الخداع يعود عليهم هم ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9)

﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10)

ما السّبب؟ يعني تستطيع أن تقول إنّها جملةٌ تعليليّةٌ، ما سبّب هذه المخادعة منهم؟ المرض الّذي في قلوبهم، والشك والتذبذب، وعدم الثّبات ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ (البقرة: 10).

وأمراض القلوب على نوعين فهناك أمراض شهوات وأمراض شبهاتٍ، ومرض النّفاق مرض شبهةٍ، وقد يتعلّق به أيضًا مرض الشّهوة، حيث إنّ الشّبهات تحمّل الإنسان على الضّعف في الإرادة والعزيمة فيجتمع لديه المرضان نسأل الله السّلامة.

﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) الباء في قوله (بما ) سببيّة، أي (بسبب كذبهم على الله والنّاس وتكذيبهم لما جاء به محمّد – ‘ –)

الآية فيها ﴿بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) بسبب كذبهم دلّ هذا أنّ من صفاتٍ المنافقين الكذب وقد قال ‘ آية المنافق ثلاث (إذا حدث كذبٌ ).

قالوا هنا في المختصر (وتكذيبهم بما جاء به محمّد ‘ )؛ أمًّا التّكذيب فيستفاد من القراءة الأخرى المتواترة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) فعندنا قراءتان متواترتان ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) وهذا من فوائد معرفة القراءات فقراءة ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) تدلّ على أنّ المنافقين يكذبون، وقراءة ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) تدلّ على أنّ المنافقين يكذبون. أخذ منهم صفة التّكذيب ويكذّبون صفة الكذب ولكنّهم جمعوا بينهما من القراءة الواحدة وهي من القراءة الأخرى.

ثمّ قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11)

لم يُذكر من القائل لأنّ الدّعاة إلى الله مأمورون بالدّعوة، فقد يكون الدّاعي الرّسول -‘ - وقد يكون الدّاعي أهل الإيمان أيًّا ما كان.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 11)؟ أي : بارتكاب المعاصي، بالشّرك والكفر وارتكاب المعاصي

﴿قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11). ليس لنا غرضٌ إلّا الإصلاح.

﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 12) هكذا بهذا الأسلوب المؤكّد، والّذي فيه تنبيهٍ وفيه حصرٌ؛ كأنّه لا إفساد إلّا منكم. لم يقل (إلّا أنّهم مفسدون )، ولم يقل (إلّا أنّهم المفسدون ) ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 12) فهمٌ يدّعون أنّهم مصلحون! وهم في حقيقة الأمر : المفسدون.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 13)

أي : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 13) كما آمن الصّحابة رضي الله عنهم ﴿قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ﴾ (البقرة: 13) بهذا الأسلوب بهذا الاستفهام. قالوا هنا في المختصر (أجابوا على سبيل الاستنكار والاستهزاء. ) فعرفنا أنّ معنى الاستفهام في قوله أنؤمن ﴿قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ﴾ (البقرة: 13) أي : استنكارًا واستهزاءً، ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ (البقرة: 13) والسّفهاء خفاف العقول ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾ (البقرة: 130).

فهم يتّهمون الصّحابة - رضي الله عنهم - بأنّهم خفاف العقول، فردّ الله ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 13).

﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ (البقرة: 14)

﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 14) تأمّلوا! وإذا قيل لهم، وإذا قيل لهم، وإذا لقوا، هذه أوصافٌ وأحوالٌ لهم، بيان أخبارهم حتّى نحذّرهم ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون: 4) ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ (البقرة: 14)؟ إذا الأصل أنّهم لا يحبّون لقاء أهل الإيمان؛ لكن إن اضطرّوا ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ (البقرة: 14) كأنّها من طرف اللّسان.

﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ (البقرة: 14) خلوًّا إلى شياطينهم فهم يحبّون تلك الخلوة، ولم يقل (وإذا خلوا بشياطينهم ) وإنّما قال ﴿خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ (البقرة: 14) لذلك بعضهم يقول إنّ (خلا ) هنا تضمّن معناها الانصراف.

﴿خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ (البقرة: 14) يعني : - انصرفوا إلى شياطينهم، فيكون في هذا أسلوب تضمينٍ، أسلوب تضمينٍ وقد تقدّم التّنبيه عليه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في عدّة مناسباتٍ، من ذلك ما مرّ في قوله ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ (الإنسان: 6) ولم يقل (عينًا يشرب منها) فقلنا هناك : فيها أسلوب تضمينٍ على قول كثير من حذّاق النحويين والمفسّرين.

كذلك هنا ﴿خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ (البقرة: 14) يعني : - انصرفوا إلى شياطينهم منفردين بهم إلى شياطينهم : أي رؤسائهم ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (البقرة: 14) بالتّأكيد ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ (البقرة: 14) إيّاكم أن تظنّوا أنّنا حينما جالسنا الرّسول والصّحابة صرنا معهم موافقين لهم؛ إنّما هي جلسةٌ عابرةٌ؛ وأمّا فأنتم أصحاب المحبّة، نميل إليكم وننصرف إليكم هكذا يزعمون! ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ (البقرة: 14).

قال الله سبحانه ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: 15)

﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: 15) وهذا فيه : الجزاء من جنس العمل، وهذا الوصف وصفٌ مقيّدٌ، فهنا مدحٌ في مقام مدحٍ؛ لأنّه في مقابلة هؤلاء المستهزئين أو مستهزئٍ بهؤلاء لأنّهم يستهزئون بأهل الإيمان، فيكون هذا من قبيل الجزاء، جزاءً لهم من جنس أعمالهم.

قالوا في المختصر (ولهذا أجرى لهم أحكام المسلمين في الدّنيا وإن في الآخرة سيجازيهم على كفرهم ونفاقهم ) في الدّنيا سلّمت نفوسهم وسلّمت أموالهم؛ لكن يوم القيامة يكونون من أهل النّار. نسأل الله السّلامة

﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ (الحديد: 13) (سورة الحديد).

فإذا ربّنا - - هو الّذي استهزأ بهم، وبيّن بطلان صنيعهم قال ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: 15).

﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾

أي : (يزيدهم ).

وهم فسّروها بـــ (يمهلهم )

بعض العلماء يفسّر ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يزيدهم، وبعضهم يقول : يمهلهم، كما قال الله ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) [سورة آل عمران:178].

﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: 15) أي : حائرين متردّدين

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: 16)

تأمّلوا هذا في مقابلة ما مضى في جزاءٍ المتّقين هناك ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5) تأمل جزاء المتقين هناك؛ وأمّا هنا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ (البقرة: 16).

هناك ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5) وهنا ﴿ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ (البقرة: 175) تركوا الهدى، واشتروا الضّلالة.

وهذا فيه : تبكيتٌ وتوبيخٌ لهم؛ لأنّ الضّلالة - لا ينبغي أن يأخذها - الإنسان ولو كانت مجّانًا فكيف إذا اشتراها؟ هذا يدلّ على سفاهته، وليس الصّحابة هم السّفهاء؛ بل هؤلاء هم السّفهاء.

﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: 16) قالوا في التّفسير (أولئك المنافقون الموصوفون بتلك الصّفات ) 1-فجعلوا اسم الإشارة (أولئك ) يعود على المنافقين، وهذا عليه أكثر المفسّرين.

2-لكن : ذهب فريقٌ من أهل التّفسير، وروي عن بعض الصّحابة - وردت آثارٌ عن بعض الصّحابة - كابن عبّاس وابن مسعود : أنّه في الكفّار، فيكون في الكفّار عمومًا، أي : للفريقين والله ذكر الكفّار وذكر المنافقين؛ فيكون قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ (البقرة: 16) للفريقين.

ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل جزاء الكافرين تقدّم في قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7) والعلم عند الله.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

أنّ من طبع الله على قلوبهم بسبب عنادهم وتكذيبهم لا تنفع معهم الآيات وإن عظمت.

ولذلك قال ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6) ثمّ ذكر السّبب، لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ قوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: 7) فيها بيان سبب عدم انتفاعهم بالإنذار

أنّ إمهال الله تعالى للظّالمين المكذّبين لم يكن عن غفلة أو عجز عنهم، بل ليزدادوا إثمًا، فتكون عقوبتهم أعظم. وذلك في قوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: 15) ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ (آل عمران: 178).

قوله تعالى ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17) ذكر الله في هذه الآيات الكريمة مثلين :

المثل الأوّل : المثل النّاريّ؛ لأنّ الله ذكر فيه النّار ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (البقرة: 17)

والمثل الثّاني : يقال له المثل المائيّ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 19) والصيِّب: المطر، هذان مثلان ضربهما الله، والسّؤال لمن ضربهما الله؟

1 - جمهور أهل التّفسير يقولون : - هذان المثلان للمنافقين، إذًا قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17) أي : - مثلٌ هؤلاء المنافقين الّذين حدّثنا الله عن بعض أوصافهم في قوله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة آية 8 وما بعدها )، إلى آخر الآيات السّابقة.

2 - وذهب بعض العلماء : إلى أنّ المثل الأوّل مثّلٌ للكفّار، والمثل الثّاني مثّلٌ للمنافقين.

وهذا عضّده الدّكتور (محمّد عبد الله دراز) في كتابه النّبأ العظيم، وله فيه كلامٌ رائعٌ جدًّا ووجهة نظرٍ قويّةٍ، والمجال لا يتّسع للإسهاب في تقرير هذا، وقد أشرت إلى طرفٍ منه في التّعليق على تفسير الجلالين.

لكنّ ننبّه إلى ذلك بما يناسب المقام، فنفهم الآية على ما ذكره جماهير أهل التّفسير كما ذكر هنا أصحاب المختصر قالوا (ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين : مثلاً ناريًّا، ومثلاً مائيًّا، فأمّا مثّلهم النّاريّ : فهم كمثل من أوقد نارًا ليستضيء بها، فلمّا سطع نورها وظنّ أنّه ينتفع بضوئها خمدت، فذهب ما فيها من إشراقٍ، وبقي ما فيها من إحراقٍ، فبقي أصحابها في ظلماتٍ لا يرون شيئًا، ولا يهتدون سبيلاً. )

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17) أي : - مثل المنافقين على هذا القول ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (البقرة: 17) ما معنى ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾؟ 1-يعني : - أوقد نارًا؛ فجعل ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17) بمعنًى : - أوقد.

2-أو طلب النّار، وبحث عنها إلى أن وصل إليها. على أن الألف والسين والتاء أو السّين والتّاء على بابها بمعنى الطّلب.

فأوقد النّار ﴿فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ﴾ (البقرة: 17) وكان بحاجةٍ إلى هذه النّار من أجل الاستدفاء، ومن أجل الإنارة، ومن أجل الرّؤية؛ ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17).

وقوله ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17) دون أن يقول (ذهب الله بنوره ) قالوا : - لأنّ المراد بذلك المعنى، فقوله ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى﴾ (البقرة: 17) بمعنى الّذين، فمعنى الآية : مثّلهم كمثل الّذين استوقدوا نارًا.

فلذلك إذا قال قائلٌ : إنّ الله قال ذهب الله بنورهم ولم يقل (بنوره وتركه )؟

فنقول لأنّ المقصود :-

كمثل الّذين استوقدوا.

أو أنّ الّذي أوقد واحدٌ؛ لكنّه أوقد لمجموعةٍ فلمّا ذهب الإشراق وبقي الإحراق، بقي على من؟ بقي على الجميع. ويشهد لهذا قوله ﴿أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ﴾ (البقرة: 17) فهو كان يحتاج إلى النّور هو ومن معه؛ وهذا معناه : أنّهم لم ينتفعوا بهذه النّار مع احتياجهم إليها، فكذلك هؤلاء المنافقون لم ينتفعوا بالقرآن ولا بالرّسول ‘، مع أنّه لا غنًى لهم عن القرآن ولا عن الرّسول ‘، وما يدعوهم إليه.

وجاء التّعبير القرآنيّ هنا ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17) دون أن يقول (ذهب الله بنارهم ) والنّار تشمل النّور، وتشمل الإحراق. فالنّار يستفاد منها في الإنارة، ويستفاد منها في الإحراق (إشراقٌ وإحراقٌ ) فلمّا قال ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17) يعني : ذهب بالإشراق وبقي الإحراق.

لما جاء النّفي هنا ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17) نفى النّور فقط؛ فبقي ما سواه من الإحراق، وهذا معنى كلامهم في المختصر (فذهب ما فيها من إشراقٍ وبقي ما فيها من إحراقٍ) فهو هنا نفى الأخصّ.

وتقدّم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ : أنّ نفي الأخصّ لا يستلزم نفي الأعمّ؛ فلمّا نفى النّور دون أن ينفي النّار، (إذًا بقي من النّار شيٌ؛ لكنّه لا ينير!! ) إذًا هو (يحرق ). إلى هذا ذهب جمهور المفسّرين.

فهذه الآية الكريمة تبيّن أنّ هؤلاء المنافقين لم ينتفعوا بهذه النّار، ولم ينتفعوا بهذا النّور، وكذلك المنافقون لـمّا دخلوا في الإسلام : دخلوا ظاهرًا؛ لكن لم ينتفعوا بهذا الإسلام، ولم ينتفعوا بالإيمان. لذلك لنا أن نقول إنّ النّار : - مثالٌ للنّور الّذي ولجوه في الظّاهر وهو الإيمان، فدخلوا الإيمان ظاهرًا لكنّهم لم ينتفعوا بهذا الإيمان. ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18)

صمٌّ لا يسمعون الحقّ سماع قبولٍ، بكم لا ينطقون به، عمّي عن إبصاره فلا يرجعون عن ضلالهم. لكنّك لو تأمّلت - أخي الكريم - الآية الكريمة ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) كأنّي بك تقرأ قوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7) فهذا هو الأنسب.

وقوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: 7) وصفٌ لمن؟ وصف للكفّار؛ وليس للمنافقين.

لذلك كما قلت هذا دفع بعض العلماء إلى أن يقول : - إنّ الآية في الكفّار؛ وليست في المنافقين. إنّما هي في الكفّار الّذين لم يدخلوا الإيمان أصلاً، ولم ينتفعوا بهذا الإيمان.

• وقالوا : إنّ الّذي ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ هو (رسول الله ) -‘ - هو الّذي أوقد تلك النّار لينتفع النّاس ﴿فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ﴾ (البقرة: 17) فدعوته بلغت هنا وهناك ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17) لم ينتفعوا بهذه النّار، ولم يقل ذهب الله بنوره. إذا الضّوء الّذي معه (‘ ) بقي معه فهو لم يزل عنه ما معه من خيرٍ.

• إنّما هم الّذين لم ينتفعوا بذلك، واستأنسوا بذلك بحديث النّبيّ - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم – (إنّما مثلي ومثّل النّاس كمثل رجلٍ ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ) وإن كان الحديث قد ورد في مقامٍ آخر؛ لكنّه يشعر بأنّ هذا يصلح في أن يمثّل به الرّسول -‘ - أو أن يفهم على هذا - والعلم عند الله - لذلك قال ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: 17)

وأيضًا لأنّه : - في الأمثال القرآنيّة - يأتي في بعض المواضع التّمثيل بشيءٍ - لكن ليس المراد به الشيء نفسه؛ وإنّما المراد : أنّه جزءٌ من القصّة :-

﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (الكهف: 45) وليس المراد بالحياة الدّنيا : أنّها ماءً؛ وإنّما يتعلّق بالماء ممّا جاء ذكره بعد ذلك.

كذلك ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (البقرة: 17) فماذا عمَّن أوقد لهم هذه النار؟ أو أوقدت لهم هذه النّار؟

فقالوا : إنّ هذا في شأن الكفّار.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 19)

﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) هنا التّمثيل للتّنويع لهم مثلٍ هذا أو هذا. عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنّهم فريقٌ واحدٌ هم أهل النّفاق.

وأيضًا يمكن أن تفسّر الآية : - على أنّها في المنافقين كما ذكر أيضًا الدّكتور دراز لكن يحمل على أمرين : -

1-وهو أنّ قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (البقرة: 17) فيه بيان لمثل الكفار فيما يتعلّق بباطنهم وهو الكفر

2-وأمّا قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 19) فيه تشبيه أو تمثيل لحالهم في الظّاهر وهو التّردّد والحيرة.

لذلك انظر إلى الآيات : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 19) هذا المطر النّافع الّذي ينزل من السّماء ينتفع به النّاس؛ لكنّ هؤلاء لم ينتفعوا ﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ (البقرة: 19) وهذا يورّث الإنسان شيئًا من الخوف والارتعاد والقلق والاضطراب، وهم كذلك مع أحكام الله ومع الوعد ومع الوعيد، المنافقون ينزعجون إذا نزلت سورةٌ خافوا منها! إذا سمعوا أنّ هناك جهادًا خافوا منه! وهكذا.

قال ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ (البقرة: 19) يجعلون أصابعهم، ولم يقل (يجعلون أناملهم )؛ إنّما قال : - أصابعهم في هذا دلالةً على شدّة الهلع، قال ﴿مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ (البقرة: 19) خوفًا من الموت ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 19)

قوله تعالى ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 20)

﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ (البقرة: 20) فإذا أضاء لهم مشوا، وإذا أظلم عليهم وقفوا في أماكنهم متحيّرين؛ ولذلك قوله هنا ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ (البقرة: 20) قالوا هنا في التّفسير (وإذا لم يضئ بقوا في الظّلام، فلم يستطيعوا التّحرّك ) إذًا ما معنى قاموا؟ بقوا في الظّلام، وليس المراد به القيام من القعود وليس المراد، دلّ على هذا السّياق أنّ المراد بقوله (قاموا ) بقوا في أماكنهم في الظّلام.

قالوا هنا في التّفسير (فكان المطر مثلاً للقرآن، وصوّت الصّواعق مثلاً لما فيه من الزّواجر وضوء البرق مثلاً لظهور الحقّ لهم أحيانًا )

من السّماء (المطر) هنا مثلاً : للقرآن، وصوت الصّواعق مثلاً لما فيه من الزّواجر.

القرآن فيه صواعق، زواجر، ما يردع، ووعيدٌ.

وضوء البرق مثلاً لظهور الحقّ أحيانًا، فأحيانًا يضيء لهم الحقّ.

ولذلك هذا مثال للمنافقين في تردّدهم، بعضهم قال : الآيات الأولى في المنافق الخالص في نفاقه، الّذي يظهر شيئًا ويبطن خلافه.

وأمّا قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 19) مثّل المنافق المتحيّر الّذي عنده تردّدٌ وتشكّكٌ.

قالوا في المختصر (وجعل سدّ الآذان من شدّة الصّواعق، مثلاً لأعراضهم عن الحقّ وعدم الاستجابة له) إذا فسّرنا الآيات بهذه الطّريقة : فيكون هذا من قبيل تفسيرٍ مفردٍ بمفردٍ.

وهناك من لا يختار هذه الطّريقة ويرى : - أنّ الأبلغ في البيان أن يكون التّشبيه مركبًا منتزعًا من الهيئة كاملةً، وليس من كلمةٍ مقابل كلمةٍ إنّما يبيّن الله هيئةً كاملةً وصورةً كاملةً لأهل النّفاق.

قال الله سبحانه ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ (البقرة: 20) تأمّلوا الفرق بين قوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ (البقرة: 20) وبين قوله هناك ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) إذًا هؤلاء خرجوا أصلاً أو لم يدخلوا الإيمان، لم يدخلوا الإيمان وإنّما هم على الكفر على هذا القول السّابق ذكره

قالوا هنا في المختصر (ووجه الشّبه بين المنافقين وأصحاب المثلين؛ هو عدم الاستفادة ) قالوا (ووجه الشّبه) لأنّنا حينما نرى تشبيهًا نبحث فيه عن (المشبّه والمشبّه به وأداة التّشبيه ووجه الشبه )

فما وجه العلاقة؟ ما العلاقة بين هذه الصّورة؟ المطر والرعد والبرق... وما يقع؟

ما علاقة هذا بأهل النّفاق؟ ووجه الشبه بين المنافقين وأصحاب المثلين؟

الجواب : - عدم الاستفادة، أو عدم الانتفاع

ففي المثل النّاريّ : لم يستفد مستوقدها غير الظّلام والإحراق.

وفي المثل المائيّ لم يستفد أصحاب المطر إلّا ما يروّعهم ويزعجهم من الرّعد والبرق.

وهكذا المنافقون لا يرون في الإسلام إلّا الشّدّة والقسوة! ) كما قالوه في المختصر.

وأمّا على تفسير من فسّرها بأنّ المراد بقوله ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (البقرة: 17) أراد به الرّسول -‘ - هو الّذي استوقد النّار فلا يعود عليه ضررًا؛ إنّما عاد عليهم هم الضّرر بقوله ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17).

ثمّ قال الله سبحانه

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21)

هذا أوّل نداءٍ في هذه السّورة المباركة، وقد تقدّم أنّ بعض أهل العلم قسّم السّورة الكريمة إلى مقاصد أو إلى أجزاءٍ : - منها خطاب الله إلى النّاس كافّةً.

ولذلك بعد حين سيأتينا النداء لبني إسرائيل ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (البقرة: 40) [سورة البقرة:40].

إذًا جاء الأول نداءً عامًّا لعموم النّاس، وهذا مناسبٌ أيضًا لما سبق لأنّ ما سبق ذكر الله الأصناف كلّها. فذكر الكفّار وذكر المتّقين وذكر المنافقين. ثمّ جاء الخطاب العامّ أو النّداء العام

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21)

وقوله ﴿ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21) أي : وحدوةً لأنّه ﴿رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ (البقرة: 21) إذا ربّنا سبحانه يجب علينا أن نوحّده لأنّه الّذي خلقنا.

لذلك قالوا : إنّ من اعتقد ربوبيّة الله لزمه أن يوحّد الله إلهًا، فتوحيد الرّبوبيّة يستلزم توحيد الإلهيّة وأنّه لا ينبغي أن يعبد إلّا الله - -

﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 22)

﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾ (البقرة: 22) قالوا في المختصر (بساطًا ممهّدًا) كما قال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ (نوح: 19) [سورة نوح:19].

﴿وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ (البقرة: 22) وهذا من فضل الله سبحانه على العباد.

﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ﴾ (البقرة: 22) وأنتم : وهذا تقبيح لصنيعهم، كيف تجعلون لله أندادًا ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنّه لا ينبغي أن يكون له ندٌّ؟

1- لذلك قالوا هنا في المختصر (وأنتم تعلمون أنّه لا خالق إلّا الله ) فإذا كان لا خالق إلّا الله، إذًا لا تصرّف العبادة إلّا له - –

2 -ومن أهل العلم من يرى أنّ قوله ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا تحتاج إلى مفعولٍ؛ بمعنى : وأنتم من ذوي العلم يعني : لديكم علمٌ بذلك، فلا ينبغي لكم أن تشركوا بالله، وقد أقيمت الحجج عليكم واتّضحت؛ لكن مع ذلك منهم من استكبر وأعرض.

﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 23)

﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ (البقرة: 23) لا تعارض بين هذه الآية وبين ما سبق في قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: 2) لأنّنا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك القرآن من حيث هو لا ينبغي أن يرتاب فيه مرتابٌ، فإنّ وقعت ريبةً فالخلل ممّن يرتاب. ولذلك جاءت هنا بقولٍ بأسلوبٍ ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ (البقرة: 23) ما المراد بعبدنا؟ الرّسول محمّد -‘.

﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ (البقرة: 23) قالوا هنا في التّفسير (وإن كنتم يا أيّها النّاس في شكّ من القرآن المنزل على عبدنا محمّد ‘ فنتحدّاكم أنّ تعارضوه بالإتيان بسورةٍ واحدةٍ مماثلةٍ له ) فرأوا أنّ الضّمير في قوله ﴿مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ (البقرة: 23) من مثلٍ القرآن يعود على القرآن وهو ما عليه الأكثرون.

﴿وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 23) قوله ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ (البقرة: 23) هذا الفعل (فأتوا ) أمر المراد به التّعجيز.

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 24)

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟﴾ (البقرة: 24) هذا تحدٍّي، ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 24)

قوّله ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟﴾ (البقرة: 24) يعني لن يتحقّق هذا لأحدٍ.

لذلك قال بعض العلماء : إن الله سبحانه سهَّل وسجَّل :-

سهّل لهم في التّحدّي ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ﴾

ومع ذلك فإنّ الله سجّل العجز عليهم ﴿وَلَن تَفْعَلُوا۟﴾.

إذاً سهّل لهم في التّحدّي فأتوا بسورةٍ واحدةٍ، ومع ذلك سجّل أنّهم لن يفعلوا!، وهذا يدلّ على صدق القرآن وأنّه من عند الله.

وقوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 24) هكذا بفعل الماضي، دلالةً على أنّ النّار مخلوقةٌ، ولذلك استدلّ بهذه الآية وأمثالها -استدلّ أهل العلم أهل السّنّة - : على أنّ النّار مخلوقةٌ؛ لأنّ الله قال ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 24).

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

أنّ الله تعالى يخذل المنافقين في أشدّ أحوالهم حاجةً وأكثرها شدّةً؛ جزاء نفاقهم وإعراضهم عن الهدى.

ولذلك قال ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17) عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنّها في المنافقين، وأيضًا في الموضع الثّاني بين الله عزّ وجلّ ذلك فقال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 20) وقال قبلها ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ (البقرة: 20)

من أعظم الأدلّة على وجوب إفراد الله بالعبادة أنّه تعالى هو الّذي خلق لنا ما في الكون وجعله مسخّرًا لنا لذلك قال ﴿ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21).

عجز الخلق عن الإتيان بمثل سورة من القرآن الكريم يدلّ على أنّه تنزيل من حكيمٍ عليمٍ

قال الله سبحانه:

﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 25)

تقدّم أنّ من عادات القرآن الكريم : الجمع بين التّرغيب والتّرهيب والوعد والوعيد. فبعد أن ذكر الله الوعيد للكفّار أتبع الله ذلك بالبشارة لأهل الإيمان فقال ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ (البقرة: 25) كما هي طريقة القرآن ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ (البقرة: 25)

قالوا في المختصر أي : (من تحت قصورها وأشجارها) وهذا عليه الأكثرون فمعنى ﴿جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ (البقرة: 25) يعني من تحت قصورها وأشجارها، وقد قالوا في أنهارها :

أنهارها في غير أخدودٍ جرت............... سبحان ممسكها عن الفيضان

﴿كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا﴾ (البقرة: 25) كلّما رزقوا من هذه الجنّة ﴿مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 25) ما المراد بقوله ﴿مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 25)؟

1-قال بعض العلماء في الدّنيا : يعني : حينما يرزقون بثمرةٍ من هذه الثّمرات يقولون : (هذه الثّمرة مثل الّتي كنّا نعرفها في الدّنيا )؛ لكن كما قالوا : - ما في الجنّة ممّا في الدّنيا إلّا الأسماء، فاسم واحدٍ يقال لهذه (تفّاحةٍ وهذه تفّاحةٌ ) متّفقةً في الاسم، وربّما في اللّون. لكنّ الطّعم مختلفٌ. فالاتّفاق في الأسماء – لا - في الحقيقة. 2- وهناك من قال : - إنّ معنى ﴿هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 25) أي : في الجنّة نفسها، كلّما أكلوا مرّةً، ثم أُتبعوا أو جاءهم طعام آخر فتذكّروا الطّعام الأوّل الّذي قبله فقالوا ﴿هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 25) مما طعمناه، للدّلالة على أنّ كلّه من جنس الجمال والاختلاف في الطّعم والمنظر والمذاق.

وهناك من قال : - بل في الدّنيا.

لأنّه لو قيل (في الجنّة ) سيرد على ذلك إيرادٌ لو قيل بأنّ المراد بقوله ﴿مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 25) أي : في الجنّة، فيقال وماذا عن أوّل ما طعموا؟. إذا قالوا ﴿هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 25) وأوّل ما طعموا ليس هناك له قبل.

فلذلك رجّح بعضهم أنّها (الدّنيا ) من أجل ذلك، وللمفسّرين كلامٌ معروفٌ في التّرجيح بين القولين.

﴿وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًا﴾ (البقرة: 25) قالوا في المختصر (قدّمت لهم ثمارٌ متشابهةٌ في شكلها واسمها ) حتّى يقبلوا عليها بحكم المعرفة بها؛ لأنّ الإنسان يقبل على ما يعرفه؛ لكن حينما تناولوا وجدوا الطعم مختلفًا.

دروس مشابهة