مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 246 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال الله سبحانه ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ (البقرة: 25) قالوا هنا في المختصر (ولكنّها مختلفةٌ في طعمها ومذاقها، ولهم في الجنّة أزواجٌ مبرّأةٌ من كلّ ما تنفر منه النّفس ويستقذر طبعًا ممّا يتصوّر في أهل الدّنيا ) ولذلك قوله ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ (البقرة: 25) مطهّرةٌ من الأنجاس، من الأخباث، مطهّرةٌ من الحيض، مطهّرةٌ من الغلّ، من الحقد، كلّ هذا داخلٌ في معنى قوله ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ (البقرة: 25)

﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 25) لأنّ النّعيم لا يكمل إلّا مع الخلود! فلذلك ذكر الله سبحانه أنّهم في الجنّة دائمون فيها، نسأل الله أن نكون من أهلها. ثمّ قال :

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: 26)

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة: 26) فالله يضرب الأمثال؛ حتّى وإن كان هذا المثل بالبعوض، لو كان هذا المثل بالبعوض، أو كان بالعنكبوت كما ضرب الله المثل بالعنكبوت.

فالله لا يستحي من ذلك ولا يمتنع، لأنّ فيه النّفع للخلق؛ لكن هناك من ينتفع بهذه الأمثال. وهناك من لا ينتفع، والله يبيّن للنّاس، وينير لهم الطّريق. كما قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ (النحل: 9).

قال ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾؟ ما معنى فما فوقها؟ قولان لأهل التّفسير : -

منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ فمًا فوقها في الكبر 2- ومنهم يقول فمًا فوقها أي في الصّغر.

فلذلك هنا في المختصر جمعوا بين المعنيين فقالوا (فما فوقها في الكبر أو دونها في الصّغر) يعني على القولين.

قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا﴾ (البقرة: 26)

إذًا عند ضرب الأمثال ما موقف المؤمّن؟ وما موقف الكافر؟ بيّنت هذه الآية موقف الفريقين :-

1 - أمّا موقف المؤمنين : فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم.

2 - ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا﴾؟ هذا السّؤال ما المراد به؟ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا؟ يسخرون ويستهزئون بهذا السّؤال! ما هذا الّذي يضربه الله! يضرب مثالاً بالعنكبوت، وبالنّمل، وبأمثال هذا من البعوض. كيف هذا!

قال الله ﴿يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: 26) قالوا هنا في المختصر (وهم الخارجون عن طاعته ) لأنّ أصل كلمة الفسق الخروج عن الطّاعة. فقال ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: 26)

﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (البقرة: 27)

فقال هنا ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ﴾ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ؟ كصلة الأرحام. فإذا هي داخلةٌ في هذا أيضًا.

﴿وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (البقرة: 27) وقد تقدّم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّ الله - - يقرن بين (قطيعة الأرحام والإفساد في الأرض ) فمن قطع رحمه فقد أفسد في الأرض ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22) سورة محمّد.

وقال ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 25) سورة الرّعد.

ثمّ قال ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28)

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ﴾ (البقرة: 28) قالوا هنا في التّفسير (إنّ أمركم أيّها الكفّار لعجبٍ! ) من أين أتوا بهذا؟ من قوله ﴿كَيْفَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ فلتعجبوا يا أهل الإيمان من أهل الكفّار ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (البقرة: 28).

﴿وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا﴾ أي عدمًا لا شيءً، فالمراد بالموتة الأولى هنا العدم قبل الإيجاد ﴿فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ (البقرة: 28) فأحيّاكم أوجدكم، ثمّ يميتكم هذه الموتة الّتي نعرفها بعد أن نعيش في الحياة ما قدر الله لنا أن نعيش

﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) كما قال الله سبحانه ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ (غافر: 11) سورة غافر.

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29)

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: 29) قال بعض العلماء : معنى (خلق) هنا : قدّر لكم.

﴿مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 29) لأنّ الله قال في الآية الأخرى ﴿وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ﴾ (النازعات: 30) قال ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 29) فجعلوا الخلق بمعنى التّقدير جمعًا بين الآيات.

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ (البقرة: 29)؟ استوى هنا تعدّت بـ (إلى)، واستوى إذا تعدّت بـ (إلى) معناها :-

1-قصد إلى السّماء. 2- وقال بعضهم ارتفع إلى السّماء.

وأمّا استوى على : - فهي بمعنى العلوّ.

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ﴾ (البقرة: 29) تأمل! ثمّ استوى إلى السّماء لم يقل (فسوّاها ) قال ﴿فَسَوَّىٰهُنَّ﴾ لأنّ المراد : بالسّماء جنس السّماوات، ﴿فَسَوَّىٰهُنَّ﴾ (أحكمهنّ وخلقهنّ ﴿سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾) جمع الله بين الوصفين في أوّل الآية، وفي آخر الآية.

.﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29) والخالق العليم قادرٍ على البعث، وهو الّذي يشرع وهو الّذي يحكم .

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

من كمال النّعيم في الجنّة أنّ ملذّاتها لا يكدّرها أيّ نوعٍ من التّنغيص، ولا يخالطها أيّ أذًى.

ولذلك لما ذكر الله الأزواج قال ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ (البقرة: 25) وذكر الخلود؛ لأنّ النّعيم وإن طال إذا علم صاحبه أنّه مفارقه فإنّ هذا ينغّص عليه الحياة، ولذلك كان ذكر الموت مؤذّنًا بهذا، ذكر الموت مؤذّنًا بهذا وكان هادمًا للذّات.

الأمثال الّتي يضربها الله تعالى لا ينتفع بها إلّا المؤمنون؛ لأنّهم هم الّذين يريدون الهداية بصدقٍ، ويطلبونها بحقٍّ.

ولذلك قال الله ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43) فالّذي يعقل الأمثال عالمٌ بالله، عارفٌ به.

من أبرز صفات الفاسقين نقض عهودهم مع الله ومع الخلق، وقطعهم لما أمر الله بوصله، وسعيهم بالفساد في الأرض. وهذا في قوله ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ﴾ (البقرة: 27) الآية الكريمة.

الأصل في الأشياء الإباحة والطّهارة؛ لأنّ الله تعالى أمتن على عباده بأنّ خلق لهم كلّ ما في الأرض.

لأنّ الله تعالى أمتن على عباده بأنّ خلق لهم كلّ ما في الأرض هذه قاعدةٌ جليلةٌ قال بها كثيرٌ من أهل العلم أنّ الأصل في الأشياء الإباحة أو الحلّ، وكذا الأصل في الأشياء الطّهارة؛ لأنّ الله ذكر أنّ الأشياء أو أنّ المخلوقات خلقت وسخّرت لنا الأرض : فمعنى تسخيرها أنّها حلال لنا مباحةً.

وهذا مستفادٌ من قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: 29) ولذلك بعضهم فسّر اللّام بالتّعليل : أيّ خلق لأجلكم ما في الأرض جميعًا، وإذا كان قد خلق لنا ما في الأرض فمعناه أنّه أباحه لنا؛ فالأصل فيها الإباحة إلّا ما ورد الدّليل بتحريمه.والله أعلم.

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30)

قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30) الآية الكريمة.

بعد أن أمتن الله - سبحانه - على عباده، وبيّن أنّه سخّر لنا ما في الأرض، واستفاد العلماء من ذلك أو استفاد كثير منهم أنّ الأصل في الأشياء الإباحة.

ذكّرنا الله بخلق أبينا آدم – ’ - وأنّ الله - - قد قدّر أنّ أبانا آدم نزل إلى الأرض ليعمرها، وأنّ مقامه في الأرض مؤقّتٌ، وأنّنا يخلف بعضنا بعضًا في هذه الأرض، وأنّ المصير والمستقرّ في الآخرة، وتقدّم - أيّها الإخوة الكرام : أنّ بعض العلماء ذهب إلى أنّ مقصود سورة البقرة : بيان منهج الله في إقامة الخلافة في الأرض ولذلك تقدّم أنّ هذه الآية ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30) ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنّ هذا الموقف من قصّة آدم -’ - لم يُذكر إلّا في هذه السّورة (في سورة البقرة ) بمناسبته لمقصودها، وقد نصّ أهل العلم كالبقاعيّ قالوا : ولأجل اختلاف مقاصد السّور تتغيّر نُظُم القصص. فيذكر من القصّة ما يناسب مقصودها - ما يناسب مقصود السّورة -.

هنا قوله سبحانه ﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30) ما معنى خليفة؟ قالوا هنا في المختصر (بشرًا يخلف بعضهم بعضًا ) إذًا ما معنى الخليفة؟ أي يخلف بعضهم بعضًا، كما قال الله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ﴾ (يونس: 14) (يونس 14).وقال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ﴾ (الأنعام: 165) فمعناها يخلّف بعضكم بعضًا

"حكم عبارة فلان خليفة الله "

ولذلك وقع اختلاف بين العلماء في عبارة فلان خليفة الله في أرضه؟ ما معنى خليفة الله؟

1 - فقال بعضهم هذا التّعبير غير صحيحٍ؛ لأنّه موهمٌ أنّ الله يغيب فقالوا إنّ هذا غير صحيحٍ، ولذلك سمّيّ أبو بكر الصّدّيق بخليفة رسول الله -‘ - وليس بخليفة الله.

2 - وأمّا إذا فهم أنّ معنى (خليفة) أنّ العبد خليفة الله أيّ : خليفةٌ استخلفه الله، بأن جعله يخلف غيره؛ فيكون المعنى حينئذٍ صحيحًا، ولذلك قالوا هذا اللّفظ يحتاج إلى تفصيلٍ، ففي بعض الأحوال يصحّ وفي بعضها لا يصحّ بحسب المعنى، وقد يستغنى عنه بغيره.

• على كلٍّ حال فمعنًى (خليفةٌ ) : - يخلف بعضهم بعضًا، وقوله (خليفةٌ ) فيه إشارةٌ إلى أنّ من مهامّ الإنسان الاستخلاف في هذه الأرض، وأنّ له القوامة، وأنّ ما في الأرض مسخّرٌ له.

وفيه ملمحٌ آخر : وهو أنّ الإنسان غير مخلّدٍ في الأرض؛ لأنّ قوله (خليفةٌ ) يخلف بعضهم بعضًا، فكما خلفت غيرك سيخلفك غيرك، كما خلفت من سبقك سيخلفك من لحقك.

﴿قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: 30)

قالوا أتجعل؟ هذا سؤالٌ. ما المقصود بهذا السّؤال من الملائكة؟

قالوا هنا في المختصر (هذا سؤال استرشادٍ واستفسارٍ )، إذًا سؤال الملائكة سؤال استعلام واستخبارٍ واسترشادٍ واستكشافٍ؛ وليس سؤال اعتراضٍ! هم لا يعترضون على الله.

﴿قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ (البقرة: 30) سفك الدّماء من الإفساد في الأرض؛ لكنّهم خصّصوه بالذّكر " تنويهًا بخطره "؛ فمع أنّ سفك الدّماء داخلٌ في الإفساد؛ لكن خصّ بالذّكر فهو من قبيل ذكر الخاصّ بعد العام.

توجيه كلام الملائكة في قوله ﴿قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ (البقرة: 30)

وللمفسّرين أقوالٌ في وجه كلام الملائكة وقيلهم هذا، من أين علموه؟ من أين علمت الملائكة أنّ هذا الإنسان سيقع منه الإفساد في الأرض، وسيقع منه سفك الدّماء؟

1 - فوردت آثارٌ أنّ فريقًا من الجنّ كان يسكن الأرض، ووقع منه هذا، فقاسوا هذا وقالوا : - إذًا يأتي الإنسان ويصنع مثل صنيع هؤلاء.

2 - وقال بعض العلماء : - أنّهم إنّما قالوا ذلك لما أعلمهم الله به، فربّنا أعلمهم أنّ هذا سيقع من بعضهم كذا وكذا. فإذا لماذا تجعل في الأرض من يفعل هذا يا ربّنا؟ لأنّهم يعبدون الله ولا يفعلون إلّا العبادة ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6) أمّا الإنسان فيقع منه هذا وذاك.

فبيّن الله - عز وجل - أنّ هناك مصالح أعظم وأجّل قال ﴿إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).

وقوله ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (البقرة: 30) يعني : والحال أنّنا ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.

قالوا هنا في المختصر (ننزّهك حامدين لك، ومعظّمين جلالك وكمالك، لا نفتر عن ذلك ) إذًا ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (البقرة: 30) يعني: - ننزّهك حامدين لك ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: 30)

﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نفسّرها بمعنًى : -

نقدّسك، إذا اللّام تدلّ على الاختصاص والإخلاص نقدّسك مخلصين لك.

وبعض العلماء يقول : - بل هنا تقدير : - أيّ نقدّس لك أنفسنا أي نطهّر لك أنفسنا.

قال ﴿قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30). ثمّ قال ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 31)

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31) قالوا هنا في التّفسير (ولبيان منزلة آدم ’ علمه الله تعالى أسماء الأشياء كلّها من الحيوان والجماد؛ الفاظها ومعانيها، ثمّ عرض تلك المسمّيات على الملائكة قائلاً : أخبروني بأسمائها إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ أنّكم أكرم من هذا المخلوق وأفضل منه.)

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31) هذا فيه أنّ العلم له شرفٌ - وأي شرفٍ -؛ فلكي يبيّن الله منزلة آدم -’ - على غيره بينها عن طريق العلم، فعلمه هذه الأسماء وهم لا يعلمونها.

﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ (البقرة: 31) عرض ماذا؟ أي : - عرض المسمّيات.

﴿فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾

فيه : تفويض الأمر إلى الله، وأنّ الإنسان إذا سئل عمّا لا يعلم قال الله أعلم وفوّض الأمر إلى الله - -

ففيه : فضيلة العلم وفضيلة آدم ’. قالوا هنا في المختصر (قالوا - معترفين بنقصهم ) المراد بالنّقص هنا : العجز عن إدراك هذه الأسماء والمعرفة بها؛ لأنّه لا علم لهم إلّا ما علّمهم الله إيّاه.

(مرجعين الفضل إلى الله ) ولو قالوا راجعين الفضل إلى الله لكفاهم؛ لأنّه (مرجعٌ) من (أرجعه)، وتقدّم أنّ (رجع) يتعدّى بنفسه في الفصحى. قال في المختصر (ننزّهك ونعظّمك يا ربّنا عن الاعتراض عليك في حكمك وشرعك، فنحن لا نعلم شيئًا إلّا ما رزقتنا علمه ) فعرفوا أنّ خلق آدم لحكمةٍ قد تخفى عليهم :

فالله جعل من بني آدم الرّسل والأنبياء.

جعل من بني آدم المؤمنين والصّادقين والشّهداء والصّالحين.

وهناك خيرٌ كثيرٌ ترتّب على هذا بفضل الله - - وظهرت عبادات كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والصّبر على الأذى، وما إلى ذلك من العبادات العظيمة.

﴿قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 33)

وقوله ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 33)

1-قالوا في المختصر (وأعلم ما تظهرون من أحوالكم وما تحدّثون به أنفسكم. ما كنتم تكتمون في أنفسكم ).

2-وبعض العلماء قالوا ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 33) أي : يكتمه بعض من كان بينكم وهو إبليسٌ، فأنا أعلم أنّ إبليس تظاهر بخلاف ما في ضميره ونفسه؛ فإنّ الله يعلم حالةً قال بعض العلماء بهذا في تفسير الآية.

ولذلك في الآية الّتي بعدها قال ﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 34) أي سابقًا؛ لكنّهم هنا في التّفسير فسّروا كان بقوله (وصار من الكافرين ) إذا هما قولان في معنًى ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 34)

فبعضهم يقول : وصار من الكافرين.

أو ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 34) (كان من سابقٍ)؛ ولكن أظهر الله ما كتم في هذه المرحلة حينما توجّه له الأمر بالسّجود لآدم ’.

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ﴾ قالوا هنا في المختصر (سجود تقديرٍ واحترامٍ ) إذًا ما نوع السّجود لآدم؟ هو سجود تقديرٍ واحترامٍ؛ وليس سجود عبادةٍ.﴿فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ﴾ (البقرة: 34) وقد أمر بالسّجود، ولذلك ربّنا﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12) [سورة الأعراف:12]. فدلّ على أنّه أمر بهذا.

ومن هنا قال بعضهم : - إذا هو من الملائكة.

وذهب آخرون وقالوا : لا لكنّ توجّه له الخطاب؛ لأنّه كان بينهم. وإنّما هو من الجنّ لقوله ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ (الكهف: 50) [سورة الكهف:50]. ولأنّ الرّسول -‘ - قال (خلقت الملائكة من نور وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّارٍ وخلق آدم ممّا وصف لكم )

قال الله - سبحانه - ﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 34) دلّ على قبح الكبر، وأنّ الكبر يصدّ صاحبه عن الحقّ.

﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 35)

زوجك قالوا هنا (حوّاء )، فهذا من بيان المبهم، وعرف اسمها من سنة رسول الله -‘ - فلم يصرّح بحوّاء في القرآن، ولكن جاء هذا في السّنة الصّحيحة.

﴿ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ (البقرة: 35) هنيئًا واسعًا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 35) لم يبيّن الله - - لنا نوع الشّجرة فلا حاجةَ لنا إلى تعيينها، فهذا من المبهم الّذي أبهمه الله - سبحانه - ولو كان هناك خيرٌ في ذكره لذكره القرآن، والقرآن إنّما يذكر موضع العبرة والعظة. من فوائد هذه الآية :

- وفي الآية الكريمة أنّ المنهيّات قليلةً، وأنّ المباحات أكثر، فالله قال ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (البقرة: 35) من أيّ مكانٍ. من أيّ شجرةٍ، إلّا شجرةً واحدةً فالحرام قليلٌ؛ ومع ذلك فإنّ الشّيطان يصدّ الإنسان، ويحمله على ارتكاب المحرّم

﴿وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 35) استدلّ بهذه الآية بعض الأصوليّين على أنّ النّهي يقتضي التّحريم لأنّ الله لما نهى وقال﴿وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: 35)رتّب على هذا قال ﴿فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 35)

وأيضًا فيه أنّ النّهي يكون عن الشّيء، وعن ما يفضي إليه، ولذلك الوسائل لها أحكام المقاصد ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 35)

وقوله ﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾ (البقرة: 35) اختلفوا في حقيقة هذه الجنّة، أي : هي جنّة الآخرة أم هي جنّةٌ أخرى؟ والعلماء لهم في ذلك كلامٌ طويلٌ؛ ولعلّ الأصحّ أنّها جنّة الآخرة : - هي الجنّة المعروفة؛ لكنّها لم تكن حينئذٍ موطنًا للاستقرار، لم تكن موطنًا للاستقرار، ويدلّ على ذلك حديث محاجّة آدم وموسى – عليه السلام - في الصّحيحين حينما قال (أنت أبونا ضيعتنا، وأخرجتنا من الجنّة ) فهذا لا يقال فيه جنّةٌ أخرى سوى تلك الجنّة. لكنّ هذا أمرٌ قدّره الله.

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (البقرة: 36)

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ فأزلهما قال في المختصر (حتّى أوقعهما في الزّلل والخطيئة بالأكل من تلك الشّجرة الّتي نهاهما الله عنها ) وقراءة أخرى - قراءة حمزة – ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا﴾ فالشّيطان أوقعهما في الزّلل وأبعدهما عن هذه الجنّة بسبب تلك الخطيئة، أو هذه المعصية.

﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (البقرة: 36) من النّعيم والمتاع ﴿وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (البقرة: 36) قال (وقلنا ) أيًّ : وقال الله لهما وللشّيطان ولذلك هنا قد أثبتوا...

﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (البقرة: 36) فيه : أنّ الدّنيا ليست دار استقرارٍ أو دائمٍ وإنّما هي مرضٌ وثقلٌ ومتاعٌ إلى حينٍ.

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 37)

فالفرق بين معصية آدم ومعصية إبليسٍ : - أنّ إبليس عصى الله وتمادى في كبره. وأمّا آدم ’ فكما قال الله ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ (طه: 115) وبادر بالتّوبة إلى الله؛ ففرقٌ بين معصيةٍ ومعصيةٍ.

قال الله ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 37) هذه الكلمات قالوا هنا في التّفسير : (وهي المذكورة في قوله تعالى ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23) بهذا قال فريقٌ كبيرٌ من أهل التّفسير، وبناء عليه فيكون هذا من تفسير القرآن بالقرآن.، فيكون هذه أو ستكون هذه الكلمات مفسّرةً بآية سورة الأعراف ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ (الأعراف: 23) الآية (23).

وقوله ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 37) قراءة ابن كثيّر وهي متواترةٌ ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 37) فهو تلقّى الكلمات، والكلمات تلقّته ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 37) كثير التّوبة على عباده رحيمٌ بهم - - والله - هو التّوّاب : - كثير التّوبة على عباده. والتّوّاب في حقّه له معنيّان :

فالمعنى الأوّل : الموفّق للتّوبة.

والمعنى الثّاني : القابل لتوبة العباد، يوفّق العباد ليتوبوا فإذا تابوا تاب الله عليهم وهذا معنًى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟﴾ (التوبة: 118) (سورة التّوبة 118).

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• الواجب على المؤمّن إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض خلقه وأمره أن يسلّم لله في خلقه وأمره.

كما وقع من الملائكة -ﭺ - ﴿قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 32) والإنسان يسأل ويسترشد؛ لكنّه لا يعترض على حكمة الله، وإذا كانت الملائكة قد سألت ربّنا - - مسترشدةً فإنّنا نستفيد أيضًا في دروس العلم : وهو أنّ الطّالب إذا استشكل شيئًا ولم يتّضح له أمره فإنّه يسأل أستاذه وهذا لا ينافي الأدب، فإذا أجابه الشّيخ أو الأستاذ بالطّريقة المثلى الحسنة، وبالدّلائل الواضحة فإنّه يسلّم له في ذلك.

• رفع القرآن الكريم منزلة العلم، وجعله سببًا للتّفضيل بين الخلق.

ذلك لما أراد الله أن يبيّن قدر آدم -’ - علمه أسماء كلّ شيءٍ، كما جاء في الحديث (وعلّمك أسماء كلّ شيءٍ ) في حديث الشّفاعة.

• الكبر هو رأس المعاصي، وأساس كلّ بلاءٍ ينزل بالخلق، وهو أوّل معصية عصي الله بها.

ولذلك قال ﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 34).

﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38)

قال الله سبحانه ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا﴾ (البقرة: 38) قالوا هنا في المختصر (﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لهم انزلوا جميعًا من الجنّة إلى الأرض ) لذلك قال فريقٌ كبيرٌ من أهل العلم إلى أنّ الجنّة المذكورة في قوله ﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ (البقرة: 35) هي الجنّة المعروفة والمعهود ذكرها في القرآن الكريم؛ وبعضهم يقول كما قلت : إنّها بستانٌ أو جنّةٍ في الأرض والقول الأوّل أولى - والعلم عند الله - وقد أطال ابن القيّم - رحمه الله - في كتابه (حادي الأرواح ) الاستدلال للفريقين؛ لكن على كلّ حال قوله ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا﴾ (البقرة: 38) استدلّ به على ما تقدّم ذكره، ولا يعارض هذا أنّ من دخل الجنّة فالأصل أنّه لا يخرج منها، وأيضًا قوله ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ (الغاشية: 11) [سورة الغاشية:11].

وقد وسوس إليه الشّيطان؛ لأنّه يقال ذلك عند الاستقرار، وعند كونها مستقرًّا لأهل الإيمان في الآخرة. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38) فأضاف الهدى إلى الله تشريفًا له وتنويهًا بشأنه.

﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 39)

يمكننا أن نستفيد هناك ما ذكر في باب المقابلة، فهذا أيضًا من عادات القرآن كما تقدّم الوعد والوعيد. فتأمّل هنا ذكر ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38) وذكر المقابل ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ (البقرة: 39) إذا من الذي يتبع هدى الله؟ الّذين آمنوا وصدّقوا بآياتنا؛ وأيضًا والّذين كفروا وكذبوا بآياتنا ما وصفهم أنّهم لم يتّبعوا الهدى.

فإذا قرأت آياتٍ قرآنيّةً في باب المقابلات؛ فأحيانًا لا تجد الأوصاف أوصافًا متقابلةً في الظّاهر؛ لكنّها في الحقيقة متقابلةً فتستفيد بعض الأوصاف الّتي لم تذكر بما ذكر في مقابلها وتقدّم لهذا المظاهر.

وهنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 39)

إذا فهمنا منها (المقابلة ) : - فمن تبع هدأي أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ﴿ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا﴾ خَٰلِدُونَ.

وهنا قال ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38)

إذا فهمنا منها (المقابلة ) : - والّذين كفروا وكذبوا بآياتنا فإنّهم يخافون ويحزنون. فنسأل الله - - السّلامة والعافية. وقد قال أيضًا ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ سورة طه.

ثمّ قال الله ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (البقرة: 40)

هذا هو النّداء الثّاني في هذه السّورة المباركة؛ إذا انتقلت السّورة من الحديث عن النّداء العام ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21) وذكرت لنا قدوتنا، وذكرت لنا آدم -’ - أوّل من جعله الله خليفةً في هذه الأرض من البشر، ثم جاء النداء لبني إسرائيل لبيان أنّ هؤلاء انسلخوا عن تحقيق المطلوب منهم في هذه الخلافة ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ ممّن آمن منهم برسل الله.

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40) قالوا هنا في المختصر (يا أبناء نبيّ الله يعقوب ) فالمراد بإسرائيل يعقوب -’ - كما قال الله ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 93) [سورة آل عمران:93]. فالمراد بإسرائيل : يعقوب -’ - وقد قالوا إنّ معناه (عبد الله ).

قال ﴿ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 122) النّعمة هنا بمعنى النّعم، فالمراد جنس النّعم، المتتابعة من النّعم الدّينيّة والدّنيويّة، ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: 40) من أهل العلم من قال إنّ هذه الآية مفسّرةً بآية المائدة ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (المائدة: 12) [سورة المائدة:12]، فقوله ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ (المائدة: 12) هذا معنى قوله ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ﴾ وقوله ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ﴾ (المائدة: 12) هذا في تفسير قوله ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: 40) هذا هو الجزاء

وهذه الآية إحدى الآيات الدّالّة على أنّ الجزاء من جنس العمل قال الله ﴿وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ ولذلك يطلب منكم أن تذكّروا لنا آيتين من آيات القرآن الكريم فيها الدّلالة على أنّ الجزاء من جنس العمل؟

﴿وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾ (البقرة: 41)

﴿وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ﴾ (البقرة: 41) ليس معنى الآية أنّ لكم أن تكونوا ثاني كافرٍ أو ثالثٍ كافرٍ وإنّما المراد الّذي ينبغي أن يقع منكم أن تكونوا أوّل المؤمنين؛ لأنّ لديكم كتابًا والمشركون ليس معهم كتاب، وأنتم تعرفون ما في كتبكم وهم لا يعرفون، وقد كنتم تستفتحون على الّذين كفروا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وتنتظرون بعثة هذا النّبيّ، فأنتم أولى أن تتقدّموا غيركم في الإيمان – لا – أن تكونوا أوّل الكافرين ﴿وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (البقرة: 41) أيضًا قوله (قليلاً ) هنا : ليس فيه إباحة أن يشتروا بآيات الله ثمنًا كثيرًا وإنّما المعنى أنّ الثّمن مهمًّا علا؛ ومهمًّا كثر! فهو قليلٌ! حينما يكون سببًا في التّخلّي عن آيات الله والتّخلّي عنها ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾ (البقرة: 41) الأمر بتقوى الله سبحانه والإخلاص له في ذلك.

﴿وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42)

﴿وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (البقرة: 42) لا تخلطوا الحقّ بالباطل، وبعضهم يقول : - لا تستروا الحقّ، تغيّبوه. إذا اللّبس الخلط وستره وعدم إظهاره، أو خلطةٍ. فإنّه إذا كان خليطًا بالباطل ضاعت الحقائق ولذلك هم حرّفوا وبدّلوا ﴿وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ﴾ أي :- ولا تكتموا الحقّ؛ لذلك لا تلبسوا : - لا تخلطوا ولا تكتموا الحقّ، فقوله (وتكتّموا الحقّ ) معناها : لا تكتموا الحقّ. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ﴾ (البقرة: 42) وبناءً عليه فيكون قوله (ولا تكتموا ) معطوفٌ على قوله (ولا تلبسوا ) ويكوّن مجزومًا مثله لأنّ المراد : ليس النّهي عن الجمع بينهما وإنّما النّهي عن كلٍّ واحدٍ منهما فلا يجوز الخلط بين الحقّ والباطل ولا يجوز ستر الحقّ ﴿وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42)

﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ (البقرة: 43)

وقوله ﴿وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ (البقرة: 43) قالوا هنا في المختصر أي (واخضعوا لله مع الخاضعين له من أمّة محمّد -‘ -؛ ).

ففيه : أنّ الله - قد أثنى على المؤمنين من أمّة محمّد -‘ - وأنّهم وصفوا مع الرّاكعين. ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا﴾ (الفتح: 29) [سورة الفتح:29]. فهذا في موضع الثّناء وبعض العلماء استفاد من هذا : صلاة الجماعة من قوله ﴿وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ (البقرة: 43)

﴿۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44)

﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 44) هذا فيه أسلوب تقريعٍ وتوبيخٍ، والخطاب في الأصل موجّهٍ لبنيٍّ إسرائيل - لأهل الكتاب -؛ لكن أيضًا العبرة بعموم الألفاظ.

﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ﴾ (البقرة: 44) بالإحسان والإيمان والتّقوى ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ ما معنى نسيان النّفس : ترك النّفس وإهمالها.

﴿وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (البقرة: 44) ما المراد بالكتاب؟ التّوراة أي وأنتم تتلون التّوراة، وكان ينبغي عليكم أن تتمسّكوا بها. فهذا فيه توبيخٌ لمن دعا غيره إلى ما يعرف من العلم وكان بعيدًا عن امتثال ما دعا إليه

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله......... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

وقد قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2) (سورة الصّفّ).

ولذلك الذّمّ ليس متوجّهًا إلى أمر النّاس بالاستعانة، الذّمّ متوجّهٌ لنسيان النّفس مع أمر النّاس بالبرّ، هو ناسي لنفسه مع أنّه يأمر غيره بالبرّ؛ وإلّا فأمر النّاس بالبرّ هذا طاعةً لكنّ المذموم أن ينسى الإنسان نفسه وأن يهملها.

ثمّ قال ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)

أمرٌ بالاستعانة بالصّبر والصّلاة ﴿وإنّها ﴾ على ما يعود الضّمير في قوله ﴿وإنّها ﴾؟

1-قالوا هنا في المختصر (وإنّ الصّلاة لشاقّة وعظيمة) إذًا عاد الضّمير على أقرب مذكورٍ؛ مع أنّ المذكور شيئان : الصّبر والصّلاة؛ لكن عاد الضّمير على الصّلاة.

2-ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : إنّ الضّمير يعود على الاستعانة المفهمومة من قوله ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟﴾.

3-وأحيانًا يعود الضّمير على (المصدر ) المفهوم من فعلٍ سابقٍ : فهنا ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا﴾ (البقرة: 45) أي : الاستعانة. هذا على قولٍ.

ومن ذلك قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8) [سورة المائدة:8].

فقوله (هو ) على ما يعود؟ يعود على العدل، أي : هو أقرب للتّقوى (أي العدل أقرب للتّقوى ). وقد كان النبي ﷺ يستعين بالصّبر والصّلاة؛ فكان إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصّلاة -‘ -.

﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ (البقرة: 45) شاقّةٌ ﴿إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45) جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه. ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 46) قالوا يظنّون : يعني يوقنون، إذًا ما معنى الظّنّ؟ 1-الإيقان أو اليقين.

2- أو أنّه (يظنّون) : أنّ الله سيمتّعهم بلقائه، بالنّظر إليه ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 46).

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122)

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 122) يا بنيّ إسرائيل أيضًا توجّه النّداء لهم. ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 122) وإذا كان المخاطبون في الآيات الكريمة من بني إسرائيل قد مضى أسلافهم ومات أجدادهم، ومن كان على عهد موسى -’ - والله ذكر بعد ذلك آياتٍ كثيرةٍ، فيها التّذكير بما وقع من بني إسرائيل السّابقين؛ لأنّ العلماء يقولون : إنّ التّذكير بالنّعمة على السّالف تذكيرٌ للخالف أيضًا، فالنّعمة على من سلف نعمةٌ على من خلف، والنّعمة على الآباء والأجداد تمتدّ إلى الأولاد.

قال ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 122) ولم يقل (نعمتي وفقط ) وإنّما قال ﴿نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 122) فهي نعمةٌ ظاهرةٌ وواضحةٌ، وهي آتيةٌ من عند الله - سبحانه - أنعم بها.

﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122) ما معنى ﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122)؟ قالوا في المختصر (واذكروا أنّي فضّلتكم على أهل زمانكم المعاصرين لكم بالنّبوّة والملك ).

كما قال ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20) سورة المائدة، إذًا لا تعارض بين هذه الآية ﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122) وبين قوله سبحانه ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) [سورة آل عمران:110].

لأنّه يقال ﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122) أي : عالميٍّ زمانكم. وقد قال النّبيّ -‘ – أنتم توفّون سبعين أمّةً أنتم أكرمها على الله.

﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 48)

﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا﴾ (البقرة: 123) لا تؤدّي نفس عن نفس شيئًا، ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 48) لا يقبل منها أيّ شفاعةٍ؛ لأنّ الشّفاعة هنا منتفيةٌ؛ لأنّها في حقّ الكفّار، ولذلك لا يقال : إنّ الآية تدلّ على عدم وجود شفاعةٍ، يقال هذا في حقّ الكافرين؛ وإنّما الشّفاعة المثبّتة إنّما هي في حقّ أهل الإيمان، فلا تعارض بين هذه الآية والآيات الّتي فيها الشّفاعة كقوله ﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾ (البقرة: 255)

﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (البقرة: 48) يعني فداءً، ولو كان ملء الأرض ذهبًا ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123) وليس لهم ناصرٌ. وستمضي الآيات الكريمة، ويأتينا بعد ذلك ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123) فالتّعبير بعد ذلك جاء على غير ما جاء هنا؛ ولذلك نوجّه لكم هذا السّؤال، وسيأتي إيضاح ذلك في موضعه بإذن الله تعالى من الآيات الكريمة. ما السّرّ في التّفريق بين الآيتين. بين هذه الآية والآية الأخرى ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123)

قال الشيخ حفظه الله

• من أعظم الخذلان أن يأمر الإنسان غيره بالبرّ، وينسى نفسه.

فيكون كالمصباح الّذي يسرج لغيره أو ينير لغيره ثمّ يحرق نفسه، هذه الشّمعة الّتي تضيء للنّاس ثمّ تحترق.

• الصّبر والصّلاة من أعظم ما يعين العبد في شؤونه كلّها.

ولذلك أمرنا الله بالاستعانة بهما فقال ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ﴾ (البقرة: 45) وقال أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 153) ولذلك قال الرّسول -‘ – (الصّلاة نور والصّبر ضياءً ) فالإنسان يستعين بالصّلاة ويستعين بالصّبر.

• في يوم القيامة لا يدفع العذاب عن المرء الشّفعاء ولا الفداء، ولا ينفعه إلّا عمله الصّالح.

(لا يدفع العذاب عن المرء الشّفعاء ولا الفداء)، المراد بالمرء هنا : الكافر؛ وأمّا المؤمّن فإنّ الشّفاعة تقبل فيه وقد جاء في الحديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي ) وورد أحاديث صحيحةٌ تدلّ على ثبوت الشّفاعة في حقّ أهل الإيمان.

ونسأل الله سبحانه أن يرزقنا العلم النّافع والعمل الصّالح.

وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى. ونقف عند هذا الحدّ، وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى.

وصلّى الله على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الله سبحانه :

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49)

نلاحظ - أيّها الإخوة الكرام - في هذه الآيات الكريمة الّتي حدّثنا الله - - فيها عمّا وقع من بني إسرائيل أنّ كثيرًا منها قد صدر بقوله (وإذ ) (وإذ ) وكثيرٌ من المفسّرين يقدّرون فعلاً وهو (اذكروا ). والمعنى : واذكروا إذ ﴿نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾، وقد ذكر الله - - في الآيات السّابقة ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 122) فصرّح بأنّ الموضع موضع تذكيرٍ، تذكيرٌ بالإنعام، وتقدّم أنّ النّعمة على السّلف نعمةٌ على الخلف، وأنّ النّعمة على الأب نعمةٌ على الولد، وأنّ النّعمة ما كانت لتصل إلى الولد إلّا عن طريق الأب في هذه النّعمة المشتركة.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة