سورة البقرة — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
فقال الله هنا (وإذ نجّينكم) أي : واذكروا إذ ﴿نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾، قالوا هنا في المختصر(واذكروا يا بني إسرائيل حين أنقذناكم من أتباع فرعون الّذين كانوا يذيقونكم أصناف العذاب ) ففسّروا الآل : بالأتباع، وهذا تفسيرٌ صحيحٌ، فــ (آل الرّجل ) المراد بهم : أقاربه، ويأتي أيضًا (الآل ) بمعنى : الأتباع، وهذا هو المناسب للمقام. وكذلك في قول الله – سبحانه - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) (غافر : 46)، فإنّ المراد بالآل هنا : الأتباع.
ولذلك قالوا : آل النّبيّ هم :
آل النّبيّ هم أتباع ملّته * * * من الأعاجم والسّودان والعرب
لـــو لـــم يكن آلــــــــه إلّا قـــــــرابــــته * * * صلّى المصـــلّي على الطّاغي أبـي لهب
فأنت حينما تقول : (الله مّ صل على محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ ) فبعض العلماء يقول : - المراد بهم أقارب النبي ﷺ الّذين تحرم عليهم الصّدقة (بقيد ) من أهل الإيمان.
أو أن نقول : إنّ هذا أعمّ فيكون – أشمل - لأتباع النبي ﷺ ولا يختلف باختلاف المقامات، لكن على كلّ حالٍ المناسب هنا تفسير الآل : بــ الأتباع.
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ (البقرة: 49) أي : يذيقونكم أشدّ العذاب، ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ (البقرة: 49)، هذا تفسيرٌ لهذا.
فقوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ (البقرة: 49) ماذا يصنعون فيهم يا ربّنا؟ قال ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ (البقرة: 49) ما معنى يستحيون نساءكم : أي : يتركون بناتكم أحياءً، حتّى يكنّ نساءً ليخدمنهم، يعني إنّهم يستعملون النّساء؛ فأمّا الأبناء : فإنّهم يذبحون؛ وأمّا البنات فإنّهم يتركون البنات - لا من أجل شيءٍ - إلّا من أجل أن يقمن بخدمة هؤلاء.
قال ﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49) قوله (وفي ذلكم) على ما يعود اسم الإشارة (وفي ذلكم) 1-يحتمل أنّه يعود إلى الإنجاء أي : وفي ذلكم الإنجاء، الّذي ذكر في صدر الآية وعليه فقوله ﴿بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49) أي : اختبارٌ عظيمٌ من ربّكم لعلّكم تشكرون، فيكون البلاء هنا بلاءٌ بالإنعام، وهذا ما فسّروا به الآية هنا في المختصر.
2-ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾(وفي ذلكم) أي : وفي ذلكم التّعذيب : أسامة سوء العذاب من تذبيح الأبناء واستحياء النّساء (بلاءٌ ) يعني اختبار وامتحان، فيفسّرون بأنّ البلاء هنا : بلاءٌ في الضّرّاء.
إذاً هنا قولان : منهم من جعله في النّعماء، ومنهم من جعله في الضّرّاء.
ويناسب أنّه في النّعماء أنّ صدر الآية الأعمّ كان فيه، وهو قوله (وإذ نجّينكم )، وما بعده تتمّةً له؛ - والعلم عند الله. ثمّ قال :
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 50)
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ﴾ (البقرة: 50) فرقنا : 1- الفرق كالفلق لفظًا ومعنًى، الفرق كالفلق يعني : ولذلك فانفلق وهنا قد فرقنا.
وكذلك يمكن أن نفسّر قوله هنا (فرقنا) بما جاء في قوله ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ﴾ (يونس: 90) ( الأعراف : 138 )،
لذلك دخول الباء هنا تدلّ على أنّه فرق بهم البحر، وجأوزوه، جاوز الله بهم البحر فتجاوزوه، وسلموا من الغرق وبعضهم يكسر الباء لأنّها للتّعليل أي : وإذ فرقنا لأجلكم البحر، أي فصلنا البحر وشققناه وجعلناه نصفين من أجلكم. ﴿فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 50) وإذا كان الله قد أغرق آل فرعون فإنّه أغرق فرعون ولا شك، لأنّه رأس الضّلالة.
وهنا قالوا في المختصر ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 50) (وأغرقنا عدوّكم فرعون وأتباعه أمام أعينكم وأنتم تنظرون إليهم ) لأنّ هذا نعمةً إلى النّعمة السّابقة.
فإذا كان إغراق فرعون وآله آيةً ونعمةً؛ فإنّ إغراقهم أمام أعين الموحّدين نعمةً أخرى؛ لأنّ الإنسان حينما يرى الهلاك لعدوّه الّذي يصدّ عن سبيل الله، فإنّه ينشرح بذلك صدره، ولذلك قال الله - ( ﴿قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ صدور قومٖ مّؤمنين ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ ) ( التّوبة : 14 - 15 )، فلذلك قوله ( وأنتم تنظرون ) فيه إنعامٌ فوق الإنعام الّذي ذكره الله سبحانه بفرق البحر، وإنجائهم وإغراق آل فرعون.
وكذلك إغراق فرعون بالغرق أو هلاك فرعون بالغرق هو ومن معه : هو آيةٌ من آيات الله - ومعجزةٌ أيّد الله بها الكليم موسى -’ - كما هو معلومٌ، وقد ذكر بعض العلماء : إنّ هذا أيضًا من باب الجزاء من جنس العمل؛ فإنّ فرعون الّذي ادّعى الرّبوبيّة والعلياء أغرقه الله ليكون في قعر الماء! فهو قد ادّعى العلياء فجعل الله عاقبته الإغراق في قعر الماء! فهذا من باب الجزاء من جنس العمل، وأيضًا هو الّذي قال ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) [سورة الزخرف:51]. فأجراها الله - - من فوقه.
﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 51)
﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (البقرة: 51) والقراءة الأخرى ﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ﴾ (البقرة: 51) ﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (البقرة: 51) أيضًا (وإذ) يعني (واذكروا) وقبلها (وإذ فرقنا ) : (واذكروا )، قالوا في المختصر (واذكروا من هذه النّعم مواعدتنا موسى أربعين ليلةً ليتمّ فيها إنزال التّوراة نورًا وهدى ) لذلك قال كثيرون من المفسّرين : ما معنى ﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (البقرة: 51) يعني وعدنا موسى تمام أربعين ليلةً؛ بأن يكون نزول التّوراة عند تمامها، وما قبلها يتعبّد فيها لله - سبحانه - ويناجي ربّه - وقد جاء في الآية الأخرى ﴿وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 142) [سورة الأعراف:142]. والّذي عليه جمهور المفسّرين أنّ هذه الأربعين تمثّلت في شهرٍ ذي القعدة والعشر من شهرٍ ذي الحجّة - والعلم عند الله - (ï )؛ لكنّ هنا ذكرت مجملةً، إذًا تفصيل الأربعين، وأنّها كانت ثلاثين ثمّ زيد في العدد هذا جاء في سورة الأعراف.
قال ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 51) ما معنى ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ﴾ (البقرة: 92): المفعول الثّاني مقدّرٌ، أي : ثمّ اتّخذتم العجل إلهاً.﴿مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 92) لذلك قالوا هنا في المختصر (إلّا أنّكم عبدتم العجل في تلك المدّة وأنتم ظالمون بفعلكم هذا ) وقوله (وأنتم ظلمون ) يعني : والحالّ أنّكم ظالمون بهذا الاتّفاق، فما كان لكم أن تفعلوا ذلك ﴿وَلَآ أَن﴾ تصرفوا العبادة لغير الله.
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 52) مع أنّهم وقّعوا في هذا الّذي وقّعوا فيه، وعبدوا العجل، والمراد بالعجل : أيضًا المصوّر على أنّه عجلٌ، المصوّر لهم على أنّه على هيئة العجل، كما هو معروفٌ وكما جاء في الآيات الأخرى في الأعراف وطه.
قال ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 52) وهذا فيه أنّ العفو يستوجب الشّكر، فإذا عفا الله عنك وتجاوز عنك فإنّه ينبغي لك أن تشكر الله -. قال ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 52) تشكرون الله بحسن عبادته وطاعته.
﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53)
﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53) أي : واذكروا أيضًا إذ آتينا موسى الكتاب وهو (التّوراة ) إذًا ما المراد بالكتاب؟ في قوله ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (البقرة: 53) التّوراة وفهم هذا من قرينة السّياق، وتقدّم معنا مرارًا أنّ (الكتاب ) : ورد في كتاب الله - على أوجهٍ متعدّدةٍ، منها التّوراة ومنها هذا الموضع. ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53) ما المراد بالفرقان هنا؟ قال بعض العلماء هو أيضًا وصف للتّوراة، فالتّوراة وصفت هنا بوصفين : - الوصف الأوّل أنّها كتاب والوصف الثّاني : - أنّها فرقان؛ لأنّها فارقةٌ بين الحقّ والباطل وهكذا كتب الله – أو الكتب المنزلة كلّها – من عند الله فإنّها فارقةٌ بين الحقّ والباطل وهذا أحد الأقوال في قوله (وأنزل ٱلفرقان ) في صدر سورة آل عمران – قيل المراد به الكتب المنزل لأنّها فارقةٌ بين الحقّ والباطل ﴿وَقِيلَ﴾ المراد بالفرقان : - القرآن الكريم في آية آل عمران وأمّا هنا معنا في آية البقرة ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53)
قالوا في المختصر (آتينا موسى ’ التّوراة فرقانًا بين الحقّ والباطل وتمييزًا بين الهدى والضّلال )
فإن قال قائلٌ : أليست وأو العطف تفيد المغايرة؟ فالفرقان عطف على الكتاب؛ فهذا يعني أنّ الفرقان شيءٌ وأنّ الكتاب شيءٌ آخر؟ فيقال هنا : -
1- إنّ العطف أو إنّ المغايرة ليست باعتبار الذّات؛ وإنّما باعتبار الصّفات. بمعنى أنّ الفرقان وصفٌ يختلف عن وصف الكتاب؛ ولكنّهما لذاتٍ واحدةً. وتقدّم أنّ هذا معروفٌ في اللّغة، ومنه في القرآن الكريم ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ (الأعلى: 1) فالّذي خلق فسوى هو الّذي قدّر فهدى وهو الّذي أخرج المرعى، فهي أوصافٌ متعدّدةٌ؛ لكنّها لذات واحدة وهو الله – - وكما أنّك تقول مثلاً : - جاء محمّدٌ الكاتب والشّاعر والمحدّث وأنت تقصد بذلك أوصافًا متعدّدةً لموصوفٍ واحدٍ. فيكون التغاير هنا باعتبار : المعاني والأوصاف، وليس باعتبار الذّات، وهذا أقرب ما يقال في هذه الآية الكريمة.
2- هناك قولٌ شاذٌّ قالوا : إنّ المراد بـ (الفرقان ) هنا : القرآن. هذا بعيدٌ!، فكيف آتى الله موسى -’ – القرآن؟ وحينئذٍ بدءوا يتأوّلون الآية بتأويلاتٍ بعيدةٍ، والأقرب ما تقدّم.
قال ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53) فكتب الله مصدر هدايةٍ ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (غافر: 53) فكتب الله هدأيةٌ، كتب هدايةٍ.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 54)
موسى -’ - يذكّر قومه حتّى يتوبوا إلى ربّهم - فيقول لهم ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ﴾ (البقرة: 54) أي : باتّخاذكم العجل إلهًا، باتّخاذكم العجل - وكأنّ الله - لا يذكر كلمة إلهًا؛ لأنّ هذا بعيدٌ غاية البعد.
هذا الإنسان يصل به الحدّ إلى أن يعبد مخلوقًا، وأن يكون هذا المعبود دونه؛ فالعجل دون الإنسان! فالإنسان لا يعبد الإنسان؛ مع أنّ هذا لا يصحّ أن يعبد الإنسان إنسانًا؛ لكن إذا به يعبد حيوانًا؛ بل ليس حيوانًا وإنّما صوّر بصورة حيوانٍ. فهذا دليلٌ على سخافة تلك العقول. وكأنّ هذا كلامٌ لا ينبغي أن ينطق باللّسان؛ فضلاً عن أن يعتقد بالجنان.
قال الله سبحانه ﴿يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة: 54) ) أي خالقكم - لذلك قالوا هنا : (فتوبوا وارجعوا إلى خالقكم وموجدكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضًا ) وأصل مادّة البرء : تدلّ على الانفصال، من العدم إلى الإيجاد؛ فلذلك قيل لله : البارئ لأنّه خلق الخلق وبرأهم، فصلهم من حيّز العدم إلى حيّز الوجود، فلذلك قيل له البارئ .
﴿فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة: 54) أوجدكم من عدمٍ، وفصلكم عن العدم.
﴿فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة: 54) قوله (فٱقتلوٓا أنفسكم ) ما المراد بقوله (فاقتلوا أنفسكم ) : قالوا هنا في المختصر (بأن يقتل بعضكم بعضًا ). وبعض المفسّرين يخصّص هذا فيقول : يقتل البريء منكم المجرم، إذا المراد بقوله (فٱقتلوٓا أنفسكم ) يعني : ليقتل البريء منكم المجرم، وكان هذا في شرعهم. وكان هذا سائغًا في شرعهم؛ وإلّا فإنّ الله - في شرعنا منّ علينا ويسّر، ففتح مجال التّوبة دون أن يقتل الإنسان نفسه، أو أن يقتله غيره.
وأمّا القصاص فله شأنٌ آخرٌ، وكذلك الحدود، فلها أحكامها كما هو معروفٌ؛ لكن مع ذلك من ستر على نفسه وتاب إلى ربّه ولم يرفع أمره إلى الإمام؛ فإنّه يتوب، ويتوب الله عليه ويستر ونسأل الله التّوبة والمغفرة.
قال ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 54) وتقدّم أنّ التّوّاب في حقّ الله - تشمل معنيّين : - الّذي أذن بالتّوبة، والّذي قبل التّوبة، فهو سبحانه يأذن ويوفّق للتّوبة ابتداءً، ويقبل التّوبة ممّن تاب إليه -.
ثمّ قال ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 55)
ما معنى جهرةً : قالوا هنا في المختصر (عيانًا لا يحجب عنّا ). إذًا هذا معنى كلمة جهرة أي : عيانًا.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 55)
لأنّهم طلبوا هذا طلب تعنّتٍ، طلب تعنّتٍ.
وإذا قال قائل ما الفرق بين طلبهم وبين طلب نبيّ الله موسى -’ - فإنّ نبيّ الله موسى -’ - قال لربّه ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 143) [سورة الأعراف:143]. وهم يقولون ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: 55)
فالجواب : نقول شتّان شتّان، شتّان شتّان ما بين الأمرين؛ فإنّ نبيّ الله موسى -’ - لم يعلّق الإيمان أبدًا على هذا، لم يعلّق الإيمان على رؤية الله؛ وإنّما قال ذلك اشتياقًا إلى الله سبحانه بعد أن كلّمه ربّه وشرفه بهذا الكلام تاقت نفسه إلى أن يرى ربّه، وظنّ أنّ هذا يتمكّن منه في الدّنيا؛ فأعلمه الله أنّه لا قدرةَ له على ذلك في دنياه، فقال ﴿قَالَ لَن تَرَىٰنِى﴾ (الأعراف: 143) ولم يقل لا أرى، إذا ذلك ممّا يتعلّق بأيّة سورة الأعراف.
وأمّا هنا قولهم ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: 55) فهذا قالوه على سبيل التّعنّت. وأيضًا لقولهم ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ (البقرة: 55) يعني : علّقوا إيمانهم على هذه الرّؤية، فإذا لم ترنا اللّه فإنّنا لن نؤمن لك؛ هكذا زعموا وهذا لا شكّ فيه أنّه غير صحيحٍ بالمرّة؛ لنّه من أين يتأتّى الإيمان بالغيب؛ ومن الغيب رؤية الله فهذا غيبٌ بالنسبة لنا، فنحن نوقن بوجود الله وإن لم نرى الله -.
قال ﴿فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 55) فسّروا الصّاعقة : (بالنّار المحرقة)، وهذا قال به كثيرون من أهل التّفسير.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 55) يعني : فـــ قتلتكم. (فأخذتكم ٱلصّعقة): فـــ قتلتكم.
فهذا هنا تقدير يستفاد من السّياق، (وأنتم تنظرون ) : ينظر بعضكم إلى بعضٍ، يعني هلاكٌ يهلك به الإنسان ويهلك غيره أمامه، فإذا رأى غيره هلاكه؛ فإنّ هذا أشقّ على النّفس؛ لأنّه سيتبعه مثل ما تبـع غيره، وسيلحقه مثل الّذي لحق غيره.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 56)
قال ﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (البقرة: 56) يعني : أحييناكم، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 56) هذا أوّل دليلٍ في آيات سورة البقرة في دلائل إحياء الله بعض النّفوس في الحياة قبل الآخرة. فهناك في سورة البقرة خمسة براهين على أنّ الله أحيا بعض النّفوس في الدّنيا قبل الآخرة.، وإذا كان الله قد أمات أنفسًا ثمّ أحياها في الدّنيا، فهذا دليلٌ قاطعٌ وبرهانٌ ساطعٌ على وقوع البعث أو على إمكانيّة البعث؛ لأنّ الوقوع دليل أو أعظم دليلٍ على الإمكان فهذا قد وقع بالفعل، والله قال ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (لقمان: 28) [سورة لقمان:28].
أولى هذه الآيات - هذه الآية - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 56)
1-على أنّ الموت هنا مفارقة الحياة.
2-ومنهم من قال ﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (البقرة: 56) بأنّ أغمي عليهم ثمّ أفاقوا؛ لكن على تفسير الإماتة بأنّها المفارقة. مفارقة الرّوح؛ فإنّه أوّل الدّلائل على هذا في هذه السّورة الكريمة - والعلم عند الله -، وهذا هو الأقرب لظاهر الدّليل أو لظاهر الآية.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 57)
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾ (البقرة: 57) فذكر سبحانه أنّه سلّمهم، وأنّه بعثهم من بعد موتهم فسلموا، ثمّ بعد ذلك ذكر أيضًا مواضع الإنعام : قد أنعم عليهم :
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾ (البقرة: 57) وقالوا هنا في المختصر (ومن نعمنا عليكم أن أرسلنا السّحاب يظلّكم من حرٍّ الشّمس ) وهذا معنى﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾ (البقرة: 57) فالغمام قيل له غمامٌ : لأنّه يستر ضوء الشّمس.
قال ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾ (البقرة: 57) يعني بهذا الغمام الّذي يظلّكم من حرٍّ الشّمس لئلّا تؤذيكم.
﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ (البقرة: 57) قالوا هنا في المختصر(لـمّا تهتم في الأرض ) : يعني في فترة التّيه، وهذا ما عليه الأكثرون أنّ هذا وقع في فترة التّيه ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (المائدة: 26) [سورة المائدة:26].
ففي هذه الفترة الّتي امتنعوا عن دخول الأرض المقدّسة وقالوا لنبيّ الله موسى ﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ (المائدة: 24) [سورة المائدة:24]. إلى آخر الآيات الكريمة، فصاروا في فترة التّيه، وحينئذٍ كان من كرم الله وتيسيره لهم مع ما وقع منهم أنّه ظلّل عليهم الغمام فلا تؤذيهم؛ حتّى وإن لم يكونوا قابعين في أماكن ولم يكونوا مقيمين في مساكن.
قال ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ (البقرة: 57) فيسّر لهم الظّلال، ويسّر لهم الطّعام والشّراب (ممثّلاً في المنّ والسّلوى ) قالوا في المختصر (وأنزلنا عليكم من نعمنا شرابًا حلّوا مثلٌ العسل، وطائرًا صغيرًا طيّب اللّحم يشبه السّماني )، فهذا هو المنّ، والسّلوى طائرًا صغيرًا طيّب اللّحم يشبه السّمان، وهذا عليه الأكثرون في تفسير الكلمتين (المنّ والسّلوى ) وفيهما تفسيراتٌ أخرى.
وبعض العلماء قال : قدّم أيضًا (المنّ ) : الّذي هو شيءٌ حلوٌ على السّلوى وهو الطّعام (كاللّحم )، كما هي عادة القرآن الكريم في تقديم ما كان من جنس الحلو أو من جنس الفاكهة على ما كان من جنس اللّحم أو الأطعمة.
﴿كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ (البقرة: 172) (وقلنا لكم ) : كلوا. فـ (القول ) هنا مقدّرٌ عرف من قرينة السّياق.
﴿كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا﴾ (البقرة: 57) قالوا في المختصر (وما نقصونا شيئًا بجحدهم هذه النّعم وكفرانها ) فهم لم ينقصوا الله شيئًا -
قال ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 57) يظلمون فهنا قال ﴿وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 57) دلالةً على استمرارهم على هذا الظّلم والعدوان. نسأل الله السّلامة والعافية.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• عظم نعم الله وكثرتها على بني إسرائيل، ومع هذا لم تزدهم إلّا تكبّرًا وعنادًا :
وهذا واضحٌ في الآيات وإذ، وإذ، وإذ كلّ هذا تذكير بنعم الله -، فهي نعمٌ كثيرةٌ ومتتاليةٌ.
• سعة حلم الله تعالى ورحمته بعبادة، وإن عظمت ذنوبهم.
ولذلك فتح لهم مجال التّوبة ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 54) وأيضًا بعد أن قالوا ما قالوا ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 55) بعدها قال ﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 56) فهذا من كرم الله وفضله على العباد
• الوحي هو الفيصل بين الحقّ والباطل
وهذا مأخوذٌ من تسمية التّوراة بالفرقان في قوله ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53).
﴿الٓمٓ﴾ (البقرة: 1)
لا تزال الآيات الكريمة تذكر لنا بعض النّعم الّتي أنعم الله بها على بني إسرائيل الّذين كانوا مع نبيّ الله موسى -’ -، وفي هذا تذكيرٌ لبني إسرائيل الموجودين على عهد النبي ﷺ بما وقع لآبائهم وأجدادهم، فقال هنا (وإذ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾) أي : واذكروا إذ ﴿قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ (البقرة: 58) فسّروا هذه القرية : بـ بيت المقدس، ﴿وَقِيلَ﴾ أريحا، وكثيرون يقولون : هي بيت المقدس.
﴿فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ (البقرة: 58) أي : أكلاً هنيئًا واسعًا ﴿وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا﴾ (البقرة: 58) ربّكم قد أنعم عليكم بدخول هذه القرية، فادخلوها شاكرين خاضعين. وهذا ما فعله النّبيّ الكريم محمّد -‘ - حينما دخل مكّة فاتحًا؛ فإنّه -‘ - دخل وهو يخفّض رأسه -‘ -، ويشكر ربّه ويتواضع له، وصلّى ثماني ركعات صلوات ربّي وتسليماته عليه ضحى، فهذا من شكر الله - سبحانه - على العباد، من شكر الله سبحانه إذا أنعم على العباد.
أمّا هؤلاء لما قيل لهم ﴿وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا﴾ (البقرة: 58) أي خاضعين لله - - ( وقولوا حطّة ٞ ) وقوّلوا حطّه يعني : أمرنا حطّه أو يا ربّنا حطّ عنّا ذنوبنا، اطلبوا من الله أن يغفر لكم، فمًا كان منهم إلّا أنّ بدّلوا كما قال الله ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ (البقرة: 59) جاء في الصّحيحين أنّهم قالوا : حنطةٌ؛ بدلاً من أن يقولوا : (حطّه ) قالوا : حنطةٌ : حبّةٌ في شعيرٍ، جاء في الرّواية قالوا (حبّةٌ في شعيرٍ ) يعني : بدلوها يعني من الحنطة؛ فكان هناك التّبديل.
(وقولوا حطّة ٞ نّغفر لكم خطيكم وسنزيد ٱلمحسنين فبدّل ٱلّذين ظلموا قولًا غير ٱلّذي قيل لهم فأنزلنا على ٱلّذين ظلموا رجزٗا مّن ٱلسّمآء بما كانوا يفسقون ) قالوا هنا في المختصر (فدخلوا يزحفون على أدبارهم وقالوا حبّةً في شعره، مستهزئين بأمر الله فكان الجزاء أنّ أنزل الله على الظّالمين منهم عذابًا من السّماء بسبب خروجهم عن حدّ الشّرع ومخالفة الأمر )
وقولهم هنا (عذابًا من السّماء ) : هذا تفسيرٌ لكلمة (رجزًا ) إذا ما معنى رجزًا من السّماء؟ يعني عذابًا من السّماء.
﴿بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: 59) الباء سببيّةٌ؛ لذلك قالوا في المختصر (بسبب خروجهم عن حدّ الشّرع ومخالفة الأمر)
وقوله سبحانه ﴿وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 58) فيه دليلٌ على أنّ الاستغفار ممّا يجلب مغفرة الله؛ فإذا قيل ما الّذي يجلب مغفرة الله؟ يقال : من ذلك الاستغفار بدليل هذه الآية وآيات كثيرةٍ. ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾ (نوح: 10) (نوح : 10 ) قال هنا في المختصر (وقوّلوا ربّنا حطّ عنّا ذنوبنا؛ نستجب لكم، وسنزيد الّذين أحسنوا في أعمالهم ثوابًا على إحسانهم )
قال ﴿وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ﴾ ما الجزاء؟ ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ﴾ (البقرة: 58) وما الزّيادة؟ ﴿وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ (البقرة: 59) حينما قالوا حبّة شعيرةٍ ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: 59) ثمّ قال:
﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60)
ثمّ قال ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ﴾ (البقرة: 60) اذكروا إذ استسقى موسى لقومه وهذا أيضًا فترة التّيه، حينما كانوا يقع منهم العطش، ويحتاجون إلى الماء فاستسقى لهم موسى -’ -، وفيه أنّ النّبيّ والصّالح يستسقي لقومه بأن يطلب المدد من الله وأن يرزقهم الله.، وشرع لنا في ديننا صلاة الاستسقاء.
قال ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة: 60) على عدد القبائل. وقد كانوا ﴿ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾، كما جاء في آية سورة الأعراف، فرزقهم الله - بهذا كلّه. قال ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ (البقرة: 60) يعني موضع شربهم الخاصّ؛ لئلّا يعتدي بعضهم على بعضٍ، فقد علم منهم التّفرّق والعداء ف لئلّا يقع عداء جعل الله - هذا الّذي يتفجّر اثنتا عشرة، جعله اثنتا عشرة عيّنا.
قال ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60)
العثو : التّمادي في الفساد، أي ولا تتمادوا في الأرض مفسدين.
(﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى﴾ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ )
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ﴾ (البقرة: 61) هذا الّذي قلتموه (لن نصبر على طعامٍ واحدٍ )، هذا الطّعام نريد أن تغيّره لنا، مع أنّه طعام غأيةٍ في الجودة، فهو طعامٌ نازلٌ من السّماء من وسلوى وطعامٍ جميلٍ وعظيمٍ؛ لكنّهم مع ذلك قالوا ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ﴾ (البقرة: 61) وإذا قال قائل لم سموّه بطعامٍ واحدٍ؟ باعتبار أنّه يكون على مائدةٍ واحدةٍ؛ حتّى وإن تنوّعت الأطعمة، وإلّا فالمن شيءٌ والسّلوى شيءٌ آخر.
قالوا﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (البقرة: 61) هكذا بسوءٍ أدّبهم، ادع لنا ربّك، ادع أنت لنا ربّك ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (البقرة: 61) قالوا هنا في التّفسير (من بقولها وخضرها وقثّائها (يشبه الخيار لكنّه أكبر ) وحبوبها وعدسها وبصلها؛ طعامًا؛ ).
قوله (وقثّآئها ) : قالوا (يشبه الخيار لكنّه أكبر )، وهو ما يسمّى في زماننا هذا بـ (الأتة ) فهذا معنى (وقثّآئها). قالوا (وحبوبها ) : هذا تفسيرٌ للفوم؛ فالفوم :-
1-قالوا (الحبوب ).
2-ومنهم من قال : بل الفوم : الثّوم.
ومنهم من قال بل الفوم المراد به : الحنطة.
إذًا قوله (وفومها) فيه أقوالٌ، منهم من قال المراد به الثّوم، ومنهم من قال الحنطة.
ومنهم من قال : - ما يخبز به من الحبوب عمومًا وهنا فسّروها بالحبوب، (ففي هذه الفترة الّتي امتنعوا عن دخول الأرض المقدّسة وقالوا لنبيّ الله موسى ﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ (المائدة: 24) [سورة المائدة:24]. إلى آخر الآيات الكريمة، فصاروا في فترة التّيه، وحينئذٍ كان من كرم الله وتيسيره لهم مع ما وقع منهم أنّه ظلّل عليهم الغمام فلا تؤذيهم؛ حتّى وإن لم يكونوا قابعين في أماكن ولم يكونوا مقيمين في مساكن.
(وعدسها وبصلها )
﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 61) وتأمّلوا - أيّها الإخوة الكرام - المتروك هو ماذا : الّذي هو خيرٌ (المنّ والسّلوى )، لذلك دخلت عليه الباء؛ وتقدّم أنّ الباء تدخّل مع مادّة الاستبدال، تدخّلٌ على المتروك وقد نبّهنا على هذا في بعض المواضع الّتي وقع أصحاب المختصر على غير الوجه المشهور في اللّغة. قال ﴿ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا﴾ (البقرة: 61) أي انزلوا من هذه الأرض إلى أيّ قريةٍ فقوله (مصرٗا) جاءت منكرةً؛ فليس المراد بها مصرنا الغالية الحبيبة - حرصها الله من كلّ سوءٍ - وإنّما المراد بها : أيّ مصرٍ هذا متوفّرٌ في أيّ مكانٍ.
المنّ والسّلوى : هذا عطاء خاصٌّ من الله؛ أمّا البصل، القثّاء، والثّوم والعدس والبصل فهذا متاحٌ
قال ﴿ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ﴾ (البقرة: 61) ضربت عليهم الذّلّة، كما أنّ القبّة تضرب على من بداخلها، فتعمّهم وتغطّيهم، معناها أنّ الذّلّة : كنأيةٌ عن عمومها وأنّها أحاطت بهم فقوله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ﴾ (البقرة: 61) فيه: كنايةٌ عن إحاطة الذّلّة بهم، من الهوان والفقر.
قال (وٱلمسكنة) والمسكنة جاءت من كلمة السّكون؛ لأنّ الإنسان الفقير والذّليل الضّعيف، يقرّ في مكانٍ لا لأنّه لا يجد شيئًا يتحرّك من أجله، وليس معه ما يدعمه في التّنقّل والخروج هنا وهناك.
(وضربت عليهم) وأيضًا فيه أنّهم أصيبوا بالذّلّ والهوان والجبن وما إلى ذلك.
﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 61) رجعوا بغضبٍ من الله، ذلك يعني هذا الّذي وقع لهم ما سبّبه؟ ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 61) وتأمّل التّعبير ﴿كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ﴾ (البقرة: 61): يعني أنّ هذا الكفر مستمرٌّ منهم.
﴿كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ (البقرة: 61) وقوله بغير الحقّ : هذا لبيان الواقع، فهو وصفٌ كاشفٌ وليس قيدًا للاحتراز؛ لئلّا يقول قائلٌ : إنّ الله قال (ويقتلون النّبيّين بغير الحقّ ) فهل هناك قتل للنّبيّين بحقٍّ؟ يقال لا يمكن؛ فأيّ قتلٍ للنّبيّ، يكون بغير حقٍّ، ولذلك جاء في الحديث (اشتدّ غضب الله على رجلٍ قتل نبيًّا أو قتله نبي )، فهذا الّذي قتله نبيٌّ لا شكّ أنّه على ضلالٍ عظيمٍ؛ أو الّذي قتل نبيًّا فهذا على ضلالٍ عظيمٍ.
فقوله ﴿بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ (البقرة: 61) : هذا يقال له لبيان الواقع، وصف كاشفٌ ليس للاحتراز، وهذا له أمثلةٌ في القرآن الكريم كقوله - ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (المؤمنون: 117) [المؤمنون: 117]، فقوله ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ﴾ (المؤمنون: 117) هذا وصفٌ كاشفٌ لا يقال: إنّه يجوز دعاء إلهٍ مع ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كان له برهانٌ؛ لأنّه لا يمكن أن يكون هناك إلهٌ مع الله أو أن يكون له برهانٌ فهذا محالٌ. ولذلك هذا يقال له من بيان الواقع أو وصفٍ كاشفٍ؛ وليس قيدًا للاحتراز، ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ مفهوم مخالفةٍ كما يقول أهل الأصول.
قال ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟﴾ (البقرة: 61) أي : بسبب عصيانهم (وّكانوا يعتدون) وبسبب اعتدائهم. قالوا في المختصر (كلّ ذلك بسبب أنّهم عصوا الله وكانوا يتجاوزون حدوده ) بسبب أنّهم عصوا الله وكانوا يتجاوزون حدوده
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
كلّ من يتلاعب بنصوص الشّرع ويحرّفها فيه شبه باليهود، وهو متوعّدٌ بعقوبة الله تعالى
ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109) فالّذي يتلاعب بنصوص الشّرع هذا محرّفٌ وهو متوعّدٌ بهذا الوعيد. نسأل الله السّلامة، وهؤلاء كما تقدّم حرّفوا وبدّلوا، فكلمةٌ (حطّه ) قالوا عنها حبّة الشّعيرة أو قالوا حنطةٌ، وهذا معروفٌ عند أهل التّحريف. نسأل الله السّلامة، وقد ذكر بعض أهل العلم أنّ النّصارى قالوا في فيما جاء في كلام الله - سبحانه - على ما ذكر بعض أهل العلم : (يا عيسى أنا ولدتك ) فقالوا : يا عيسى أنا ولدتك، وأثبتوا بذلك ولدية عيسى لله – سبحانه - وهذا باطلٌ بلا شكٍّ، وهكذا التّحريف موجودٌ. فنسأل الله السّلامة.
عظم فضل الله تعالى على بني إسرائيل، وفي مقابل ذلك شدّة جحودهم وعنادهم وإعراضهم عن الله وشرعه
وهذا واضحٌ. فالله تفضّل عليهم وأنعم عليهم، ومع ذلك فإنّهم جاحدون معاندون ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: 61).
• أنّ من شؤم المعاصي وتجاوز حدود الله تعالى ما ينزل بالمرء من الذّلّ والهوان، وتسلّط الأعداء عليه
فمن شؤم المعاصي وتجأوز حدود الله تعالى ما ينزل بالمرء من الذّلّ والهوان، وهذا واضحٌ من قوله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ﴾ (البقرة: 61) ولذلك أبى الله إلّا أن يذلّ من عصاه، وفي الحديث (وجعل الذّلّ والصّغار على من خالف أمري ).
(﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾)
هذه الآية الكريمة لها مناسبةٌ بالآية السّابقة، فالله - سبحانه - لما ذكر أنّ بني إسرائيل وقع منهم ما وقع، وأنّ كثيرًا منهم يكفرون بآيات الله، ويقتلون النّبيّين بغير الحقّ. أراد الله - أن يبيّن أنّ هذا الحكم ليس لجميعهم؛ فإنّ القرآن الكريم قد أنصف النّاس كلّهم. وإنّ الرّبّ - علمنا العدل سبحانه وبحمده، والله أمر به فقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ﴾ (النحل: 90) ولذلك ربّنا قال ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 66)، وقال ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113) [سورة آل عمران:113].، فلذلك قال هنا :
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ (البقرة: 62) فذكر الّذين هادوا.
إذا كثير من الّذين هادوا أوصافهم منطبقةً على ما سبق في الآية السّابقة، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: 61) لكن لا يمنع هذا أنّ هناك فريقًا منهم آمنٌ بآيات الله ولم يكذب رسل الله، لذلك قال الله : ما الضّابط؟ وما الحكم؟ وما القاسم المشترك في ذلك؟ قال (إنّ ٱلّذين ءامنوا وٱلّذين هادوا وٱلنّصرى وٱلصّبـٔين من ءامن بٱللّه وٱليوم ٱلأٓخر)
هذا هو الحكم العامّ، فمن أمن من هؤلاء جميعًا بالله واليوم الآخر، وعمل صالحًا فهو ناجٍ ﴿وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62) إذًا لا يقول قائل : إنّ هذا أفضل من هذا، يقال له إنّ الضّابط مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وعمل صالحًا ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274) وهنا قال في أوّل الآية : (أنّ الّذين آمنوا ) في أوّل الآية، ثمّ قال :
﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ (البقرة: 62) :
1-قال بعضهم : إذ إنّ الّذين آمنوا هنا المراد بهم : - إنّ الّذين آمنوا أيّ من أهل النّفاق آمنوا في الظّاهر. 2-وقال آخرون : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 277) أي : بإبراهيم ’ هذا قول ثاني.
3-ومنهم من قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 277) أي : من هذه الأمّة، ولكن بعد ذلك قال ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ (البقرة: 62) أي : من استمرّ على الإيمان،
أو أنّ الّذين آمنوا عامّةٌ، ثمّ قال ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ : يعني من استمرّ على الإيمان.
(وٱلّذين هادوا) اليهود، وقالوا نسبوا إلى يهوذا أكبر أبناء يعقوب -’ -، فلمّا عرّبت قيل لها : يهودٌ.
2-﴿وَقِيلَ﴾ : لقولهم ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: 156)، بعد أن عبّدوا العجل وتابوا إلى الله فقيل لهم يهودٌ، أو قيل لهم هادوا.
(وٱلنّصرى وٱلصّبـٔين) النّصارى جمع نصرانيٍّ، ويقال له نصرانيٌّ ثمّ يقال : نصارى.
(وٱلصّبـٔين)
1-قالوا هنا في المختصر : (وهم طائفةٌ من اتّباع بعض الأنبياء )
2-وقال آخرون : بل هم عبدة الكواكب.
3- ﴿وَقِيلَ﴾ عبدة الملائكة. 4- ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك.
وأصل الصّبا أنّه صبا، يعني : أنّه مال عن شيءٍ إلى شيءٍ آخر /أو ترك شيئًا إلى شيءٍ آخر.
ولذلك اتّهموا النبي ﷺ وقالوا عنه : هذا الصّابئ؛ لأنّه ترك ما هم عليه - صلوات الله وتسليماته - عليه من الشّرك، ومال إلى التّوحيد بل هو نبيّنا -‘ - موحّدٌ كما لا يخفى حنيفيٌّ ولم يعبد غير الله - لا قبل الإسلام ولا بعده. الفرق أنّ الله أعلمه بالدّين بعد الإسلام كما قال ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52)
قال (من ءامن بٱللّه وٱليوم ٱلأٓخر) هنا قد يردّ إيراد، أو إشكالٍ قد يقول قائل إنّ معنى ذلك : أنّ اليهوديّ والنّصرانيّ يكفيهما أن يؤمنا بالله وباليوم الآخر وإن لم يؤمنا بالرّسول محمّد -‘ -. يقال : لا هذا لا يكفيهم، لا يكفيهم ولابدّ وأن يؤمّنوا بالرّسول -‘ - إذا بلغهم أمر الرّسول؛ فإنّ الرّسول -‘ - قال (والّذي نفسيٍّ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمّة يهوديٌّ ولا نصراني ثمّ لم يؤمن بالّذي جئت به إلّا كان من أهل النّار ) فكيف ذلك؟ فنقول إنّ الآية الكريمة فيها مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ باعتبار أنّ الإيمان بالله هذا بدأية الإيمان واليوم الآخر هذا آخرٌ أركان الإيمان، وبينهما أركانٌ فلا بدّ من مراعاة هذه الأركان أيضًا، كما قال الله في شأن المنافقين (﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾)
ومعنى الكلام: ومن النّاس من يقولون آمنا بالله وبكلّ أركان الإيمان...، إذًا مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وما يتعلّق بذلك من أركان الإيمان أيضًا، ومنها الإيمان بالرّسول - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - وعليه أيضًا فينظر في الآية والآيات الأخرى، فحينئذٍ يجمع بين الآيات الكريمة.
لأنّ بعض النّاس فهم خطأً فقال : إنّ هذه الآية دلّت على هذا، لذلك ذهب بعض العلماء على الوجه المقابل قالوا إنّ الآية منسوخةٌ، ولا حاجةً إلى القول بالنّسخ.
ولكنّ الآية الكريمة تقرّر : قاعدةٌ عامّةٌ كما تقدّم، وهي أنّ الله بعد أن ذمّ اليهود، بيّن أنّ منهم فريقًا يؤمنون بالله فلذلك قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ (البقرة: 62) إلى أن قال (من ءامن بٱللّه وٱليوم ٱلأٓخر) وأيضًا ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالله ومن الإيمان بالله : الإيمان وبما جاء في كتب الله وبما جاء على طريق أو عن طريق رسل الله
قال ﴿وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62)
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 63)
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ﴾ (البقرة: 93) واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق : العهد المؤكّد من الإيمان بالله ورسله.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ (البقرة: 93) والمراد بالطّور : الجبل الّذي رفعه الله فوقهم تخويفًا لكم وتحذيرًا من ترك العمل بالعهد، كما قال ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ﴾ (الأعراف: 171) [الأعراف: 171]، وتأمّل أخيّ الكريم كيف أنّ الله سبحانه ليزجرهم -رفع الجبل فصار فوقهم -وهذا يدلّ على قسوة القلوب، لأنّ الإنسان الحرّ تكفيه الإشارة؛ وأمّا هؤلاء فرفع الله الجبل فوقهم حتّى يتّعظوا.وقال ﴿خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 63) [الأعراف: 171].ثمّ بعد ذلك وقع منهم ما وقع أيضاً.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (البقرة: 64)
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 64) سبحان الله! هذا عجيبٌ! بعد أن وقع منهم ذلك ورأوا بأعينهم بأمّ رؤوسهم، الدّلائل الواضحة على عظيمٍ قدرة الله - ومع ذلك! ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (البقرة: 64).