مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس الثامن - في رحاب آية

في رحاب آية · الدرس 8 من 31 · 18 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. آية الدعاء تضرعا وخفيا
  2. أمر الله عباده بدعائه
  3. معنى التضرع والافتقار إلى الله
  4. معنى الخفية وإسرار الدعاء
  5. التحذير من الاعتداء في الدعاء
  6. أصل مادة التضرع لغةً
التفريغ النصي الكامل للدرس

آية الدعاء تضرعا وخفيا

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾12 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشاهدون الكرام في هذه المجالس ومع هذه السلسلة في رحاب آية. وهذا هو المجلس الثامن من هذه المجالس. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال ونحن اليوم على موعد مع آية كريمة جليلة من سورة الأعراف. قال الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً34 ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾56.

أمر الله عباده بدعائه

هذه آية جليلة عظيمة يأمرنا الله سبحانه وتعالى، فيها بأن ندعوه ويبين لنا كيف ندعوه عز وجل. فيقول: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾7 الله هو الذي يأمرنا بأن ندعوه. وهذا معنى جليل يبين لنا كرم الله سبحانه وتعالى، وسعة مغفرته وسعة رحمته الله هو الكريم هو الذي يأمرنا بأن ندعوه بنو آدم حينما تلح عليهم في السؤال فإنَّهم يكرهون ذلك منك وأقرب الناس إليهم أقل الناس سؤالًا والذي يسألهم كثيرًا يملونه ويكرهونه لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وبنو آدم حين تسألهم يغضبون الله سبحانه وتعالى، هو الذي يأمرنا بأن ندعوه.

ولذلك جاء عنه ﷺ «مَن لم يسأل الله يغضب عليه» فربنا يقول ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾8 هو الذي يأمرنا بأن ندعوه سبحانه وتعالى، والدعاء يشمل النوعين دعاء العبادة ودعاء المسألة أي: اعبدوا الله، وكذلك سلوا الله عز وجل.

وقال ربكم ﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾910. ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ11 تَضَرُّعًا12 وَخُفْيَةً﴾. سلوا ربكم متضرعين، وكذلك سلوه سبحانه وتعالى، في الخفاء. ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ13 تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وقوله: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ بذكر قوله ربكم إشارة إلى أننا ندعوه لأنه ربنا وهو المنعم علينا وهو صاحب المن والإحسان والفضل والجود والإكرام سبحانه وتعالى، هو ذو الجلال والإكرام ادعوه لأنه ربكم سبحانه وتعالى، ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا14 وَخُفْيَةً﴾ ثم يبين الله لنا سبحانه وتعالى، كيف ندعوه فيقول: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾15 أي: متضرعين خاشعين متذللين خاضعين له سبحانه كثير من الناس حينما يدعو لا يحسن في الدعاء وإنَّما عليه أن يحسن الدعاء وأن يعلم الطريقة المشروعة التي يدعو بها ربه عز وجل وهنا بين الله سبحانه وتعالى، لنا أمرين في الدعاء.

معنى التضرع والافتقار إلى الله

فقال ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. أما التضرع فهو الخضوع والخشوع والتذلل والسكينة لله سبحانه وتعالى، ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾. وقد قال بعض العلماء: الخشوع يكون على الجوارح. وأما التضرع فيكون في القلب فمعنى ذلك أنك تدعو ربك وقلبك متضرعًا وقلبك ذليل مستكين مفتقر إلى الله سبحانه. تعلن حاجتك وفاقتك وفقرك إلى الله.

تتذكر وتستحضر قول الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ16 ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾17. تستشعر أن الفقر وصف لازم لك لا ينفك عنك وأن الغنى وصف لله سبحانه وتعالى، لا ينفك عنه عز وجل والفقر لي وصف ذاتي لازم أبدًا كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي تتذكر أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي لأنَّ كثيرًا من الناس يظلم نفسه وهو لا يدرك ذلك.

أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي وكل خير من عنده يأتي. والخير إن يأتنا من عنده يأتي الخير إن يأتنا فإنما يأتي من عند الله ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾18 تعلن تضرعك وافتقارك إلى الله سبحانه ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ فلا ينبغي لك وأنت تدعو الله، أن تدعوه وأنت مستكبر وأنت ترى مكانك وأنت ترى نفسك وأنت ترى لنفسك قدرًا.

ولذلك كان من الدعاء الجميل اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك، أن أكون في نفسي كبيرًا وأن أكون عندك صغيرًا لا ينبغي أن تكبر نفسك عليك ﴿أَنَّمَا﴾ تتواضع وتتذلل وتفتقر إلى الله سبحانه حينئذ يكون دعاؤك أرجى للإجابة بفضل الله سبحانه. ولذلك ربنا قال. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ19 فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾20 ربنا قد يبتلينا بالسراء يبتلينا بالبأساء والضراء يبتلينا بالشدة في المال والشدة بالمرض وما إلى ذلك فتصاب بمرض أو بفقد مال بابتلاءات متعددة ما الغرض من هذه الابتلاءات أن تتضرع إلى الله سبحانه، أن تفتقر إليه ﴿إِلَّا﴾ تكبر نفسك عليك ﴿إِلَّا﴾ ترى أنك فلان وفلان وأن معك كذا وكذا ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ21 أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾22.

وقال. ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾2324 لذلك ما نحياه في هذه الأيام من هذا الابتلاء الذي عم في أرجاء المعمورة علينا أن نتضرع إلى الله عز وجل وأن نحسن التضرع إليه والافتقار إليه والتذلل إليه وأن نعلم أنه لا غنى لنا عنه طرفة عين «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» كان نبينا ﷺ يقول ذلك ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ أن تدعوه وأنت متضرع وأنت معلن لافتقارك فبذا تكون مضطرًا. ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾2526. وقد قال بعض العلماء: سؤال المتضرع مثله كمثل الغريق الذي يسأل الله النجاة من غرقه. انظر إلى الغريق حينما يكون في البحر. وقد أوشك على الغرق وهو يطلب المدد والعون والإغاثة كيف يكون ابتهاله وكيف يكون تضرعه وكيف تكون استغاثته هكذا يكون المؤمن في دعائه إلى ربه عز وجل هكذا يكون المؤمن في دعائه لربه سبحانه وتعالى، ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾2728 تتضرع إليه سبحانه وتقول أسألك سؤال المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير دعاء من خضعت لك رقبته وذل لك جسده ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه تتضرع إلى الله فتفتقر إليه فيعطيك الله عز وجل من عطائه الذي لا ينفد.

بل أقول لك: أبشر ﴿أَنَّمَا﴾ إنك حينما تتضرع إلى الله يعطيك الله من الخيرات، ومن المعارف، ومن الهبات، ومن الفتوحات، ومن العطايا، ومن المنح ما هو أعظم من مطلوبك ولذلك بعض الناس قد يقصر في بعض الأحوال. وقد يفرط في جنب الله. وقد يبتليه الله، فيحسن التضرع، فيجد في التضرع لذة ينسى بها ما كان يريد أن يُقضى له، لأنَّ التضرع يورث العبد فقرًا وافتقارًا إلى الله والافتقار والانكسار ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عبادة عظيمة جليلة يغفل عنها كثيرون مع أنَّها توصل إلى الله من أقرب طريق توصل إلى الله من أقرب طريق ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ على العبد أن يستشعر هذا.

معنى الخفية وإسرار الدعاء

المعنى. ثم قال سبحانه ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ والخفية من الخفاء. وهذا غير ما ورد في آخر سورة الأعراف ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾2930 فخيفة من الخوف، يعني: أدعو ربك وأنت ترجو أو اذكر ربك وأنت تخاف منه سبحانه فأنت ترجو رحمة الله، وتخاف عقابه معنى الخوف جاء في الآية التي تلي الآية التي معنا، قال الله فيها ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾313233. ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾34. لكن خفية ليست من الخوف، ﴿أَنَّمَا﴾ هي من الخفاء، ادعُ ربك في خفاء دون أن تستعلن أو تجهر بالدعاء لأنَّ الله سميع قريب ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ﴾، سبحانه وتعالى. ولذلك ربنا أثنى على زكريا عليه السلام. فقال ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا﴾3536. وذلك أنَّ الدعاء الخفي يشعر معه العبد بالقرب من الرب والدعاء الخفي يكون كذلك أدعى للإخلاص، ويكون أجمع للقلب، إلى غير ذلك من فوائد عديدة للإسرار بالدعاء، فأنت حينما تسر به، تشعر بقربك ممن تناجيه وهو الله، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾3738، كذلك تستجمع قلبك في ابتهالك وتضرعك لربك سبحانه وتعالى.

كذلك أنت حينما تدعو في السر. فإنَّ ذلك أدعى للإخلاص فلا ترائي بدعائك، ولا بكلامك مخلوقًا من المخلوقين.

ولذلك نبينا ﷺ لما كان معه بعض الصحابة الكرام كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه في الصحيحين، وكبر بعض الصحابة ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، قال «أربعوا على أنفسكم، إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب، لا تدعون أصم ولا غائبا». فقال ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾39، وليس معنى ذلك، أن الدعاء كله يكون سرًّا، الدعاء في السر في الجملة أفضل.

لكن هناك أدعية يشرع معها الجهر، كما لو دعا الإمام في القنوت، فإنَّه يدعو حتى يؤمِّن المأمومون على دعائه، حتى يؤمِّن خلفه على دعائه الذي يدعو به ربه سبحانه وتعالى، وكذلك في بعض الأدعية كما دعا الرسول ﷺ في الاستسقاء وهو على المنبر «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» فحينئذ يشرع الجهر.

التحذير من الاعتداء في الدعاء

لكن أيضًا بأدب وتضرع وتذلل لله ليس بافتخار، ولا تكبر، ولا تعالٍ ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً40 ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾4142 قال بعضهم هي جملة تعليلية أي: لأنه ﴿لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾43 قيل المعتدون المشركون فالله لا يحبهم وإنَّما يأمرنا نحن معشر المسلمين، أن ندعوه ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾44 لأنه ﴿لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾45 والمعتدي هو الذي يتجاوز حده فيظلم، ولا يطيع الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾46.

ومن ذلك أيضًا ﴿إِلَّا﴾ تكون معتديا في الدعاء، فبعض الناس قد يدعو بما فيه إثم أو قطع رحم. وهذا من الاعتداء في الدعاء، بعض الناس قد يدعو بتحقيق أمر مخالف أو أمر فيه معصية. فهذا من الاعتداء في الدعاء، بعض الناس يدعو بتفاصيل ليس من الحسن ذكرها. وقد جاء عند أحمد وأبي داود من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه سمع ابنًا له يدعو اللهم.

إن أدخلتني الجنة فاجعل القصر الأبيض منها عن يمين الجنة يدعو ربه، أن يكون له القصر الأبيض عن يمين الجنة فسمعه والده عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. فقال له: يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار47 فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور»48 يعتدون في الدعاء.

فهذا من الاعتداء في الدعاء كما فهمه هذا الصحابي الجليل، وكذلك في أمر الطهارة فربنا قال ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾، وفي الآية التي بعدها دعانا وأمرنا ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾49 وحذرنا مما يكون سببًا في عدم قبول الدعاء، ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾5051 كما بين ﷺ وذكر «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك».

أصل مادة التضرع لغةً

﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. راجع نفسك في الدعاء. في ختام هذا المجلس. انظر إلى أدعيتك التي تدعو بها وإلى الكيفية التي تدعو بها فادعُ وأنت متضرع وأصل مادة ضرع تدل على اللين، ومنه الضرع الذي يخرج منه أو ينزل منه اللبن تراه لينا. وهذا معناه: أن المتضرع يلين بالإيمان يلين قلبه. ولذلك يقبل على طاعة الله مولاه فينكسر ويذل للرب الكريم سبحانه وتعالى.

وكذلك مادة ضرع ويقال هذا ضارع، يعني: نحيف وضعيف. وهذا معناه: أن المتضرع يظهر فقره ويظهر صغره وأنه صغير ضعيف لا غنى له عن الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾. نسأل الله أن يعيننا على الدعاء وأن يتقبل منا الدعاء وكما قال بعضهم «إني لا أحمل هم الإجابة ولكني أحمل هم الدعاء» لأن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ منَّ على العبد وسعى عليه في الدعاء؛ وإلا فالعبد الغافل لا يوفق للدعاء ابتداء فإذا وفق العبد للدعاء ووفق لحسن الدعاء وراعى آداب الدعاء.

فهذا توفيق من الله. نسأل الله أن يفرج كربنا وأن يزيل غمنا وأن يصلح أحوالنا وأن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وشكر الله لكم وسبحان منزلة بليلة قدره درب الهداية واضحات بياني يتلوه أحمد لدنا وهي التي عطشت لقطر هداية هتاني

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
  3. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — الأعراف: 55 ↩
  4. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  5. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — الأعراف: 55 ↩
  6. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  7. آية: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — الأعراف: 55 ↩
  8. آية: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  9. آية: ﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ — غافر: 60 ↩
  10. آية: ﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 60 ↩
  11. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ — الأعراف: 55 ↩
  12. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ — الأعراف: 55 ↩
  13. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  14. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ — الأعراف: 55 ↩
  15. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  16. آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ — كما ورد في الدرس: فاطر 15 ↩
  17. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ — فاطر: 15 ↩
  18. آية: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾ — النحل: 53 ↩
  19. آية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ — الأنعام: 42-43 ↩
  20. آية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ * فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ — كما ورد في الدرس: الأنعام 42-43 ↩
  21. آية: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ — العلق: 6-7 ↩
  22. آية: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ * أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 6-7 ↩
  23. آية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ — المؤمنون: 76 ↩
  24. آية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 76 ↩
  25. آية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ — النمل: 62 ↩
  26. آية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 62 ↩
  27. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — الأعراف: 55 ↩
  28. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — الأعراف: 55 ↩
  29. آية: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ — الأعراف: 205 ↩
  30. آية: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 205 ↩
  31. آية: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — الأعراف: 56 ↩
  32. آية: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 56 ↩
  33. آية: ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 56 ↩
  34. آية: ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — الأعراف: 56 ↩
  35. آية: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا﴾ — مريم: 3 ↩
  36. آية: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 3 ↩
  37. آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — البقرة: 186 ↩
  38. آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
  39. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — الأعراف: 55 ↩
  40. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — الأعراف: 55 ↩
  41. آية: ﴿لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — الأعراف: 55 ↩
  42. آية: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — الأعراف: 55 ↩
  43. آية: ﴿لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  44. آية: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ — الأعراف: 55 ↩
  45. آية: ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — الأعراف: 55 ↩
  46. آية: ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 55 ↩
  47. أثر: يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار — الذكر في الدرس: عبد الله بن مغفل ↩
  48. حديث: «سيكون في أمتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور» — نسبة الشيخ: أحمد وأبي داود ↩
  49. آية: ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — الأعراف: 56 ↩
  50. آية: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ — الأعراف: 56 ↩
  51. آية: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 56 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: وَمَا بِكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ — كما ورد في الدرس: النحل 53

من سلسلة: في رحاب آية (31 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة