سورة يونس — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ﴾ ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ﴾ آيات كثيرة، هذه السنن الإلهية على نوعين:
هناك سنن كونية قدرية لا تتخلف ولا تتبدل، قدرها الله عز وجل في عباده أن تقع، تكون
وهناك سنن اجتماعية، هذه السنن ترتبط بالبشر بأن جعلها الله سبحانه لصلاح حال الناس، وأيضا ليعرفوا ما لهم وما عليهم، كسنة الابتلاء وتسخير بعض الخلق إلى بعض، وما إلى ذلك من السنن المعروفة والتدافع بين الحق والباطل إلى غير ذلك
فهنا قال ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهي سنن الله في إهلاك المكذبين
يعني ماذا ينتظر هؤلاء؟ ينتظرون أن يقع بهم ما يوقعه الله بالأمم المكذبة من الهلاك؟
﴿قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ فانتظروا على سبيل الإنكار، والتهكم والتهديد
﴿فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ هذا فيه وعيد، وفيه أيضًا بيان تحقيق هذا الوعيد
ثم قال ﴿ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ وهذا فيه أنه من أسباب النجاة الإيمان، فمن أسباب الهلاك الكفر ومن أسباب النجاة الإيمان
﴿ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا حق أحقه الله على نفسه، تكرما وتفضلا
ثم قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى﴾ فأنا لا أشك في ديني، فالشك عندكم، أما الرسول فلا يشك وهذا فيه أن قوله ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ لا يعني أن الرسول يشك، فآخر السورة ينبئ عما سبق
تأمل ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يعني أنا ثابت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ غير راجع عنه، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يشك صلوات الله وتسليماته عليه، ولا يصلح أن يقع منه شك
﴿إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى﴾ فلم هذا الشك؟ لما هذا الشك في ديني؟ وديني هو دين الحق
﴿فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من الآلهة الباطلة الجائرة من الآلهة الباطلة
﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ﴾ وتأمل قوله ﴿ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم﴾ لأن آلهتهم لا تحيي، ولا تميت، ولا تنفع، ولا تضر
فقوله ﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ﴾ وليس كآلهتكم، ففيه إشارة إلى أن آلهتهم لا تصلح لأن تكون آلهة تعبد؛ لأن إلهي هو الذي يتوفى، وأما آلهتكم فلا تحيي، ولا تميت، ولا تنفع، ولا تضر
وأيضا في قوله ﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ﴾ فوائد أخرى:
منها تذكيرهم بأنهم سيموتون﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ﴾ لا تغتروا بالدنيا لا تغتروا بمناصبكم وجاهكم بأموالكم بزينة الدنيا فأنتم عما قريب ستفارقونها ﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ﴾
وأيضا في قوله ﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ﴾ وبعد الوفاة شيء وهو الإحياء والبعث، فهو يتوفاكم ويبعثكم ويحاسبكم، فتذكير أيضًا بالحساب
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ صلوات الله وتسليماته عليه
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ وهو دين الإسلام، قالوا هنا: وأمرني كذلك أن أستقيم على الدين الحق
إذا ما معنى ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾؟ يعني استمر، كما تقدم معنا أنه صلى الله عليه وسلم نهي عن أشياء على معنى الدوام على الترك، كذلك أمر بأشياء على معنى الثبات على الفعل، فقوله ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ يعني استمر على التوحيد
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أيضًا استمر على ترك الشرك
﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ لا يملك لك نفعا ولا ضرا ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ومن المعلوم أن الرسول لا ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا﴾ ينفع ولا يضره
لكن أيضًا قال بعضهم: هذا نهي للرسول صلى الله عليه وسلم ويراد به وأيضا فيه دعوته إلى الاستمرار على ذلك، وهو قدوتنا وأسوتنا صلوات الله وتسليماته عليه
وقوله ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فيه أن الله لا يقبل من أحد شركا مهما علا قدره وارتفعت منزلته، فالشرك محرم، وكذلك دعوة الإلهية ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ لا تقبل بحال من الأحوال؛ ولذلك قال الله ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: على سبيل الفرض لو وقع من الملائكة، وهو لا يقع، لكنه على سبيل الفرض
﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ يعني لا يشفع له أنه من عباد الله الذين هم مكرمون الذين يفعلون، ويفعلون، مما ذكر الله من أوصافهم في سورة الأنبياء
نعم
وجوب الاستقامة على الدين الحق والبعد كل البعد عن الشرك والأديان الباطلة
الإيمان هو السبب في رفعة صاحبه إلى الدرجات العلى والتمتع في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾؛ ولذلك قال في شأن قوم يونس ﴿لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ فمن أراد أن يسعده الله وأن يصرف عنه الهوان والذل فعليه بالإيمان بالله
ليس في مقدور أحد حمل أحد على الإيمان؛ لأن هذا عائد لمشيئة الله سبحانه وتعالى﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ وقال قبلها ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾
لا تنفع الآيات والنذر من أصر على الكفر وداوم عليه ﴿وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ وفهم من هذا أن معنى قوله ﴿عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: عن قوم يصرون على عدم الإيمان؛ لأن الآيات ينتفع بها بعض الكفار ممن يقذف الإيمان في قلوبهم
وجوب الاستقامة على الدين الحق والبعد كل البعد عن الشرك والأديان الباطلة؛ لذلك قال الله ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ﴾
﴿يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾
وهو الغفور لمن تاب من عباده الرحيم بهم
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس قد جاءكم القرآن منزلا ﴿مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ وامن به فنفع ذلك عائد إليه
لأن الله غني عن طاعة عباده
ومن ضل فإن أثر ضلاله عليه وحده
واصبر على ايذاء من خالفك من قومك
وعلى تبليغ ما امرت واستمروا على ذلك حتى يحكم الله فيهم بحكمه بنصرك عليهم في الدنيا وبعذابهم في الآخرة أن ماتوا على كفرهم
قال الله سبحانه ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾
هذه الآية الجليلة فيها دعوة المؤمن إلى التوكل على الله سبحانه، وأن يعلم أن الله سبحانه هو الذي يملك كل شيء﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ﴾
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ﴾ فلا يستطيع أحد كشف هذا الضر إلا الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ﴾ لا أحد يمنع فضله
وهنا لما ذكر الضر ذكر معه قوله ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ﴾ إن وقع لك ضر حقيقة ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ﴾
فإذا وقع بك الضر فالجأ إلى الله سبحانه، فإنَّ الله هو الذي يكشفه
﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ إذا أرادك الله بخير فقال ﴿فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ﴾ أي: لا يستطيع أحد أن يمنع ما أراده الله سبحانه وتعالى
ولو قبل وجوده وجد الخير أثبته الله، أراده الله ليس لأحد أن يمنعه؛ فلذلك جاء مع الخير قوله ﴿فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ﴾
قال ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ﴾
ولذلك بعضهم قال: لأن الخير مطلوب لذاته، ولأن الشر مطلوب بالعرض أي: لأن الإنسان يكره وقوع الشر له؛ ليبقى في الخير الذي ينعم الله عز وجل به عليه
﴿يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾ ففضل الله ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ به ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من عباده﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ سبحانه وتعالى
ثم قال الله آمرا رسوله عليه الصلاة والسلام﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ وأنت إذا تأملت السورة وجدت قبلها بآيات قليلة:
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى﴾ وتقدم معنا في السورة ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾
﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم﴾ هذا فيه أن السورة الكريمة أيضًا مما تعلق بها تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم ما يصدع به، وما يردده، وما يقوله للمؤمنين، وما يقوله للناس أجمعين، وما يقوله للكافرين
فالسورة تقرر الحق، وكيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام يصدع به ويبلغه للناس أجمعين
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ وتأمل لم يقل: قد جاءكم القرآن، قد جاءكم الوحي
﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ﴾ لأن السورة تعالج هذه القضية، تبين الحق وترد على أهل الباطل، فجاء ذكر ﴿ٱلْحَقُّ﴾ أيضًا في ختام السورة ﴿قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ فهو من عند الله، وما دام أنه ﴿مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ﴾ هو الحق فهو حق؛ لأن الحق لا يصدر منه إلا الحق
قال ﴿فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ﴾ من اهتدى فإنَّ نفعه نفع هذه الهداية يعود عليه، فالله غني عنه
﴿فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ﴾ أي: أثر هذه الهداية هو المستفيد منها هذا المهتدي
قال ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ومن ضل فإنَّ أثر ضلالة عليه وحده فالله لا يضره شيء
﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ قالوا هنا في التفسير: ولست عليكم بحفيظ أحفظ أعمالكم وأحاسبكم عليها
هذا أحد المعاني
إذا ما معنى ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾؟ أي: لست عليكم بحفيظ أحفظ أعمالكم، ما عليَّ إلا البلاغ فالرسول مهمته البلاغ، وأما الذي يحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها هو الله سبحانه وتعالى﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
طيب والمعنى الثاني أيضًا ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: إذا لم تنفعوا أنفسكم، إذا لم تقوا أنفسكم الضرر، فأنا لست متوكلا بأن أحفظ لكم أنفسكم، فهذه مسئوليتكم أنتم؛ لأن الإنسان في الدنيا قد يتخذ وكيلا فيجعل الوكيل على نفسه أن يدفع عن هذا الموكل كل ضرر، ولو كان هذا الموكل قد وقع في الضرر بنفسه، أما الرسول فقد علمه الله أن يقول ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾أي: مهمتي البلاغ
فمن ضر نفسه فهذا عليه، هو الذي ضر نفسه ويكون قوله ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ مناسبا لقوله قبلها ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فضلاله عليه، وحينئذ يستمر في ضلاله، وما علي إلا أن أحذرة، لكنني لا أملك أن أقول لنفسي لن تفعلي وستدخلين في دين الله رغما عنك، فليس بيد الرسول عليه الصلاة والسلام إكراه الناس على الإيمان كما تقدم في قوله ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾
ثم قال الله ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ﴾ في آخر السورة يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوم بهذه المهمة العظيمة ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ﴾ وهذا فيه أن المؤمن عليه أن يتبع الوحي، وألا يتركه بحال من الأحوال
﴿وَٱصْبِرْ﴾ إذا ماذا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن؟
أن تكون متبعا وأن تكون صابرا؛ لأن المتبعين للوحي يلاقون في حياتهم شدائد، ويلاقون في حياتهم بعض الفتن والإيذاء، وكل هذا يستلزم صبرا؛ لذلك قال ﴿وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ سبحانه وتعالى، فحكمه خير حكم﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
وجوب اتباع الكتاب والسنة والصبر على الأذى وانتظار الفرج من الله
أن الخير والشر والنفع والضر بيد الله دون ما سواه﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ﴾ كما قال أيضًا في سورة الأنعام﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
وجوب اتباع الكتاب والسنة والصبر على الأذى وانتظار الفرج من الله، وذلك في قوله ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ وقوله ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ﴾
والسنة يوحى بها إلى الرسول كما يوحى إليه بالقرآن؛ فلذلك قالوا هنا: وجوب اتباع الكتاب والسنة
لم؟ لأنَّها داخلة في الوحي (﴿إِلَّا﴾ إني أوتيت الكتاب ومثله معه)
والوحي: القرآن، وأول السورة ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ فأول السورة حديث عن القرآن وآخرها أيضًا أمر باتباع القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام
وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة يونس عليه السلام، ونكتفي بهذا القدر، ونبدأ الدرس المقبل بإذن الله بالتعليق على تفسير سورة هود، وفقنا الله وإياكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته