مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة هود — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 319 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

تفسير سورة هود

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد: فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وننتقل اللّيلة بفضل الله وتوفيقه إلى التّعليق على تفسير سورة هودٍ ’.

نقل من المختصر وبيانه

قال أصحاب المختصر في التفسير

التعريف بالسورة

سورة هود : سورة مكية

مقاصد السورة

من مقاصد السورة : تثبيت النّبيّ والمؤمنين بقصص الأنبياء السّابقين وتشديد الوعيد للمكذّبين.

قال الشّيخ حفظه الله

سورة هودٍ قالوا : ( سورةٌ مكّيّةٌ )، أي : نزلت قبل هجرة النبي ﷺ، وهذا الأمر قد نقل بعض العلماء الاتّفاق عليه كـ الفيروز آباديّ والبقاعي وغيرهما -رحم الله الجميع -، وبعض العلماء يستثني من سورة هودٍ بعض الآيات.

من أشهر الآيات الّتي استثنيت من سورة هودٍ قول الله جلّ ذكره ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ (هود: 114) وذلك أنّه قد ورد في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنّها نزلت في حقّ الرّجل الّذي أصاب قبلة من امرأة فأتى النبي ﷺ وسأله، وكان هذا في المدينة فأنزل الله قوله ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ (هود: 114) وقال له ‘ ( صلّ معنا ) فالشّاهد من ذلك أنّ هذا وقع في المدينة فلذلك قالوا : :-إنّ هذه الآية مستثناةٌ من سورة هودٍ المكيّة، وبعض العلماء له توجيه آخر في هذه الرّواية لعلّنا نعرض له بإذن الله تعالى عند تفسير الآية الكريمة ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1)

وبناءً على ذلك فإنّ هذه السّورة كغيرها من السّور المكّيّة تعنى بتقرير الإيمان بالله ربّ العالمين، وتقرير النّبوّة وتقرير البعث والنّشور بل أنّك حينما تنظر في أوّل السّورة الكريمة تجد أنّ ربّ العزّة سبحانه وتعالى قد بيّن ذلك بيانًا واضحاً جليّاً ففي أوّل السّورة حديثٌ عن القرآن الكريم بعد الحروف المقطّعة ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3) فهذا حديثٌ عن القرآن الكريم، ثمّ قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) وهذا فيه ذكر التوحيد وكذلك H0.

إذًا في قوله سبحانه وتعالى ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) التّوحيد ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6) الرّسالة، وفي قوله ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5) حديثٌ عن الآخرة، فهذا في صدر السورة الكريمة.

وهذا قريبٌ من صدر سورة يونس كما تقدّم معنا في اللقاءات السّابقة، ففي أوّل سورة يونس أيضًا حديثٌ عن القرآن الكريم ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7) وحديثٌ عن الرّسالة ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (هود: 8) إلى آخر الآيات الكريمة، وأيضًا فيها قول الله سبحانه وتعالى﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) ففيها أيضًا تقرير هذه المسائل، وأيضًا قبل ذلك ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: 10) هذا معناه أنّ هذه السّور الكريمة قد حوت حديثًا عن أمور العقيدة من التّوحيد، والرّسالة والبعث والنّشور.

والمتأمّل في حقيقة الأمر - في سورة يونس وهودٍ • - يجد أنّ بين السّورتين تناسقًا عجيبًا وأن بينهما ترابطًا واضحًا وجليًا ففي الوقت الّذي تجمل فيه سورة يونس في بعض القضايا تأتي سورة هودٍ • لتفصّل : - فمثلًا في قصص الأنبياء والمرسلين - كما وقع في قصّة نوحٍ • - كان في سورة يونس حديثٌ موجزٌ ثمّ جاء في سورة هودٍ ‘ حديثٌ مستفيضٌ عن قصّة نوحٍ عليه الصّلاة والسّلام، وكذلك في مواقف أخرى كما سيأتي التّنبيه عليه في موضعه.

إذا يمكن أن يقال إنّ من العلاقات الواضحة بين سورة يونس وهودٍ أنّ السّورتين تحدثتا عن أصول الاعتقاد من أوّل السّورة، وأنّ السّورتين الكريمتين بينهما إجمالٌ وتفصيل : فحيث تجمل إحداهما تفصّل الأخرى، فتجمل سورة يونس ثمّ تأتي سورة هودٍ لتفصّل فيما أجملت فيه سورة يونس ’، ثمّ إنّ الافتتاح واحد فأول سورة يونس ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11) وأول هودٍ ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود: 12) فأولهما حديثٌ عن القرآن الكريم بعد ذكر الحروف المقطّعة، وأيضًا فالسورتان الكريمتان سميتا باسمي رسولين فسورة يونس اسم رسولٍ وهو يونس وسورة هودٍ اسم رسولٍ وهو هودٌ ’ ثمّ تتبعهما بحسب التّرتيب المصحفيّ سورة يوسف ’ هذا بالنّسبة لبعض العلاقات بين السّورتين.

كذلك في آخر سورة يونس’ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 4) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 4) جاء ذكر القرآن فالقرآن واحد من الله سبحانه وتعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 4) [سورة النجم:4] فجاء ذكر القرآن بعد آخر آيةٍ من سورة يونس ’.

ثمّ إنّ المتأمّل أيضًا في أوّل سورة هودٍ وفي أوّل وفي آخر سورة هودٍ يجد أنّ في بدايتها كما تقدّم الدّعوة إلى التّوحيد ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) وكذلك في آخر السّورة الكريمة ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13)

إذا تأمّلنا في سورة هودٍ ’نجد أنّ هذه السّورة الكريمة ذكرت قصص الأنبياء والمرسلين ولذلك ورد عن النّبيّ الكريم صلّى عليه وسلّم ( شيّبتني هودٌ وأخواتها ) وهذا الحديث مرويٌّ من طرقٍ متعدّدةٍ، وكثير من الأئمّة على تحسينه، أو تصحيحه؛ وإن أعّله بعضهم.

وقد اختلف العلماء في وجه قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ( شيّبتني هودٌ وأخواتها ) ما هذا الّذي في سورة هودٍ ’؟ جعل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يقول هذا القول ( شيّبتني هودٌ وأخواتها )؟

1- فبعضهم قال : إنّ الّذي فيها قصص الأنبياء والمرسلين بهذه الاستفاضة وبهذا البيان العجيب من إهلاك الله للمجرمين ونصر الله للمرسلين ولعباده المؤمنين ولذلك جاء في ختام السّورة ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14)

2- وبعض العلماء يقول : إنّ الّذي شيّب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوله سبحانه ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) وهذه الآية العظيمة آيةٌ جليلةٌ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) جديرٌ بالعبد أنّ يتأمّل هذا الأمر الخطير وهذا الأمر العظيم ( فاستقم ) : أن يكون العبد مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى فقيل إنّ في هذه الآية العظيمة هي الّتي شيبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنّ المرء عليه أن يسعى لتحقيقها، وأن يعيش مستقيمًا على طاعة الله فيلقى الله سبحانه وتعالى ويسير على الصّراط المستقيم، ويوفّق لدخول الجنّة نسأل الله الكريم من فضله.

هنا في المختصر قالوا في مقاصد السّورة ( تثبيت النّبيّ والمؤمنين بقصص الأنبياء السّابقين وتشديد الوعيد للمكذّبين ) وهذا مأخوذٌ ممّا في السّورة الكريمة في تفصيلها حينما ذكرت مجموعةً من قصص الأنبياء والمرسلين، وهذا واضحٌ جليٌّ جدًا في السّورة الكريمة من قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) (سورة هود:25) إلى آياتٍ كثيرة استمرّت في السّورة الكريمة وأيضًا لأنّه في ختام السّورة جاء التصريح بذلك ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14)( سورة هود : :120 )

فإذًا من مقاصد السّورة الكريمة :- تثبيت النبي والمؤمنين بقصص الأنبياء السّابقين، وتشديد الوعيد للمكذّبين فالسّورة الكريمة فيها وعيدٌ وتهديدٌ لأولئك المكذّبين بأن يلحقهم ما لحق أولئك المكذّبين من عذابٍ ومن هلاكٍ في الدّنيا قبل الآخرة، فهذا مقصدٌ من المقاصد العامّة لهذه السّورة الكريمة، وتقدم مرارًا أنّ أصحاب المختصر أحسنوا حينما تكلّموا في مقاصد السّور فجعلوها (من) مقاصد السّور لأنّ تحرير القول في مقاصد السّورة، أو في مقصد السّورة الكلّيّ لا يكاد يخلو من اجتهادٍ وأخذ وردٍّ، وفي بعض الأحوال يقال : هذا محتملٌ وهذا محتملٌ وذلك أنّ الأمر كما قالوا إنّ النّكات لا تتزاحم، فكذلك هذه الاجتهادات لا يدفع بعضها بعضًا؛ وإنّما يدعم بعضها بعضًا، فقد ينظر إنسانٌ إلى السورة من زاويةٍ فيظنّ أنّ هذا هو المقصود الأكبر، وينظر آخر من جهةٍ أخرى فيظنّ أنّ هذا هو المقصود الأكبر وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ مُوَلِّيهَا، وهذا معه أدلّةٌ تدعمه، وهذا معه أدلّةٌ تدعمه، وقد فصّلنا القول في مثل ذلك في بعض المواضع كما في سورتي البقرة وآل عمران، ثمّ بعد ذلك في السّور الّتي جاءت بعدها بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه.

من المقاصد العامّة الّتي يمكن أن يستفيد المرء من قراءته لسورة هودٍ، وتأمّله فيها وتدبّره للقصص الّذي ورد فيها يجد أنّ هذه السّورة الكريمة حينما تحدّثت عن قصص الأنبياء والمرسلين :-

تحدّثت عن قضيّة واضحة جدًا وهي أنّه لا ينبغي أن تكون العاطفة حكمًا على الدّاع إلى الله سبحانه وتعالى، أو أن تكون العاطفة هي المحرّكة له؛ وإنّما عليه أن يكون ثابتًا على أصوله وعلى منهجه سواءٌ قبل النّاس دعوته أم لم يقبلوه، حتّى ولو رفض دعوته أقرب النّاس إليه.

وخير مثالٍ لذلك : ما وقع في قصّة نوحٍ ’ فإنّ قصّة نوحٍ ’ مع ابنه وما وقع بينهما ومن قوله ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) ( سورة هود : :43 ) إلى آخر هذه القصّة، وهذه الآيات الجليلة لم ترد في موضع آخر من القرآن الكريم فمع أنّ قصّة نوحٍ عليه الصّلاة والسّلام قد وردت في سورٍ عديدة من القرآن الكريم، بل عندنا سورةٌ كاملةٌ تسمّى بسورة نوحٍ؛ إلّا أنّه لم يردْ فيها ذكرٌ لابن نوحٍ وما وقع منه لكنّ هذه السّورة ذكرت مواقف تتعلّق بابنه لتبيّن معنى المفاصلة، ولذلك قال الله لنوحٍ ’ ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27)( سورة هود : :46 ) إذًا لا بد من المفاصلة؛ فأنت يا رسول الله تبلّغ دين الله سبحانه فمن استجاب لك، فهو على الحقّ، ومن لم يستجب لدعوتك ورفضها، فهو كافرٌ، ومن ثمّ فإنّه يستحقّ العقاب من الملك العظيم سبحانه وتعالى ويوضح هذا المعنى ويجلّيه أنّ هذه السّورة الكريمة سميت بسورة هودٍ مع أنّ نصيب قصّة نوحٍ ’ من السّورة أكبر من نصيب قصّة هودٍ فأنت إذا نظرت إلى التّفاوت وإلى العدد وإلى المقدار بين القصّتين

ستقول :- إنّ قصّة نوحٍ ’ أطول من قصّة هودٍ ’ في السّورة؛ ومع ذلك فإنّ السّورة الكريمة سمّيت بسورة هودٍ قد يقول قائلٌ:- إنّ هناك سورةٌ مستقلّةٌ سمّيت بسورة نوحٍ، وهي خالصةٌ في ذكر نوحٍ ’ فمن أولها إلى نهأيتها حديثٌ عن نوحٍ عليه الصّلاة والسّلام، وهي من السّور الخالصة في قصّة واحدة كما هو مقرّرٌ، وكما هو معلومٌ هذا وجه؛ لكن أيضًا هذا يلفتنا إلى أمرٍ آخر وهو إلى أنّ قصّة هودٍ ’ تدلّ على مقصود السّورة لأنّه تقدّم معنا مرارًا أنّ عددًا من العلماء كالسّيوطيّ والبقاعيّ قد نصّ على أنّ مقصود السّورة يعرف من اسمها فاسم السّورة يدلّ على مقصودها.

ونحن إذا تأمّلنا قصّة هودٍ ’ الّتي ذكرها الله في سورة هودٍ ’ نجد أنّ فيها معنى المفاصلة نجده واضحًا وجليًّا حينما قالوا لـ هود ’ ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) بهذه المفاصلة القويّة جداً الّتي تدلّ على عظيم توكّل هودٍ عليه الصّلاة والسّلام، وأنّه لا يعبأ بتخويفهم له من تلك الآلهة، ومن هذه المزاعم الّتي يزعمونها.

ولعلّكم تتذكرون أيّها الإخوة الكرام حينما كنّا نتكلّم في سورة يونس ’ وجاء ذكر نوحٍ ’ في سورة يونس وكان فيه قربٌ ممّا وقع هنا لـ هودٍ عليه الصّلاة والسّلام حينما قال نوح’ ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ (يونس: 71) (سورة يونس:71 ) فهناك في سورة يونس ذكر الله أنّ نوحًا ’ بيّن لهم توكله على الله وأنّه لا يخاف مخططاتهم، لا يخاف من تخطيطهم، ولا يخاف من تدبيرهم ولا من جمعهم ولا من كيدهم وأنّه أعلن توكّله على الله سبحانه وتعالى.

وقريبٌ من ذلك ما جاء هنا في قصّة هودٍ ’ فكانت سورة هودٍ، أو كانت قصّة هودٍ لافتةً للنّظر وداعيةً إلى التّعرّف على مقصود السّورة وأنّ السّورة تدعو المؤمنين إلى الدّعوة إلى التّوحيد مع المفاصلة والتّفريق بينما يجري من الإنسان بحكم فطرته وميله وعاطفته إلى قريبه، أو إلى أهل بلده، وبين التّوكّل على الله سبحانه وتعالى الّذي لا يقف عند حدٍّ حينما يفوّض العبد أمره إلى الله سبحانه ويبلّغ الدّعوة ثمّ يترك النّتائج إلى الله سبحانه وفي هذا تسلية للرّسول صلّى الله عليه وسلّم وتسريةٌ عنه، فإذا آمن بك قومك، أو كفر بك قومك فأنت ما عليك إلّا أن تبلّغ رسالة ربّك عزّ وجلّ، بل أنّك حينما تتأمّل صدر السّورة الكريمة وتتأمّل الآيات الّتي وردت في أوّل السّورة وقد تقدّم معنا أيضًا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّنا نتعرّف على مقصود السّورة من افتتاح السّورة الكريمة تجد أنّ ربّ العزّة سبحانه وتعالى في أوّل السّورة ذكر الدّعوة إلى التّوحيد {ﲐ ﲑ ﲒ الله ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ} فهذا كلامٌ يعلّم الله نبيّه صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم رسوله يقول لأنّ الّذي يقول ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6) هو الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فهو مقولٌ من الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يبلّغه كما علّمه الله إياه ثمّ قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) وهذا قريبٌ ممّا قاله هودٌ ’حينما قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) [سورة هود:52].

بل من العجيب أيضًا أنّك ترى في صدر سورة هودٍ ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6) ( سورة هود :6 ) وهناك قال هودٌ ’﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6) فذكر الدّابّة ورد في صدر السّورة وورد في قصّة هودٍ عليه الصّلاة والسّلام.

إذًا السّورة الكريمة كغيرها من السّور المكّيّة دعت إلى التّوحيد، وإلى إثبات الرّسالة وإلى إثبات البعث لكنّها في الوقت ذاته دعت إلى أن يتوكّل المؤمن على الله سبحانه، وأن يصدع بالحقّ وألا يخاف في الله لومة لائمٍ وأن يعلم أنّ أمر النّتائج إلى الله سبحانه وتعالى، وكان هذا متمثّلًا في قصص الأنبياء والمرسلين.

ولذلك من صعيدٍ آخر ممّا يدلّ على هذا المعنى ما وقع لإبراهيم ’في شأن قوم لوط فإبراهيم ’ برفقه وحلمه ولطفه عليه الصّلاة والسّلام لمّا جاءوا لإبراهيم ’ وأخبروه بالخبر وقال إبراهيم عليه السلام كما قال الله سبحانه﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 74-75) [سورة هود:74-75]. بهذا التّعبير القرآنيّ أيضًا في قصّة الخليل إبراهيم عليه السلام وفيما يتعلّق بقومٍ لوطٍ ’ إشارةٌ والعلم عند الله تبارك وتعالى إلى أنّه لا ينبغي للنّبيّ وللرّسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يلتفت إلى مثل هذه الأمور من الشّفقة والرّحمة ما دامت الدّعوة قد بلغت!!!

فإبراهيم ’ مع حلمه، ومع ما هو عليه من رفقٍ وحلمٍ إلّا أنّ الله سبحانه وتعالى وجّهه وقال له ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76) (سورة هود :76 ) ولعلّ هذا والعلم عند الله تعالى، هذا ممّا جعل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يشيب لشدّة وقع هذه الآيات الكريمة الّتي تدلّ على الثّبات وعلى أنّ الرّسول والنّبيّ ثمّ بعد ذلك المؤمنون ثمّ بعد ذلك يكون أمر المؤمنين كذلك وهو الثّبات على دين الله ثمّ يكون ما يكون! أهلك الله الظّالمين لا يضرّكم هذا؛ لأنكم أديتم ما عليكم وبلّغتم ووفّيتم فحينئذٍ هذا قدر الله سبحانه، وربّنا لا يظلم أحداً سبحانه عزّ وجلّ ولعلّ هذا يظهر بإذن الله تعالى في أثناء تفسير هذه السّورة الجليلة المباركة فنشرع في قراءتها والتّعليق عليها ونسأل الله الإعانة والتّوفيق.

قال الشّيخ حفظه الله

نعم قال الله سبحانه : ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77)

افتتح الله سبحانه وتعالى هذه السّورة الكريمة بعض الحروف المقطّعة وهي ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78) كما افتتح الله سورة يونس بذلك، وافتتح الله سورة يوسف بذلك، وقد تقدّم الكلام عن الحروف المقطّعة وأنّه في الأغلب يأتي بعدها الحديث عن القرآن الكريم كما هو حاصلٌ في هذه السّورة الجليلة، وأنّ هذه الحروف تدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى يتحدّى الخلق، فالنّاس أجمعون لا يستطيعون الإتيان بمثل هذا القرآن الكريم مع أنّ العرب تعرف هذه الحروف، ويمكنها أن تؤلّف كلماتٌ منها بيد أنّها لا تستطيع أن تأتي بمثل القرآن الكريم، بل ولا بمثل سورةٍ من سورٍ القرآن الكريم ﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79)

قالوا هنا في المختصر :: (القرآن كتابٌ...) إذًا كتابٌ يعني هذا كتابٌ ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) هناك أقوال أخرى في ذلك لكن نكتفي بهذا هنا، القرآن ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) أتقنت آياته نظمًا ومعنًى.

إذًا ما معنى الإحكام هنا؟ معناه : الإتقان ﭐ ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) أتقنت آياته، أو : آياته ليس فيها فسادٌ - لا يتطرّق إليها فساد - ولذلك قالوا هنا : (فلا ترى فيها خللًا ولا نقصًا ) إذًا الإحكام معناه أنّ السّورة الكريمة /أو أنّ القرآن متقنٌ هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى : لا يتطرّق إليه خللٌ ولا عيبٌ كما قال الله سبحانه ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) [سورة فصلت:42]

ولعلّكم تذكرون أيّها الإخوة الكرام في تفسير سورة الزّمر، وأيضًا في تفسير سورة آل عمران أنّ القرآن الكريم جاء فيه وصف القرآن بأنّه محكمٌ وبأنّه متشابهٌ وبأنّ بعضه بأنّه (محكمٌ وبعضه متشابهٌ ) ولا تعارض بين هذا كلّه :-

1- فالله سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنّه محكمٌ في هذه الآية ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) لأنّ الإحكام بمعنى الإتقان والمنع من الفساد والعيب، وهذا في القرآن كلّه.

2- والقرآن الكريم متشابهٌ كما في قوله ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [سورة الزمر:23] لأنّ القرآن يشبه بعضه بعضًا في الجودة والنّظم والوعد والوعيد وما إلى ذلك.

3- والقرآن منه المحكم ومنه المتشابه كما في سورة آل عمران ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (آل عمران: 7) [سورة آل عمران:7].وتقدّم أنّ كثيرًا من الأئمّة يقولون أنّ المحكم معناه واضح الدّلالة والمتشابه خفي الدّلالة فالقرآن منه هذا ومنه هذا إذا القرآن محكمٌ كلّه باعتبار ومتشابهٌ كلّه باعتبار محكمٌ ومتشابهٌ باعتبار ثالثٌ.

﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) أي : بيّنت بذكر الحلال والحرام والأمر والنّهي والوعد والوعيد والقصص وغير ذلك، فهذا كلّه من تفصيل القرآن الكريم ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) قال بعضهم : وهذا فيه إشارةٌ إلى أنّ القرآن يأتي بالإجمال؛ ثمّ يأتي بالتّفصيل كما وقع في سورة يونس من إجمال بعض القصص، ثمّ جاء التّفصيل هنا في سورة هودٍ ’ وكأنّ في هذا إشارةٌ إلى أنّه سيأتي بعد ذلك تفصيلٌ لبعض الّذي أجمل فيما قبله من سورة يونس ’.

قال : ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) فهذا القرآن منزلٌ من عند الله سبحانه وتعالى، وقال بعضهم هنا : طباقٌ لأنّ 1-الإحكام ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) هذا لأنّ الله حكيمٌ فحكيمٌ : مناسبةٌ لقوله ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81).

2-وقوله ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) يناسبها (خبيرٌ )؛ لأنّ الّذي يقدر على التّفصيل هو الخبير سبحانه وتعالى.

فقوله (حكيم) مناسبٌ لقوله ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) وقوله (خبيرٌ ) مناسبٌ لقوله ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82).

﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85)

بعضهم يقول أي : بألّا تعبدوا إلّا الله وبعضهم يقول : لئلا تعبدوا إلا الله، هنا في التّفسير قالوا (مضمون هذه الآيات المنزلة على محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم نهي العباد أن يعبدوا مع الله غيره ) إذًا ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) يعني هذا مضمون الرّسالة ربّنا قال كتابٌ أحكم الآيات ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ماذا في هذا الإحكام؟ ماذا في هذا القرآن؟ماذا في هذه الرّسالة؟ ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) هذا فيه أنّ الّذي يقول هذا الكلام من؟ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن هذا فهم من السّياق، ولا يعني هذا أنّ هذا كلام من عنده هو كلام الله سبحانه وتعالى لكنّه مسوقٌ على لسانه صلّى الله عليه وسلّم كأنّه المتكلّم به، وإلّا فالّذي أنزله هو الله عزّ وجلّ ولعلّكم تتذكرون ما ذكرناه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة الأنعام في قوله ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104) [سورة الأنعام:104].

فبعض النّاس اتهم وقال : هذا القرآن مختلقٌ من عند محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم بدليل أنّ هناك بعض الآيات لا يمكن أن يكون قائلها هو الله!! وإنّما قائلها الرّسول كقوله ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104)

فنقول : حتّى ولو لم يكن قبلها (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) فإنّ هذا مستفادٌ من السّياق، كذلك هنا حينما تقرأ ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) إنّني من هو؟ الرّسول صلّى الله عليه وسلم، إذا أحيانًا يحذف فعل القول لدلالة السّياق عليه وهذا كثير في القرآن الكريم وحينئذٍ فلا إشكال ولله الحمد والمنّة.

﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) إثبات التّوحيد ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6) إثبات الرّسالة، وفي تقديم (نذيرٌ ) دلالةٌ على أنّ السّورة الكريمة تحدّثت عن هلاك هذه الأمم المكذّبة برسلها - برسل الله وأنبيائه، ولذلك جاء أيضًا في قول نوحٍ ’﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) [سورة هود:25].

فالنذارة مشهورةٌ في هذا الباب كما قال في صدر المدّثر ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 2) [سورة المدثر:2].فإذا كان في السّورة الكريمة حديثٌ عن الإنذار، وكان هذا الحديث حديثًا مستفيضًا وكثيرًا فإنّه تقدّم الكلام على أنّ السّورة جمعت بين البابين الإنذار والتّبشير لذلك قال إنّني لك ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6)

﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52)

﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) قالوا هنا (واطلبوا أيّها النّاس مغفرة ذنوبكم من ربّكم ) من أين أخذوا هذا المعنى من قوله ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) لأنّ الألف والسّين والتّاء في قوله ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) أو السّين والتّاء يقولون :- إنّها للطّلب بمعنى الطّلب فمعنى ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) أي : اطلبوا المغفرة من ربّكم سبحانه وتعالى.

﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) قالوا (وارجعوا إليه بالنّدم على ما فرطتم في جنبه ) هنا أمرٌ بالاستغفار والتّوبة فهل هناك فرقٌ بين الاستغفار والتّوبة؟

1- من العلماء ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : إنّ الاستغفار يكون باللّسان؛ وأمّا التّوبة فتكون بالعمل ففي قوله ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) دليلٌ على أنّ مرتبة العمل تتبع القول فهم بألسنتهم يستغفرون وبجوارحهم يتوبون ففي قوله ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 30) أي : الهجوا بألسنتكم وأعلنوا أنّكم مستغفرون لله سبحانه وتعالى، وقوموا بجوارحكم وأبدانكم بما يدلّ على توبتكم الصّادقة لله سبحانه وتعالى هذا معنى.

2- وأيضًا من المعاني : أنّ الاستغفار من الذّنوب وأنّ التّوبة الرّجوع إلى الله، فيكون الرّجوع إلى الله سبحانه بالعمل الصّالح فيكون في قوله ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 30) إقلاع عن الذّنوب والمعاصي، وفي قوله ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) عودةٌ إليه بالعمل الصّالح فيكون الاستغفار مع التّوبة قد جمع العبد فيه بين المعنيين بين الإقلاع عن المعصية وبين فعل الطّاعة؛ لأنّ الإنسان قد يقلع عن معصيةٍ لكن يتكاسل عن فعل الطّاعة، فإذا جمع بين المعنيين، فهذا معنـــــــاه أنّه ترك الشّر وأقبل على الخير، ترك المعصية وأقبل على الطّاعة ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) وأيضًا فيه أنّ الاستغفار والتّوبة ينبغي للعبد أن يستمرّ عليهما طول حياته ولذلك علّمنا الله ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31) [سورة النور:31] ولا يمنع هذا أنّ الاستغفار إذا ورد وحده/ أو أنّ التّوبة إذا وردت وحدها شملت هذا وذاك.

خلاصة وتثبيت الفكرة

فإنّه يمكن أن يقال : إن الاستغفار مع التّوبة من الألفاظ الّتي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت كما قيل في شأن (البرّ والتّقوى، والإثم والعدوان والإسلام والإيمان) وغير ذلك من الكلمات الّتي إذا اجتمعت افترقت يعني :- كان لكلّ لفظةٍ منها معنىً يخصّها، فإذا جاءت كلمة ( البرّ ) وحدّها شملت (التّقوى)، وإذا جاءت (التّقوى ) وحدّها شملت (البرّ) وإذا اجتمع (البرّ) مع (التّقوى) كان لكلٍّ معنى وكذلك الإثم مع العدوان وكذلك هنا (الاستغفار) مع (التّوبة ).

قال الله ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 31) هذا هو جزاء الاستغفار والتّوبة ﴿قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (هود: 32) إذاً هذه هي السّعادة في الدّنيا، فمن استغفر الله وتاب إلى الله أسعده الله في الدّنيا وهذا معنى ﴿قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (هود: 32)

قالوا هنا (يمتّعكم في حياتكم الدّنيا متاعًا حسنًا إلى وقت آجالكم المحدّدة ) وفي قوله ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33) وفي تسمية ما يكون في الدّنيا متاعًا دليلٌ على أنّه مؤقّتٌ؛ فالإنسان مهما متّع في الدّنيا فإنّه متاعٌ ومعناه : أنّه يزول وأنّه لا يبقى ثمّ بعد ذلك قال ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33) للدلالة على أنّه متاعٌ مؤقّتٌ غير دائمٌ، ثمّ قال ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) قالوا (هذا هو الجزاء الأخرويّ ) إذًا الآية الكريمة ذكرت ثواب المستغفرين والتّائبين في الدّنيا وفي الآخرة، ففي الدّنيا :- يمتعهم الله المتاع الحسن فيسعدون ويقنعون ويكون لديهم الرضا بفضل الله سبحانه وتعالى؛ وأمّا الجزاء الأخرويّ :- ففي قوله ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) قالوا هنا ( ويعطي كلّ من له فضل في الطّاعة والعمل جزاء فضله كاملا غير منقوصٌ)، فهذا معنى ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35) كلّ ذي فضلٍ : يعني صاحب فضلٍ - صاحب عملٍ -وفي التّعبير بقوله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36) مع أنّه يقال فضل الشّيء : إذا كان زائدًا عن الأصل دلالة والله أعلم على أنّ الإنسان لا يكلّف إلّا بما يطيق، وأن هذا ممّا يفضل عن أموره ومعنى ذلك : أنّ الطّاعة ميسورةٌ ييسّرها الله سبحانه وتعالى على عباده هذا من جهةٍ.

وفي قوله ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) جعل الجزاء كالعمل دلالةٌ على القاعدة المشهورة الجزاء من جنس العمل أي : عمل جزاء عمله، فنقول :

1- ويؤتي كلّ ذي عملٍ صالحٍ فضله، أي : جزاء عمله. فحينئذٍ يعود عليه على هذا الّذي هو ذو فضل وذو عمل.

2- ويحتمل أيضًا احتمالًا آخر وهو : أنّ المعنى ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) أي : فضل الله، فالله يعطي فضله لذي فضلٍ من أهل الدّنيا فذو الفضل من أهل الدّنيا يعطيه الله من فضله – ففضل الله واسع لا تحدّه حدودٌ – كما لا يخفى فالضّمير إذًا فيه احتمالان والعلم عند الله.

﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5)

قالوا هنا (وإن تعرضوا عن الإيمان بما جئت به من ربّي فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ شديد الأهوال وهو يوم القيامة) ففسّروا ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) بأنّها بمعنى : وإن تعرضوا فيكون ( تولّوا ) هنا فعلٌ مضارعٌ حذف التاء منه، والمعنى : وإن تتولّوا إذًا ما معنى؟ ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37)؟

1- يعني : وإن تتولّوا هذا معنى.

2- المعنى الثّاني : أن تبقى على معنى الماضي ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) يعني : وإن أعرضوا.

إذًا ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) يحتمل أنّه على المضيّ فيكون المعنى وأن أعرضوا /أو (وإن تعرضوا) ﴿فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، وهذا فيه معنى بشير ونذيرٌ، فقد بشّر وأنذر صلوات الله وتسليماته عليه، ثمّ قال ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) تحذيرٌ من هذا اليوم من عذاب يوم كبير.

ثمّ قال ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39)

هذا فيه بيان أنّ يوم القيامة يومٌ عظيمٌ وكبيرٌ ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) تذكيرٌ بالآخرة، وهذا حديثٌ عن البعث ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39)

﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود: 41)

قالوا هنا (ألّا إنّ هؤلاء المشركين يحنون صدورهم ليكتموا ما فيها من شكٍّ عن الله جهلًا منهم) هذا صنيع بعضهم كان يحني صدره، وهذا معنى ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42) بأن ينحني يظنّ أنّه بذلك يكتم عن الله سبحانه وتعالى ما يخفيه في صدره، وخفي على هؤلاء ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.

قال ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43) فحين ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قالوا هنا (ألّا حين يغطّون رؤوسهم بثيابهم يعلم الله ما يكتمون وما يظهرون إنّه عليمٌ بما تخفيه الصّدور )

إذًا الآية الكريمة تردّ على بعض / أو على هؤلاء الّذين يزعمون أنّه بإمكانهم أن يكتموا شيئًا عن الله سبحانه ممّا تخفيه صدورهم وأنهم إذا استغشوا بثيابهم، أو إذا حنوا ظهورهم /أو صدورهم فإنّه بذلك يمكنهم أن يستروا شيئًا عن الله سبحانه وتعالى.

على أنّه قد ورد في سبب نزول الآية الكريمة أنّ أناساً كانوا يستحيون أنّ يتخلّوا فيفضوا إلى السّماء يظنّ أحدهم أنّه بذلك كيف يفضي إلى السّماء؟، فكان يثني صدره حتّى لا يراه الله سبحانه، أو حياءً من الله.

وبناءً على ذلك فيحتمل أن تكون الآية في حقّ المؤمنين، أو في حقّ المشركين وإن كان ظاهر السّياق أنّها في حقّ المشركين لكن لا مانع من أن تحمل الآية على العموم بالتّذكير بمراقبة الله سبحانه وتعالى وأنّ الإنسان يستحي من الله ولكن عليه أن يعلم أنّ الله لا تخفى عليه خافيةٌ سبحانه عزّ وجلّ.

بل بعضهم جعل الضّمير في قوله ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43) أي : من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لئلّا يسمع ما يردّدون وما يقولون في مجالسه صلوات الله وتسليماته عليه، فكانوا يستحيون أنّ يتخلّوا فيفضوا إلى السّماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السّماء فأنزل الله قوله سبحانه ﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود: 41)وهذه فيها دعوةٌ إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى في السّر والعلن.

من فوائد الآيات

· آيات القرآن محكمةٌ لا يوجد فيها خللٌ ولا باطلٌ وقد فصّلت الأحكام فيها تفصيلًا تامًّا. قال الله ﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) ولا يلزم من ذلك أن يكون القرآن الكريم قد فصّل التّفصيل الّذي لا يحتاج معه إلى بيانٍ؛ فإنّ السّنّة النّبويّة قد بيّنت بعض آيات القرآن الكريم؛ وإنّما المعنى أنّ كلام القرآن مفصّلٌ وواضحٌ وجليٌّ وأن ما يحتاج إلى بيان دلّنا الله سبحانه وتعالى على بيانه بطريقةٍ من الطرق لكن ليس فيه شيءٌ من الاضطراب، أو ليس فيه شيءٌ من التّناقض، أو الاختلاف وما إلى ذلك.

· وجوب المسارعة إلى التّوبة والنّدم على الذّنوب لنيل المطلوب والنّجاة من المرهوب :وذلك في قوله ﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44) وهنا تنبيهٌ على شيءٍ قد يقول قائلٌ :- هناك من لا يستغفر الله ولا يتوب إلى الله ومع ذلك يعيش في الحياة الدّنيا حياة سعيدة؟

فيقال : يظنّ به ذلك؛ لكنّه في الحقيقة لا يعيش حياةً سعيدةً؛ وإنّما يعيش كالبهيمة - كالأنعام - كما قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12) [سورة محمد:12] ولذلك نسمع عن كثيرٍ من هؤلاء الّذين حصّلوا من الأموال ما حصّلوه لكنّهم لم ينظروا إلى دواء أرواحهم، أو قلوبهم ربّما قام أحدهم بقتل نفسه، أو بالانتحار، أو ما أشبه ذلك لأنّه لا بد من غذاء الرّوح كما أنّ البدن يتغذّى، وأيضًا فبعض العلماء قال في قوله ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 31) بأن يرزقهم الرضا والقناعة، وهذا زادٌ عظيمٌ جدًا لا يصل به الإنسان، أو لا يتحقّق للإنسان إلّا بالإيمان بالله ربّ العالمين نسأل الله أنّ يجعلنا من المؤمنين به حقًا وصدقًا نعم.

قال الشّيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6)

﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7) أي: على وجه الأرض تدبّ عليها، ولكنّ الله عبّر فقال ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (هود: 45) فلذلك قال بعضهم أي : على الأرض وفي قوله ﴿قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (هود: 46): ليدخل في ذلك من يدبّ في داخل الأرض، فيدخل في ذلك من يدبّ في داخل الأرض بأن تكون له حركةً داخليّةً في الأرض / أو كان عليها فإنّ (في ) تأتي بمعنى : (على ) على قول كثيرٍ من أهل اللّغة كما في قوله ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) أي : على جذوع النّخل.

تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام فالآية السّابقة ﴿قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: 48) حديثٌ عن علم الله، وهنا ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) حديثٌ عن رزق الله سبحانه ورحمته، وبعد ذلك ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) أيضًا حديثٌ عن علمه سبحانه وتعالى، وفي كل هذا دعوةٌ إلى توحيد الله سبحانه وتعالى والإيمان به جلّ وعلا، قال ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) قالوا هنا (إلّا تكفّل الله برزقها تفضّلًا منه) لأنّ أحداً قد يقرأ فيقول : إن الله قال ﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (هود: 51) فهذا يعني أنّ هذا واجب على الله!!

فيقال : أوجبه الله على نفسه تفضّلًا منه كما ورد في قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم (حقٌّ العباد على الله ألّا يعذّب من لا يشرك به شيئًا، أو ألّا يعذّبهم )، فهذا فيه أنّ الحقّ : حقّه الله على نفسه سبحانه تفضّلًا وتكرّمًا وجودًا وإحسانًا منه سبحانه وتعالى وهذا معنى ﴿إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ﴾ (هود: 29)، كقوله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾ (الليل: 12)[سورة الليل:12]، وبعض العلماء فسّر (على) في قوله ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (المطففين: 1-2) بمعنى : (من ) كما في قوله سبحانه ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (المطففين: 1-2) [سورة المطففين:1-2]بمعنى : إذا اكتالوا (من) النّاس يستوفون.

قال الله سبحانه ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52)

قالوا هنا (ويعلم سبحانه موضع استقراره في الأرض) إذًا ما من مخلوقٍ يدبّ على الأرض إلّا ويعلم ربّي سبحانه مستقرّه، أي : موضع استقراره في الأرض قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53) معنى : المستودع؟ قالوا : (ويعلم موضع موته الّذي يموت فيه) إذا المستقر : مكان الاستقرار الّذي يرجع إليه الإنسان، ويستقرّ فيه، وأمّا المستودع : فما يكون من مآل أمره وهو الموضع الّذي يوضع فيه في حالة دفنه، أو موته هذا قول قال به كثير من المفسّرين، بل هو قول الأكثرين.

ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: 54) وهو : الأرحام ﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53) وهذا في الأصلاب وهذا يتأتّى في بعض الدّوابّ كما هو معلومٌ والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) أيضًا بعضهم قال: مستقرّها أي : موضع الاستقرار، ومستودعها موضع الانتقال وهو الانتقال العارض؛ فالله عزّ وجلّ يعلم الموضع الّذي يستقرّ فيه المخلوق والموضع الّذي يتنقل إليه ويعرض له هذا التّنقّل قال ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55) والمراد به : اللّوح المحفوظ.

ثمّ قال ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56)

﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57) كل هذه دلائل على عظيم قدرة الله سبحانه، وأنّه المستحقّ للوحدانيّة عزّ وجلّ وأنتم ترون – أيّها الإخوة الكرام - أنّ هذه الآيات تمهيداً لما جاء بعد ذلك من قصص الأنبياء والمرسلين، وذلك أنّ سورة هودٍ كما ذكرت القصص فإنها تصدّت لعقائد المشركين عرضًا ونقضًا ثمّ ذكرت القصص للدّلالة على هذا من طريق التّطبيق.

فتستطيع أن تقول : إنّ أوّل السّورة الكريمة، أو صدر السّورة بمثابة التقعيد والتأصيل ثمّ بعد ذلك جاء التّطبيق بذكر قصص الأنبياء والمرسلين وهكذا ينبغي للدّاعي إلى الله، وللعالم في تعليمه للخلق فإنّه يقعّد لهم ويؤصّل، ويذكر القواعد والتأصيلات والتّنظير، ثمّ بعد ذلك يتبعه بالتّطبيق وهو ما نسمّيه بالتّمثيل : بأن يذكر المثال حتّى يتّضح هذا الأمر ويلقى القبول، وحتّى يفهم على الوجه الأتم والعلم عند الله.

﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: 58) وهذا ليعلّمنا الصّبر وليعلّمنا الحلم كما تقدّم في مثل هذا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) أي : وكان عرشه قبل خلقهما على الماء، يعني : ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يخلق السّماوات والأرض كان عرشه على الماء، وهذا فيه أنّ العرش مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وقوله عزّ وجلّ ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) استفدنا من التّعبير بقوله (كان ) أي : قبل خلق السّماوات والأرض قال ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60) وقد قال بعضهم في وقوف العرش على الماء، والماء غير قرارٍ (أعظم الاعتبار لأهل الأفكار بأن يكون هذا العرش على الماء أنّ الماء ليس موضع استقرار) فهذا يدلّ على إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ سبحانه وأنّه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ وأن الله لا يحتاج إلى العرش سبحانه، بل هو غنيٌّ عن العرش عزّ وجلّ لكنّه خلق ذلك وقدّره وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ سبحانه وتعالى.

قال ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60) ما الحكمة من خلق السّماوات والأرض؟ ما الحكمة من هذا الّذي قدّره الله؟ قال : (ليبلوكم) وتقدّم معنا أيّها الإخوة الكرام أنّ هذه سنّةٌ ثابتةٌ وأنّ الله قد قرّرها في مواضع كثيرةٍ من القرآن الكريم، لذلك من سنن الله في خلقه سنّة الابتلاء، ولذلك إذا علم المرء ذلك هانت عليه المصائب؛ لأنّه يعلم أنّها مقدّرةٌ وأنّها من سنن الله عزّ وجلّ في خلقه كما قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2) [سورة الإنسان:2] قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2) قالوا (أيكم أحسن عملًا بما يرضي الله ) والمراد بحسن العمل كما تقدّم : ما جمع بين الإخلاص والمتابعة.

قال ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61)

﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 62) ولئن قلت لهم يا رسول الله إنّ هناك بعثًا تأمّلوا!! حديثٌ عن البعث إذًا هذا لذكر بعض شبهاتهم وبعض أقوالهم في قضيّة البعث ليردّ عليهم في هذا الباب ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61)وجاء التصريح بالفاعل ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (هود: 63) لتسجيل الكفر عليهم؛ وأنّ الكافرين هم الّذين يقولون ﴿وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (هود: 64) وقوله ﴿إِنَّ هَـٰذَا﴾ (هود: 72) على ما يعود اسم الإشارة (هذا)؟

1- يعود على القرآن الكريم، أي : ﴿لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ﴾ هَٰذَآ الذي تأتينا به وهو القرآن إلّا سحرٌ مبينٍ 2-وبعضهم يقول : ﴿إِنَّ هَـٰذَا﴾ (هود: 72) أي : البعث إلّا سحرٌ مبينٌ.

3- لكن جاءت قراءة أخرى (إن هذا إلا ساحرٌ مبينٍ) فيكون الحديث عن الرّسول عليه الصّلاة والسّلام إذًا هي أقوال في اسم الإشارة، وقراءة ( إلّا ساحرٌ مبينٍ ) يناسبها : أن يكون المراد به الرّسول صلوات الله وتسليماته عليه.

تقدّم معنا الإخوة الكرام أنّه عند اجتماع الشّرط والقسم فإنّ الجواب يكون للمتقدّم ولذلك قالوا

واحذف لدى اجتماع شرطٍ وقسمٍ...... جواب ما أخرت فهو ملتزمٌ

فهنا لمّا قال ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) فقوله ( و ) تدلّ على قسمٍ، و( أن ) تدلّ على شرط؛ فالشّرط يحتاج إلى جوابٍ والقسم يحتاج إلى جوابٍ لكن لمّا تقدّمت (اللّام) الدّالّة على القسم جاء الجواب للقسم وهو قوله ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) فهذا جواب القسم، ولم يحتج إلى جواب الشّرط؛ بل استغني بجواب القسم عنه بشرطٍ فلم يقل ( وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ يقولوا إن هذا إلا سحرٌ مبينٍ ) مثلًا؛ وإنّما اكتفي بقوله ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67)

ثمّ قال ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ (هود: 68)

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: 69) أي : إلى أجلٍ معدودٍ - إلى وقتٍ معدودٍ، ووقّتٍ معلومٍ ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: 69) ما المراد بالأمّة قالوا (مدّة أيام معدودةٍ )

تقدّم أيضًا - أيّها الإخوة الكرام - أنّ الأمّة وردت في القرآن الكريم على أوجه متعدّدةٍ، ولذلك هذا من أشهر الأمثلة على باب الوجوه والنّظائر فيقولون :-

1-الأمّة جاءت بمعنى : الجماعة من النّاس ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) [سورة النحل:36].

2- وجاءت الأمّة بمعنى : الرّجل الجامع لخصال الخير ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120) [سورة النحل:120].

3- وجاءت الأمّة كما في هذه الآية الكريمة ومعناها : المدّة قالوا (مدّة أيام معدودةٍ) وذلك لأنّ الجماعة من النّاس يجتمعون على أمرٍ واحد، وكذلك الأمّة مجموعة أيام فاجتماعها أيضًا على وقتٍ، فهي مجموعة أوقات والعلم عند الله تبارك وتعالى.

- أو أنّه ذكر ذلك باعتباره باعتبار الحال يعني (الحال ) ما معنى ذلك؟ أنّ هؤلاء الّذين يحلّون يكونون في زمانٍ من الأزمنة فلم يذكر النّاس؛ وإنّما ذكر الوقت وهو قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) فلذلك بعضهم يجعلها من المجاز المرسل.

قال ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70) ما يحبسه؟ هذا على سبيل الإنكار والسّخرية من الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، أي : يقولون أيّ شيءٍ يحبس عنّا العذاب؟ كما قالوا ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71)

يقولون : ﴿مَا يَحْبِسُهُۥٓ﴾ (هود: 8) أين عذابك؟ أنت تتوعدنا لما حبست العذاب عنّا؟ بما أخرّته عنّا؟ فجاء الجواب؟ ﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72) حينما يأتيهم هذا اليوم لن يصرف عنهم وحينئذٍ سيوقع الله عزّ وجلّ بهم هذا العذاب ﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) أي: ويحيق بهم ما كانوا به يستهزئون؛ ولم يقل (وحاق بهم ما كانوا به يستعجلون) لأنّ هنا مقام استعجال إنّما قال ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) لأنّ استعجالهم كان على سبيل الاستهزاء، فقال ﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73)

ثمّ قال ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 75)

يبيّن الله حقيقة كثير من النّاس وحالهم من الجزع وعدم الرضا بقضاء الله سبحانه، والاغترار بنعمة الله عليهم ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76) والتّعبير بقوله (أذقنا) وهو أقل ما يكون عند الطّعمة، أو عند الطّعام : الذّوق معناه ولو كان قليلًا ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77)

ماذا يقع منه؟ يكون : يئوسًا وكفورًا لذلك قالوا هنا (ولئن أعطينا الإنسان منّا نعمةً كنعمة الصّحّة والغنى؛ ثمّ منه تلك النّعمة إنّه لكثيرٍ اليأس من رحمةِ الله عظيمٌ الكفران بنعمه) من أين قالوا؟ لـ (كثير اليأس عظيم الكفران ) من التّعبير بقوله ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78)لأنّ فعول من صيغ المبالغة فهذا يدلّ على كثرة هذا الأمر(كثير اليأس عظيم الكفران )

﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) كان عليه إذا أذهب الله عنه الضّرّ، وأعطاه النّعمة أن يتذكّر أنّ هذا من فضل الله عزّ وجلّ عليه فيعلن التّضرّع إلى الله والتّوبة إلى الله وأنّ الله هو الّذي يعطي، وأنّه هو الّذي يمنع إنّما ماذا يكون منه؟

﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80)أي: ذهب السّوء عنّي وزال الضّرّ دون أن يشكر الله سبحانه وتعالى على نعمائه ولا على ذهاب الضّرّ عنه وتأمّل قوله ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) فلمّا ذكر الضّرّاء قال (مسّته ) لم يقل (مسسناه بها ) ولكنّه في النّعماء قال ( أذقناه نعماء) من باب تعليمنا التّأدّب مع الله فمن تأدّبنا مع الله ألّا ننسب جانب الشّر أو جانب الضّرّاء إليه سبحانه وتعالى وأيضًا فيه إشارةٌ من طرف آخر والعلم عند الله : أو من جهةٍ أخرى : إلى أنّ الضّرّاء في غالب الأحوال يكون الإنسان سببًا فيها فهي ضرّاء مسّته بسبب معصيته، وبسبب ما كسبت يداه قال ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: 10) [سورة هود:10] وأيضًا (فرحٌ) فعلٌ (فخور) فعولٌ وهما من صيغ المبالغة.

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11)

دروس مشابهة