سورة هود — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
وفي كثير من الأحوال يأتي الاستثناء بذكر الإيمان والعمل الصّالح؛ لكن هنا جاء بذكر الصّبر لأنّ هذا مناسبٌ للمقام فالمقام فيه ذكر الضّرّاء، والضّرّاء يناسبها الصّبر ولذلك ذكر الله ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1)
ثمّ قال الله لنبيّه ومصطفاه صلّى الله عليه وسلّم:
﴿أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (هود: 2)
﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3) (فلعلّك تاركٌ ) والرّسول لا يترك ما يوحى إليه لذلك بعضهم قال : إنّ قوله (فلعلّك) على معنى الاستفهام هل أنت ﴿تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ﴾؟ من أجل ما يقولوه؟ وهذا فيه أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك؛ لكنّ الله يثبّته بهذا الكلام.
وبعضهم يقول : إنّ هذا بمعنى النّفي والاستبعاد. أي : لا يكن منك تركٌ لما أوحى الله عزّ وجلّ إليك. فالمراد بقوله (لعلّك) نفي ذلك واستبعاده، وتقدّم مرارًا أنّ الله قد يوّجّه رسوله صلّى الله عليه وسلّم ببعض التّوجيهات، ولا يلزم من ذلك أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم قد خالف هذا التّوجيه قبله، أو من بعده، ولكن هذا لتتعلّم الأمّة كيف تسير على الصّراط المستقيم وليثبت الرّسول عليه الصّلاة والسّلام على ما هو عليه من المنهج القويم.
﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3) ولم يقل (وضيق) أنّ المراد بالضّيق هنا الضّيق العارض فلذلك جاء باسم الفاعل (ضائقٌ) ولم يقل : ضيّق لأنّه إذا عرض ضيقٌ للرّسول صلّى الله عليه وسلّم لصدر الرّسول فيكون عارضًا ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (الحجر: 97) [سورة الحجر:97] فهذا ضيقٌ عارضٌ أمّا أن يكون الضّيق فهذا لا يتأتّى في حقّ الرّسول فقد شرح الله له صدره.
أي : يقولون ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) يعني : لا تلتفت إلى كلامهم، ولا تلتفت إلى مقترحاتهم فإنها مقترحاتٌ مبنيّةٌ على التّعنّت، أي : يقول ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) أي : لئلّا يقول كان أنّه يضيق صدرك من أجل ألّا يطالبوك بهذه المطالب لا تلتفت إلى مطالبهم فإنها قامت على التّعنّت ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) يعني : هلّا، فـ ( لولا ) هنا بمعنى : التّحضيض يعني هلّا ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ﴾؟ فردّ عليهم واصدع ولا تقلق ولا تحزن ولا تيأس ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5) هذه مهمتك ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6).
من فوائد الآيات
· سعة علم الله تعالى وتكفله بأرزاق مخلوقاته من إنسانٍ وحيوان وغيرهما. ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7).
· بيان علّةِ الخلق وهي اختبار العباد بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. قال الله ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (هود: 8)
· لا ينبغي الاغترار بإمهال الله تعالى لأهل معصيته فإنّه قد يأخذهم فجأةً وهم لا يشعرون. ولذلك توعّدهم فقال ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9).
· بيان حال الإنسان في حالتي السّعة والشّدّة ومدح موقف المؤمن المتمثل في الصّبر والشّكر وذلك في قوله ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: 10) ثمّ قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11) ثمّ قال ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1)
قال الشّيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود: 12)
إذًا الآية السّابقة ثبّتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبيّنت أنّه لا يترك وحيّ الله إليه مع قول هؤلاء ومع تعنّتهم ومطالبهم الّتي تدلّ على أنّهم لا يريدون الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه عزّ وجلّ قال هنا ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13) أي : (بل أيقول المشركون اختلق محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم القرآن) فمعنى (افتراه) أي : اختلق القرآن، والمراد بذلك أنّهم يدّعون أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم اختلق هذا القرآن كما قال الله ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14).
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) لعلّكم تتذكرون أيّها الإخوة الكرام أنّه قد ورد في سورة يونس ما يشابه هذه الآية؛ لكن هناك جاء ذكر سورة ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (يونس: 38)[سورة يونس:38] وهنا قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35)وجاء أيضًا ذكر هذا المعنى ذلك بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35) [سورة هود:35] فهذا من التّناسب بين السّورتين الكريمتين.
لكن ممّا يشار إليه في هذا المقام أنّ بعض العلماء قال : أنّ هذا (التحدي) كان على مراتب :-
1-فتحدّى الله عزّ وجلّ الخلق بأن يأتوا بمثل القرآن وذلك في قوله ﴿فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ﴾ (الطور: 34) [سورة الطور:34] وقال بعضهم : هذا ليس بصريح في الدّلالة لأنّ قوله (بحديث) : يدخل فيه القليل والكثير سورةٌ وأكثر من سورة؛ لكن بهذا قال فريقٌ : أنّ التّحدّي كان بالقرآن ثمّ بعد ذلك :-
2-كان التّحدّي بعشر سورٍ وهو في هذه السّورة الكريمة ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13) [سورة هود:13]
3-ثمّ بعد ذلك جرى التّحدّي (بسورة ) كما جاء في سورة يونس وفي سورة البقرة لذلك بعضهم استدلّ بهذا على أنّ سورة هودٍ سبقت سورة يونس في النّزول قالوا : لأنّ التّحدّي بالعشر يكون قبل التّحدّي بسورة واحدة، فهذا يدلّ على أنّ سورة هودٍ متقدّمةٌ في النّزول على سورة يونس؛ وإن كانت بعدها بحسب التّرتيب المصحفيّ.
ومن أهل العلم من قال : لا يلزم هذا لأنّ الله هنا ذكر شيئًا آخر لم يذكره في سورة يونس وهو قوله (مفتريات).
فقال هنا ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13) وهذا من التّسهيل لهم يعني لا يلزم أن تأتوا بسورة - من هذه السّور الّتي تناسب القرآن - من كون القرآن صدقًا، ويخبر عن صدقٍ؛ بل هاتوا عشر سورٍ ولو كانت مختلقةٌ!! ولو لم يكن فيها صدقٌ! ولو كانت من التّرّهات والخيالات على أن تكون مشابهةً لنظم القرآن الكريم وما يدلّ عليه القرآن الكريم من الهدايات وما إلى ذلك فقالوا هنا :-وإن ذكر العدد الأكثر وهو العشر لكنّه سهّل في قوله (مفترياتٍ) ولذلك : فلا يلزم أنّ هذه الآية الكريمة نزلت قبل آية سورة يونس، ﴿وَلَآ أَن﴾ تكون هذه السّورة نزلت قبل سورة يونس ’.
ومن أهل العلم من قال : لم يقصد بذلك بيان أنّه جاء على التّرتيب (القرآن ) ثمّ (عشر سورٍ) ثمّ (سورة) وإنّما هذا بحسب سياق كلّ سورة والعلم عند الله تبارك وتعالى؛ وذلك أنّ العجز واحدٌ لأنّه من قدر في الحقيقة على سورةٍ أتى بعشر وأتى بالقرآن كلّه، ومن عجز عن القرآن عجز عن عشرٍ وعجز عن سورةٍ لأنّ المقصد من ذلك أنّ القرآن كلام الخالق ولا يمكن للمخلوق أنّ يأتي بكلامٍ ككلام الخالق فأين المخلوق من ترابٍ /أو أين كلام (المخلوق من ترابٍ) من كلام ربّ الأرباب سبحانه جلّ وعلا قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13) ولو كانت مفتراه، ولو كانت مختلقة ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14)
لذلك قالوا هنا في المختصر (مختلقاتٍ لا تلتزمون فيها بصدق) فالقرآن الكريم مع فصاحته وكمال أسلوبه ونظمه؛ إلّا أنّه صادقٌ فيما أخبر وهنا خفّف عنهم في هذا الشّرط أيضًا! ومع ذلك لم يستطيعوا!! ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) وهذا فيه تحدّي وبيان عجزهم.
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15)
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) أي : إن لم يأتوا بما طلبتم منهم لعدم قدرتهم عليه
﴿فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ﴾، اعلموا أيّها المؤمنون إنّما أنزل -أي القرآن الكريم – بعلم الله، اعلموا علم يقينٍ أنّ القرآن إنّما أنزله الله بعلمه على رسوله عليه الصّلاة والسّلام ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) والمعنى : أسلموا فالمراد بهذا الاستفهام الأمر بأن يسلموا لله ربّ العالمين، وأن يستسلموا له.
ثمّ قال الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 18)
﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (هود: 19) ما صلة هذا بما قبله؟ بما أنّ هؤلاء ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ولا يؤمنون بالقرآن مع ظهور صدق القرآن الكريم إنّما جرّهم إلى ذلك حرصهم على الدّنيا، فالحياة الدّنيا هي الّتي غرّتهم وهي الّتي فتنتهم وجعلتهم يصدّون عن سبيل الله وجعلتهم يعرضون عن الحقّ المبين لذلك جاء التّحذير من الافتتان بالدّنيا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) هنا بيّن الله أنّ الّذي يريد الحياة الدّنيا فإنّ الله عزّ وجلّ يوفي إليه أعماله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (هود: 21) لا ينقصون شيئًا؛ بل يعطيهم الله ما يريدون لكنّ هذا الاطلاق مقيّدٌ في قوله سبحانه في سورة الإسراء ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) وهي الحياة الدّنيا ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) [سورة الإسراء:18] فهنا قوله ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) قد يقول قائلٌ ونرى بعض النّاس من الكفّار يريد الدّنيا ولا يعطى الدّنيا؟ ولذلك نرى فيهم الضّعفاء، نرى فيهم الفقراء؟
فيقال : هذا المطلق قيّد بآية سورة الإسراء في قوله ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) فهذان قيدان ﴿عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ (الإسراء: 18) ليس الّذي يشاء إنّما الّذي يشاء الله لمن نريد ليس للجميع وإنّما : لمن نريد.
قال الله سبحانه ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 22) نسأل الله السّلامة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) أي : بطل ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24) أي : ذهب ما صنعوا فيها ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24) هذا فيه أنّ الشّرك بالله سبحانه وتعالى محبطٌ للأعمال.
وهنا قد يقول قائلٌ : هل معنى ذلك أنّ من رائى، وأراد الحياة الدّنيا ذهب عمله وبطل؟
فيقال إنّ الرّياء على نوعين : 1- هناك رياءٌ في أصل الدّين بأن يدخل الإنسان في دين الله رياءً بأن يؤمن رياءً كما هو شأن المنافقين، فهذا يتأتّى في مثل هؤلاء ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) فالّذي راءى في الاعتقاد ودخل في دين الله سبحانه من أجل الحياة الدّنيا وزينتها لا من أجل الإيمان بالله، ولا من أجل الآخرة فهذا يحبط عمله كلّه ويبطل لأنّه لم يصح إيمانه ابتداءً فإيمانه غير صحيحٌ، فهو ما دخل في دين الله على وجه الحقيقة هذا معنى.
والمعنى الثّاني : إنّ هذا يتأتى والعلم عند الله في من يرائي بجميع الأعمال لذلك العلماء لمّا تكلّموا عن الشّرك قالوا شرك القصد والإرادة فالمراد به الّذي رائى في جميع الأعمال
2-وأمّا الرّياء الّذي هو رياءٌ في بعض الأعمال مع صحّة التّوحيد في الأصل، فهذا يقال له يسير الرّياء وهذا هو الشّرك الأصغر الّذي حذّرنا الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم منه، فمن رائى في بعض الأعمال؛ فإنّ هذا الرّياء يبطل هذا العمل ولا يبطل توحيده إذا كان مخلصًا في أصل العقيدة والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17)
قال الله سبحانه ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) [سورة هود:17] من المراد بهذا؟ هو الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بالدّرجة الأولى ثمّ يتبعه من كان على دربه عليه الصّلاة والسّلام، ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) كيف يتساوى الرّسول مع هؤلاء المتّبعين للضّلال؟ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 18) حينما تسمع ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ﴾ (هود: 17)؟ هذا يدلّك على ماذا؟ على مقارنة ونفي التّسوية.
لذلك هنا تقدير : ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن﴾ هو ضالٌّ)- كمن هو على الضّلال - كمن هو ليس على بيّنةٍ إذا عرف هذا بالسّياق وهذا كثيرٌ في القرآن الكريم في مثل هذا الباب كقوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: 33) [سورة الرعد:33] أي : كمن ليس بقائمٍ، فهذا يعرف منه التّقدير بالمقابلة.
لذلك قالوا هنا في المختصر وأحسنوا (لا يستوي النّبيّ محمّدٌ ‘ الّذي معه برهانٌ من ربّه، ويتبعه شاهدٌ من ربّه هو جبريل ويشهد له ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ على نبوّته التّوراة الّتي أنزلت على موسى ‘ قدوة النّاس ورحمتهم لا يستوي هو ومن آمن معه مع أولئك الكافرين المتخبطين في الضّلال) تأمّل قولهم (لا يستوي هو ومن آمن معه مع أولئك الكافرين المتخبطين في الضّلال) من أين هذا الكلام؟ فهم من التّقدير
إذًا : ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن﴾ هو متخبط في الضّلال لا يستوي هذا وذاك ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (هود: 19) ما معنى يتلوه؟ قالوا أي : يتبعه شاهدٌ منه ما الشّاهد منه؟ قالوا جبريل عليه السلام فالرّسول جاء بالقرآن ومعه شاهدٌ ما الشّاهد؟ جبريل عليه السلام وبعضهم جعل الشّاهد : القرآن نفسه فمنهم من فسّر الشّاهد بجبريل عليه السلام ومنهم من فسّره بالقرآن الكريم.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) أي : كتاب موسى قدوةً للنّاس ورحمةً للنّاس، فجعل الله هذا الكتاب إمامًا وهذا معنى قولهم (قدوة) فالكتاب قدوةٌ يقتدي بها النّاس كذلك رحمةً للنّاس ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (هود: 21) أي : أنّ هذا القرآن الكريم جاء مصدّقًا لما في التّوراة ولا تخالف بينه وبين التّوراة في الأصول، بل أنّها حدّثت عنه وبشّرت به وهو جاء موافقًا لها وهذا من تصديق القرآن للكتب السّابقة؛ فهل يستوي هذا الّذي معه بيّنةٌ ومعه قرآنٌ ومعه شاهدٌ وهو جبريل ومعه موافقاتٌ للتّوراة ولا اختلاف بينه وبين ما في الكتب السّابقة من حيث الأصل، بل هي قد بشّرت به هل يستوي هذا مع المنحرف الضّالّ؟
قال ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 22) أولئك يؤمنون بالقرآن وبمحمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام أهل الإيمان يؤمنون به
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) أي : من أصحاب الملل المختلفة ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24) وهذا وعيدٌ شديدٌ من الله سبحانه وهي جملةٌ وجيزة جدًا؛ لكنّها عظيمةٌ جدًا ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) يعني في ارتيابٍ منه قالوا : (من القرآن ومن موعدهم) إذًا على ما يعود الضّمير في قوله (منه )؟
1- أي : من موعدهم من لقاء الله ومن الآخرة الّتي ذكرها الله بقوله ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24).
2- وأيضًا من القرآن الكريم لا تشكّ فيه.
وكما تقدّم لا يلزم من هذا أنّ الرّسول وقع في شكّ إذًا ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) أثبت على يقينك وليثبت المؤمنون أيضًا على يقينهم في القرآن وفي وعد الله جلّ وعلا وهنا نفى الشّكّ ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) الأسلوب أسلوب نهي ولكنّ المراد به أيضًا أنّ الرّسول منتفٍ عنه الشّكّ لأنّ الأمر كذلك، فإذًا إذا كان لا يقع من الرّسول ريبةٌ، فلا يقع من الرّسول تكذيبٌ من باب أولى.﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27)
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28)
﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) وهم أهل الكفر كما تقدّم مرارًا في أسلوب ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 30) قال ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 31) ليسألهم عن أعمالهم ﴿قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (هود: 32)وهم الشّهود كما قالوا هنا : (من الملائكة والمرسلين )
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33) لم يقل ألّا لعنة الله عليهم إنّما قال ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) فهذا من الإظهار في موضع الإضمار (وضع الظّاهر في موضع المضمر) لِمَ؟ لتسجيل الظّلم عليهم لبيان أنّ هؤلاء ظالمون. ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35)
ما معنى ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36)؟ على ما تقدّم كثيرًا أنّ (الصدّ) قد يأتي متعدّيًا، وقد يكون لازمًا
صدّ : أعرض ومعنى (صدّ) : صدّ غيره، وهنا فسّروها بالتّعدّي - بالفعل المتعدّي - لذلك قالوا (الّذين يمنعون النّاس ) إذًا تقول فلانٌ ( صدّ صدودًا ) : يعني أعرض إعراضاً، وتقول فلانٌ ( صدّ غيره ) صدًا، يعني : أنّه صرف غيره عن الحقّ قالوا هنا في المختصر ( الّذين يمنعون النّاس عن سبيل الله المستقيم )
﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) يطلبون لسبيل الله الاعوجاج عن الاستقامة
﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) وهنا عاد الضّمير على (السّبيل) مؤنّثًا وتقدّم أنّ السّبيل يستعمل معه التّذكير والتّأنيث قال ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) نسأل الله أن يرزقنا الإيمان الصّادق.
من فوائد الآيات
· تحدّي الله تعالى للمشركين بالإتيان بعشر سورٍ من مثل القرآن وبيان عجزهم عن الإتيان بذلك : وذلك في قوله سبحانه ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39) الآية.
· يعطى الكافر ثواب أعماله في الدّنيا وليس له ﴿فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ﴾ : لذلك قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) ولذلك جاء عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم (إنّ الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً يعطى بها في الدّنيا ويجزى بها في الآخرة وأمّا الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله في الدّنيا حتّى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يجزى بها) يستوفي الدّنيا أجراً لكن لا يكون له في الآخرة حظٌّ ولا نصيب لأنّ الآخرة كما قال الله ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 35) [سورة الزخرف:35].
· عظم ظلم من يفتري على الله الكذب وعظم عقابه يوم القيامة : لذلك قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) وقال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40)
قال الشّيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود: 41)
قال الله سبحانه ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42) أولئك المتّصفون بتلك الصّفات، تقدّم أيضًا معنا أنّ اسم الإشارة يجعلنا نستحضر الصّفات السّابقة قبله ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43) أي : المذكورون سابقًا بهذه الأوصاف من الظّلم وافتراء الكذب على الله سبحانه وتعالى والصّدّ عن سبيل الله وما إلى ذلك أولئك المتّصفون بتلك الصّفات ﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44) أي : لم يكونوا قادرين على الهرب في الأرض من عذاب الله، فما هم بمعجزين لا يفلتون من عذاب الله ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (هود: 45) أي : ليس لهم حلفاء ونصراء ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ يدفعون عقاب الله عزّ وجلّ عنهم يضاعف لهم العذاب لِمَ؟ لأنّهم أعرضوا وصدّوا غيرهم كما قال الله ﴿قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (هود: 46).
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) قالوا هنا : (ما كانوا في الدّنيا يستطيعون سماع الحقّ والهدى سماع قبول) 1-فجعلوا هذا في الدّنيا وهو قول مشهورٌ في تفسير الآية.
2-وهناك أوجه أخرى المعنى على هذا القول : ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) ما كانوا يقبلون السّمع، لا يسمعون سماع انتفاعٌ وإنّما كما قال الله عنهم ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) [سورة البقرة:18].
إذًا نفي السّماع هنا، أو نفي استطاعة السّماع : معناه عدم قبول الحقّ وعدم الانقياد له دون ظلمٍ من الله سبحانه وتعالى لهم وإنّما هو من باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الصف: 5) [سورة الصف:5].
3-وأيضًا : لا يستطيعون السّمع يوم القيامة فإنّهمّ يحشرون يوم القيامة كما أخبرنا الله ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) [سورة الإسراء:97].قال ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97).
﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97)
ذهب عنهم ما كانوا يختلقون من الشّركاء والشّفعاء
﴿قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: 48)
﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) ما معنى ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49)؟ يعني : حقًا لذلك قالوا هنا في التّفسير (حقًا إنّهم يوم القيامة هم الأخسرون)
﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50)
﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (هود: 51) كما هي طريقة القرآن أن يذكر الله حال السّعداء حال المؤمنين بعد حال المجرمين ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) أي : خضعوا وانقادوا إلى ربّهم سبحانه وتعالى واستسلموا له ﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53) نسأل الله الكريم من فضله، ثمّ قال الله ليبيّن الفرق الكبير والبون الشّاسع بين الفريقين بين فريق الكافرين وفريق المؤمنين :
﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: 54)
﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55) أي : مثل الأعمى والأصم من جهة / والبصير والسّميع من جهةٍ فمعلومٌ أنّ هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين الأعمى والبصير وبين الأصم والسّميع كذلك هناك فرقٌ كبيرٌ بين الكافر والمؤمن فالكافر أعمى وأصم؛ والمؤمن بصيرٌ وسميعٌ ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56)؟ والمراد النّفي : لا يستويان مثلًا
﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57) تتذكرون هذه المواعظ وتعملون بمقتضاها بهذا التقعيد، ذكر الله سبحانه وتعالى ما يتعلّق بهذه القضايا العظيمة ثمّ بعد ذلك ذكر الله عزّ وجلّ لنا طرفًا من قصص الأنبياء والمرسلين وكيف أنّ هؤلاء المرسلين دعوا أقوامهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وذكّروهم بالآخرة فمنهم ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وهم القليلون، ومنهم من كفر وهم الأكثرون وأنجى الله المؤمنين وأهلك الله الظّالمين والكافرين. فقال :
﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: 58) كما قال في صدر السّورة ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) فهذه دعوة الأنبياء والمرسلين.
﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60)
وفي أوّل السّورة ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61) إذًا الأنبياء والرّسل جميعًا دعوا إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ولذلك جاء بأسلوب النّفي والإثبات ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60)
﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 62)
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (هود: 63) هذه أوّل شبهةٍ ﴿وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (هود: 64) فأيّ مزيّةٍ لك علينا وغفل هؤلاء على أنّ الرّسالة منّةٌ من الله سبحانه وتعالى يمنّ بها عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ولذلك قال الله ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾ (الأنعام: 124) [سورة الأنعام:124] نعم الرّسل من البشر ولذلك قالوا ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَـٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (إبراهيم: 11) [سورة إبراهيم:11].
قال الله سبحانه وتعالى ﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111)
﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111) نرى أتباعك من الأراذل ولذلك قالوا ﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111) [سورة الشعراء:111].كما في سورة الشّعراء ﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111) قالوا هنا في المختصر (فقال الأشراف والرّؤساء الّذين كفّروا من قومه لن نستجيب لدعوتك؛ لأنّه لا مزيّةٌ لك علينا فأنت بشرٌ مثلنا ولأنّنا لا نراك اتّبعك إلّا أسافلنا ) وهذا معنى ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) : الأسافل فيما ظهر لنا من رأينا وهذا معنى ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) فمعنى بادي الرّأي، أي : فيما ظهر لنا من رأينا وهو أحد الأقوال في معنى ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) أي : فيما يظهر لنا أنّه لا يتبعك إلّا الأسافل، وهذا لا ضير فيه؛ فإنّ الضّعفاء يميلون إلى الحقّ؛ وأمّا أصحاب الدّنيا فإنّهم يتمسّكون بها ولا يريدون أن يسئلوا عن ما معهم من الأموال، وإن كانت بطريقٍ غير مشروع ولذلك لمّا سأل هرقل أبا سفيان عن أتباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ( أيتبعه أشراف النّاس أم ضعفاؤهم؟ قال : بل يتّبعه ضعفاؤهم، قال : وكذلك الأنبياء ) حينما أجاب فالأنبياء يتبعهم الضّعفاء : لأنّهم ينظرون إلى الحقّ بعين الحقّ والبصيرة.
قالوا هنا ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: 33) 1- أي :- فيما ظهر لنا هذا وجه.
2-والوجه الثّاني أي : يظهر لديهم؛ وأمّا في بواطنهم فحتّى هؤلاء لا يؤمنون بك!! فجعلوا بادي الرّأي يتعلّق بهؤلاء المؤمنين. أي : أنّ هؤلاء المؤمنين آمنوا بك في الظّاهر وهم في حقيقة الأمر لا يؤمنون بك سبحان الله!! لم يكتفوا بالتّكذيب وإنّما طعنوا في نوايا المؤمنين قال ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66)
3- وهناك قراءةٌ أخرى ﴿بَادِىَ ٱلرَّأْىِ﴾ (هود: 27) أي : ابتداء الرّأي من غير تفكير ولا تمهل ولا رويّةٍ وهو أحد المعاني في قوله بادي الرّأي فقوله ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66)
يمكن أن يقال إنّ فيها ثلاثة أوجه معنى ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) يعني : فيما ظهر لنا فيكون حالًا منه، أو ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) أي : بظاهر أمرهم لا في ما في بواطنهم، أو أن يكون ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) أي : بدون وعيٍّ منهم وتفكّرٍ فهؤلاء الأسافل سمعوا كلماتك فاستجابوا لك دون أنّ يمهلوا النّظر ودون أنّ يمعنوا وهو المذكور في القراءة الأخرى (بادئ).﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67).
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ (هود: 68)
﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: 69) معي البيّنة والحجّة فكلّ رسولٍ أو نبيٍّ أرسله الله سبحانه وتعالى أيّده بآية ببيّنةٍ بمعجزةٍ لتدلّ على صدقه ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70) والمراد بالرّحمة هنا : النّبوّة والرّسالة ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71) أي : أخفيت عليكم لجهلكم بها لذلك لم تستجيبوا لها والقراءة الأخرى (فعميت عليكم ).
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256) أنجبركم على الإيمان بها؟وهذا في معنى﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256) [سورة البقرة:256].
فلا يمكن أن يكره قلب الإنسان على الاعتقاد حتّى وإن أبدى شيئًا فإنّ قلبه إنّما يميل إلى ما أحبّه ورغب فيه، فقال ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256) أي : لا نقدر على ذلك لأنّ الّذي يوفّق ويهدي هو الله سبحانه يعني ليس لي أن أقتحم عليكم وأن ألزمكم بالإيمان كما بين الله سبحانه وتعالى في قوله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108) [سورة يونس:108]. علّم الرّسول صلّى الله عليه وسلّم أنّ التّوفيق بيد الله سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات
· الكافر لا ينتفع بسمعه وبصره انتفاعًا يقود للإيمان فهما كالمنتفيين عنه بخلاف المؤمن : ولذلك قال ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47)
· سنّة الله في أتباع الرّسل أنّهم الفقراء والضّعفاء لخلوّهم من الكبر وخصومهم الأشراف والرّؤساء : قولهم هنا (لخلوّهم من الكبر) هذا من أسباب أنّ الضّعفاء يتّبعون لأنّ هذا الشّريف لا يريد أن يكون تابعًا لنبيٍّ ﴿وَلَآ أَن﴾ يكون تابعًا لأحدٍ؛ وإنّما يريد أن يكون رأيه من عقله وهواه وأيضًا كما قلت : لأنّ هؤلاء ينصاعون إلى الحقّ وينقادون له؛ وأمّا هذا فإنّه يحرص على جمع المال وما إلى ذلك وهذا في قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25)
· تكبّر الأشراف والرّؤساء واحتقارهم لمن دونهم في غالب الأحيان : ﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111) فهذا يجري في كثير منهم نعم.
قال الشّيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72)
﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) يقول نوحٌ ’ ﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) وهكذا الأنبياء والمرسلون يبيّنون إخلاصهم في دعوتهم وأنّهم لا يطلبون من النّاس خراجًا لا يطلبون من النّاس مالًا؛ إنّما يبتغون بدعوتهم وجه الله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) فلماذا تخافون؟ أنا لا أريد منكم دنيا إنّما أريد منكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 75) هذا فيه أنّهم قالوا لنوحٍ ’ : إن أردت منّا أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء فنحن لا نجالس هؤلاء الضّعفاء، وهذا كما صنع المشركون مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولذلك نهاه الله ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76).
فقال لهم نوحٌ ’ ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77) إنّهم ملاقوا ربّهم يوم القيامة وهو مجازيهم على إيمانهم ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78) لا تفهمون حقيقة الدّعوة، ومن جهلكم طلبكم هذا الطّلب لو رأيتم أنّ دعوتي حقّه فآمنوا بها، ولا يضرّكم من اتّبعها فسواءٌ اتّبعها الأشراف أم الضّعفاء؛ فإنّه يلزم من عرف الحقّ أن يتّبع الحقّ من أجل هذا الحقّ الّذي عرفه.
﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79)
بهذا الرّفق والحلم واللّطف من نوحٍ ’ ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) كيف أطردهم؟ من ينصرني حينئذٍ من الله سبحانه وتعالى، ومن يخلّصني من عذابه، وهذا فيه أنّ إيذاء هؤلاء المؤمنين ذنبٌ كبير لا ينبغي للإنسان أن يتساهل فيه ولذلك جاء في حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حينما قال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام (لأبي بكرٍ الصّدّيق : لعلّك أغضبتهم لئن كنّت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك عزّ وجلّ ) هذا يدلّ على فضل الفقراء المؤمنين بالله ربّ العالمين ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) وتأمّل تعدّي كلمة (ينصرني) بحرف الجرّ ﴿مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ﴾ (هود: 30) والأصل أنّ مادّة نصر، أو أنّ فعل (نصر) : يتعدّى بـ (على )
لكنّ النّصر هنا معناه النّجاة، أي : من ينجيني من الله؟ من يخلّصني ويسلّمني من عذاب الله؟ كقوله ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنبياء: 77) [سورة الأنبياء:77]. يعني : خلصناه وسلّمناه من القوم قال﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنبياء: 77)
﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82)
﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) أي : الّتي فيها رزقه أنفقها عليكم إن آمنتم - لا تظنّوا أنّني سأفتح لكم أبواب الدّنيا؛ إنّما أفتح لكم أبواب الطّاعة وأبواب الجنّة؛ وأمّا ما يتعلّق بفتح أبواب الدّنيا فهذا كلّه بقدر الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) فالرّسول لا يعلم الغيب إلّا بما أطلعه الله عليه فهذا فيه ظهور هذا الأمر من كلام نوحٍ ’ كما أخبرنا الله عنه ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) لذلك إذا قيل هل الأنبياء والمرسلون يعلمون الغيب؟ يقال : لا يعلمون الغيب إلّا ما أطلعهم الله عزّ وجلّ منه كما قال الله ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86).
﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) ردٌّ على كلامهم في شأنه حينما قالوا له : إن أنت إلّا بشرٌ وكما قالوا هنا (ما نراك إلّا بشرًا مثلنا )، قال ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) لست ملكًا إنّما أنا بشرٌ وماذا في هذا؟ ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) [سورة الإسراء:95].
﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) أي : تحتقر أعينكم ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) أي : لن يعطيهم الله توفيقًا ولا هدأيةً ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88) هو أعلم بنيّاتهم، وهذا فيه ردٌّ أيضًا على أحد الأقوال في تفسير ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) أنتم تزعمون أنّ بواطنهم تخالف ظواهرهم هذا إلى الله سبحانه وتعالى وليس لي أن أحتقرهم وإنّما لي الظّاهر وعلى الله سبحانه وتعالى السّرائر ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89) أي : إنّي إن ادّعيت ذلك لمن الظّالمين الّذين يستحقّون عذاب الله. ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: 90) خاصمتنا وناظرتنا فأكثرت جدالنا، وهذا فيه أنّ الأنبياء والمرسلين والعلماء يناظرون ويناضلون من أجل بيان الحقّ وإظهاره، ومن أجل إقامة الحجة على الخصوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91) هذا العذاب الّذي تتوعدنا به.
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود: 92)
إن شاء ربّي يأتيكم بهذا العذاب في الوقت الّذي يشاء ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (هود: 93) لا تفلتون من عذاب الله ولا تقدرون على الهروب.
﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 94)
فيه أنّ الهداية بيد الله سبحانه، فإذا قدّر الله عزّ وجلّ عليكم الغواية، فلا أستطيع ولا يستطيع غيري أن يهديكم ما معنى قوله ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود: 95) أن يضلّكم فالغواية بمعنى الإضلال.أي : ﴿إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن﴾ يضلّكم فهذا كلّه بقدر الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه إثبات أنّ الهداية والإضلال بقدر الله سبحانه وبعض المفسّرين :- فسّر ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 96) يعني : أن يعذّبكم، والتّعذيب أثرٌ من آثار الإضلال؛ فإنّ هذا الضّالّ يقدّر الله عزّ وجلّ عليه العذاب، أو يستحقّ العذاب لكن لا ينبغي أن تفسّر هذا التّفسير من أجل أنّ يلوي النّصّ ومن أجل ألّا يقال إنّ الله سبحانه وتعالى بيده الأمر كلّه.
لذلك حاول المعتزلة الّذين ينفون أنّ كلّ شيء بقدر وأنّ الهداية والإضلال بقدر الله - أرادّوا هذا القول، أو لم يفسّروه بمعنى الغواية، أو بمعنى الإضلال؛ وإنّما فسّروه بمعنى : العذاب، وهذا فيه نظرٌ لأنّ سياق الآية في مقام أنّ كلّ شيء بقدر الله سبحانه لذلك الصّحيح ما ذكروه هنا، وأنّ معنى ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود: 95) أي : أن يضلكم ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97).
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98)
فهذه الآية الكريمة فيها قولان للمفسّرين 1-فكثيرٌ منهم يقول :- إنّ هذه الآية جملة معترضةٌ، أو آية معترضةٌ بين الآيات في قصّة نوحٍ ففي وسط قصّة نوحٍ ’ عاد الأمر لذكر القرآن الكريم ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13) تزعمون أنّ الرّسول افترى القرآن!! أنّى له أن يفتري هذا القرآن ومن أين له أن يأتي بهذا القصص؟ ومن أين له أن يأتي بتلك الأخبار، كما جاء بعد ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) [سورة هود:49].فيكون قوله ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) أي : بل أيقولون إنّ محمدًا صلّى الله عليه وسلّم افترى القرآن ويكون هذا كقوله قبله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39)
3-ومن أهل العلم من قال : بل إنّ الآية متّصلةً بما قبلها وما بعدها والحديث كان عن نوحٍ عليه السلام فقال ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) أي : افترى نوحٌ واختلق هذا الدّين، وهذا ما فسّروه هنا أو ما قالوه هنا في المختصر إذ قالوا (وسبب كفر قوم نوحٍ أنّهم يزعمون أنّه اختلق على الله هذا الدّين الّذي جاء به ).
﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) حسابي لله سبحانه وتعالى وعقابي عليه ﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (هود: 51)
﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52)
علم نوحٌ ’ بإعلام الله له أنّه لن يؤمن من قومه إلّا من قد آمن، وحينئذٍ دعا نوحٌ ’على قومه حينما قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53) لذلك يقال إنّ نوحًا ’ إنّما دعا على قومه حينما أعلمه الله سبحانه أنّه لن يؤمن من قومه إلّا من قد آمن حينئذٍ دعا وقال ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: 54)
قال ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55)
أمره الله سبحانه بأن يصنع السّفينة مع أنّهم كانوا على البرّ لكنّ هذا بقدر، وهي آيةٌ من آيات الله سبحانه وتعالى أيّد بها نوحًا ’ كما سيأتي تفصيله بعد ذلك في الآيات.
قال الله ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56) قالوا (بمرأى منّا محفوظًا منّا ) إذا ما معنى ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57) أي : بمرأى منّا، محفوظًا منّا، وقوله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57) استدلّ به السّلف على إثبات هذا على الوجه الّذي يليق بالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾، ولا يلزم من ذلك أنّ عين الله، أو أنّ الفلك في داخل عين الله، أو ما أشبه ذلك من كلام باطلٍ يقتضي تشبيهًا والله منزّهٌ عن هذا التمثيل والتّشبيه ولكنّ المعنى كما قالوا هنا في المختصر (بمرأى منّا محفوظًا منّا ) فهو برعاية الله سبحانه وحفظه مع إثبات ما أثبته الله لنفسه على الوجه الّذي يليق به عزّ وجلّ.
قال ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56) كقوله ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: 58) وكما قال إنّك بأعيننا ووحينًا أي : وبوحينا بتعليمك كيف تصنعها ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) أي : لا تخاطبني طالبًا إمهال الّذين ظلموا أنفسهم بالكفر أنّهم مغرقون لا محالة بالطّوفان عقابًا لهم على إصرارهم على الكفر.
من فوائد الآيات
· من صفات الدّاعية أن يكون عفيفًا وأن يرجو من الله وحدّه الثّواب : قال ﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72)
· حرمة طرد فقراء المؤمنين ووجوب إكرامهم واحترامهم : ولذلك قال ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60)وقال أيضًا ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنبياء: 77)
· استئثار الله تعالى وحدّه بعلم الغيب : لذلك قال نوحٌ ’ كما ذكر الله ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85)
· مشروعيّة جدال الكفّار ومناظرتهم : قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: 90) وهذا من باب إقامة الحجّة عليهم، والعلم عند الله ونقف عند هذا الحدّ.هذا والله أعلم وصلّى الله على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الثّاني والسّبعون من المختصر في التّفسير
السّلام عليكم ورحمةً الله وبركاته الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد : - فمرحبًا بكم أيّها الإخوة الكرام في درس جديدٍ من دروس المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع سورة هودٍ.
قال الشّيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61)
قوله سبحانه ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 62) استجاب نوحٌ عليه السلام لأمر الله تبارك وتعالى له، ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ﴾ ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (هود: 63) فامتثل نوحٌ عليه السلام أمر ربّه عزّ وجلّ وصنع الفلك، هنا قالوا في التّفسير (فامتثل نوحٌ أمر ربّه وطفق يصنع السّفينة ) وجاء التّعبير عن هذا الصّنع بالفعل المضارع لتصوير هذه الحالة وهذا المشهد وكأنّنا نرى نوحًا ’ وهو يجدّ ويجتهد في صنع الفلك استجابةً لأمر ربّه سبحانه وتعالى، وفيه الأخذ بالأسباب أيضًا.
﴿وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (هود: 64) قالوا في المختصر(مرّ عليه كبراء قومه وسادتهم ) ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) أي : استهزأوا به ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66) ما وجه سخرية قومه منه؟
قال بعضهم :- سخروا منه لأنّهم كانوا يعيشون في البرّ فحينما يرون سفينةً أو فلكاً يصنع في البرّ ومن المعروف أنّ السّفينة إنّما تكون في البحر تجري في البحر، فهذا آثار استغرابهم واستنكارهم واستهزأوا بنوحٍ ’ بصنيعه.
2-أو أنّهم ما كانوا يعهدون السّفينة ولا يعرفونها، ما الّذي تصنعه يا نوح؟ أصنع سفينةً، ما هذا الّذي تصنعه؟ بيتٌ يتحرّك في الماء، فهذا أثار دهشتهم وجعلهم يستهزئون منه لا سيّما وأنّ هذا كان أصلًا عندهم وهو الاستهزاء من دعوة نوحٍ ’ كما هو صنيع الأقوام مع الأنبياء والمرسلين ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ ممن آمن بهم قال ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67) نحن أحقّ بالسّخرية منكم فأنتم بعيدون عن الله سبحانه وتعالى وأنتم في غفلةٍ فالسخرية أو أحقية نوحٍ ’ بهذه السّخرية من جهة أنه يرى جهلهم وتماديهم في الطّغيان وعدم مراجعتهم لأنفسهم مع طول دعوة نوحٍ ’ لهم ولذلك قالوا في المختصر : ( فإنّا نستهزئ بكم لجهلكم بما يصير إليه أمركم من الغرق) فحالكم يجعل السّامع له والرائي له يستهزئ به بغفلتكم وجهلكم ولك أن تقول إنّ الكاف في قوله ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ (هود: 68)
2- أو أنّها للتّعليل فإنّا نسخر منكم لأنكم تسخرون منّا؛ ونحن أحق بذلك منكم.
﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: 69) قال بعضهم أي : - في الدّنيا ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70) أي : في الآخرة، فجعلوا الأوّل وهو العذاب المخزي في الدّنيا، وجعلوا الثّاني وهو العذاب المقيم في الآخرة، بعضهم :- جعل العذاب المخزي بالطّوفان والغرق حينما أصابهم الغرق ﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًا﴾ (نوح: 25) [سورة نوح:25].فقالوا :- هذا هو العذاب المخزي.
قالوا هنا في المختصر (فسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ في الدّنيا يذلّه ويهينه وينزل عليه يوم القيامة عقابٌ دائمٌ لا ينقطع ) ويشهد لكون العذاب المقيم هو عذاب الآخرة أنّ الأصل في وأو العطف أنّها تفيد معنى التغاير فيكون عذابًا آخر، ومن جهةٍ أخرى أنّ التّعبير عنه بالعذاب المقيم يناسب عذاب الآخرة، فهو العذاب الدّائم الّذي لا ينقطع في حقّ الكافرين نسأل الله السّلامة والعافية.
﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71) لنا أيضًا أن نقول إنّ (من ) في قوله ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78)
2- أو أنّها استفهاميّةٌ بمعنى (أي ): فسوف تعلمون (أيّنا ) ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72)
﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) أي : استمرّ نوحٌ عليه السلام في صنع السّفينة إلى أن جاء أمر الله سبحانه قالوا هنا في المختصر (وأنهى نوح ’ صنع السّفينة الّتي أمره الله بصنعها حتّى إذا جاء أمرنا بإهلاكهم ) إذًا ما المراد بالأمر هنا هو: أمر الله بإهلاك قوم نوحٍ الّذين كذّبوه ﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) وإضافة الأمر إلى الله فيه تفخيمٌ، لهذا الأمر.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) كانت علامةٌ على نزول العذاب بهم، ومجيء الغرق إليهم ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 75) قالوا هنا في المختصر (وفار الماء من التنور الّذي كانوا يخبزون فيه إعلامًا ببدء الطّوفان ) إذًا كانت هذه علامةٌ لنوحٍ ’ ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إذا ظهرت، فهذا مؤذّنٌ بمجيء الغرق إلى قومه، وحينئذٍ عليه أن يمتثل ما أمره الله به ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76) التّنّور قالوا هنا (وفار الماء من التنور الّذي كانوا يخبزون فيه) إذًا المراد به التّنّور الّذي يخبز فيه، فهو مكانٌ للنّار، أو لاشتعال النّار وليس لنبع الماء منه، فإذا نبع الماء منه وظهر فيه دلّ ذلك على أنّها آيةٌ من آيات الله وعلامةٌ على مجيء أمر الله سبحانه وتعالى وذهب إلى هذا القول أكثر المفسّرين كما ذكر غير واحدٍ من أهل التّفسير.
وهناك قول آخر : وهو أنّ المراد بالتّنّور : وجه الأرض والمعنى :- أنّ وجه الأرض نبع الماء من كلّ جهةٍ فوجه الأرض بكلّ ما عليه بدأ ينبع ماءً، فكان نبع الماء في جهاتٍ، أو في وجه الأرض علامةٌ على مجيء الغرق إذًا في التّنّور قولان مشهوران، وهناك أقوالٌ أخرى لكنّ أشهر هذه الأقوال أنّ التّنّور هو ما نقول له الفرن الّذي يخبز فيه، أو أنّ التّنّور وجه الأرض ورجّح بعضهم الأوّل باعتبار أنه المعنى الأغلب من كلام العرب والأصل حمل الكلام عليه إلّا بقرينةٍ تدلّ على خلافه.
قال ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76) أي : في هذه السّفينة في الفلك من كلٍّ زوجين اثنين ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77) في قوله ﴿مِن كُلٍّ﴾ (هود: 40) قراءتان :-
1-هناك من قرأ بتنوين كلٍّ ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77)
2-وهناك من قرأ بدون تنوينٍ أي : بالإضافة ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77)
فعلى قراءة من قرأ بالتّنوين ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78) فيكون قوله زوجين هو المفعول به لـ (احمل) والتّنوين تنوين عوضٍ.
وعلى قراءة {ﱨ ﱩ ﱪ كل ﱬ ﱭ} يكون قوله اثنين هو المفعول؛ وأمّا على القراءة الأولى فاثنين بدل من قوله زوجين ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76)
﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) أي واحمل أهلك أيضًا، والمراد بأهلك هنا : أهلك المؤمنون ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80)
قالوا هنا (واحمل ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ معك من قومك واحمل أهلك إلّا من سبق الحكم بأنّه مغرقٌ ) فمعنى ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) بأنّه مغرقٌ ممن هو من الكافرين والمكذّبين ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) هذا فيه دليلٌ على أنّ كلّ شيءٍ يقع في الكون فبقدر الله وتقديره وقضائه، فقال ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) ممن قضى الله عزّ وجلّ عليه أن يكون من الهالكين دون أنّ يظلمه ربّ العزّة سبحانه وبحمده.
وتأمّل التّعبير القرآنيّ هنا إذ جاء ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) ولم يكن يقل (سبق له القول) لأنّه في باب إهلاكه وفي باب إضراره وإغراقه؛ وإلا فقد قال الله في مواضع أخرى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: 101) [سورة الأنبياء:101].فتعدّى السّبق باللام لأنّه في مناسبة نفعه، وكذلك ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ (الصافات: 171-172) [سورة الصافات:171-172].
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ (الصافات: 171-172) أي : ومن آمن من قومك ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ (الصافات: 171-172) قالوا هنا أي :( إلّا عددٌ قليل على طول المدّة الّتي مكث فيها يدعوهم إلى الإيمان بالله ) وقد قال الله في شأنها ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14) [سورة العنكبوت:14].﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14) ولم يبيّن لنا ربّ العزّة عدد هذا القليل فنقف حيث أبهم القرآن الكريم ونقول : إنّ الّذين آمنوا مع نوحٍ ’ كانوا قلّةً بدليل قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14) وليس عندنا خبرٌ ثابتٌ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تحديد هذا العدد، وقد وردت جملةٌ من الرّوايات الإسرائيليّة في ذكر صفة السّفينة وصفة الحيوانات الّتي حملها نوحٌ ’ في هذه السّفينة وما إلى ذلك ممّا أبهمه الله سبحانه وتعالى، ونقف حيث أجمل القرآن الكريم ولو كان في بيان ذلك نفعٌ لبينه الله سبحانه وتعالى قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14) فيه أنّ المؤمنين قلّةٌ ولكنّ هذه القلّة قلّةٌ مباركةٌ وقد قال الله سبحانه وتعالى ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24) [سورة ص:24]. وقال ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103) [سورة يوسف:103].
قال ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24)
﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103) أي : قال نوحٌ ’ لمن آمن من أهله وقومه : اركبوا في السّفينة وقال ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) أي : قال نوحٌ ’ اركبوا فيها أي : - في هذه السّفينة والمراد اركبوا في جوفها وفي داخلها لذلك تعدّي الرّكوب بـ (فيها ) دون أنّ يقول (اركبوا عليها )
؛ لأنّ المراد بالرّكوب هنا الرّكوب في داخلها والاستقرار فيها، فهي بمثابة البيت والمنزل لهم ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) أي : بسم الله يكون جري السّفينة وباسمه يكون رسوها فقوله ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) أي : رسوها ومستقرّها ومجراها، أو﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) أي : جريانها ومعروفٌ أنّ كلمة مجريها لبعض القرّاء فيها إمالة.
قال ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) هنا فيه أنّه أمرهم أنّ يقولوا : بسم الله، وليس فقط أنّ يذكروا الله سبحانه وتعالى بقلوبهم؛ وإنّما عليهم أن يلهجوا بألسنتهم لذا ذكر معها كلمة اسم فحيث ذكرت التّسمية باسم الله فيراد به ذلك إعلان هذا الاسم بأن يقال باسم الله كما تقدّمّ معنا في مثل ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86) وكذلك ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) فيراد بذلك التّسبيح باللّسان بأن يقول الإنسان : سبحان ربّي العظيم - سبحان ربّي الأعلى - لمناسبة المقام لذلك للتّبرّك بسم الله جلّ وعلا وطلب الإعانة والمدد منه عزّ وجلّ.
﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56) سبحانه وتعالى غفورٌ لذنوب من تاب من عباده رحيمٌ بهم، ومن رحمته بالمؤمنين أن أنجاهم من الهلاك.
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)