مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة هود — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 321 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ﴾ (هود: 42) أي: هذه السّفينة تجري بهم بنوحٍ ومن معهم من المؤمنين من أهله وقومه ﴿فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ﴾ (هود: 42) مثل الجبال في عظمته وعلوّه وارتفاعه ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3) وقوله هنا ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ﴾ (هود: 42) سجّل القرآن الكريم أنّ نداء نوحٍ كان لابنه فلذلك لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يقال في قوله ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5) دعوى أنّ هذا لم يكن ابنًا لنوح في الحقيقة؛ وإنّما كان ابن زنًا، فهذا كلام باطلٌ، ومن أدلّة بطلانه تنصيص القرآن على أنّه ابنه إذًا فهم من ذلك أنّ قوله ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5) أي : ليس من أهلك، وليس من أهلك الصّالحين كما سيأتي بعد قليل بإذن الله تعالى لكنّ المناسب هنا أنّ قوله ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) دليلٌ على إثبات بنوّة هذا الولد لنوح ’.

﴿وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ﴾ (هود: 42) أي: في اعتزالٍ عنهم وابتعاد، قالوا هنا (وكان منفردًا عن أبيه وقومه في مكان) ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7) هكذا بعاطفة الأبوة ﴿يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42) أي : في السّفينة ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) اركب معنا في السّفينة، أي : لتنجو من الغرق ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) وتأمّل قول نوحٍ لم يقل (ولا تكن مع المغرقين)؛ إنّما قال ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) مع أنّ الكلام عن ركوب السّفينة وكأنّ نوحًا ’ يبين له أنّ الغارقين إنّما هم الكافرون وأنّ الّذي ينجيك هو الإيمان بالله، وحقيقٌ بالمؤمن أن يستجيب لنوح وأن يركب معه، وأن يركب معه السّفينة ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: 10) وهذا فيه أيضًا : أنّ حفظ الدّين أعظم من حفظ النّفوس في الأصل وإن كان يرخّص للإنسان أن يقول كلمة الكفر حفاظًا على نفسه إلّا من أكره - في حالة الإكراه – ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) [سورة النحل:106] لكنّ حفظ الدّين في الأساس أعظم من حفظ النّفوس، ولذلك قال ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) فكونك تؤمن بالله أعظم وأجلّ ولذلك من علامات الإيمان (وأن يكره أن يعود إلى الكفر، أو في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النّار)

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود: 12) لا حاجة لي إلى الرّكوب معكم في السّفينة فأنا ﴿سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ (هود: 43) مرتفع ليمنعني من وصول الماء إليّ ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) أي : قال نوحٍ ’﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) أي : لا مانع ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) أي : إلّا الّذي رحم!، ومن الّذي يرحم هو الله، فيؤول معنى قوله ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) يعني : إلّا الله كأنّ المعنى : لا مانع ﴿ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا﴾ الله الرّحمن هو الّذي يمنع إذا شاء، وهو الّذي يعاقب إذا شاء، وهو الّذي يعذب إذا يشاء وهو الّذي يرحم إذا شاء ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) لذلك :

1- قالوا هنا في التّفسير (إلّا الله الرّاحم برحمته ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ سبحانه وتعالى).

2- وهناك من قال ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) يعني : لا معصوم ففسروا (عاصم) الّذي هو اسم الفاعل بمعنى اسم مفعول لا معصوم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) يعني إلّا الله سبحانه وتعالى.

2- ومنهم من قال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 18) ثمّ صار هناك استثناءٌ منقطع ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) لكن من رحمه الله فهو معصومٌ فيكون هناك انقطاعٌ في الاستثناء

قال ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (هود: 19) أي : فرّق الموج بين نوحٍ وابنه الكافر فكان ابنه من المغرقين.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20)

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (هود: 21) أي : قال الله للأرض لكنّه حذفه وجاء بما لم يسمّى فاعله للعلم به وهو الله سبحانه وتعالى وكذلك لفخامة الأمر ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 22) نادى الله على الأرض ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) وهذا أبلغ من أن يقال : ابتلعي ماءك؛ (ابلعي) مباشرة ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24) أي : أمسكي ولا ترسلي مطر ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) أي : نقص الماء حتّى جفّت الأرض ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) قضي أمر الله سبحانه وتعالى بإهلاك الكافرين ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) أي : ووقفت السّفينة على جبل الجوديّ فالاستواء هنا : بمعنى الاستقرار وهو من معانيه (علت واستقرّت) أي : وعلت واستقرّت على الجوديّ وهوجبلٌ يقال له الجوديّ وهو كما قالوا في العراق.

﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) وهو جبلٌ معروف هناك ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) أي : هلاكًا ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) المتجاوزين لحدود الله بالكفر وهذه الآية الكريمة من الآيات الجليلة والعظيمة والّتي تذكر في باب الإيجاز بالقصر وقد تقدّم الحديث عنه في بعض المواضع، وقلنا أنّ الإيجاز على نوعين عند كثير من أهل البلاغة

1- هناك إيجازٌ بالحذف : بأن يكون في الكلام حذفٌ، أو تقدير.

2- وهناك إيجاز بالقصر : وهو أن تكون هناك جملٌ قليلة؛ لكنها تحوي معاني غزيرةٌ لا يمكن أن تستقصى ﴿وَلَآ أَن﴾ يوصل لها أبدًا بمثل هذا المقدار من الكلمات، ومن أشهر الأمثلة عليه في القرآن، وأمثلته كثيرةٌ لكن البلاغيين ينقل بعضهم عن بعضٍ الأمثلة كقوله﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) [سورة البقرة:179].فمن هذه الأمثلة هذه الآية، وقد ذكر السّكّاكيّ فيها كلامًا كثيرًا، وأحسن منه كلام ابن الجزريّ رحمة الله فإنّ له رسالةً مستقلة في هذا الباب وكنت في هذا الباب أقول :

قد يظنّ أنّ من كتب في البلاغة سبق المفسّرين في هذه الأبواب مع أنّ لبعض المفسّرين بصماتٍ وبصماتٍ ربّما تفوق صنيع كثير من أهل البلاغة في ذلك، وعلى كلٍّ فلا تنافي بينهما فإنّ أهل البلاغة وأهل التّفسير صنوان كما يقال أو لا ينبغي أنّ يكون بينهما شيء من الفرقة، بل إنّ أحدهما يكمّل الآخر كما هو معلوم قال الله سبحانه ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 30)

﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 31)

ذهب عددٌ من المفسّرين إلى أنّ هذا النداء وقع ليس مرتباً على هذا التّرتيب المسوغ في الآيات الكريمة، فهذا كان قبل وقوع الغرق وإنّما بعد أن قال الله ﴿قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (هود: 32) أتبع ذلك بذكر ما حدث للأرض وللسماء؛ وإلا فإنّ نوحًا عليه السلام سأل ربّه نجاة ولده ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقع له الغرق - لا بعده - فلهذا ذهب بعضهم إلى أنّ القصّة لم تذكر في هذا الباب على سبيل التّرتيب، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك على كلّ حال.

﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ (العنكبوت: 33) والمعنى : ﴿إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى﴾، أي : من عموم أهلي الّذين يدخلون في قوله ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ (العنكبوت: 33) وأيضًا ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ (العنكبوت: 33) [سورة العنكبوت:33].فهذا يدخل في العموم فرأى نوحٌ عليه السلام أنّ ابنه داخلٌ في العموم، وكما ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ نوحًا عليه السلام لم يكن مستبيناً من كفر ابنه، فقد يكون ابنه قد أظّهّر الإيمان في بعض الأحوال والعلم عند الله لكنّه وقتّ الجدّ لم يوفق للمسير مع أهل الإيمان وغرّه سوء عمله بذا قال عدد من المفسّرين.وقالوا : هذا الّذي أخفى على نوحٍ هذا الأمر، أو أنّ نوحًا ’ ظنّ أنّ له شفاعةٌ فيما يتعلق بحقّ ولده، فكان هذا على سبيل الاجتهاد منه عليه الصّلاة والسّلام، على كلّ نوحٍ ’ لما سأل ربّه هذا السّؤال لم يكن يرى إنّ هذا السؤال ممنوع.

ولذلك بعض المفسّرين أورد هنا مسألة : وهي قد يكون نوحٌ ’ لم يُوحَ إليه بأنّه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو كانوا من الأقارب كما وقع ذلك بعد في حقّ الخليل إبراهيم ثمّ في حقٌّ نبيّنا محمد عليه الصّلاة والسّلام في حقٌّ الخليل إبراهيم مع والده ثمّ في قول الله سبحانه للنبي ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ (التوبة: 113) [سورة التوبة:113].

وقبل قال الرّسول صلى الله عليه وسلم (أما والله لأستغفرن له - أي : لعمه أبي طالب - ما لم أنهى عنه) فقد يكون نوحٌ ’ طلب الشّفاعة في حقّ ولده، لأنهم من أهله من هذا الباب على كلٍّ فإنّ الله وجّهه بأنّه لا يسأله هذا السّؤال كما سيأتي بعد ذلك إن شاء الله.

﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ (العنكبوت: 33) قالوا هنا في التّفسير (فقال يا رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى الّذين وعدتني بإنجائهم) على اعتبار أنّه داخلٌ في العموم.إذًا هذا أحد الأقوال التّفسيريّة أنّ نوحًا قال ذلك باعتبار ما فهمه من العموم فيه أنّ صيغ العموم يستفاد منها الدّلالات من لفظها، فإذا جاء لفظ يدل على العموم استفيد منه ذلك ويشهد لهذا أنّ نوحًا ’ فهم من هذا اللّفظ العموم فأدخل فيه ولده، وفيه أنّ الابن داخلٌ في الأهل - أنّ الابن داخلٌ - في قوله ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33)أي : الصّدق الّذي لا خلف فيه ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) أعدل الحاكمين وأعلمهم سبحانه عزّ وجلّ نعم.

من فوائد الآيات

· بيان عادة المشركين في الاستهزاء والسّخرية بالأنبياء وأتباعهم قال الله ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35)

· بيان سنّة الله في النّاس وهي أنّ أكثرهم لا يؤمنون : قال الله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36)

﴿لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ﴾ ولا عاصم من أمره إلّا هو سبحانه قال ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14)

قال الشّيخ حفظه الله

﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37)

﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) أي : ليس من أهلك الّذين وعدتهم بالإنجاء / أو ليس من أهلك المؤمنين إذًا تستطيع أن تقول : إنّ الصّفة لقوله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39)مقدّرة لكنها معلومة من السّياق.

وتقدّم معنا أنّه في بعض الأحوال يحذف النّعت أي : الوصف لوجود قرينةٍ دالّةٍ عليه

كقوله سبحانه تعالى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ (الإسراء: 58) [سورة الإسراء:58].ما معناه (وإن ما ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ) أي : وإن من قريةٍ ظالمة، فالقرية الّتي يهلكها الله هي القرية الظّالمة كما رجّح عدد كبير من المفسّرين في تفسير الآية الكريمة، وأيضًا ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: 79)[سورة الكهف:79] فالسفينة الّتي كان يأخذها هي السّفينة السّليمة، أو السّفينة غير المعيبة وهكذا فأحيانًا يحذف الوصف لدلالة أو لقرينة دالّة عليه.

وهنا ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5) أي : ليس من أهلك النّاجين﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40)

ما معنى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) قال بعضهم أي : إنّ هذا الولد ﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود: 41) على تقدير (ذو) أي إنّه ذو عملٍ غير صالحٌ، إذًا علام يعود الضّمير في قوله ( إنّه )؟ فيه قولان :

1-منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : إنّه يعود على ابن نوحٍ (إنّه ) أي : أنّ ابن نوحٍ عملٌ أي : (ذو عملٍ) غير ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، فهو عمله غير صالحٍ، فليس داخلًا في أهلك النّاجين الصّالحين.

2-والمعنى الثّاني ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) أي : إنّ هذا السؤال الّذي تسأله وتطلبه من نجاته -ليس صالحًا - لا يتحقق لأنه في غير موضعه؛ لكنّك اجتهدت في هذا الباب وبيّن الله لك أنّ اجتهادك ليس في محله، وهذا فيه دليلٌ على أنّ الأنبياء يجتهدون.

قال الله سبحانه ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) ويشهد لأحد المعنيين القراءة الأخرى (إنه عمل غير ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ) فقوله (إنه عمل غير ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ) يشهد للمعنى الأوّل الّذي ذكرناه أي : أنّ ابنّه ذو عملٍ غير ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ - أنّه عمل غير صالحٍ - يعني : أنّ ابنك هذا عمل غير الصّالحات، فلا يستحق النّجاة وهو المعنى الأوّل الّذي ذكرناه سابقًا وهو أقرب في نظري من أنّ نتّهم /أو أن نقول إنّ نوحًا عليه السلام عمله، أو دعاؤه غير صالحٍ لأنه مجتهد فيه، فلا يطلق عليه (غير ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾) والعلم عند الله.

فالأقرب في ذلك أنّ معنى القراءتين واحد وأنّ معنى ﴿إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ﴾ هو في معنى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) أي : أنّ عمله عملٌ غير صالحٌ وكلّ ذلك يعود على من؟ يعود على : ابن نوحٍ عليه السلام؛ لأنه المناسب في التّعليل لقوله ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5)

﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42) يعني : ما ليس لك به جزمٌ، قال بعضهم : ظنّه مؤمنًا لكنه لم يكن مستبيناً من الأمر، أو لم يكن عالمًا هل تقبل شفاعته فيه؟ فلذلك وجّهه الله ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43) قالوا هنا (إنّي أحذرك أن تكون من الجاهلين )

إذًا ما معنى ﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44)؟ أي :

1-إنّي أحذّرك ﴿أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾.

2-أو أن هنا تقديرًا في الآية ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (هود: 45)كراهة ﴿قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (هود: 46) إنّي أعظك كراهة ﴿أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ وليس في هذا إثبات أنّ نوحًا ’ من الجاهلين لأنّ هذا تحذيرٌ ولا يلزم من التّحذير أن يكون المحذّر قد وقع فيما حذّر منه أو به ولذلك نهى الله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الجهل أيضًا فقال له ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47)ولا يلزم منه أنّه صلّى الله عليه وسلّم من الجاهلين.

﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44) قالوا هنا في التّفسير (إنّ سؤالك يا نوح عملٌ غير مناسب منك) فهم فسَّروه على أحد الوجهين وهو أنّ معنى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) أي : أنّ سؤالك عملٌ غير مناسب، والقول الآخر كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنّه يعود على ابن نوحٍ هم جعلوا الضّمير يعود على السّؤال فقط : أنّ سؤالك يا نوح عملٌ غير مناسب منك لكنّ الوجه الثّاني : أنّ المعنى أنّ ابنك عمل عملًا غير صالحٍ وهو المناسب للقراءة الأخرى ﴿إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ﴾ وهو أقرب في نظري والله أعلم مما ذكر لكن على كلّ حال لو فسّر بما فسَّروه به، فهو وجه مشهور عند المفسّرين لكننا نفسّر كلمة ﴿قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: 48) بمعنى : غير مناسب لإكرام نوحٍ ’ والكلام في حقّه بما يليق والعلم عند الله تبارك وتعالى.

﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49)

} تأمّل جواب نوحٍ الكريم عليه الصّلاة والسّلام ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) ألتجئ إليك ﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (هود: 51) ما لا علم لي به فأنا أستعيذ بالله من ذلك

﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) هذا فيه الاستسلام مطلق من نبيّ الله نوحٍ ’ لأمر الله سبحانه وتقديره فلم يعترض، بل استجاب واستجار بالله واستعاذ به من أن يقع في مخالفةٍ صريحةٍ وهو ما وقع فيها إنّما كان مجتهداً فيما صنع صلوات الله وتسليماته عليه

﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53)

﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: 54)إذ قال الله لنوح ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55) أي : مصحوباً بسلامةٍ وآمن ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56)خيراتٍ عليك ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57)قالوا هنا أي : (على ذرّيّة من كانوا معك في السّفينة) وذلك أنّه لم ينجوا إلّا نوحاً ومن كان معه في السّفينة فقدّر الله أنّ ينشأ عنهم ذرّيّةٌ وخلقٌ بفضل الله سبحانه وتعالى قال ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: 58)أي : وثمّة أمم أخرى يأتون من بعدك وهؤلاء كافرون سيمتعهم الله في الدّنيا ثمّ بعد ذلك يعذّبون

إذًا قوله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57)الأولى داخلةٌ في البركات فالله عزّ وجلّ يرزق البركات، أو رزق تلك البركات والخيرات لنوح والمؤمنين معه ولذرياتهم ثمّ أخبر عن أمم أخرى كافرة﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126) كما قال الله في حقٌّ أولئك ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126) [سورة البقرة:126].

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126)

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126) فأنباء نوحٍ ’ من أين لمحمد الأمّيّ الّذي لا يقرأ ولا يكتب؟ من أين له أنّ يطلع على هذه الغيبيات؟ لولا أنّ الله أعلمه ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59)

ولذلك فإنّ كثيرًا من المفسّرين حملوا قوله ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60) كما تقدّم معنا حملوه على - أنّها آيةٌ معترضة - وأنّ الكلام عن محمد صلّى الله عليه وسلّم في وسط قصّة نوحٍ عليه السلام وكأنّ الله في وسط القصّة يقول ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61) كيف يدّعون أنّك افتريت القرآن يا محمد وأنت تأتيهم بتلك الأخبار؟ فمن أين لهم أن يطّلعوا عليها؟ كان بعض المفسّرين كابن جزي جعله قول جميع المفسّرين؛ وإن كان هناك قولٌ ثانٍ وهو الّذي أوردوه هنا وهو أنّ الكلام متصل في حقّ نوح عليه الصّلاة والسّلام.

﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 62)

﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (هود: 63) انتقلت السّورة الكريمة إلى قصّة هودٍ ولعلكم تذكرون أيّها الإخوة الكرام ما ذكرناه في أوّل السّورة من أنّ السّورة الكريمة فيها بيان الدّعوة إلى الله، وبيان الدّعوة إلى التّوحيد والرّسالة والبعث وأنّه ينبغي للمؤمن أن يكون قويّ الشّكيمة وقويّ العزيمة في دعوته إلى الله لا يخاف في الله لومة لائم ولا تحرّكه عاطفةٌ، أو فطرة تتعلّق بأب، أو بقريبٍ فيما يخالف شرع الله عزّ وجلّ، أو فيما يظنّ أنّه مخالف لشرع الله فإنّ الله سبحانه وبحمده بين لنا في قصّة نوحٍ ’ أنّه قد أهلك ابن نوحٍ، وأنّه لم يقبل من نوحٍ ’ شفاعته في ولده؛ لأنه كان على الكفر؛ ومن ثمّ فإنّه لم ينفعه أنّ أباه هو نوحٌ عليه الصّلاة والسّلام وهذا مناسب لمقصود السّورة الكريمة لذلك لا ترون ذكراً لابن نوحٍ إلّا في هذه السّورة الكريمة الّتي تبيّن أنّ العاطفة في باب التّوحيد لا يغتفر فيها وأنّ المعوّل عليه في ذلك هو توحيد الله سبحانه وتعالى مهما اختلفت القرابات ومهما اقتربت، أو ابتعدت ثمّ قال الله

﴿وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (هود: 64) الدّعوة إلى التّوحيد ونبذ الشّرك ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) أي : كاذبون فيما تدّعون من الشّرك بالله سبحانه

﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66)

هذه دعوة الأنبياء والمرسلين الإخلاص في الدّعوة والاستغناء عن الخلق ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67)

﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ (هود: 68)

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: 69)

قارن في أوّل السّورة بين قصّة هودٍ وبين صدر السّورة الكريمة وقلنا إنّ النّاظر في قصّة هودٍ وفي أوّل السّورة يجد اشتراكًا كبيرًا مما يلفت أنظارنا إلى سبب تسمية السّورة بسورة هودٍ ’ قال ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70) فهذا من ثواب التّوبة والاستغفار ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71) قالوا هنا (عزًّا إلى عزّكم بإكثار الذّرّيّة والأموال) وهذا فيه أنّ من رام العزّة ومن رام القوّة فعليه بالاستغفار والتّوبة ولذلك علّم الرّسول عليه الصّلاة والسّلام الصّحبة الكرام أنّ ذكر الله يقوّي الأبدان كما جرى في تعليمه لابنته فاطمة في التّسبيح والتّحميد والتّكبير قبل النّوم كذلك يقال الأمر يقال كذلك في باب الاستغفار والتّوبة فأنت إذا استغفرت الله سبحانه قوّى الله عقلك الله وبدنك ومارست ما تريد من أعمال بيسرٍ وسهولة بفضل الله ﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72) لا تعرضوا عن الحقّ فتكونوا من المجرمين

﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73)

﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) أي : بحجّةٍ جليّةٍ تجعلنا نؤمن بك ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 75)

وقولهم ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76) لا ينفي أنّه أتى ببيّنةٍ لأنه قد يقول قائلٌ : أوليس كلّ نبيٍّ قد أيّده الله بآية؟ الجواب - بلى - كلّ نبيٍّ أعطاه الله آيةً أو أكثر، وهودٌ عليه السلام أيّده الله بآيات وإن لم نعلم نوع هذه الآية، فليس شرطًا إذا لم نجد التصريح بالآية ألّا يكون النّبيّ قد أوتي آيةً، بل آياتٍ؛ ولكن إنّما كانوا يريدون أموراً فيها تعنّتٌ هذا هو المراد؛ وإلا فقد أيّد الله هودًا كغيره، ومن تأييده له ما سيأتي بيانه في الآيات المقبلة بإذن الله فإنّ هذا من دلائل صدقه وأنّه نبيٌّ، إذ لا يخاف في الله لومة لائم وتحدّاهم هذا التّحدّي وما كان لأحدٍ أن يصنع ذلك إلّا إذا كان مؤيّداً من الله سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات

· لا يملك الأنبياء الشّفاعة لمن كفر بالله حتّى لو كانوا أبنائهم ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77)

· عفّة الدّاعية وتنزّهه عمّا في أيدي النّاس أقرب للقبول منه ولذلك قال هود ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66)

· فضل الاستغفار والتّوبة وأنهما سببٌ إنزال المطر وزيادة الذّرّيّة والأموال : قال الله ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ (هود: 68)

قال الشّيخ حفظه الله

قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا قول قوم هودٍ عليه السلام لهود

﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78)

تقدّم معنا مرارًا أنّ (إن ) إذا جاء معها (إلّا) فتكون بمعنى (ما النافية) : ما نقول إلّا اعتراك أي : أصابك بعض آلهتنا بسوءٍ أي : بجنونٍ فما تدعونا إليه يا هود ما هو إلّا تخريفٌ وجنونٌ فلعل بعض آلهتنا غضب عليك فجعلك مجنوناً هكذا يقولون وما هي إلّا سفاهتهم!

﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) أي : مما ﴿تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى أو المعنى ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) أي : ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ فامكروا بي ولا تمهلوني ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) أي : لا تمهلوني

﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49)

فهنا يصدع هودٌ ’ بالحقّ ويقول لهم ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) امكروا بي جميعًا ولا تؤخّروني ولكن من توّيكم ولحظتكم حاولوا قتلي والقضاء عليّ وهذا التّحدّي لا يكون إلّا لأنه مؤيد من عند الله قال بعض المفسّرين وهذه آيةٌ ذكرها الله في حقّ هودٍ ’ وهذا من الحكم الّتي من أجلها سمّيت السّورة بسورة هودٍ فإنها تتحدّث عن الصّدع بالحقّ، وقوّة التّوكّل على الله سبحانه وتعالى في تبليغ الدّعوة.

وقريبٌ من هذه القصّة قصّة نوحٍ ’ الّتي تقدّم ذكرها في سورة يونس﴿۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ (يونس: 71) [سورة يونس:71].

تأمّل هنا ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ (يونس: 71) ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ (يونس: 71) أيضًا من نفس المنوال ومن نفس الفلك ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83)

﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) أي : كلّ ما على الأرض -على وجه هذه الأرض - مما يدب على وجه الأرض إلّا وهو خاضعٌ لله في ملكه وسلطانه ولذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم علّمنا إذا أتينا مضاجعنا أن نقول فيما نقول (﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بك من شر كلّ شيء أنت أخذ بناصيته ) فكل الخلق في قبضة الله سبحانه وتحت سلطانه قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) لأنّ الله هو الّذي نصب هذا الصّراط ووضعه لخلقه فقال ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85)

﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86)

﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) الفعل (تولّوا ) هنا معناه : تتولّوا فالمراد به الفعل المضارع فإنَّ (تولّوا) يعني : فإنَّ تتولّوا ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)

قد يقول قائلٌ كيف يكون فعل الشّرط هنا (فإن تولوا) ثمّ يأتي جواب الشّرط المترتّب عليه بالفعل الماضي ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89) فيقال : هنا تقدير في الكلام أي : فإنَّ تولّوا - فلا لوم عليّ - ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88) إذًا هنا تقديرٌ في الكلام أي : فإنَّ تعرضوا فلا عتب عليّ، فلا لوم عليّ ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)

فقوله ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88) مترتبٌ على هذا وأنّه لا عتب عليه لِمَ؟ لأنّه قد أبلغكم الدّعوة ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: 90) ولذلك قالوا هنا في التّفسير (فإن تعرضوا وتدبروا عمّا جئتكم به فما عليّ إلّا إبلاغكم وقد أبلغتكم كل ما أرسلت به إليكم)

﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91) كما جاء في الحديث القدسيّ عند مسلم (يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنّكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود: 92) رقيبٌ وهو الّذي يحفظني من السّوء الّذي تكيدونني به.

﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (هود: 93)

قال بعض المفسّرين لما ذكر ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 94)مرتين؟ ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود: 95) ثمّ قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 96) فبعضهم جعل قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 96) هو عذاب الآخرة فالمراد نجّاهم الله من هلاك الدّنيا، وسينجيهم الله سبحانه وتعالى من عذاب الآخرة وقالوا هنا في التّفسير (وسلمناهم من عذابٍ شديد عذّبنا به قومه الكافرين) على أنّه عذاب الدّنيا فقيل في قوله ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97) هو ما أهلك الله به عاداً، ﴿وَقِيلَ﴾ المراد به : عذاب الآخرة.

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98)

﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ﴾ (هود: 99) وهم عصوا (هودًا ) لكن لما كانت دعوة هودٍ كدعوة غيره ممن سبقه وممن لحقه فصار المكذّب للرسول مكذّباً لكل رسولٍ ولذلك قال الله ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105) [سورة الشعراء:105]﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 141) [سورة الشعراء:141].﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123) [سورة الشعراء:123].لأنّ دعوة الرّسل واحدة ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 141) قال :

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123)

﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود: 100) أي : لحقهم في هذه الحياة الدّنيا الخزي والطّرد من رحمة الله فاللعنة : طردٌ من رحمة الله نسأل الله السلامة، ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101) أي : هم كذلك بسبب كفرهم بالله مطرودون من رحمةِ الله في الآخرة ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102) ألّا فأبعدهم الله من كلّ خيرٍ وقرّبهم من كلّ شر.

ثمّ انتقلت السّورة إلى قصّة صالحٌ

﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ (هود: 103)

﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ (هود: 104) هذه دعوة الأنبياء المتّفقة -الدّعوة إلى التّوحيد - ونبذ الشّرك ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71) أي : خلقكم من ترابٍ الأرض بخلق أبيكم آدم، إذًا ما معنى ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71): بخلق أبيكم آدم ’ وهو مخلوقٌ من ترابٍ.

قال ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: 105) قالوا هنا (وجعلكم عمّارها) إذا ما معنى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: 105)؟1- أي : جعلكم عمّارها والمعنى الثّاني : استبقاكم فيها فالمعنى (جعلكم عمّارها ) تعمرونها 3- وأيضًا استعمركم : استبقاكم فيها إلى حين ﴿قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (الأعراف: 24) [سورة الأعراف:24].

(واستعمر) يعني : جعله عامرًا لها وبعض النّاس يستعمل هذا استعمالًا خطأً حينما يقال في حقّ من دخلوا البلاد لتخريبها : أنّهم مستعمرون، وهم في الحقيقة ليسوا مستعمرين بل هم مدمرون إلّا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ الألف والسّين والتّاء للسلب لا للطلب فحينئذ يصلح هذا مع تكلّفٍ فيه لكن على كلّ حالٍ هم دمروا البلاد وخرّبوا أحوالها ونسأل الله السّلامة. قال الله سبحانه ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود: 106) سبحانه وتعالى.

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (هود: 107)

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: 108) : قد كنت فينا صاحب مكانةٍ عاليةٍ لك شأنٌ ووزنٌ وكنّا نراك ذكّيا وفطناً وعاقلًا قريبًا! أتكلمنا في التّوحيد؟ أتكلمنا في الإيمان؟ فتنهانا ﴿أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾.

﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (هود: 109): فقد كنّا نرجو أن تكون عاقلًا صاحب نصحٍ ومشورة وكأنّه لما قال هذا الكلام ودعاهم إلى ترك الأصنام قد أتى بالعجب العجاب!، وقد أتى بما ينكر عقلًا وفطرة مع أنّه في الحقيقة أتى بما يوافق العقل والفطرة والدّين لكنّها السّفاهة الّتي وقعت من الأقوام في اتّجاه دعوة الأنبياء والمرسلين.

وكلّ هذا تسريةٌ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتسليةٌ له وتثبيتٌ للفؤاد كما جاء في آخر السّورة ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120) [سورة هود:120]. نعم.

من فوائد الآيات :- من وسائل المشركين في التّنفير من الرّسل الاتّهام بخفّة العقل والجنون ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) يقصدون بذلك الجنون.

· ضعف المشركين في كيدهم وعدائهم فالخاضعون لله مقهورون تحت أمره وسلطانه : ولذلك قال ﴿وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (هود: 122)

· أدلّة الرّبوبيّة من الخلق والإنشاء مقتضية لتوحيد الألوهيّة وترك ما سوى الله ولذلك قال ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: 123) إذًا اعبدوه قبلها قال ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: 123) لِمَ؟ لأنّه { ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ } فاشكروا الله على نعمائه واعلموا أنّكم مربوبون له، وأنّه الرّبّ الخالق ومن ثمّ فهو الإله المعبود الحقّ سبحانه وتعالى.

قال الشّيخ حفظه الله

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ (ص: 54)

{ﱁ ﱂ } أي : قال صالحٌ ’ { ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ } أي : على حجّةٍ واضحة من ربّي وهذا كما تقدّم لأنّ كلّ نبيٍّ أو رسولٍ أيّده الله بآية أو بأكثر ونبي الله ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ’ أيّده الله بتلك النّاقة وقد تقدّم الكلام عنها في عدّة مواضع من التّفسير.

{ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒﱓ } تعدّى هنا الفعل { ﱎ } بحرف الجرّ (من) ولم يقل (فمن ينصرني على ) وإنّما قال { ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ } لأنّ النّصرة هنا بمعنى المنعة والحفظ فالمعنى : فمن يسلّمني ومن يحفظني ﴿مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ﴾ { ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ} أي : غير تضليلٍ وبعدٍ عن مرضاته، وهذا فيه دعوةٌ رفيقةٌ من صالحٍ ’ لقومه : كيف تطلبون مني أن أعصي الله سبحانه وتعالى وعليّ وعليكم أنّ نطيع الله عزّ وجلّ

{ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ}

﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) معجزة { ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ } هذا هو المطلوب منهم : { ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ ﱦ ﱧ ﱨ}

ما معنى { ﱨ }أي : بأذى إذًا ما معنى { ﱦ ﱧ ﱨ }أي : بأذى وعقرٍ، وتأمّلوا معي ما تقدّم في قصّة هودٍ ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) فسّر السّوء : هناك بالجنون وهنا فسّر السّوء بماذا؟ بالأذى، وهذا فيه ما تقدّم مرارًا أنّ الكلمة قد ترد في القرآن الكريم على أوجه متعددة وإن كان بين الأوجه اتّفاقاً من حيث الدّلالة الأصليّة للكلمة لذلك تذكر هذه الكلمة في الوجوه والنّظائر فيقال :- إنّ كلمة السّوء وردت في القرآن على أوجه منها الجنون ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) ومنها الأذى وذلك في قوله ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) ولذلك لا يصلح بحالٍ من الأحوال أن يكتفي الإنسان في حفظ تفسير كلمات القرآن بأن يحفظ معنى الكلمات مجردةً عن مواضعها في سور القرآن الكريم؛ وإنّما يربطها بالسّورة لأنّ السّياق له دلالةٌ وله أثرٌ في فهم الكلمة قال { ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ} لم يلتفتوا إلى كلامه وإنّما عقروها ووافقوا على هذا العقر

{ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ}

قوله {ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ}

1-قالوا هنا في المختصر (في أرضكم ).

2-وبعضهم فسر الدّار : بالدّنيا ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104)أي : في الدّنيا فنصيبكم من الدّنيا ثلاثة أيام ثمّ بعد ذلك يأتيكم الهلاك.

{ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ} أي : واقعٌ لا محالة { ﱷ ﱸ} بل هو وعد صدقٍ { ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ} فجعل الوعد غير مكذوبٍ لأنّ الّذي وعد به غير كاذبٍ وهو الله سبحانه؛ بل هو صادقٌ في وعده الّذي لا يخلف.

{ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ}

﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91) ورتّب هنا فقال {ﱺ }

لأنّه مترتب على ما سبق من الوعيد {ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ}

قالوا هنا : (سلمناهم من هوان ذلك اليوم وذلّته إنّ ربّك أيّها الرّسول هو القويّ الّذي لا يغالبه أحد ولذلك أهلك الأمم المكذّبة) قال الله سبحانه وتعالى

{ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ}

{ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ} أصبحوا في ديارهم لا حراك بهم أو لا حراك لهم -لا يتحركون - هامدين موتى قالوا هنا (ساقطين على وجوههم قد لصقت وجوههم بالتّراب) فهذا من معاني قوله جاثمين { ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ } كأن لم يقيموا فيها - كأنهم ما عاشوا في رغدٍ ولا عاشوا في نعيمٍ { ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤ} ثمّ قال الله

{ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬﲭ ﲮ ﲯﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ}

لما ذكر الله قصّة إبراهيم عليه السلام ذكرها بسياقٍ آخر ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود: 100)لم يقل مثلًا : (وإلى إبراهيم أو ما أشبه ذلك) كما قال هناك ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65) { ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ}

لأنّ المقصود -والعلم عند الله - بإيراد قصّة إبراهيم عليه السلام ما مضى من بيان مقصود السّورة الكريمة فإبراهيم ’ أراد أن يشفع في قوم لوط ’ رفقًا منه ورحمةً ولذلك قال الله سبحانه في حقّ إبراهيم ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 75-76) [سورة هود:75-76].

فتأمل أخي الكريم! الرّبط بين قصّة إبراهيم وقصّة نوحٍ مع ولده ليدلك هذا وذاك على أنّ السّورة الكريمة تدلّ على والقوّة في الدّعوة إلى التّوحيد، وأنّه لا يقبل فيها مفاصلةً، وأنّ الموحّد هو المقبول وأنّ المشرك غير مقبول بحالٍ من الأحوال وأنّه لا بدّ من الإيمان بالله العظيم سبحانه وتعالى.

﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77) ما المراد بالرّسل؟ الملائكة ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود: 100) أي : مبشرين إياه وزوجته بإسحاق ثمّ بيعقوب.

﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: 86)بعض العلماء يقول : إنّ ردّ إبراهيم عليه السلام كان أبلغ وهذا من منطلق ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: 86) [سورة النساء:86].

ووجه استفادتهم من ذلك : أنّ سلام إبراهيم جاء مرفوعًا ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78)وأنّ سلامهم جاء منصوباً ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101) فقوله ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101) أي : نسلّم سلامًا بالجملة الفعليّة ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78) أي : أمري سلامٌ ومعروف أنّ الجملة الإسميّة أقوى وأثبت لأنّ الجملة الإسميّة تدلّ على الدّوام وعلى الثّبوت بخلاف الجملة الفعليّة

تحليل مقارن وربط بين السور

فقالوا : كان سلامه ’ أبلغ ولذلك قالوا : إنّه يستعمل في باب الواجبات المرفوع، وفي باب المستحبّات والمندوبات : المنصوب، وهذا محمول على الأغلب والعلم عند الله تعالى؛ لكن بعض العلماء قالوا التّفاوت بين الجوابين مبنيٌ على أمرٍ آخر : وهو أنّ قوله ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101) لا يلزم منه أنّهم قالوا كلمة ﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) لأنّ قوله ﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) يحتمل أنّ هذا هو اللّفظ أو أنّ المعنى : قالوا قولًا سلامًا يعني أنّهم سلّموا بطريقةٍ من الطرق الّتي مقتضاها السّلامة كما في قوله﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ (الفرقان: 63) [سورة الفرقان:63].

قالوا : سواءٌ قالوا سلامًا باللفظٍ أم قالوا ما يؤدّى به معنى السّلام فلا يراد به أصل التّحيّة أو لفظ التّحيّة قد يحتمل أنّها التّحيّة بلفظها أو أنّها بمؤداة.

وأمّا قول إبراهيم ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78)لذكر التّحيّة الّتي ردّدها إبراهيم ليتعلّم المسلمون أنّ السّلام تحيّة إبراهيم وتحيّة محمد صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين.

﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) بادر وأسرع في إكرام ضيفه، وهذا فيه أنّ المرء عليه أن يعجّل بإكرام الضّيف وألّا يبطئ عليه في هذا الباب ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) أي : بعجلٍ مشوي مهيأ للطعام جيّدٌ

﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (الذاريات: 26)

﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (الذاريات: 26) وهناك قال الله في سورة الذّاريات ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (الذاريات: 26) [سورة الذاريات:26].

فعلم من هناك أنّه سمينٌ وهنا أنّه حنيذٌ وهذا من تفسير القرآن أو من ضمّ بعض المعاني إلى بعض المعاني في أثناء التّفسير وقد تقدّم الكلام على هذه القصّة في سورة الذّاريات ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (الذاريات: 26)

وقد جاء هؤلاء الملائكة في هيئة رجالٍ فرآهم ضيوفًا، وأراد إكرامهم والملائكة لا تأكل ولا تشرب، ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) أي : استنكر ذلك منهم وهذا فيه أنّ الضّيف إذا قدّم له الطّعام فالأصل أن يأكل وألا يمتنع إلّا لسبب؛ لأنّ امتناعه عن ذلك قد يورث ريبةً أو خوفًا أو قلقًا في هذا الباب أنت إذا جئت راغبًا في مجالستنا وفي دخول بيتنا فالأصل أن تأكل من طعامنا وشرابنا.

﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) طمأنوه ﴿لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾.

﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ (العنكبوت: 33)

﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) قالوا : قائمةٌ على خدمتهم فكانت تعطي إبراهيم عليه السلام فهذا فيه : أنّ المرأة تكون مع الرّجل معينةً له في مثل هذا الباب، وقال بعضهم : قائمةٌ تسمع هذا دون أنّ تكون جالسةً معهم إلى غير ذلك مما قيل في التّفسير.

﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) وهذا من أدبها ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86) والمراد بالضّحك هنا الضّحك المقبول الّذي لا يكون فيه ما يريب ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) الضّحك هنا الاستبشار بالخير، بعضهم قال : إنّ الضّحك كان بعد البشارة، وفي الآية تقديم وتأخيرٌ؛ ﴿وَقِيلَ﴾ : لا تقديم ولا تأخير إنّما قال ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86)

ثمّ فسر سبب الضّحك فقال ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)أي : هذا من باب التّفسير ولا يلزم منه أنّ البشارة كانت بعده الضّحك ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89)

أو أنّ ضحكها كان لما علمت بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط لإهلاك هؤلاء القوم الّذين يفعلون الفواحش فضحكت حينئذٍ استبشارًا بأن هؤلاء يستحقون الهلاك فحينئذ بشّرت فتكون البشارة جاءت عقب الضّحك ويكون الأمر على بابه في العطف فهذا قول ثانٍ والعلم عند الله.

﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86) وبعض المفسّرين فسر الضّحك : بالحيض فقالوا : فحاضت ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88) وهذا بعيدٌ وضعيفٌ والأصل أنّه على بابه ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89) والمبشّرة بإسحاق هي سارّة لأنّ سارّة هي والدة إسحاق؛ وأمّا هاجر فهي والدة إسماعيل عليهم السلام لذلك لما ذكروا هنا في التّفسير قالوا (وامرأة إبراهيم سارّة) فهذا من تفسير المبهم وأحيانًا تأتي الكلمة مبهمة لكن تفسّر بآية أخرى أو بالسّنّة وهذا مفسر بأحاديث النّبي صلّى الله عليه وسلّم.

قال ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88) لم يقل فبشرناه : هنا بإسحاق إنّما قال ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: 90) جعل البشارة لها لأنّ الضّحك هنا ذكر في حقّها وأيضًا لما سيأتي بعده من قولها ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91)

ولأنّ الأمر في حقّها أعجب لأنّ الله رزق إبراهيم بإسماعيل وإسماعيل بعده إسحاق؛ وأمّا بالنّسبة لها فلم ترزق بالأولاد فكانت البشارة في حقّها كبيرة وعظيمةٌ.

قال ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود: 92) قوله ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89)من أكبر الأدلّة على أنّ الذّبيح هو إسماعيل عليه السلام، لذلك استدلّ العلماء بهذه الآية أو استدلّ كثيرٌ من الأئمّة على أنّ الذّبيح إسماعيل بعدّة أدلّةٍ منها هذا الدّليل قالوا : لو كان الذّبيح إسحاق فكيف تبشّر بولد إسحاق ثمّ يؤمر بذبحه وهو صغيرٌ فلما قال ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود: 92) هذا فيه إشارةٌ إلى أنّ إسحاق سيكبّر وسيتزوج وسيرزق بولدٍ وهو يعقوب عليه السلام فعلم من ذلك أنّ الّذي تعرّض للذبح في الصّغر هو إسماعيل وليس إسحاق عليهما السلام.

﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود: 92) أي : ﴿فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ فبشرّها الله بإسحاق وبشّرها أيضًا بيعقوب بعد إسحاق والقراءة الأخرى ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ يعني : يعقوب من وراء إسحاق.نعم

من فوائد الآيات

· عناد واستكبار المشركين حيث لم يؤمنوا بآية صالحٍ ’ وهي من أعظم الآيات وهي من أعظم الآيات حينما قال لهم ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (هود: 93) قال ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 94)

· استحباب تبشير المؤمن بما هو خيرٌ له : ولذلك قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89)ومن البشارات البشارة بالولد فتبشير الإنسان بالولد هذه من البشارات الجميلة.

· مشروعية السّلام لمن دخل على غيره، وأنّه ينبغي أنّ يكون الرّدّ أبلغ من الابتداء. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: 86) في الطّبعة السّابقة الطّبعة السّادسة وهنا في الطّبعة السّابعة قالوا (وأنّه ينبغي أنّ يكون الرّدّ أبلغ من الابتداء) هذا على قول من قال أنّ ردّ إبراهيم ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78)بالرّفع أبلغ من قولهم ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101)

قال الشيخ حفظه الله

﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود: 95)

بعد هذه البشارة الجليلة التي بشرّ بها الملائكة إبراهيم وزوجه سارة قالت امرأة إبراهيم الخليل ’ وهي سارّة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 96) ومما يتعلق بهذا أنّ هذا الولد ويعيش ويكون له الولد وهو يعقوب ’ ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97) أي : كيف ألد وأنا عجوزٌ؟ أي : كما قالوا هنا (كبيرةٌ آيسة من الولد) فهذا المراد بالعجوز أي : امرأة كبيرة آيسة من الولد ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98) أي : قد بلغ سنّ الشّيخوخة فمثل هذا عجيبٌ ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ﴾ (هود: 99)

﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود: 100)

﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101) أنت تعلمين أنّ الله قادرٌ على كلّ شيء فبما يكون التّعجّب؟ ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102)

المراد بأهل البيت هنا : إبراهيم وسارّة فقوله ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ (هود: 103) دخلت فيه سارّة قطعًا، وهذا فيه أنّ الزّوجة تدخل في أهل البيت ولذلك يردّ على من زعم أنّ أزواج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لسن داخلاتٍ في أهل بيته بأنّ هذا خطأٌ شرعًا وعرفًا ولغةً، فأهل البيت (أهل بيت الرّجل) يدخل فيه : زوجه ومن ذلك أنّهم قالوا لسارّة ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ (هود: 104) وترون أنّنا في الصّلاة الإبراهيمية نقول كما صلّيت على إبراهيم ( اللّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد ) فناسب هذا ما جاء في الآية الكريمة هنا ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: 105) قالوا هنا (حميدٌ في صفاته وأفعاله ذو مجد ورفعةً) فالله سبحانه وتعالى هو الحميد أي : المحمود المستحقّ للمحامد كلها سبحانه وتعالى وهو يحمد خلقه أيضًا وقال مجيد فهو ذو المجد والرّفعة والعظمة سبحانه وتعالى.

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود: 106)

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (هود: 107) هو الخوف والفزع الّذي أصابه حينما وجد منهم ما وجد في أوّل الأمر﴿۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: 108) بعد أن ﴿ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ﴾ وبعدما جاءته البشرى بأنّ الله سيرزقه بولدٍ وبحفيد ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (هود: 109) أي : وفي تأخير العذاب عنهم فإبراهيم ’كان يميل إلى تأخير العذاب وإلى أنّه عساهم أن يؤمنوا، وهذا من رحمته ورفقه وحلمه لذلك قال الله

﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (هود: 110)

﴿وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (هود: 111) قالوا هنا (يحب تأخير العقوبة) ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: 112) (كثير التّضرّع إلى ربّه) ﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113)(كثير الدّعاء تائب إليه)، وجاءوا بكلمة (كثير) لأنّ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ (هود: 114): على وزن فعيل وهذه صيغة مبالغة و﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: 112)على وزن فعّال وهي صيغة مبالغة أيضًا وكذلك﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113) على صيغة فعيل فكلمة (كثير) جاءت هنا من صيغ المبالغة : فعّال وفعيل

﴿وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: 115)

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116) على ما يعود اسم الإشارة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)أي : عن المجادلة في عقاب قوم لوط فإنّ عقابهم نازلٌ بهم؛ وأمّا لوط فإنّنا سننجيه وننجّي المؤمنين معه فإبراهيم ’ يريد نجاة لوط ’ من جهة ويريد كذلك تأخير العذاب عن قومه لعلهم يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى

﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118) أي : لا يرده جدالٌ ولا دعاءٌ جاء أمر ربّك فأمره نافذٌ فيهم.

﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود: 119)

﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120) ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) خوفًا عليهم لأنّه لما رأى رجالًا قد أتوه يعلم أنّ قومه سيريدون بهم إيقاع الفاحشة؛ لأنّ هذه عادتهم في إتيان الذكران من العالمين ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) أي : ساءه مجيئهم ﴿وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (هود: 122) أي : ضاق صدره بسبب الخوف عليه من قومه الّذين يأتون ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱلنِّسَآءِ، وهم ضيوفه فلا ينبغي أن يقع لضيف من ضيوفه هذا الّذي يوقعونه بأنفسهم نسأل الله السّلامة

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: 123) : هذا يوم شديدٌ لظنّه أنّ قومه سيغالبونه على ضيوفه.

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123)

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123) يسرعون إليه حينما رأوا هؤلاء قد دخلوا عنده ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123)

﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97)أي : ومن قبل ذلك كان من عادتهم أنّهم ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97) ما المراد بالسّيّئات هنا؟ الفاحشة فعل اللّواط وتقدّم معنا أنّ السّيّئات :-

1- قد تأتي بمعنى الشّرك وقد تأتي بما دون الشّرك من الكبائر.

2- وقد تأتي السّيّئة بمعنى الصّغيرة {ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ}

4- أمّا هنا فالمراد بها : الكبائر فعل اللّواط.

{ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ}

هذا فيه أنّه من فقه الرّجل أن يدّل العاصي على طريق الطّاعة وعلى طريق الخير وعلى طريق الحلال فإذا رأينا شخصًا يقبل على الحرام، وبإمكاننا أن ندلّه على الطّريق الحلال ندّلّه عليه فهو حيّدهم أراد أن يبعدهم عن الطّريق المحرّم بالطّريق الحلال، وهو طريق الزّواج وهو : إتيان النّساء بالطّريق الحلال دون أن يقعوا فيما يقعون فيه من الفاحشة.

﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (يس: 49) للمفسرين في المراد بالبنات هنا قولان :-

1-منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 2) : نساء أمتي يعني : عندكم البنات، عندكم النّساء، فما لكم وللضيوف وما لكم وللرجال؟ ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) عن طريق الزّواج وذلك أنّ النّبيّ هو : بمثابة الأب للأمّة فهو أب لهم ولذلك قال في حق نساء الأمّة ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 2) أي : النّساء - نساء الأمّة - في حكم بناتي.

2-والقول الثّاني ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 2)أي: بناتي من صلبي هنّ أطهر لكم عن طريق الزّواج يعني لا مانع عندي من الزّواج لكم بالطّريق المشروع

لكن هنا إشكال فكيف ذلك؟ وهم على الكفر فهل يسمح لهم بالزّواج من بناته؟

يقال: إنّ المراد هؤلاء بناتي مع الإتيان بالشّرط، والشّرط هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى فإذا آمنتم بالله وصدّقتم به وتبتم إلى الله فلا مانع عنّدي ولا حرج عندي في الزّواج الحلال.

﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (يس: 49) وقوله ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) وإن جاءت بصيغة أفعل التّفضيل لكنهم كما يقولون ليست على بابها بمعنى ليس في فعلهم طهارة فليس المعنى أنّ فعلكم طاهر! ولكن الزّواج من النّساء أطهر فالمعنى : ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) يعني : هذه هي الطّهارة وهو الزّواج { ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ} وهذا فيه إنكارٌ وتوبيخٌ وتقريعٌ لهم.

{ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ }

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: 33) لقد علمت يا لوط أنّه ليس لنا حاجةٌ في بناتك، نساء قومك وتأمّلوا هنا في التّفسير قالوا (في بناتك ولا نساء قومك) للجمع بين الأمرين فهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : (البنات) : بناته بمن صلبه، وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (بنات القوم) عمومًا نساء الأمّة وقتها.

﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء: 165-166) نحن لا نشتهي البنات إنّما يريدون اللواط كما نعى الله عليهم وذكر قول لوط لهم ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء: 165-166) [سورة الشعراء:165-166].

﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء: 165-166)

﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾ ما معنى ( لو ) هنا أي : ليت فـ (لو) هنا بمعنى التّمنّي لو يعني ليت لي { ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ}

ليت لي قوّة أدفعكم بها { ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ} أو عشيرة تمنعني فأحول بينكم وبين ضيوفي، وقد جاء عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم (ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد) وقد قوّاه الله بهؤلاء الملائكة لذلك قالوا للوط {ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡﳢ ﳣ ﳤ ﳥﳦ ﳧ ﳨ ﳩ}

﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61) إنّا ملائكة لا تخف من كلامهم فهم { ﳎ ﳏ ﳐﳑ} بسوءٍ ولن يمروا ولن يستطيعون أن ينالوا سوءًا منا، ولا منك { ﳎ ﳏ ﳐﳑ }وتأمّل لم يقولوا : لن يصلوا إلينا لأنّ هذا مقطوع به وهم يمرون بينهم لا يقدر أحدٌ على ملامستهم أو أصابتهم بشيءٍ وأنت أيضًا محفوظ فلن ينالوك بضررٍ لن يصلوا إليك ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) أي : اخرج بأهلك ﴿مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ليلاً في مظلمة.

{ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ } لا ينظر أحدٌ إلى ما وراءه لِمَ؟ لماذا نهوهم عن ذلك؟

1-قال بعض العلماء : من أجل الجدّ في السّير لأنّ الإنسان لو التفت هنا أو هناك وقف وهذا يمنعه من السّير قدمًا وهذا فيه أنّ الإنسان إذا أقدم على شيء فينبغي له المضيّ فيه والعزم عليه فالالتفاتات - الالتفاتات مثبطات والإنسان إذا أقدم على شيء يمضي على بركة الله سبحانه وتعالى

2-وأيضًا فيه معنى ثانٍ:- وأنّ الالتفات قد يحملهم على الرّقّة لأنهم إذا رأوا قومهم في الهلاك فجعلنا عاليها

﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) قد يرقون لهم وفيهم أقاربهم فلئلا يرق قلب واحد منهم لا يلتفت إليهم.

3-وأيضًا لقطع التّعلّق بهذا البلد لأنّهم إذا نظروا إلى البلد قد يتذكرون فيه شيئًا مما يتعلق بشؤونهم وأحوالهم فلقطع التّعلّق قال { ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ} فلهذه الحكم الثّلاثة قيل { ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ } والعلم عند الله.

{ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜﳝ } فإنّ امرأتك ستلتفت وهي من الغابرين وبعضهم يرى أنّ قوله ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ (ص: 54)

هذا استثناءٌ من قوله { ﳒ ﳓ } أي : أسر بأهلك إلّا امرأتك فإنها لا تكون معك ولا تخرج معك وهناك قراءةٌ أخرى ﴿إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ﴾ (هود: 81) فقالوا إنّها بدل من قوله (أحدٌ) ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) } معناها : أنّها تلتفت.

وهنا وقع إشكال في قراءة الرّفع قالوا كيف أنّها لا تسري معهم ولا تسير معهم ثمّ تستثنى من الالتفات؟ 1-فقال بعضهم : إنّ ذهابها كعدم ذهابها لأنه ليس بنافعها شيءٌ فكأنها لم تسر معهم ولم تسر معهم هذا من جهة

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة