مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة هود — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 322 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

2-أو أنّ قوله ﴿إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ﴾ (هود: 81) امرأته ليست استثناء من قوله ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ (هود: 81) أو ليست بدلًا منه وإنّما هي جملةٌ جديدةٌ أي: لكن امرأتك ﴿إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ (هود: 81) فيكون قوله امرأتك مبتدأ وقوله ﴿إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ (هود: 81) خبرٌ وعلى كلّ حالٍ سواءٌ أقلنا : إنّها سارت ولكنها التفتت؛ أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّها لم تسر أيضًا ابتداءً كما جاء الاستثناء في بعض المواضع الأخرى فإنّ هذا ليس بنافعها شيء لأنَّها ممن قدر الله عزّ وجلّ عليها الهلاك ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3)

قال ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4)

﴿أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) يعني موعد هلاكهم في الصّبح؟ ﴿أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) أي: موعده قريب؟ وسيأتيهم الهلاك وقتئذ. نعم

من فوائد الآيات

· بيان فضل ومنزلة خليل الله إبراهيم عليه السلام وأهل بيته : ومما يشهد لذلك قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7) وأيضًا وصف الله لإبراهيم ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (هود: 8) عليه الصّلاة والسّلام

· مشروعية الجدال عن من يرجى له الإيمان قبل الرّفع إلى الحاكم ولذلك قال ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) لكن الأمر لما قضى الله فيه قضاءً ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: 10) ولذلك أيضًا (تعافوا الحدود فيما بينكم ) لكنّه إذا رفعت إلى الإمام فحينئذ لا مجال لتلك الشّفاعات.

· بيان فظاعة وقبح عمل قوم لوط قال الله﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11) إلى آخر الآيات الكريمة.

· ومما قال بعض العلماء في جعل (إلّا امرأتك أو إلّا امرأتك ) استثناءً منقطعًا : أنّ عدم الالتفات جاء في بعض المواضع دون استثناء ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (الحجر: 65) [سورة الحجر:65].

فقالوا : هذا يدل على انقطاعها وأنّها جملةٌ جديدةٌ والعلم عند الله.

· ونقف عند هذا الحدّ ونكمل بإذن الله في الدّرس المقبل وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضي وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المجلس الثالث والسبعون

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين : أمّا بعد :-

فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التّعليق عليه وما زلنا مع آيات سورة هودٍ.

قال الشّيخ حفظه الله

نعم قال الله سبحانه وتعالى

﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود: 12)

هذه هي العقوبة الّتي عاقب الله سبحانه وتعالى بها قوم لوط، وهي من أشهر الأدلّة على القاعدة الشّهيرة الجزاء من جنس العمل فإنّ قوم لوطٍ لما انتكست فطرهم وقلبوا ما فطرهم الله عزّ وجلّ كانت العقوبة نظير ذلك بأن جعل الله عالي مساكنهم في الأسافل والعكس، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل فهم قوم أصحاب فطر منتكسة.

قال ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (هود: 82) أي: صيّرنا عالي قراهم برفعها وقلبها بهم.

ومعنى (الأمر) : جعلنا عاليها سافلها وسافلها عاليها لكنّه استغني عن ذلك بالاقتصار على قوله ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) لأنّ هذا موضع الإهانة بأن يجعل الله سبحانه وتعالى موضع العلوّ في السّفل بأن قلب الله تلك القرى ولذلك سمّيت بالمؤتفكات وبالمؤتفكة قال ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) فقلبها الله بهم ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15)

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) أي : على هذه في القرية والمراد : أهلها كما جاء التّنصيص على ذلك في مواضع أخرى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) [سورة الأعراف:84]. لأنّ المراد بها قوم لوط ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84)

ما معنى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) قالوا هنا (من طين متصلب) إذًا السجيل : هو الطّين المتصلّب.

وبعض المفسّرين يرى أنّ هذه الكلمة في الأصل كلمة فارسية ثمّ عرّبت وصارت تستعمل في العربيّة بهذا المعنى وهو الطّين المتصلّب وتقدّم معنا في بعض المناسبات الحديث عن هذه القضيّة - أعني قضيّة المعرّب

1-فمن أهل العلم من ينكرها ويقول : لعل هذا من توافق اللّغات ولا يلزم بالضّرورة أن تكون اللّغة العربيّة هي الّتي أخذت هذه الكلمة من لغة أخرى بل يحتمل العكس. ويحتمل أن يكون هذا من باب التّوافق.

والّذي مال إليه الإمام الشّافعيّ وفريق من أهل العلم منع وجوّد المعرّب في هذه الكلمات القرآنيّة.

2- ومن أهل العلم من أجاز ذلك وقال : لا مانع منه ولا يعارض ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى في شأن القرآن ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: 193-195) [سورة الشعراء:193-195]

لأنّهم قالوا : إنّ وجوّد بعض كلماتٍ منه لم تكن عربيّةً في الأصل لا ينافي عربيّة القرآن.

3-ومن أهل العلم من جمع بين هذا وذاك كما مال إليه أبو عبيدٍ وابن فارس وكذلك كما حرّره الزّركشيّ وغيرهم من أهل العلم إلى أنّ الخلاف يكاد يكون صوريّا وليس حقيقيًّا

أ-فمعنى من قال : إنّ هناك في القرآن ألفاظاً غير عربيّةٍ فباعتبار الأصل.

ب-ومن قال إنّها عربيّة فباعتبار الاستعمال، والمعنى : أنّها لما استعملها العرب صارت عربيّةً فنزل القرآن الكريم بها موافقًا للسان العرب ومن ثمّ فلا إشكال في وجودها في القرآن الكريم.

وتقدّم أنّه يخرج من هذا النّزاع الكلام في الأعلام الأعجمية فإنها موجودة في القرآن بالإجماع كــ (إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) فهذه موجودة في القرآن ولذلك المعربون يقولون : منعت من الصّرف للعلمية والعجمة فهذا مما لا إشكال فيه.

وكذلك التّراكيب القرآنيّة لا يوجد من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : إنّ فيها تراكيب أعجمية فهذا منفي عن القرآن الكريم بإجماع أيضًا هذا كلّه في كلمة (سجّيلٍ) عند من قال إنّها في الأصل لم تكن عربيّةً والصّحيح أنّها عربيّةً والمراد بها : الطّين المتصلّب، وبعضهم قال ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) هذا واد في جهنّم،لكنّ الأوّل أشهر.

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) أي : مصفوف بعضها فوق بعض بتتابع فهذا معنى ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) يعني أنّها في صفوف بعضها فوق بعض وأنّها متتابعة وهذا الوصف في الأصل للحجارة لكن لما كانت الحجارة من سجّيلٍ فوصف بها السجيل فقال ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) والمعنى أنّها متتابعة.

يعني :- ليس هناك فاصل بين نزول الحجارة بل إنّها متتابعة في النّزول عليهم والقضاء عليهم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 18) أي : معلّمة عند الله بعلامةٍ خاصّةٍ ومعدّة عنده سبحانه وتعالى فهي معلّمة قال بعضهم كانت تنزل تلك الحجارة على هذا الشّخص بعينه فتقضي عليه

﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (هود: 19) على ما يعود الضّمير في قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) قالوا هنا في المختصر (وليست هذه الحجارة من الظّالمين من قريشٍ وغيرهم ببعيدة بل هي قريبة ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ قدّر الله إنزالها عليهم نزلت) إذًا الضّمير على هذا يعود على الحجارة أو إن شئت فقل : العقوبة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) يعني :-

أ- وما هذه الحجارة ب- أو وما تلك العقوبة من الظّالمين ببعيدٍ.

وكأنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن بيّن لنا عقوبة قرى قوم لوط بيّن أنّ هذا الحكم يعمّ غيرهم لمن كان مثلهم ووافقهم في هذا الفعل الشّنيع.

ولذلك استدلّ بعض العلماء بما وردّ في سياق آيات قصّة قوم لوط عليه السلام أنّ عقوبة اللّواط : أن يرمى من مكان شاهقٍ إلى هذا ذهب فريق من العلماء من المفسّرين والفقهاء استدلالًا بما ورد في هذه القصّة.

فالشاهد من ذلك قول الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (هود: 21) أي وما هذه العقوبة ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 22)

ج- وبعض المفسّرين قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) أي : وما قرية قوم لوط من الظّالمين ببعيدٍ أي : ليست ببعيداً عنهم في المكان والموضع بمعنى أنّهم يعرفون المكان وليس ببعيدٍ عليهم ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: 137-138] فلمروركم عليهم تعرفون أحوالهم وبلغتكم أخبارهم

وهنا قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) ولم يقل ببعيدة والأمر في ذلك مشهور فيصح هذا وذاك كما هو معروف في اللّغة وتقدّم معنا قبل ذلك حديثٌ عن ذلك في قوله ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56) [سورة الأعراف:56].ثمّ قال سبحانه

﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) أي : وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبًا قال ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24) هذا هو نبيّ الله شعيب عليه السلام دعا قومه إلى توحيد الله كما هي العادة الجارية من أنبياء الله ورسله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) دعوة إلى التّوحيد ﴿وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ﴾ (هود: 84) دعوةٌ إلى صلاح الاقتصاد، وإلى ترك السّوء في المعاملات ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) قالوا هنا في التّفسير (ولا تنقصوا الكيل والوزن إذا كلتم للناس أو وزنتم لهم إنّي أراكم في سعة من الرّزق والنعمة فلا تغيّروا عليكم نعمة الله بالمعاصي).

﴿وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ﴾ (هود: 84) هذا فيه أنّ أنبياء الله ورسله كما جاءوا بتقرير العقيدة وتصحيح التّوحيد عند النّاس فإنّهم أتوا أيضًا بما يصلح معاملاتهم وبما يصلح اقتصادهم وأحوالهم لذلك نهاهم عن تطفيف المكاييل والموازين وعن نقصانها فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) ثمّ قال ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) والمعنى : أنتم بخيرٍ لكنه عبّر وقال ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) للدلالة على أنّ خيريّتهم - أعني سعة رزقهم مشهورة ومشهودة.

فمعنى ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) يعني : أنا أراكم بحالةٍ جيّدةٍ وأراكم في رزق وفير وفي نعمة واسعة فما أنعم الله به عليكم يغنيكم عن التّطفيف في المكاييل والموازين، كما تقول لشخص منَّ الله عزّ وجلّ عليه برزقٍ وبسعةٍ في المال تقول له : اتّق الله الحمد لله أنت في سعة وفي رغدٍ من العيش وهذا الدّرهم الّذي سيأتي من حرام لن يزيدك شيئًا ولن يفيدك شيئًا فهو يقول لهم ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27)

وقوله ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) يعني : أنا أشهد بذلك فمن اطّلع على أحوالكم وجد أنّكم أغنياء وأنكم أصحاب أموالٍ.

﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) ذكّرهم بالدّار الآخرة وذكّرهم بعذاب الآخرة ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 30) وهنا جاء قوله ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 31) وصفًّا لليوم وذلك أنّه إذا كان اليوم محيطا فإنّ العذاب محيطٌ بهم ولذا قالوا إنّه في الأصل وصفٌ للعذاب لكن جاء بأسلوب أبلغ ووصف اليوم نفسه بالإحاطة فإذا كان هذا اليوم الّذي فيه عذابهم يومًا محيطا بهم فكذلك العذاب الّذي في هذا اليوم ثمّ قال

﴿قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (هود: 32)

﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33) من المعروف أنّ قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) يقتضي الأمر بإيفاء الكيل والميزان لكنه مع ذلك لم يترك ما تقدّم ذكره بل جاء التصريح فكما نهى عن النّقص عن نقصان المكيال والميزان فإنّه أمر صراحةً بالإيفاء بالكيل والميزان فإذا كنّا نقول : إنّ النّهي عن الشّيء يستلزم الأمر بضدّه فإنّه لم يجتزء بذلك؛ ولم يكتف به؛ بل إنّه صرّح بالأمر بالضّدّ وهو الأمر بالإيفاء بالكيل والميزان وهذا فيه درسٌ أيضًا للدعاة إلى الله أنّ الدّاعي إلى الله لا يمل ولا يكل في دعوته إلى الله، وأنّه ينوع في طريق دعوته فمرة يكون الأسلوب أسلوب ترغيب، ومرة يكون ترهيبًا ومرة يكون بأسلوب الأمر، ومرة أخرى بأسلوب النّهي وأيضًا فيه أنّ التّكرار مطلوب في الدّعوة إلى الله.

فمع أنّ الله ذكر في الآية الّتي قبلها ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) إلا أنّه ذكر بعدها قوله ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33) وفيه إشارةٌ إلى أنّ هذه الدعوة كررها شعيبٌ عليه السلام وأعادها حتّى يتأملها هؤلاء ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) لا تنقصوا النّاس أشياءهم ولا تبخسوهم حقوقهم وهذا أعم من قوله ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33)ومن قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) فتستطيع أن تقول إنّه عمّم بعد أن خصّص إذًا هو نهى عن شيءٍ، وبعد ذلك أمرٌ بضدّه ثمّ بعد ذلك عمّم بعد تخصيص وهذا كلّه يدخل في حيّز التّأكيدات بهذا المذكور

﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35) وهذا أيضًا تعميمٌ لا تتمادوا في الفساد ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ باب من الأبواب ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35) ثمّ رغّبهم فقال

﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36)

﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) إذًا رهّبهم في قوله ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) ورغّبهم في قوله ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) قالوا هنا في التّفسير أي : (بقيّة الله الّتي يبقيها لكم من الحلال بعد إيفاء حقوق النّاس بالعدل أكثر نفعًا وبركةً من الزّيادة الحاصلة بالتّطفيف والإفساد في الأرض) هب أنّه قد فاتكم بعض الأموال لأنكم تركتم التّطفيف في المكاييل والموازين أو نقصان المكاييل والموازين؛ فإنّ ما عوضكم الله به من الحلال وما أبقاه الله عزّ وجلّ لكم من رزقٍ حلالٍ خيرٌ لكم.

﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) أي : ما يبقيه الله عزّ وجلّ لكم من الحلال خيرٌ من أن تبقوا على حرام ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) وفي التّعبير عن هذا بقوله ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) دلالةٌ على أنّه يكون للإنسان لأنه يتمتع به في الدّنيا ويؤجر عليه في الآخرة أو لا يعاقب عليه في الآخرة؛ وأمّا ما جاء بطريقٍ محرم فإنها لذة فانية ثمّ بعد ذلك يحاسب عليها الإنسان ويعاقب عليها.

﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36) قالوا هنا (ولست عليكم برقيبٍ أحصي أعمالكم وأحاسبكم عليها إنمّا الرّقيب على ذلك هو من يعلم السّرّ والنجوى سبحانه وتعالى) يعني : ما أنا إلا رسول أبلغكم وأمّا حسابكم فعلى الله سبحانه وتعالى وهذه دعوة الأنبياء والمرسلين لذلك قالها نبيّنا عليه الصلاة والسلام أيضًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39) ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40) إلى غير ذلك مما وردّ في هذا الباب

﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود: 41)

﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42) هكذا بهذا الاستفهام الأنكاري التّوبيخيّ لشعيب عليه السلام ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43)؟ والقراءة الأخرى {أصّلواتك} ﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44) لم يذكروا من عبادته إلا الصّلاة وهذا فيه معلمٌ واضح في أنّ للصلاة أثرٌ في سلوك العبد فكأنهم نظروا في أحوال شعيبٍ عليه السلام فوجدوا من أعظم الخصائص الظّاهرة في سلوكه، وفي حياته الصّلاة؛ فلما وجدوا الصّلاة منه بمقام ومكان رأوا أنّ هذا التّغيير الّذي وقع، وأنّ هذا الكلام الّذي وقع منه ﴿أَنَّمَا﴾ سببه صلاته فقالوا ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42) ما الّذي جعلك تقول هذا الكلام؟ وما الّذي دعاك إلى هذا الكلام؟ ومالك واقتصادنا! وما لك ومكاييلنا وموازيننا! وما لك ولما نعبد! أصلاتك تأمرك؟ وهذا فيه معنىً جميل، وهو أنّ الصّلاة تأمر الإنسان ولذلك قول الله سبحانه { ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸ [سورة العنكبوت:45]

هذا فيه التصريح بأن الصّلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وفي المقابل والصّلاة : أيضًا تأمر بالمعروف وتأمر بالبرّ والتّقوى وتأمر بالأعمال الصّالحة وهكذا.

فهنا قال قالوا ﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44) فما أجمل تلك الصّلاة الآمرة الناهية، ما أجمل تلك الصّلاة الآمرة النّاهية الّتي تأمر صاحبها بالبرّ والتّقوى، وتنهى صاحبها عن الإثم والعدوان ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (هود: 45) وبعض المفسرين فسّر الصّلاة : بالدّين فقالوا ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43) يعني : أدينك، وهذا فيه أنّ الصّلاة من الدّين بمكانٍ عظيم، ولذلك هي في الإسلام عندنا في شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم الرّكن الثّاني من أركان الإسلام بعد الشّهادتين ﴿قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (هود: 46) أصلاتك تأمرك بترك عبادة ما يعبد الآباء؟

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) على ما عطف هذا سؤالٌ يحتاج إلى جواب، وإذا قرأنا الكلام في المختصر اتّضح لنا علام تعطف هذه الجملة هنا (وتأمرك أن نترك التّصرّف في أموالنا بما نشاء)

إذًا قوله ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) معطوف على (ما ) في قوله ﴿قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: 48) وأن نترك ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ نشاء لأنه ليس المراد : أنّه أمرهم بأن يفعلون في أموالهم ما نشاء فهذا معنى فاسد؛ فلو كان المراد : قالوا يا شعيب أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ وتأمرك ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ نشاء لكان هذا معنى فاسداً لأنّهم : لا يريدون أنّ الصّلاة تأمرهم بأن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون؛ إنمّا المراد أنّ الصّلاة تأمرهم أن يتركوا - أن يفعلوا - في أموالهم ما نشاء بمعنى : أنّهم لا يتصرفون في أموالهم إلا بما شرع الله سبحانه وتعالى.

وهذا فيه :- أنّ الإنسان لا بد أن يستبين المعنى حتّى يصح له الإعراب فإذا أشكل عليه الأمر ولم يفهم المعنى جيّدًا يلتبس عليه الإعراب حينئذٍ، وقد نبّه على ذلك ابن هشام ومثّل بهذه الآية في كلامه قال ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49)

أكثر المفسّرين واللّغويّين يجعلون هذا الأسلوب من الأسلوب التهكمي ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) وهم يقصدون أنّك لأنت السّفيه الضّالّ لكنهم يتهكمون به يعني ما هذا الّذي تدعون إليه يا شعيب؟ أنّك أنت الحليم الرّشيد!!

وهذا كقوله سبحانه وتعالى في شأن أهل النّار حينما يقال لهم ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ (الدخان: 49) [سورة الدخان:49].فالذي يذوق هذا العذاب ليس بعزيزٍ في الحقيقة ولا كريمٍ في الحقيقة؛ وإنّما المراد :- ذق إنّك أنت الذّليل المهان ولكن هذا معروف في اللّغة يقال له أسلوب التّهكّم.

وكذلك هنا قالوا (إنّهم تهكموا بشعيب عليه الصّلاة والسّلام)، وبعض العلماء أجراها على الظّاهر ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) كأنهم يقولون : أنت الحليم الرّشيد فكيف يصدر منك ذلك؟ ما كان ينبغي أن يصدر منك ذلك بل دعنا نفعل في أموالنا ما نشاء، ودعنا نعبد ما نشاء.

وتأمّلوا يا أيها الإخوة الكرام قولهم أيضًا فيما ذكر الله سبحانه ﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (هود: 51) يدلك دلالةً واضحة على العلاقة الوثيقة والوطيدة بين الصّلاة والاقتصاد - بين الصّلاة والمال - بين الصّلاة والزّكاة - فإنّ بعض النّاس يحافظون على الصّلوات لكنك إذا جئت في باب الأموال، فقيل لهم : هذه معاملةٌ ربويّةٌ أو هذا ربًا أو هذا محرم أو هذه رشوةٌ قالوا : هذا باب والصّلاة باب آخر وهذا مما لا يليق فإنّ صلاتك الّتي تحافظ عليها جديرٌ بك أن تحفظها بأن تكون معاملتك أيضًا عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ ويؤكد هذا المعنى أنّ الله لما ذكر آيات الصّيام في سورة البقرة اتبع ذلك بقوله ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188) [سورة البقرة:188].قال بعدها :

﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188)

﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) فأنا على بيّنةٍ وعلى دليلٍ واضح بأنّني محق فيما أدعوكم إليه

﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53) أي : رزقًا حلالًا ومن هذا الرّزق : النّبوّة

﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: 54)

قالوا هنا في قوله ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55) أي : (وما أريد أن أنهاكم عن شيء وأخالفكم في فعله) هذا ما عليه الجمهور من المفسّرين في أنّ معنى قوله سبحانه ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55) إنّني إذا نهيتكم عن شيء فأنا أوّل النّاس انتهاءً عن الوقوع في هذا الشّيء فأنا أمتثل ما أمركم به واجتنب ما أنهاكم عنه.

وفيه : أنّ الإنسان يبدأ بنفسه في الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى ولذلك تذكر هذه الآية مع قوله سبحانه وتعالى ﴿۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44) [سورة البقرة:44].ومع قوله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3) [سورة الصف:2-3].تذكر هذه الآيات الثّلاث في التحذير من ترك العمل بالعلم، وأنّه ينبغي لمن دعا إلى الله ولمن تعلّم علمًا أن يعمل به وفيه ذمّ من دعا إلى خير ولم يعمل بهذا الخير الّذي دعا النّاس إليه

لا تنهى عن خلقٍ وتأتي مثله.......................عارٌ عليك إذا فعلت عظيمٌ

فهنا قال ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56) يعني : أنا أيضًا في مالي لا أتصرف إلا بما يرضي الله - لا أقول لكم - لا تكسبوا - لا تربحوا من هذا الباب ثمّ أنا أتربّح منه -لا أنا أيضًا أحافظ على الحلال والحرام فأمتنع عن الحرام واجتنبه ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56).

وجاء هنا ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57)

1-لتضمّنه معنى المسارعة أي : وما أريد أن أسارع إلى ما أنهاكم عنه فأنا لا أخالف ولا أسارع إليه ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: 58)

2-وبعض المفسّرين يرى أنّ معنى الآية : فيه جانبٌ آخر، أو أنّ في الآية جانبًا آخر في المعنى المراد

وهو: أنّ المراد بالمخالفة هنا المنازعة - أنا ما أريد منازعتكم في شيءٍ - لست حريصًا على جاهٍ ولا على سلطانٍ حتّى تظنّوا بي سوءًا إذا كلمتكم في إصلاح اقتصادكم، وفي المكيال والموازين والميزان ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) فلا رغبة في أمورٍ تتعلّق بدنياكم وليس لمأرب ولا مطلب وإنّما ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) والآية تحتمل هذا وذاك وإن كان الأوّل عليه الأكثرون والعلم عند الله.

﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) وهذا فيه أنّ دعوة الأنبياء والمرسلين دعوةٌ إصلاحية بل هي دعوات الإصلاح في كلّ زمانٍ ومكان.فمن رام الإصلاح عليه بدعوة الأنبياء والمرسلين.

وقوله ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (هود: 59) فيه أنّ الدّاعي إلى الله وأنّ المؤمن عليه أن يبذل ما في وسعه قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)

ثمّ قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) فالتوفيق بيد الله سبحانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) وقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) في معناها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) [سورة الفاتحة:5].كما تقدّم مرارًا

فقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) فيه أنّ العبد في تقرّبه إلى الله يجمع بين العبادة والاستعانة ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: 4) استعانةٌ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: 4) عبادة كقوله أيضًا ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: 4) [سورة الممتحنة:4].نعم.

من فوائد الآيات

· من سنن الله إهلاك الظّالمين بأشد العقوبات وأفظعها. وهذا واضح في قوله ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 60) والكلام في سنن الله سبحانه وتعالى الكونيّة والاجتماعيّة كما سمّاها بعضهم كلامٌ طويل وفيه دروسٍ كثيرة وفوائد جليلة ومما يضمّ إلى هذا : أنّ هذا الإهلاك من جنس أعمالهم فلذلك كانت العقوبة مناسبة للعمل ولذلك قالوا الجزاء من جنس العمل.

· حرمة نقص الكيل والوزن وبخس النّاس حقوقهم قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) وقال ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61)

· وجوب الرضا بالحلال وإن قلّ : وهذا مستفادٌ من قوله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36) وقد كان من دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم (اللّهمّ ارزق آل محمد قوتًا) فالعبد يكتفي بالحلال وهذا يغنيه بفضل الله سبحانه (ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى النّاس)

فضل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ووجوب العمل بما يأمر الله به والانتهاء عمّا ينهى عنه ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56).

قال الشيخ حفظه الله

﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 62)

قال الله سبحانه ذاكراً قول شعيبٍ عليه السلام ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 62)

﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (هود: 63) أي : لا يحملنكم شقاقي أي : عداوتي - لا تحملنّكم عداوتي - على التّكذيب بما جئت به فأنا في الحقيقة أخاف عليكم، وأخاف عليكم ﴿وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (هود: 64) وهذا فيه :- أنّ الإنسان عليه أن يقبل الحقّ ولو من عدوّه وهكذا الإنسان العاقل، ولذلك فإنّ ربّ العزّة علّمنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8) [سورة المائدة:8].فكيف إذا كان الدّاعي إلى الله رسولًا مباركاً يدعو إلى الهدى ولا يطلب من النّاس أجراً ولا جزاءً.

وفي قوله ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) قالوا هنا : (لا زمانًا ولا مكانا وقد علمتم ما أصابهم فاعتبروا) فأنتم بمقربة منهم مكاناً وزمانًا فهلا اتعظتم واعتبرتم بما وقع لهم!!

وهذا فيه أنّ زمان شعيبٍ عليه السلام قريبٌ من زمان لوط عليه السلام وزمان لوط كما لا يخفى قريبٍ جدًا من زمان إبراهيم عليه السلام بل كان في زمن الخليل إبراهيم عليه السلام وهذا استدلّ به بعض العلماء على تضعيف قول من قال : إنّ شعيبًا عليه السلام هو الرّجل الّذي استقبل موسى عليه السلام وأنّه والدّ المرآتين اللّتين رآهما موسى عليه السلام في قوله عزّ وجلّ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) [سورة القصص:23].

وجماعةٌ من المفسّرين ذهبوا :- إلى أنّ هذا الشّيخ الكبير هو شعيب عليه السلام استدلالًا بكلمة مدين في الآيات ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) [سورة القصص:22].

لكنّ بعض العلماء ضعّف هذا ومن أوجه تضعيفه أنّ شعيبًا عليه السلام أو أنّ عصر شعيبٍ قريبٌ من عصر لوط؛ وأمّا موسى عليه السلام فكان بعد ذلك بمدّةٍ والعلم عند الله تعالى وسيأتي مزيد بيان لذلك في موضعه من سورة القصص لكننا أوردنا ذلك للفائدة من قوله ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65)

﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ (هود: 66)

﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67) اطلبوا المغفرة منه،وتقدّم معنا : أنّ الجمع بين الاستغفار والتّوبة فيه الاستغفار من الذّنب والإقبال على الله سبحانه وتعالى بالطّاعة والتّوبة إليه والاستمرار على هذه العبادة ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ (هود: 68)سبحانه وتعالى رحيمٌ بالتّائبين شديدٌ المحبّة لمن تاب منهم.

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: 69)

﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70) أي : ما نفهم كثيرًا مما جئت به وليس هذا لعيٍ في شعيبٍ أو لجهل منه أو لضعف في التّبليغ؛ بل قد لقّب شعيبٌ عليه السلام بأنّه خطيب الأنبياء، وقد وردت بذلك بعض الرّوايات؛ وإن كانت لا تسلم من مقال لكنّه مشهور بذلك وعلى كلٍّ فكل نبيٍّ أو رسول أعطاه الله من الفصاحة والبيان ما يبلغ قومه وحتّى ما وقع لموسى عليه السلام لا ينافي أنّه بلغ الدّعوة عليه؛ إنمّا كان يريد أن يكون معه أخوه هارون وهو أفصح لسانًا من باب المعاونة والمؤازرة؛ وليس من باب أنّه لم يستكمل الأهلية عليه الصّلاة والسّلام

وإنّما قولهم ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) أنّهم لا يريدون استيعاب ما يقول كما قال الله {﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) [سورة فصلت:5].الشّخص الّذي لا يريد أن يسمع غيره، ولا يريد أن يفهمه فيقول : أنا لا أفهم كلامًك - لا تتعب نفسك - لا نريد أن نستجيب لدعوتك ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71) فهم لا يفقهون لأنهم لا يتأملون في الآخرة! ينظرون إلى عرض دنيويٍّ زائف، وإلى تقليد الآباء.

﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72) أي :

1- ذا ضعفٍ لما أصاب عينيك من ضعفٍ أو عمًّي هذا قال به عدد من المفسّرين ووردت به بعض الآثار أنّ قولهم ﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72) بسبب ضعفٍ في عينيه أو عمى والله أعلم بذلك فقد قيل بذلك.

2- لكنّ بعضهم قال ﴿قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72) يعني : لست معك القوّة الّتي تتقوّى بها علينا فنحن نقدر على البطش بك، ويشهد لذلك ما جاء بعده ﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) يعني : إنّا لنراك فينا ضعيفًا نستطيع الفتك بك والقضاء عليك.

﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73) قالوا أي : (ولولا أنّ عشيرتك على ملتنا لقتلناك بالرّمي بالحجارة) ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) وقد قالوا إنّ المراد بالرّهط خواص الإنسان أو خواصّه من قومه فليس المراد به القوم بصفةٍ عامّةٍ إنمّا الرهط أقرب النّاس إليه - الأدنون منه -؛ فالمعنى : أنّ كثيرًا من الأدنين منك أو من الأقربين منك على ملتهم، وهم مكرمون عندهم فلهم مكانة عندهم فهذا معنى ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74) لذلك بعض العلماء قالوا : ولولا رهطك كرماء عندنا أو مكرمون عندنا لرجمناك نحن لا نخاف من رهطك فنحن نراك ضعيفا ورهطك لن يدفعوا عنّا شيئًا؛ ولكنّهم مكرمون عندنا فقوله ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 75) معناه : ولولا رهطك مكرمون عندنا لهم شأنٌ وكرامة لرجمناك ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76) قالوا في المختصر (ولست علينا بعزيزٍ حتّى نهاب قتلك وإنّما تركنا قتلك احترامًا لعشيرتك) فردّ عليهم

﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (هود: 77)

﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78) هكذا يذكرهم بالله أنّه النّبيّ المعتصم بالله الّذي لا يخاف في الله لومة لائم والّذي لا يترك منفذاً إلى الدّعوة إلا تكلّم به ولا يجد باطلًا ينشر إلا بين بطلانة فلما اتجهوا إلى الرّهط بيّن أنّ هذه ليست القضيّة ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 78) العزيز هو الله سبحانه وتعالى وكان الحقيق بكم أن تعظّموا الله وأن تقدّروا الدّعوة الّتي دعوتكم إليها فأنا أدعوكم إلى الله سبحانه وتعالى فمن الأجدر بالإعزاز والإكرام والاحترام والتّوقير والتّقدير!!

﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود: 79) أي : وتركتم الله ورائكم منبوذاً حين لم تؤمنوا بنبيّه الّذي بعثه إليكم ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80) فمعنى ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: 81) يعني منبوذاً وراء الظهر غير ملتفت إليه.

﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82)

﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) : اعملوا ما تستطيعونه على طريقتكم الّتي ارتضيتموها.

لا يخفى عليكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام أنّه لا يبيح لهم ولا يجوّز لهم الشّرك أو الأفعال القبيحة لكن يقول : استمرّوا ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ ما دمتم مستمرين فكأنّ هذا على تقدير مفهوم من السّياق

فليس معنى ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) أنّه يبيح لهم ذلك بل إنّ هذا في مقام الوعيد أو التّهديد فقال : ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84) بدليل ما بعده.

﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) فهو تهديدٌ لهم بأنّهم إن استمرّوا على ما هم عليه فإنّ العقاب سيآتيهم ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) :

1-قال بعضهم هنا تقديرٌ أيضًا : إنّي عامل على مكانتي.

2- وقال بعضهم : لا حاجة إلى هذا التّقدير؛ لأنّ الّذي يعبد الله سبحانه يتقدم يومًا بعد يوم فهو مستمر في التقدّم فمعنى ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: 86) ومستمر في تقدّمٍ إلى الأمام ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85) الكلام عن فريقهم وحدّهم لم يقل (﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ﴾، ومن سينجو ويكون صادقاً ) لأنّ الكلام عن تهديدهم فاستغني بذلك عن الحديث عن الفريق الآخر قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) أي : انتظروا ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)

﴿وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89)

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: 90) فهذه النّجاة رحمة من الله سبحانه وتعالى ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91)

قالوا هنا (صوت شديدٌ مهلك فماتوا وأصبحوا ساقطين على وجوههم قد لصقت وجوههم بالتّراب) ولعلكم تتذكرون ما قلناه في سورة الأعراف ونحيلكم عليه في قضيّة هلاك قوم شعيبٍ عليه السلام واختلاف العلماء في مدين وأصحاب الأيكة وهل هما قبيلةٌ واحدة أم قبيلتان؟ وهل الهلاك واحد أم متنوع؟

فهنا لما ذكر الله سبحانه كلامهم إذ تهكموا من شعيبٍ وقالوا ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) وسخروا منه وقالوا له ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70) ناسب هذا والله أعلم أن تذكر العقوبة في قوله ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود: 92) فلما قالوا كلامًا قبيحاً أسكتهم الله بتلك الصّيحة فكانت الصّيحة مناسبة لما صاحوا به من الباطل قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (هود: 93)

﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 94)

﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود: 95) أي : كأن لم يقيموا فيها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 96) أي : طردت مدين من رحمةِ الله بحلول نقمته عليهم ثمّ قال

﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97)

قوله ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98) ما معنى السّلطان؟ الحجّة أي : أرسلنا موسى عليه السلام بالآيات الدّالّة على توحيد الله وبالحجج الواضحة الجليّة الدّالّة على صدقه في دعوته ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ﴾ (هود: 99)الأشراف من قومه ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود: 100) ليس أمره برشيدٍ بل على باطل وضلالٍ كما لا يخفى.نعم

من فوائد الآيات

· ذمّ الجهلة الّذين لا يفقهون عن الأنبياء ما جاءوا به من الآيات : لذلك ذكر الله أوصافهم حينما قالوا ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 70)

· ذمّ وتسفيه من اشتغل بأوامر النّاس وأعرض عن أوامر الله : سبحانه وتعالى ولذلك ردّ عليهم ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101)

· بيان دور العشيرة في نصرة الدّعوة والدّعاة وذلك في ذكر الرّهط حينما قالوا ﴿قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (هود: 73)وهذا فيه أنّ الإنسان إذا كان رهطه أقوياء أو كانوا على الخير والهدى ومتابعينا لصاحبهم فإنّهم يكونون نعم النّصير له، ولكن مع ذلك إذا لم يكونوا كذلك فالله خيرٌ ناصر وخيرٌ حافظٌ سبحانه وتعالى.

· طرد المشركين من رحمةِ الله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 96)

قال الشّيخ حفظه الله

﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102)

قال الله سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102)

﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ (هود: 103) أي يتقدم فرعون قومه يوم القيامة أي : يتقدمهم إلى النّار ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ (هود: 104) حتّى أدخلهم فيها ولذلك مادة (الورود) تأتي أحياناً بمعنى الدّخول وتأتي بمعنى الوصول، ولذلك اختلف المفسّرون في قول الله سبحانه وتعالى في شأن الصّراط حينما ذكر الله سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ (مريم: 69-71) [سورة مريم:69-71].

1-فبعضهم قال ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ (مريم: 69-71) أي : داخلها قالوا هذا تحلّة القسم لأنّ هذا بمعنى القسم كما يشهد لذلك حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكنها تكون بردًا وسلامًا.

2- وقال بعضهم : بل المراد به المرور دون الدّخول ومن ذلك قوله ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) [سورة القصص:23].

فهنا قال ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) وهنا الورود :بمعنى الدّخول ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) أي : وساء المورد الّذي يوردهم إليه وهو دخول النّار

وهنا كما قال بعضهم استعارةٌ تهكمية لأنّ الورد المورود المتوقّع منه أن يشرب منه النّاس وأن يستقي منه النّاس وأن يستفيد منه لكنه ورود على النّار ونسأل الله السّلامة ثمّ قال :

﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: 105)

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود: 106) أي : الدّنيا لعنة طرداً من رحمة الله، وهلاكًا ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (هود: 107)

أيضًا ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: 108) أي : ما حصل له من تراد اللعنتين والعذاب في الدّنيا والآخرة إذًا لعنة بعد لعنة، وهلاكٌ بعد هلاك فهذا معنى الرّفد المرفود، والأصل في (الرّفد) أنّه العطاء لكنه ليس عطاء خير هنا؛ وإنّما هو في مقام عطاء الهلاك والعذاب واللّعنة ونسأل الله السّلامة.

﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (هود: 109)

ما معنى ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (هود: 110) قالوا هنا (ما هو قائم المعالم ومنها ما محيت معالمه فلم فيكون له أثر) فهذا معنى ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (هود: 111) له آثار ومعالم باقية، ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: 112) حصيت ومحيت والأصل : أنّ ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (هود: 110) تطلق في باب الزّرع فهناك زرعٌ قائم له سنابله وله زرعه وآثاره ونتاجه وهناك ما حصد وقطع وانتهى فقال هنا في شأن الأخبار عن القرى والآثار عن ذكرهم وما بقي من مساكنهم ومما يعتبر به منها قائم وحصيدٍ.

﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113)

﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ (هود: 114)

والتّعبير عنها (بالآلهة) : باعتبار ما يعتقدون وما كانوا يصنعون؛ وإلّا فإنّ إلهيتها باطلةٌ كما لا يخفى فإذا جاءت الآلهة مجموعة ومن المعلوم أنّ الإله الحقّ واحد وهو الله الواحد سبحانه وتعالى فإطلاق الآلهة عليها باعتبار عابديها، وباعتبار ادّعائهم لها أنّها آلهة وإلا فهي ليست آلهة على المعنى الحقّ أي : ليست مستحقة لذلك قال ﴿وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: 115)

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116) أي : غير خسران وهلاك، لم يزيدوهم إلا خسرانًا وهلاكًا فلم يستفيدوا منها شيئًا كما قال الله ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأحقاف: 6) [سورة الأحقاف:6].

قال ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأحقاف: 6)

أي : مثل ذلك الأخذ الّذي أخذ الله به هذه القرى /أو أخذ به فرعون ومن معه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117) وكذلك العقوبات السّابقة الّتي سبق ذكرها في هلاك الأمم السّابقة والأمم المكذّبة للأنبياء والمرسلين مثل ذلك الأخذ ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأحقاف: 6) مؤلم موجع قويّ ولذلك قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم (إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته) ثمّ قرأ هذه الآية ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأحقاف: 6) والمراد بالأخذ هنا : أخذ الاستئصال والهلاك والإبادة ثمّ قال ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188)

﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118) أي : في هذا الأخذ وفي تذكّره وتأمّله آيات وعظةً ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118) وهذا فيه أنّ المنتفع بأخبار السّابقين هو من يخاف عذاب الآخرة ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود: 119) النّاس مجموعون لهذا اليوم

﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120) وهو يوم القيامة ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121)

فتأخيره بأجل معلوم العدد؛ وإن كان لا يعلمه النّاس لكنّ ربّي يعلمه سبحانه وتعالى

﴿وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (هود: 122)

بعضهم جعل قوله ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ﴾ (هود: 121) جملةٌ معترضة فيكون المعنى (وذلك يوم مشهود -يوم يأتي لا تكلّم نفسٍ إلا بإذنه ) لا تكلّم نفسٌ بحجّةٍ ولا شفاعةٌ ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (النبأ: 38) كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (النبأ: 38) [سورة النبأ:38].

قال الله عزّ وجلّ ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) ينقسم النّاس إلى شقّي وسعيدٍ كما قال الله أيضًا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) [سورة الشورى:7].

قال الله ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) وبدأ بالشقي هنا؛ لأنّه المناسب والعلم عند الله بمقام التّحذير والوعيد والتّهديد وما سبق من ذكر تكذيب الأقوام لأنبياء الله ورسله

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: 123)

ترتفع فيها أصواتهم وأنفاسهم من شدّة ما يعانون من لهيبها ما بين زفيرٍ وشهيق من شدّة لهيب النّار وعذاب النّار نسأل الله السّلامة

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48)

في قوله سبحانه ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48) إشكال وهو أنّ السّماوات والأرض تتغيّر ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48) [سورة إبراهيم:48].

وهنا قال ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48) فأين دوامها وأين التّعبير بدوامها ومناسبته لما هو معلوم من تبدّلها؟

1-هذا دفع بعض المفسّرين إلى أن يقول : إن المراد بقوله (السّمأوات والأرض) سماوات الآخرة وأراضيها فقالوا ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48) أي : ما دامت سماوات الآخرة وأراضيها.

2- وقال بعضهم : إنمّا استعمل ذلك لأنّه استعمال مشهور في معنى الأبدية فيقال : هذا الشّيء دائمٌ دوام السّماوات والأرض، ولا يراد به حقيقة السّماوات والأرض وإنّما يراد به أنّه دائمٌ ومستمر لا ينقطع فهذا تعبيرٌ يعرفه العرب في التّعبير عن أبدية الشّيء كما يقال : ما دام اللّيل والنّهار، ويراد به أيضًا الدّيمومة فكذلك في قوله {ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ }

3-وقال بعضهم : إنّ السّماوات والأرض وإن تبدّلت وتغيّرت؛ لكنّها في الأصل موجودة فهذا لا يستلزم منه فنائها بإطلاق قال بها بعضهم لكن القول أو الأقوال الّتي سبقته أشهر والعلم عند الله تبارك وتعالى.

على كلٍّ فقوله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48) المراد به إثبات ديمومة العذاب أو النّعيم بمعنى أنّ الجنّة باقيةٌ لا تفنى ولا تبيد وأنّ النّار باقيةٌ لا تفنى ولا تبيد ولذلك يذكر أهل السّنّة في كتب العقيدة أنّه مما يعتقده أهل السّنّة : انّ الجنّة والنّار مخلوقتان وأنهما دائمتان باقيتان بإبقاء الله عزّ وجلّ لهما.قال الله {ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ }

الإشكال الثّاني في فهم الآية الكريمة ما معنى هذا الاستثناء { ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ }

ما المراد بهذا الاستثناء؟ هنا قالوا في التّفسير (﴿إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ إخراجه من عصاةً الموحّدين) إذًا فسروا (ما ) بأنّها بمعنى (من) وهو قولٌ مشهور في التّفسير اعتمده عدد من المفسّرين قالوا : إنّ (ما) بمعنى (من)،

فالمعنى :-

1 - مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا (من) شاء ربّك إخراجه من عصاة الموحّدين؛ فالأصل :- أنّ من دخل النّار يخلد في النّار ﴿إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ إخراجه من النّار وهم عصاة الموحدين؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يخلد في أحداً من عصاة الموحّدين - إذ مآل الموحّدين إلى جنّات ربّ العالمين – إذًا ما معنى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105) يعني :- إلا من شاء ربّك، من هم؟ عصاةً الموحّدين الّذين قدّر لهم أن يدخلوا النّار وقتًا فمن دخل منهم النّار يمكث فيها وقتًا ثمّ بعد ذلك يخرج منها ولا يدوم فيها ولا يستمر فيها بفضل الله سبحانه وتعالى وذكر ذلك عددٌ كبيرٌ من المفسّرين.

2-وهناك توجيه آخر وهو أنّ معنى قوله ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105) أي : قبل الدّخول من الوقت السّابق على الدّخول فمعنى {ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ } من أوقاتٍ قبل دخول النّار كوقت الحساب والميزان والصّراط وما إلى ذلك /أو ما كان في الدّنيا أو ما كان في القبر أو ما أشبه ذلك فيكون هذا استثناءً للمدة الزمنية السّابقة ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (المائدة: 37)

وقد جاءت آيات كثيرة تدلّ على أنّ الكافرين يدخلون النّار ولا يخرجون من هذه النّار كما قال الله ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (المائدة: 37) [سورة المائدة:37].

وهذا تأكيدٌ هذا بالأبدية في بعض المواضع ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ (الجن: 23)﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ (الجن: 23) [سورة الجن:23].فهذا يدل على أنّ أهل الكفر نسأل الله السّلامة مخلّدون في النّار لا يخرجون من النّار.

{ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ ﳛ ﳜ ﳝ }

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30)جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه قال أيضًا هنا { ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ }وفيها ما تقدم ذكره { ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ } أيضًا ما المراد بهذا الاستثناء؟ والمعلوم أنّ المؤمن إذا دخل الجنّة فإنّه لا يخرج من الجنّة فما وجه هذا الاستثناء؟ { ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ }

1-بعض العلماء قال : { ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ } كما قالوا هنا في التّفسير أي : (﴿إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ إدخاله النّار قبل الجنّة من عصاة المؤمنين ) فالمراد هنا استثناء المدّة الّتي مكثها بعض عصاة الموحدين في النّار فقال {ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ ﳛ ﳜ ﳝ }أي : إلا من شاء ربّك ممن دخل النّار فترة فاستثني هناك واستثني هنا، ثمّ بعد ذلك مآله إلى الجنّة ويدوم حاله بفضل الله سبحانه وتعالى في الجنّة.

2-ومن أهل العلم قال { ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ } من أوقاتٍ قبل دخول الجنّة كما في الدّنيا، وفي وقت الحساب وما إلى ذلك.

3-ومنهم من قال إنمّا قال الله { ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ } ليتعلق العبد بالله سبحانه وتعالى وليعلم أنّ المؤمنين دخلوا الجنان أصل الجنان برحمة الله، وأنّ استمرارهم ودوامهم في الجنّة بفضل من الله سبحانه وأنّ دوام الجنّة وبقاء الجنّة بإبقاء الله سبحانه فالكل بمشيئة الله عزّ وجلّ فهذا فيه تعليق العباد بمشيئة الله، وأنّه من فضل الله وإحسانه إلى عباده.

3-ومن أهل العلم من فسر{ ﳖ } هنا بمعنى (غير ) فيكون المعنى : ﴿مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ غير ما شاء ربّك يعني - زيادةً أيضًا إلى ما شاء ربّك - ليكون المعنى : إنّ دوامهم في الجنّة أعظم من دوام السّماوات والأرض والعلم عند الله تبارك وتعالى.

وعلى كلّ حالٍ فقد وردت آيات أيضًا تدلّ على أنّ أهل الجنّة يخلّدون في الجنّة ولذلك ورد في الحديث المتّفق عليه (أنّه يؤتى بالموت على صورة كبشٍ يذبح ويقال لأهل الجنّة خلودٌ فلا موت، ويقال لأهل النّار خلودٌ فلا موت) نعم

من فوائد الآيات

· التّحذير من اتّباع رؤساء الشّر والفساد وبيان شؤم اتّباعهم في الدّارين قال الله في حقّ فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98) [سورة هود:98].

· تنزّه الله تعالى عن الظّلم في إهلاك أهل الشّرك والمعاصي لذلك قال ﴿وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ﴾ (هود: 99)

· لا تنفع آلهة المشركين عابديها يوم القيامة ولا تدفع عنهم العذاب قال الله سبحانه ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود: 100)

· انقسام النّاس يوم القيامة إلى سعيدٍ خالدٍ في الجنان وشقّيٍ خالدٍ في النّيران قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: 101) قال هذا في شأن أهل النّار، وفي شأن أهل الجنّة وتأمّل في آخر الآية في حديثه عن أهل الجنّة قال ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ (ص: 54) فهو عطاءٌ مستمر غير منقطع فهذا أيضًا يدل على أنّ الجنّة باقيةٌ بإبقاء الله سبحانه وتعالى لها ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ (ص: 54) [سورة ص:54]. نعم.

قال الشّيخ حفظه الله

قال الله سبحانه

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ (ص: 54)

فلا تك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول في شكٍّ وارتيابٍ مما يعبد هؤلاء بعد أن سلّى الله نبيّه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم وذكر له مجموعة من قصص الأنبياء والمرسلين السّابقين فإنّ الله يوجه إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم هذا الخطّاب وهو لأمته صلوات الله وتسليماته عليه فإنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم كما لا يخفى لا يقع في شكّ ولا في ارتياب

﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102) لا تك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول في ارتيابٍ وشكٍّ من فساد عبادةٌ هؤلاء والرّسول على يقين بأنّ عبادتهم باطلةٌ وفاسدة فإنّ الدّعوة إلى التّوحيد هي الدّعوة الحقّة وهي الّتي اتّفق عليها الأنبياء والمرسلون والعقلاء والصّالحون

﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات: 69-70) أي : ليس لهم ولا معهم برهانٌ عقليٌّ ولا شرعيٌّ إنمّا هو التّقليد الأعمى ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات: 69-70) [سورة الصافات:69-70]

قال ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات: 69-70) لمتمّون لهم نصيبهم من العذاب دون نقصٍ سيأخذون جزاءهم.

﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ (هود: 103)

﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ (هود: 104) تسليةٌ للنبي صلّى الله عليه وسلّم بحال نبيّ الله موسى عليه السلام وتقدّم مرارًا أنّه يقترن كثيرًا التّذكير بالتّوراة عند التّذكير بالقرآن والتّذكير بالتّمسّك بالقرآن كونه الكتاب الهادي للخلق فذكر الله أنّ موسى عليه السلام قد أتاه الله الكتاب فاختلف فيه، فإذا اختلف النّاس في دعوتك وفي القرآن الّذي جئت به فقد سبقك إلى هذا بنو إسرائيل إذ اختلفوا في التّوراة الّتي جاء بها موسى عليه السلام اختلفوا على موسى عليه السلام في التّوراة.

قال ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: 105)

ما معنى هذا الاختلاف؟ أي : آمن بعضهم بها وكفر بعض قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود: 106) أي : ولولا قضاء من الله سبق أنّه لا يعجّل العذاب سبحانه وتعالى بل جعل له أجلاً ووقتًا لعجّل لهم العذاب ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (هود: 107)

أي : موقع في الارتياب فهذا إذا وقع في عهدك صلّى الله عليه وسلّم فاعلم أنّ موسى عليه السلام قد تعرّض لذلك وأنّ من سبقك اختلفوا في التّوراة كما وقع الاختلاف في القرآن الكريم ثمّ قال الله :-

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: 108)

﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) أي :

1-وإنّ كلّ من ذكر من المختلفين ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (هود: 109) فجعلوا هنا الكلام عن المختلفين المذكورين في قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (هود: 110) لأنّ قوله ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (هود: 110) يدل على مختلفين.

2-وبعضهم جعل ذلك لكل المذكورين السّابقين وإنّ كلاً ممن ذكر الله أخبارهم من قصص الأنبياء والمرسلين وأقوامهم وأنّ كلاً من هؤلاء ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (هود: 111)

لأنّ الله جازى هؤلاء في الدّنيا وهناك الجزاء في الآخرة ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: 112)

قالوا هنا : (ليتمنّ لهم ربّك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول جزاء أعمالهم ) ﴿يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 76)

وقوله ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: 112)

فيها كلامٌ طويلٌ لأهل التّفسير والقراءات والإعراب لأنّ هذه الآية الكريمة فيها بعض ما يحتاج إلى تنبيهاتٍ ولكن هذا فيما يتوسع فيه من التّفسير وذلك أنّ قوله ﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113) هناك من قرأ (وإن ) بالتّخفيف وكذلك (لمّا) جاءت بالتّشديد وجاءت بالتّخفيف على كلّ حال الّذي يناسب المقام هنا :-

1-أنّه عند من قرأ (لمّا) بالتّشديد فبعضهم يقول :- إنّها بمعنى (إلا) فالمعنى (وإنّ كلاً إلا ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ 2-وأن لا سيّما على قراءة السّكون التّخفيف كقوله كما تقدم معنا ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (الطارق: 4) [سورة الطارق:4] : إلا عليها حافظٌ فيكون المعنى ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (الطارق: 4) أي : إلا ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة