سورة هود — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
3-ومنهم من يرى أنّ (لمّا ) على بابها ولكن (لمّا) تجزم فعلًا فأين هذا الجزم؟ أو أين هذا الفعل المجزوم؟ قالوا مقدّر أي : وإن كلاً لمّا (يوفوا ) بأعمالهم ثمّ قال : ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1) فما أظهره دلّ على هذا المقدّر ويكون قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (هود: 2) هذا في جواب القسم وتكون اللّام هذه دالّةً على هذا المعنى والعلم عند الله
4-هناك أقوالٌ أخرى في اللّام مع دخول اللّام على اللّام والقول في (ما) وما إلى ذلك مما لا يناسب المقام
على كلّ حال فالآية الكريمة تقدّر أنّ هؤلاء سينالون جزاءهم يوم القيامة كما قرر الله ذلك في مواضع كثيرة ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30) [سورة آل عمران:30].
وكما قال ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49) [سورة الكهف:49].وكما قال ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ (الزلزلة: 7-8) [سورة الزلزلة:7-8].
قال الله ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ (الزلزلة: 7-8)
أمرٌ عظيمٌ من الرّبّ العظيم للعباد بالاستقامة والمراد بالاستقامة اتّباع هذا الدّين
﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3) قالوا هنا ( داوم على الالتزام بالطّريق المستقيم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول) فجعلوا الاستقامة بمعنى الدّوام على الاستقامة - الالتزام بأوامر الله - لأنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم مستقيمٌ فكيف يؤمر بالاستقامة؟ المراد بها الدّوام على هذه الاستقامة، وقد تقدّم في أوّل السّورة أنّ بعض المفسّرين يرى أنّ هذه الآية كانت سبب تشييب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو سبب الشّيب الّذي أصاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قال ((شيّبتني هودٌ وأخواتها)) فقالوا : هذه الآية عظيمةٌ وجليلةٌ ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (هود: 3)
وتأمّل قوله ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود: 4) فيه :- أنّ الاستقامة تكون بشرع الله ليست بالهوى ليست بالهوى وإنّما بالشّرع ولذلك فديننا دين الاستقامة وهو وسطٌ بين طرفين - بين الغلوّ والتّطرّف - من جهة وبين الجفاء وبين التّقصير من جهة فديننا ليس فيه إفراطٌ ولا تفريطٌ بفضل الله سبحانه وتعالى ولذلك قال ابن رجبٍ ((الاستقامة هي سلوك الصّراط المستقيم وهو الدّين القيّم من غير تعريجٍ عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطّاعات الظّاهرة والباطنة وترك المنهيّات كذلك)) فدين الله سبحانه أو الاستقامة بأن تفعل كلّ الطّاعات وأن تترك كلّ المعاصي والمنهيّات.
﴿أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (هود: 5) أي : لا تتجاوز الحدّ ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6) وفي قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7) يدل على أنّ الدّين لا غلوّ فيه فهذا من معاني ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 7) قال ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6)
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (هود: 8)
نهاهم الله عن الميل إلى الظّالمين بمداهنةٍ أو مودة لذلك قالوا هنا ((ولا تميلوا إلى الكفّار الظّالمين بمداهنةٍ أو مودة فتصيبكم النّار بسبب ذلك الميل)) وإذا كان هذا وعيدًا لمن مال إليهم فكيف بهم هم إذا كان هذا فيمن ركن إلى الّذين ظلموا واستجاب لهم فكيف بهم هم نسأل الله السّلامة.
وقالوا أيضًا قال ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) وقعوا في الظّلم ولم يقل : إلى الظّالمين وشأنهم أشد.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: 10) فيه أنّ الإنسان يتقي المنكر وأهل المنكر ويتقي الفساد وأهل الفساد ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 11)
ثمّ قال ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود: 12)
قالوا هنا (وأقم الصّلاة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول على أحسن وجه في طرفي النهار وهما أوّل النّهار وآخره )
فما معنى ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (هود: 13) أوّل النّهار وآخره لذلك بعض طرفي النّهار المراد به الفجر ثمّ المراد به بعد ذلك الظّهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) قالوا المغرب والعشاء.
1-فبعضهم جعل الآية الكريمة تشمل الصّلوات الخمس
2-وبعضهم خصّ الأوّل في النّهار بالفجر والآخر بالمغرب ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 14) صلاة العشاء أو الصّلاة في اللّيل
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) هذا فيه فضل الصّلاة، وأنّ الصّلاة من أعظم الحسنات الماحيات ولذلك فالصلاة كفّارة للذنوب وتحفظون حديث الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وهو متفق عليه (أرأيتم لو أنّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات، هل يبقي ذلك من درنه شيئًا؟ قال فذلك مثل الصّلوات يمحو الله بهنّ الخطايا أو فذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بها الخطأيا)
قال هنا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 16) وقد ورد أنّ هذه الآية الكريمة لها سبب نزولٍ وذلكم الرّجل الّذي قبّل أو أصاب من امرأةٍ قبلة دون الحدّ يعني دون أن يقع بها أو دون أن يزني بها (فلما سأل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فأنزل الله قوله ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) ولما سأله أهذا لي خاصّة؟ قال بل لمن عمل بها من أمتي).
فيه "- أنّ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب
وفيه " أنّ الصّلاة كفّارة للذنوب والمعاصي.
على كلّ حال هذه الآية الكريمة مما استثناه بعض العلماء من كون السّورة مكية قالوا :- لأنّ هذه الوقعة أو لأنّ هذه الحادثة وقعت في المدينة النّبويّة كما يدل على ذلك روايات الحديث، والسّورة الّتي معنا سورةٌ مكية وقد نقل الإجماع على ذلك فقالوا يستثنى من ذلك هذه الآية الكريمة وذلك أنّه وردّ في بعض الرّوايات تسمية هذا الرّجل وهو أبو اليسر كعب بن عمرو رضي الله عنه وغفر له
وبعض العلماء يقولون : إنّ الآية نزلت مرة أخرى فالأصل أنّها مكية ولكن تكرّر نزولها في هذا المقام ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)
ثمّ قال ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)
والجمع بين الصّلاة والصّبر مشهور في كتاب الله كقوله ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45) [سورة البقرة:45].فقوله ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45) بعد الأمر بالصّلاة أمرٌ مشهور ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)
ثمّ قال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 18)
﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (هود: 19) قالوا هنا ( بقيّةٌ من أهل الفضل والصّلاح) ما معنى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ﴾ (هود: 20) يعني : فهلّا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (هود: 21) فهم قلّةٌ وهؤلاء القلّة أنجاهم الله سبحانه وتعالى لكن الغالب عليهم أنّهم كانوا يتركون أقوامهم يسعون في الأرض بالفساد قال ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 22) وهذا فيه أنّ هؤلاء استحقّوا العقاب لأنهم كانوا ما بين فاسد ومفسد وما بين تاركٍ للمفسد على فساده؛ وأمّا القلّة فهم الّذين نهوا عن المنكر وهم الّذين أنجاهم الله.
قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) من هذا التّرف ﴿مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 24)
ثمّ قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25)
ينتفي ذلك عن الله كلّ الانتفاء فقوله ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) فهذا يكون للدلالة على نفي هذا ولذلك يقولون : إنّ اللّام في قوله ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ (هود: 27) لام الجحود ويقولون تدخل على كونٍ منفي ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 26) هذا يدل على امتناعه ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) ما معنى بظلمٍ؟
1- قالوا هنا (وما كان ربّك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول ليهلك قريةً من القرى إذا كان أهلها مصلحين في الأرض إنمّا يهلكها إن كان أهلها مفسدين بالكفر والظّلم والمعاصي)
2- ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) قال بعضهم أي : وما كان ربّك ليظلمهم سبحانه وتعالى فالمعنى ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) منه لهم هذا هو المعنى ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) منه لهم
﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) إذا كان أهلها مصلحين فإنّ الله سبحانه وتعالى لا يهلكهم وإنّما يهلكهم إذا استحقّوا هذا الهلاك بسبب فسادهم، وفيه أنّه من أسباب النّجاة الإصلاح.
وتأمّل قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) ولم يقل ( وأهلها صالحون ) إنمّا قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) ولذلك جاء في حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ((أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث )) فلا تعارض بين هذا الحديث وبين الآية فالآية الكريمة تتحدّث عن المصلحين والمصلح أخص من الصّالح لأنه صالحٌ في نفسه ومصلحٌ لغيره ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25) نعم
من فوائد الآيات
· وجوب الاستقامة على دين الله تعالى ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 30) ولذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حينما قال له الرّجل كما في صحيحٌ مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثّقفيّ ((يا رسول الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك وفي لفظ بعدك قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ آمنت بالله ثمّ استقم))
· التّحذير من الرّكون إلى الكفّار الظّالمين بمداهنةٍ أو مودة : قال الله ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (هود: 8)
· بيان سنة الله تعالى في أنّ الحسنة تمحو السّيّئة ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45) وهذا من فضل الله وإحسانه.
· الحثّ على إيجاد جماعةٍ من أولي الفضل ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ﴾ الفساد والشّر وأنّهم عصمةٌ من عذاب الله تعالى : قال الله سبحانه وتعالى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (هود: 21) فهذا فيه دعوةٌ إلى أن يكون في الأمّة أهلٌ خيرٍ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ولذلك هذا يدل أيضًا على عظمة شعيرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والعلم عند الله تبارك وتعالى نعم.
· نعم في قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (هود: 25)
وجه آخر ذكره بعض المفسّرين ألفت النّظر إليه، لأنّ بعض العلماء استفاد من الآية فائدة ولا تصلح الفائدة إلا على هذا التّوجيه أو هذا القول، إذ منهم من فسّر الظّلم في قوله ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) بأنّ المراد بالظّلم الشّرك فقالوا :- ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ﴾ بشركٍ وأهلها مصلحون ومعنى ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 31) على قولهم أي : عدولٌ والمعنى إذا كانت أمةٌ من الأمم عادلةٌ فيما بينها من أحكام فإنّ الله سبحانه لا يهلكها وإن كانت كافرة، ومن هنا قال بعضهم : إنّ الله يقيم الدّولة الكافرة العادلة، ولا يقيم الدّولة المؤمنة الظّالمة، وقالوا : إنّ الظلم سبب هلاك البلاد فهذه الآية الكريمة فيقولون : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بسبب الشّرك وأهلها مصلحون إذا كانوا عادلين فيما بينهم لا يظلم بعضهم بعضًا فإنّ الله يمهلهم ويؤخرهم ثمّ يعاقبهم بعد ذلك على شركهم؛ ولكنّه لا يستأصلهم وإنّما هذه القرى أهلكها الله لأنَّها جمعت بين الأمرين بين الشّرك بالله وبين الظّلم وفساد الأخلاق كما سبق في شأن قوم لوط وفي شأن قوم شعيبٍ عليهما الصّلاة والسّلام هذا يدل على هذا القول وأمّا القول الآخر الّذي سبق ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ﴾ (هود: 28) أي : منه سبحانه ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (هود: 29) فربي لا يظلم أحداً سبحانه عزّ وجلّ.
قال الشّيخ حفظه الله
قال الله هنا ﴿قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (هود: 32)
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (هود: 33) أي : ولو شاء ربّك جعل النّاس أمةً واحدة أي : على التّوحيد لجعلها كما تقدّم معنا في سورة يونس ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99) [سورة يونس:99] وهذا من التّناسب بين ختام السّورتين.
قال ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99) قالوا هنا (بسبب اتّباع الهوى والبغي) ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) أي : من رحمهم الله بالتّوفيق والهداية فإنّهم لا يختلفون في توحيده سبحانه وقوله ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) بعد ذكر الاختلاف فيه أنّ الاجتماع رحمةٌ وأنّ الاختلاف مذموم، وأنّ الاختلاف نقمةٌ هذا هو الأصل، ولذلك ما ورد من رواية (اختلاف أمتي رحمةٌ) فهي روايةٌ باطلةٌ لا تصحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولذلك لا يدعى النّاس إلى الاختلاف وإنّما يدعى النّاس إلى الاجتماع والائتلاف هذا هو الأصل، ولذلك لما قيل لأهل السّنّة (أهل السّنّة) زيد في الوصف فقيل (أهل السّنّة والجماعة) لأنّ السّنّة تجمعهم ولا تفرّقهم ولذلك أهل الطّاعة وأهل السّنّة الّذين يتبعون الحقّ مجتمعون وإن تفرّقت بلادهم وأبدانهم؛ وأمّا أهل المعصية فهم أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم جاء ذلك عن قتادة رحمة الله تبارك وتعالى ومعناه صحيحٌ ومعروف
قال الله ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) ولكن يقال : أمّا المختلفون فقد يكونون مرحومين كالاختلاف في المسائل الفقهيّة أو المسائل الّتي تحتمل وجهات النّظر وما إلى ذلك فهذا العالم يؤديه اجتهاده إلى قولٍ في المسألة والعالم الآخر يؤديه اجتهاده إلى قول آخر في المسألة فيكون هذا من رحمةِ الله بالعباد ومن التّخفيف عنهم ويكون المجتهد المصيب له أجران والمجتهد المخطئ له أجرٌ فمن هذا المنطلق يكون المجتهدون مرحومين لا أنّ الاختلاف من حيث هو يكون مطلوباً؛ ليس كذلك بل الأصل ﴿إِلَّا﴾ يسعى الإنسان إليه.
قال الله ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35) ولذلك هنا راعوا في التّفسير إذ قالوا فإنّهم لا يختلفون في توحيده لأنّ هذا مما لا يقبل الخلاف فهناك اختلافٌ لا يقبل - لا يقبل بحالٍ من الأحوال الاختلاف في التّوحيد والاختلاف في أصول المعتقد فهذا لا يقبل فيه الاختلاف وإنّما على المسلمين أن يجتمعوا فيه على الحقّ والصّواب.
قال الله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36) اختلفوا في اسم الإشارة ولذلك على ما يعود؟
1-فمنهم من قال ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (هود: 37) أي : - الرّحمة - المستفادة من قوله ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34) فالله خلقنا من أجل الرّحمة من أجل أن نرحم
2-وبعضهم قال : (ما قدّر الله من الاختلاف) لأنه متحدث عنه في قول ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99) لذلك قالوا هنا : (ولذلك الاختبار بالاختلاف خلقهم) وهذا فيه أنّ الاختلاف مقدّرٌ فالإنسان لا يسعى إليه ولكنّه واقعٌ فمهما رام النّاس ورام بعض الأفاضل أن يجمعوا النّاس كلهم على الحقّ فإنّ هذا لا يتحقق لهم لكنّ هذا لا يصدهم عن السّعي إليه لأنّه كلّما اتّبع أحدٌ الحقّ كان في ميزانهم وكان عملًا صالحًا يعملونه لكنهم يجتمعون على كلمة الحقّ والهدى قال الله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36).
ولذلك هنا قد يأتي سائلٌ ويسأل يسأل فيقول كيف هذا والله قال ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) فبيّن هناك أنّ الخلق ما خلقوا إلا من أجل العبادة، وهنا قال ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36).فبيّن أنّه خلقهم من أجل هذا؟
فيقال والعلم عند الله :- أنّ اللّام تختلف فهناك في قوله ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) المراد به الإرادة الشّرعيّة أو المراد به ما أراده الله شرعاً أي : ما خلقنا الله إلا من أجل أن نعبده؛ وإلا فمن النّاس من خلقه الله ولم يعبد الله سبحانه وتعالى إذًا ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) وقد يتحقق في بعض الخلق أن يعبدوا الله، ومنهم من لا يعبد الله سبحانه وتعالى فهناك لبيان الغاية ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (هود: 39) أي : لغاية العبادة لمقصد العبادة؛
وأمّا هنا ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36) فباعتبار الأمر القدريّ الّذي هو واقع ولا محالة وهو وجود هذا الاختلاف، وإن كان كما قلت ليس مسوّغًا للإنسان في ﴿إِلَّا﴾ يسعى إلى الائتلاف والاجتماع ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والصّواب.
ولذلك كما تقدّم في بعض المناسبات لا ينبغي أن يعوّل الإنسان على ما أراده الله قدرًا لأنّ الإنسان مطالب بما أمره الله به شرعًا فمثلًا إذا وقع ظلمٌ أو بغيٌ أو قتلٌ أو ذنبٌ لا يقول الإنسان : لو قدّر الله سبحانه ما أذنبنا ولو قدّر الله ما وقع هذا من المعصية؛ بل يقال له : اتّق الله واعمل الطّاعة واترك المعصية لذلك قالوا : لا يستدل بالقدر في باب المعايب إنمّا يستدل به في باب المصائب وتفصيل ذلك تقدّم في مناسبات أخرى والعلم عند الله قال الله سبحانه ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40)
﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود: 41)أي : الّتي قضاها في الأذى مما قدّره الله سبحانه ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (هود: 42)أي : من الجنّة والنّاس ﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43) أي : ممن يستحق ذلك فقوله ﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (هود: 44) من هذا وذاك ممن قدر الله عزّ وجلّ عليهم دخول النّار.
﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (هود: 45)
أي : نقصّ كلًا لكن قدّم وكلًّا اهتمامًا بهذا ﴿قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (هود: 46)
في ختام السّورة الكريمة بيّن الله عزّ وجلّ لنا بعض مقاصد القصص لماذا يقصّ الله علينا القصص؟ ولماذا يقص الله علينا قصص الأنبياء والمرسلين؟
قال ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) فمن فوائد قصص القرآن ولا سيّما قصص الأنبياء والمرسلين تثبيت الفؤاد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) وقلوب المؤمنين بحاجة إلى هذا التّثبيت ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (هود: 47) وأفئدة المؤمنين.
﴿قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: 48) قالوا أي : في هذه السّورة ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: 49) وجاءك في هذه السّورة الكريمة الحقّ أيضًا، فمن فوائد قصص القرآن قصص الأنبياء والمرسلين :-
1- أن يذكر الله الحقّ والقول الفاصل في هذا القصص؛ لأنّ الكتب السّابقة وقع فيها تحريفٌ وتغييرٌ فتقص قصص الأنبياء على وجه غير صحيحٍ في كثير من الأمور فيأتي القرآن ليفصل بينها
2-قال ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) من فوائد القصص أيضًا الوعظ والتّرغيب والتّرهيب والزّجر والتّقريب والتحفيز.
3-قال ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) وأيضًا ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) كما قال الله في ختام سورة يوسف ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) [سورة يوسف:111].
قال ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111)
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) وأيضًا ما جاء (إنا عاملون على مكانتنا) لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في تقدّمٍ دائماً ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 90) وهذا فيه ما ذكره شعيبٌ عليه السلام في السّابق كما قال الله عزّ وجلّ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 90) [سورة الأنعام:90].
ثمّ قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 90)
الجمع بين الأمر بالعبادة والاستعانة وهذا تقدم قريبًا في قول شعيبٍ عليه السلام حينما قال ﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (هود: 51) وهنا يأمر الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بأن يردد هذا ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52) وهذا مناسبٌ أيضًا لأول السّورة الكريمة من ذكر الدّعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وأيضًا ﴿قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 53)
وهنا ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: 54) والعلم عند الله تبارك وتعالى وبهذا نكون قد فرغنا بفضل الله سبحانه ومنته من التّعليق على تفسير السّورة نعم.
من فوائد الآيات
· بيان الحكمة من القصص القرآنيّ وهي تثبيت قلب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وموعظة المؤمنين : قال الله سبحانه ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ (هود: 55)
· انفراد الله تعالى بعلم الغيب لا يشركه فيه أحدٌ قال الله سبحانه ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56) وهذا الانفراد جاء من تقديم ما حقّه التّأخير فالمعنى : ولله وحده غيب السّماوات والأرض.
· وبهذا بفضل الله سبحانه وتعالى نكون قد انتهينا من التّعليق على تفسير سورة هودٍ ونسأل الله الإعانة والتّوفيق وبإذن الله تبارك وتعالى نبدأ في الدّرس المقبل في التّعليق على تفسير سورة يوسف عليه السلام
وأسأل الله أن يرزقنا العلم النّافع والعمل الصّالح وأعتذر إليكم عما وقع في الدّرس الماضي بسبب تعطّل الكهرباء وعدم التّمكّن من الإعتذار إلى وقتٍ بعيدٍ من اللّيل فنسأل الله القبول والتّوفيق، وبإذن الله تعالى سنبدأ الدّرس المقبل يوم السّبت من السّاعة التّاسعة ليكون الدّرس بإذن الله تعالى من بداية السّاعة التّاسعة بالتّوقيت المصريّ.وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.