سورة يوسف — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تَفْسِيرُ سُورَةِ يوسف
قال الشيخ حفظه الله
التعريف بالسورة
سورة يوسف سورة مكية أي نزلت قبل هجرة النبي ﷺ وقد نقل بعض العلماء الاتفاق على ذلك فهناك اتفاق وإجماع على أنَّ هذه السورة الكريمة سورة مكية نقل ذلك الخازن والبقاعي وغيرهما من أهل العلم ويشهد لذلك :-
1-جو السورة الكريمة ومقصودها وما فيها من دلائل
2-ويشهد لذلك أيضًا سبب نزول السورة الكريمة وقد جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن بعض الصحابة قال للنبي ﷺ لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) ﵝيُوسُف : ﵓﵜ وقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل الله قوله ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ﴾ (الزمر: 23) ﵝالزُّمَر : ﵓﵒﵜ فهذا يشهد لكون السورة مكية نزلت قبل هجرة النبي ﷺ.
وهذه السورة الكريمة تتميز بخصائص كثيرة منها
1- أنها خالصة في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، فالسورة كلها في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في أولها مقدمة ثم في آخرها خاتمة تبين قدرة الله على كل شيء وأنه لا شريك له سبحانه وتعالى وتبين صدق الرسول ﷺ وأن القرآن منزل من عند الله وما سوى ذلك فالحديث كله عن قصة يوسف عليه الصلاة والسلام وهي بهذا أطول قصة من قصص القرآن تجيء بهذا الاسترسال وبهذه الطريقة في سورة واحدة
2-والعجيب أن قصة يوسف عليه السلام لم تتكرر في القرآن الكريم فسورة يوسف من القصص الطويلة في القرآن الكريم وفي الوقت ذاته غير المتكرر؛ لأنَّ قصص القرآن على أنواع فهناك قصص قرآني متكرر وقصص قرآني غير متكرر وهناك قصص تتميز بالطول وقصص تتميز بالقصر وسورة يوسف من القصص القرآني الطويل غير المتكرر وقد ذكر بعضهم أن هذه علامة من علامات الإعجاز فالله سبحانه وتعالى ذكر لنا القرآن الكريم كثيراً من قصص الأنبياء والمرسلين، وكانت القصة لا تذكر كلها في موضع واحد وإنما يذكر من كل قصة ما يناسب مقصود السورة التي ذكرت فيه فيذكر من قصة موسى ما يناسب مقصود السورة ويذكر من قصة إبراهيم ما يناسب مقصود السورة وهكذا.
وأما سورة يوسف فجاءت القصة كلها بهذه الطريقة العجيبة فقالوا هذا فيه إعجاز فالله سبحانه وتعالى يأتي بهذا ويأتي بهذا والمشركون بل الناس كلهم عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن على هذه الصورة وعلى هذه الصورة لا يستطيعون الإتيان بجزء من القصة أو الإتيان بالقصة كاملة.
فحتى لا يقول قائل إنَّ القرآن لا يقدر على أن يأتي إلا بجزء من القصة ولا يتمكن من الإتيان بقصة طويلة فأتتهم سورة يوسف لتكون دالة بوضوح وجلاء على صدق هذا القرآن ولعله العلم عند الله من أجل هذا جاء التعبير عن لقرآن الكريم أو وصف القرآن الكريم في صدر السورة بأنه المبين ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) بخلاف ما جاء في سورة يونس ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (يونس: 1).
فسورة يوسف قال الله فيها ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) فهو كتاب ظاهر ومظهر للحقائق ومظهر لأنَّه من عند الله سبحانه وتعالى وليس من كلام النبي ﷺ فليس للرسول منه إلا التبليغ ﷺ هذا بالنسبة لسورة يوسف.
وسورة يوسف سورة جليلة وعظيمة ولذلك قال بعضهم كعطاء (لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح) حينما يسمعها وذهب عنه حزنه.
بل قيل إنَّ هذه السورة مما يتفكه به أهل الجنة فالسورة لها مكانتها ولها قدرها وفيها فوائد جمة ودروس عظيمة.
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا في التفسير من مقاصد السورة (الاعتبار بلطف في تدبير الله لأوليائه وتمكينهم وحسن عاقبتهم).
وقلنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ من محاسن ما في المختصر أنهم يعنونون بهذا العنوان (من مقاصد السورة) فالحديث عن مقصود السورة حديث مهم لأنَّه يجعل الإنسان يقف على موضوعات، ويستطيع الربط بينها ومن ثم يستطيع فهمها فهما جيداً.
والأمر الثاني أنهم يقولون من مقاصد السورة لأنَّ باب المقاصد باب إجتهادي فقد يظن ظان أن مقصود السورة كذا ويقيم على ذلك أدلة ويأتي آخر فيقول : بل مقصود السورة كذا يأتي على ذلك بأدلة ويكون لهذا وجهته ولهذا وجهته ويكون لكل من القائلين بهذا ما يستند إليه مما يدعمه والعلم عند الله تعالى، وذلك لأنَّ القرآن حمَّال وجوه، ولأنَّ القرآن ذو معان كثيرة وغزيرة لا تتناهى ولا تتقاسم.
قالوا من مقاصد السورة (الاعتبار بلطف في تدبير الله لأوليائه وتمكينهم وحسن عاقبتهم).
ويشهد لهذا أنه في ختام قصة يوسف عليه السلام قال يوسف ﴿إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ (يوسف: 100)فكل ما جرى في السورة من لطف الله بيوسف،ويوسف عليه السلام رسول مبارك وعلى ذلك فهو من أجل أولياء الله الصالحين فالرسل والأنبياء أعظم أولياء الله سبحانه وتعالى وبناء عليه فإنَّ الله يؤيد أولياءه ويلطف بهم ويفرج كرباتهم هذا كله نستفيده من السورة ولذلك كما سمعت منذ قليل أنَّ المحزون إذا قرأ تلك السورة ذهب عنه حزنه.
بعضهم قال من خصائص هذه السورة أنها سورة التفريج بعد الشدة، ولذلك تجدون أن الله حينما ذكر قصص الأنبياء والمرسلين يذكر غالبًا هلاك الكافرين والظالمين ويذكر نجاة المؤمنين والموحدين.
وأما في السورة فكلها في مقام النجاة وفي مقام النصرة وفي مقام السلامة وفي مقام التأييد بفضل الله سبحانه وتعالى حتى إخوة يوسف مع ما وقع منهم تيب عليهم وغفر الله لهم وقال لهم يوسف ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (يوسف: 92) ﵝيُوسُف : ﵒﵙﵜ
إذًا كل هؤلاء المذكورين في السورة الكريمة ليسوا في مقام هلاك ولا في مقام تدمير؛ وإنَّما كانت السورة كلها قائمة على تفريج الكربة وإزالة الغمة وما إلى ذلك فلذلك قالوا (الاعتبار بلطف تدبير الله لأوليائه وتمكينهم) ولذلك قال ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (يوسف: 56) فالسورة تبين أن الله يمكن لأوليائه وأيضا حسن العاقبة ولذلك قال يوسف في آخر القصة ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ ﵝيُوسُف : ﵑﵐﵑﵜ إذًا من مقاصد السورة الاعتبار بلطف تدبير الله لأوليائه.
إذا عليك أن تكون وليا لله بأن تكون مؤمنا تقيا بأن تعمل الصالحات فإذا كنت كذلك فأبشر؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أبشر بتفريج كربتك، وإزالة غمتك أبشر بزوال همك ونصر الله لك وتأييده لك فهذا كله مما تدعونا إليه السورة ولذلك في السورة فيها تسلية للرسول ﷺ وتفريج له ولذلك رغب الصحابة في أن يقص عليهم الرسول ﷺ قصة فأنزل الله تلك السورة وقال الله في شأنها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3)
وقد اختلف العلماء في المقصود بقوله ﴿أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) فقيل :-
1-سورة يوسف لأنَّها تتميز عن بقية القصص ببعض المزايا والخصائص منها ما ذكرت أن القصة جاءت مكتملة في هذه السورة، وأنها سورة في باب تفريج الكربة وأن هذه السورة في مقام النجاة من كل وجه إلى غير ذلك.
2-وبعضهم يقول ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) يعني القرآن الكريم فالقرآن كله أحسن ومنه سورة يوسف عليه السلام لكن القرآن الكريم والقصص الأحسن ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) كأنه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف وكأنَّ أصل الكلام ( نحن نقص عليك القصص الأحسن ) هذا الذي ذكروه له وجه كما قلت.
ونقول أنه من مقاصد السورة :- تفريج الكربة والبشارة للمؤمنين وبناء عليه فهي سورة تسره المؤمنين حينما يرى الإنسان ما لاقى يوسف عليه السلام في البداية يباع بعد أن كان في مقام رفيع وهو ولد لنبي كريم ويوسف كما H0.
هذه ابتلاءات متعددة ولكن الله سبحانه وتعالى أعزه قال ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55) ﵝيُوسُف : ﵕﵕﵜ فجعله الله على خزائن الأرض وهذا مقام رفيع في الأمور الدنيوية وصار يُسمع له ويُطاع وهؤلاء الذين ألقوه في غيابة الجب ماذا كان جزاؤهم؟ قالوا تصدق علينا ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ (يوسف: 88) ﵝيُوسُف : ﵘﵘﵜ حين تتذكر هذا أن الذي امسك به وأُلقى به في غيابة الجب هذه الأيدي التي فعلت ذلك هي الأيدي التي تقول ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف: 88) فهذا يدلك على أنه مع العسر يكون اليسر بفضل الله سبحانه وتعالى وأنه مهما ضاقت الأمور فإنها تتسع (إذا ضاقت اتسعت) وأنَّ الله لا يخذل أولياءه وأن العاقبة للتقوى وأن العاقبة للمتقين فهذا كله يستفاد من السورة فهذا تسلية للرسول ﷺ فالرسول أوذي وطرد أو أرادوا إخراجه من بلده كما خرج يوسف عليه السلام من موقعه ثم رد الله رسوله ﷺ فاتحا وفتح مكة وأيده ونصره وهكذا تعرض الرسول محمد ﷺ للأذى من أقرب الناس إليه من عمه أبي لهب، وكذلك يوسف عليه السلام تعرض للأذى من أقرب الناس إليه وهم إخوته إلى غير ذلك مما يستفاد من هذه السورة الكريمة الجليلة.
2-وبعض العلماء يرى أن هذه السورة الكريمة مقصودها هو الحديث عن الإحسان وهذا قول ثان في مقصود السورة إذا فرغنا الآن من هذا المقصود الذي ذكروه والمقصود الثاني الذي ذكره بعض العلماء أو بعض من يتحدث عن مقاصد السور ويعتني بها يقولون أن السورة الكريمة تتحدث عن مقصد الإحسان.
فالسورة تدعو إلى الإحسان ويشهد لذلك أنه في أولها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) فقالوا أن التعبير بقوله ﴿أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) ليس المراد به أنها القصص من حيث البيان والبلاغة وفقط؛ وإنَّما المراد أنها أحسن في دعوتها إلى الأحسن - دعوتها إلى العمل الأحسن - وفي دعوتها إلى الإحسان، وأنت ترى ذلك فيما جاء في وصف يوسف عليه السلام بالإحسان في مواضع عديدة ومواقف كثيرة ومن جهات مختلفة فمن ذلك ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 22) ﵝيُوسُف : ﵒﵒﵜ ففيه إثبات أن يوسف محسن وأن الله يكافئ عباده المحسنين.
﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 36) ﵝيُوسُف : ﵖﵓﵜ فهذا يقوله أصحابه في السجن الفتيان.
وقال ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 56)
وقال ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 78) حتى إخوته الذين فعلوا به ما فعلوا يصفونه بالإحسان.
وفي الختام ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 90)
هذه خمسة مواضع جاء فيها التنصيص على أن يوسف عليه السلام من المحسنين من جهات متعددة وصفه الله بالإحسان ووصفه كذلك أصحابه في السجن ومن المعروف أنه في مثل هذا المقام تظهر حقيقة الإنسان ففي هذه الصعوبات وفي وجوده في السجن يحكمون له بأنه محسن ويستفتونه ويطلبون منه تعبير الرؤى وما ذلك إلا لظهور إحسانه ظهورا جلياً وواضحاً يجعل القاصي والداني يشهد به، وكذلك وصفه بذلك إخوته حينما رأوا من معاملته مع أنهم أساءوا إليه بما أساءوا به كما لا يخفى، فقالوا إذًا هذه السورة الكريمة سورة الدعوة إلى الإحسان فمن أراد أن يتعلم الإحسان فليتعلمه من يوسف عليه السلام ولم لا؟ وقد أحسن إلى إخوته هذا الإحسان ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (يوسف: 92) ﵝيُوسُف : ﵒﵙﵜ وهو في مقام القدرة والقوة وهم في مقام الضعف والحاجة ومع ذلك فإنه عليه الصلاة والسلام أحسن إليهم أيما احساس بل حينما ذكر لأبيه ما ذكر ﴿وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ﴾ (يوسف: 100) تأمل تذكر إحسان الله إليك لأنه من أقوى ما يدعو المحسن إلى الإحسان أن يتذكر إحسان الله فإذا تذكر العبد إحسان الله أحسن إلى خلق الله، وإذا أحسن العبد إلى الخلق أحسن إليه الحق سبحانه؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل قال ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ (يوسف: 100) ﵝيُوسُف : ﵐﵐﵑﵜ تأمل ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ (يوسف: 100) ولم يقل إذ أخرجني من غيابة الجب فلم يذكر ما كان متعلقا بإخوته لم يُذكِّرهم بما وقع منهم إنَّما قال﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ (يوسف: 100) ولم يكن لهم علاقة بهذا الأمر.
وقال أيضًا ﴿مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ (يوسف: 100) جعل نفسه مشتركا في الأمر مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ جعل هذا من نزغ الشيطان لم ينسبه إليهم، وقال ﴿بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ (يوسف: 100) كأنه طرف مع أنه المجني عليه والمظلوم ولم يسيء إليهم في شيء عليه الصلاة والسلام.
إذا من أراد أن يتعلم الإحسان فليتعلمه من سورة يوسف ومن كان مكروبا ومهموما ومغموما فليقرأ السورة الكريمة فإنَّ فيها تفريج الكربة وكذلك من رام تمكيناً ومن رام أن ينصره الله وأن يؤيده الله وقد ظُلم وقد أُسيء إليه فليقرأ سورة يوسف فإنها تطمئن فؤاده بفضل الله سبحانه وتعالى.
3-بعض العلماء يرى أن مقصود السورة الكريمة الدلالة على أن القرآن منزل من عند الله سبحانه وتعالى ولذلك قال في أول السورة ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) فقالوا الحديث فيها عن القرآن وبيان أن القرآن منزَّل من عند الله وبيان قدرة الله عز وجل على إنزال القرآن لِمَ؟
لأنَّ الله أدار الغيب كيف يشاء، وهذا ذكره في مسألة القرآن ذكره البقاعي رحمة الله تعالى بمعنى أن هذه الأمور الغيبية لم يكن في ظن أحد أن تجري بهذا المجرى أو بهذه الطريقة من كان يظن أن هذا الذي يلقى في غيابة الجب سيصير عزيزا وسيصير كذا وكذا، ومن كان يظن أن الذين القوة سيأتون محتاجين إليه وسيأتون طالبين منه العفو وطالبين منه الصدقة يأتون طالبين منه العطاء من كان يتوقع ذلك؟ إذا هذا فيه قدرة الله المطلقة أن الله قادر فهو الذي يؤتي الملك وهو الذي ينزع الملك وهو الذي يعز وهو الذي يذل سبحانه وتعالى وفي ذلك دليل على أن القرآن منزل من عند الله لذلك في أول السورة حديث عن القرآن ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) وفي آخر السورة ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ (يوسف: 102) ﵝيُوسُف : ﵒﵐﵑﵜ فهذا يدل أيضًا على أن هذه من أنباء الغيب أوحاه الله عز وجل إلى الرسول ﷺ وقال في آخر السورة ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ (يوسف: 111) ﵝيُوسُف : ﵑﵑﵑﵜ في أن هذا القرآن ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ ولكنه من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) ﵝيُوسُف : ﵑﵑﵑﵜ فهذا فيه دلالة على أن القرآن منزل من عند الله تبارك وتعالى، إذًا عندنا للعلماء أقوال في مسألة المقصود من هذه السورة الكريمة وكما ترون فإنه لا إشكال في حملها على هذا كله فالسورة الكريمة تحوي هذه المقاصد كلها بفضل الله سبحانه وسيظهر لنا ذلك أكثر حينما نقرأ السورة وتفسيرها فنسأل الله العون والتوفيق.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1)
هذه السورة الكريمة افتتحها الله سبحانه وتعالى بالحروف المقطعة وهي متفقة في البداية مع السور التي قبلها أعني سورة يونس وسورة هود عليهما السلام وقلنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إنَّ هذه السور الثلاث تجتمع في أنها سميت بأسماء رسل من رسل الله يونس وهود ويوسف عليهم الصلاة والسلام، والأمر الثاني أنها افتتحت بالحروف المقطعة والحديث عن القرآن الكريم وهذا يدل على الاتصال الوثيق بين هذه السور المباركة.
وأيضا مما يدل على التناسب أن الله قال في آخر السورة التي قبلها وهي سورة هود ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120) ﵝهُود : ﵐﵒﵑﵜ وهنا قال ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) ﵝيُوسُف : ﵓﵜ فانتقال من قصص إلى قصص، وفي آخر سورة يوسف ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (يوسف: 111) ﵝيُوسُف : ﵑﵑﵑﵜ وهذا من العلاقة بين افتتاح السورة وخاتمتها.
﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) تقدم الحديث عنها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، وأنه غالباً يذكر بعدها القرآن الكريم وهنا قال ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) بعضهم يرى أنَّ اسم إلاشارة يعود على السورة أي : تلك السورة أو التي جاء ذكرها بقول ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) وهنا وصف الكتاب وهو القرآن بأنه مبين قالوا هنا (الواضح فيما اشتمل عليه)
فمعنى ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) الواضح فيما اشتمل عليه، وتقدم معنا أنَّ المبين يأتي بمعنيين بمعنى الظاهر والمُظهِر الواضح والمُوضِّح والقرآن واضح وموضِّح فهو واضح في نفسه وموضِّح أيضًا يوضح للخلق حقائق الأمور ويميز لهم بين الهدى والضلال، ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) وفي وصف القرآن بأنه المبين :-
1-دلالة على أن هذه السورة فيها الإبانة عن ذلك.
2-وبعضهم قال : إنَّما قيل له ﴿ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) لأنَّ السورة جاءت بهذه القصة على هذا النحو المعجز الذي يبين أن القرآن من عند الله إذ لا يتأتى لمخلوق على الإطلاق أن يأتي بمثل هذه السورة الكريمة بهذا الطول وبهذا الأسلوب البديع العظيم الجليل وإنما هو كلام الرب سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2)
أنزلنا هذا الكتاب قرأنا عربيا فهو قرآن يُقرَأ فسماه الله بالكتاب وسماه بالقرآن.
وهذا فيه :- أنَّ القرآن يُكتب وأنَّ القرآن يُقرأ وفي قوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا﴾ (يوسف: 2) والضمير يعود على الكتاب هذا فيه أنه لا تنافي بين الكتاب والقرآن، وأنَّ ما قيل له قرآن هو المكتوب، وأنَّ المكتوب هو القرآن الكريم.
وبهذا نرد على الحداثيين في هذه الأيام حينما يزعم بعضهم أننا لا نأمن أن يكون المكتوب هو القرآن الذي نزل فقالوا هناك فرق بينما نزل وقاله الرسول للصحابة شفهياً وبين ما دونوا!!
هذا خطأ بيِّن فقوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا﴾ (يوسف: 2) أثبت له أنه كتاب وأنه قرآن فهو هو لا فرق بينهما.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) فوصف الله القرآن بأنه قرآن عربي نزل بلسان العرب وذلك لأن اللغة العربية أوسع اللغات وأفخمها وأجلِّها فهذا يدل على تميُّز اللغة العربية وعلى سعتها
وقوله ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) يعني :- لعلكم تفهمون معاني القرآن إذًا الأصل أنَّ مَنْ تكلم بلغة عربية فهم كلامه من أهل اللغة - من أهل اللسان - من أهل العرب - وفيه الاعتزاز بهذه اللغة المباركة التي أنزل الله عز وجل بها القرآن الكريم ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) فربنا يمتن علينا بأنه أنزل القرآن بلساننا الذي نعرفه والذي نقرأ به والذي نكتب به والذي نسمعه ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) ولذلك فعلى المرء أن يعتز بلغته وأن يحرص على تعلمها والنبي ﷺ قال لأصحابه يوما (لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرَابُ علَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ العِشَاءِ، فإنَّهَا في كِتَابِ اللهِ العِشَاءُ يقولون العتمة وهي العشاء ) وكلمة العتمة :- كلمة عربية لكن الذين يقولونها هم الأعراب وأما قريش فإنهم يقولون العشاء وهي لغة القرآن ﴿وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ﴾ ﵝالنُّور : ﵘﵕﵜ.
وكلمة العتمة وردت في كلام النبي ﷺ (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح...) فعبر بها في بعض الأحوال لكن مع ذلك قال (لا تغلبنكم الأعراب على هذا الاسم) يعني لا يكثر كلامكم بكلمة العتمة ليكن أكثر كلامكم بكلمة العشاء مع أنها كلمة عربية، ومع ذلك يريد أن يتكلموا بالأفصح وبالأغلب فكيف بمن يسعد ويفخر حينما يقول (ok ( ويقول ) ( noويقول ما أشبه ذلك) من مثل هذه الكلمات افتخاراً ودون حاجة إلى هذا، ليس هذا منَّا تزهيداً في تعلم اللغات الأخرى بل إننا نحثُّ الطلاب؛ بل ونحن أيضًا نسعى في تعلم ذلك وإتقانه فنتعلم ما تيسر لنا من لغات أخرى هذا جميل وحسن وندعو أولادنا إلى ذلك ونقول تعلموا اللغات وتستفيدون منها لكن ليس هذا على حساب اللغة العربية على لغة القرآن؛ بل اللغة العربية أصل ثم بعد ذلك يستزيد الإنسان ما شاء لمصلحة دينه ولمصلحة دنياه، وللانتفاع بها في وظيفة أو في عمل أو في سفر لا حرج عليه لكن يعتني بلغته لغة القرآن الكريم وأيضا عجيب أن يكون بعض هؤلاء يفهم غير العربية ولا يفهم العربية وهو ينطق بلسان عربي لأنه منذ الفصول الأولى الدراسية صار يكره لغته ويتعلم لغة غيره أو لغة أخرى فصارت اللغة العربية ثقيلة عليه يشمئز منها ويرى أنها صعبة وأنها شاقة فهذا في الحقيقة من الشيء الذي يحزن القلب والفؤاد ومن الشيء الذي يجعل الإنسان يتأثر غاية التأثر ﴿إِلَّا﴾ يا أمة العرب إن لغتكم لغة القرآن العظيم وكفى ويكفينا هذا والحمد لله فاللهم لك الحمد على هذه المنة وعلى تلك النعمة.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (يوسف: 3)
تقدم منذ قليل أنه يحتمل أن المراد بقوله ﴿أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3)
1-قصة يوسف عليه السلام وذلك أن الصحبة طلبوا من النبي ﷺ أن يقص عليهم (لو قصصت علينا فأنزل الله السورة) وهذه الرواية أخرجها البزار وأبو يعلى من حديث سعد بن أبي وقاص وحسَّنها البوصيري وابن حجر وغيرهما.
2-أو أن يكون المعنى ﴿أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3) والقرآن كله أحسن القصص بدليل قوله بعد ذلك ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ﴾ (يوسف: 3) فقالوا المراد به هذا القرآن أي :- المنزل أو أن يكون هذا القرآن الذي أنزل بهذه السورة الكريمة.
﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (يوسف: 3) أي :- وإنك كنت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إنزاله من الغافلين عن هذا القصص لا علم لك به، لم يكن الرسول محمد ﷺ على علم بقصة يوسف حتى أنزلها الله إليه لذلك قال ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ (يوسف: 102) ﵝيُوسُف : ﵒﵐﵑﵜ فلم يكن الرسول ﷺ يعلم قصة يوسف.
تحليل مقارن وربط بين السور
ولذلك بعضهم قالوا (من مقاصد السورة بيان أن القرآن حق )؛ لأنَّه لا علم له بهذه التفاصيل وبهذه القصة من أين له أن يتأتى به؟ وحينما تقارن قصة يوسف بغيرها في الكتب الأخرى تجد الفرق الكبيرة والبون الشاسع بين هذه العظمة وبين هذا الجلال الذي ذكره القرآن الكريم في هذه القصة المباركة.
﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (يوسف: 3) تأملوا هنا ماذا قالوا في المختصر؟ قالوا (وإنك) فجعلوا إن هي إن المخففة من الثقيلة التي أصلها إنَّ التي تفيد معنى التأكيد، والدليل على ذلك :-
1-المعنى والسياق لأن المقام في مقام إثبات ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ غافلاً يعني لا يعلم.
2-ولدخول اللام التي نقول لها اللام الفارقة ﴿لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (يوسف: 3) وقلنا إنها تفرق بين إن المؤكدة وبين إن النافية وقوله ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (يوسف: 3) ما المراد بالغفلة؟ وما معنى وصف الرسول بالغفلة؟ عدم العلم إذا قد يسأل سائل وH0
فنقول إنَّ الغفلة المثبتة هنا المراد بها عدم العلم بالأمر الغيبي وأنَّى للرسول أن يعلم الغيب حتى يعلمه الله به فلم يكن على علم كقوله سبحانه وتعالى ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا﴾ (هود: 49) ﵝهُود : ﵙﵔﵜ فهذا معناه، وكقول ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ (الشورى: 52) ﵝالشُّورَى : ﵒﵕﵜ فهذا معنى وهذا أيضًا معنى قوله ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ (الضحى: 7) ﵝالضُّحَى : ﵗﵜ لم تكن عالما بطريق الهداية فهداك الله سبحانه وتعالى إليه
أما النهي عن الغفلة فهي ترك الذكر وترك العبادة وترك الطاعة والرسول ﷺ موصول بالله وثابت على طاعة الله عز وجل.
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4)
بداية القصة واستفتاح القصة فيه ذكر الرؤيا وآخر القصة فيه تعبير الرؤيا وأنها تحققت فهذا من المناسبة بين المطلع والمقطع وبين البداية والنهاية ففي أول القصة ذكر الله رؤيا رآها يوسف عليه السلام وكل ما جرى في القصة تحققت به هذه الرؤية بفضل الله ﴿هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا﴾ (يوسف: 100) ﵝيُوسُف : ﵐﵐﵑﵜ ولذلك رؤيا الأنبياء وحي كما جاء H1.
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ﴾ (يوسف: 4) يا أبتي من باب التأدب مع أبيه ومع أن أباه حاضر معه؛ لكنَّه ناداه وكأنه غائب عنه أو يستدعيه وهذا زيادة في الأدب والتقدير وأيضا ليقبل عليه إقبالا جليا.
﴿إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) وجاء تفسير ذلك وتعبيره بعد ذلك أن ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ (يوسف: 4) هم إخوته ﴿وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أبواه ﴿رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) وكرر كلمة ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) مع أنها مذكورة في البداية ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) ثم قال ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) قالوا هذا معروف في اللغة إذا طال الكلام فيكون من باب التأكيد قال ﴿إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4).
وقال بعضهم بدأ بقول ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ (يوسف: 4) ثم ترقى إلى الأعلى بعد ذلك فبدأ بالإخوة ثم ترقى بعد ذلك بأبويه لأنهم أعلى شأنا وأعظم منزلة.
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات :
· الحكمة من نزول القرآن عربيا أن يعقله العرب ليبلغوه إلى غيرهم قال ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) فإذا لم يتعلم أولادنا اللغة، ولإذا لم نتعلم اللغة العربية فكيف نعقل القرآن؟ وكيف نبلغ القرآن؟.
· اشتمال القرآن على أحسن القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3)
قال الشيخ حفظه الله
﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5)
هذا من فقه يعقوب عليه الصلاة والسلام ﴿لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ﴾ (يوسف: 5) هذا فيه أن يعقوب عليه السلام علم أنَّ هذه الرؤيا تنبئ عن مستقبل عظيم وجليل ليوسف عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الذي يجعله في هذا المقام يدل على أنَّه مقام شريف، ومثل ذلك لا ينبغي أن يخبر به كل أحد ولذلك علمنا الرسول ﷺ ( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فلا يخبر بها إلا من يحب ) فيعقوب عليه السلام أراد من يوسف أن يكتم ذلك لئلا يحسده إخوته، كيف وقد حسدوه! وإن لم يعلموا بالرؤيا! فكيف ولو علموا؟.
فقال ﴿لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا﴾ (يوسف: 5) أي فيدبروا لك مكيدة حسداً منهم ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5) واضح العداوة.
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ﴾ (يوسف: 6)
﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي :- كما رأيت تلك الرؤيا يختارك يا يوسف ربك سبحانه وتعالى فقوله ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ يعني كما رأيت تلك الرؤيا كذلك أيضًا ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ (يوسف: 6)
قالوا هنا في قوله ﴿مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ (يوسف: 101) (ويعلمك تعبير الرؤى)
1-فالمراد بتأويل الأحاديث تعبير الرؤى وقد ظهر ذلك جلياً في حياة يوسف عليه السلام حتى في السجن ظهر له أثره؛ بل وكذلك ظهر في مستقبل مصر وفيما تعلق بالأزمة التي مروا بها والتي أزالها الله عنهم بفضله سبحانه وتعالى بهذه البركة التي منَّ الله عز وجل بها على يوسف عليه الصلاة والسلام حين أرشدهم إلى ما عليهم أن يصنعوه في زرعهم كما سيأتي بيانه بإذن الله تبارك وتعالى.
2-وبعض العلماء يقول معنى قوله ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ (يوسف: 6) أي :- معاني كتب الله وسنن الأنبياء فالأحاديث يحتمل أن يراد بها الوحي مما يوحيه الله إلى الأنبياء ويكون المعنى بالتأويل :- التفسير فيعلمك الله أيضًا معاني الوحي ومعاني الكتاب أو الكتب.
قال ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ﴾ (يوسف: 6) وهنا تعبير عن الجد بالأب وهذا مشهور ومعروف ومنه قوله ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (الحج: 78) ﵝالحَج : ﵘﵗﵜ وهو جدنا عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (يوسف: 6).
﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (يوسف: 7)
أي :- في خبر يوسف وخبر إخوته آيات للسائلين ﴿ءَايَـٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (يوسف: 7) قالوا هنا عبر وعظات ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (يوسف: 7) أي :- للسائلين عن أخبارهم سواء أكان سؤال مقال أم كان سؤال حال.
﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾
﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ (يوسف: 8) بدأت السورة تذكر لنا موقف إخوة يوسف من يوسف عليه السلام وهي أول حلقات هذه القصة التي وقعت ليوسف عليه السلام منذ نعومة أظفاره حين حسده إخوته ﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ﴾ (يوسف: 8) أي إذ قال إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 8)
وقولهم ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ وعطف قوله ﴿وَأَخُوهُ﴾ على ﴿يُوسُفُ﴾ للدلالة على أن يوسف هو مناط الكلام وأنه هو مدار الحديث فأخوه تابع له في ذلك، لذلك لم يجرِ في القصة أنهم فعلوا بأخي يوسف كذا وكذا ﴿أَنَّمَا﴾ كان المدار على يوسف عليه السلام.
وقولهم ﴿أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يوسف: 8) إذا لهم محبة عند أبيهم لكن المشكلة أن أباهم يحب يوسف وأخاه أكثر منه كما يرون ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ يعني ونحن جماعة ذوو عدد ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 8) فكيف فضلهما علينا؟ إنا لنراه في خطأ بيِّن حين فضلهما علينا من غير سبب يظهر لنا. أي :- لماذا يفضلهما الأب علينا مع أننا أكثر عدداً دون حجة أو بيان هكذا توهموا! وإلا فإنَّ يعقوب عليه السلام رسول مبارك وبناء عليه فيعقوب عليه الصلاة والسلام لا يظلم أولاده وإنما كما هو معلوم فالأب قد يفضل بعض أولاده أو يعامل بعض أولاده بشيء من الرفق أكثر من الآخر لاقتضاء الأمر ذلك فيوسف عليه السلام طفل صغير وهم كبار يعتمدون على أنفسهم فالأمر المتوقع من ذلك أن يرفق يعقوب عليه السلام بولده يوسف ولا يلام على ذلك؛ لأنَّه ما ظلم بقية أولاده.
من جهة أخرى فيقال والعلم عند الله إن يعقوب ﴿أَنَّمَا﴾ صنع ذلك لما رأى لما بلغه أمر الرؤيا ولما قص عليه ولده الرؤيا أو لفراسة يعقوب عليه السلام في ولده يوسف فعلم أن ولده سيكون له شأن أو سيكون رسولا فكيف يتعامل مع الرسول معاملته مع غير الرسول، مع من سيكون موحاً إليه أو سيكون له شاء فيكون هذا عذراً ليعقوب عليه الصلاة والسلام، لو سلمنا بأنَّه فضَّل بالفعل؛ وإلا فإنَّ هذا ما ذكره إخوة يوسف وليس ما يقتضيه الأمر والعلم عند الله تبارك وتعالى.
على كل حال رأوها جريمة من يعقوب وكان بإمكانهم أن يتعرضوا لأبيهم ويصرحوا له قائلين :- يا أبانا لما تفعل بيوسف ما لا تفعل بنا ولم تتعامل معه معاملة أحسن منا ويجيبهم يعقوب عليه السلام حينئذ لكن الشيطان الرجيم لا يتوقف عنه ويكيد للناس حتى يوقعهم في المعاصي فماذا جرى؟
﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾
﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ﴾ (يوسف: 9) وهذا كلام شديد ﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ﴾ (يوسف: 9) يوسف هذا أخوكم تريدون قتله؟هذا أمر ليس بالهين والمعهود أن الذنب يجر ذنبا آخر ولذلك إذا رأيتم أنهم لم يقعوا في ذنب واحد، وإنَّما في جملة من الذنوب وهكذا المعصية دوما تجر إلى غيرها يظن الظان أنه لن يقع إلا في معصية واحدة وإذ بهذه المعصية لا تتحقق له إلا إذا آتى بثانية وثالثة ورابعة وهكذا ونسأل الله السلامة والعافية.
﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ (يوسف: 9) أي غيبوه في أرض بعيدة أبعدوه عنكم ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف: 9) ما المقصود؟ تأملوا يخلص لكم وجه أبيكم وحينئذ ماذا يكون من الأب يحبكم حباً كاملاً أي غير منقوص لا يلتفت إلى غيركم.
إذًا مقصودهم من ذلك أن يصفو لهم حب أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام ولذلك قالوا ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف: 9) وإلا فإنَّ أباهم كان يلتفت إليهم وكان يحبهم ويقدرهم وتأملوا قولهم بعد ذلك ﴿وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾ (يوسف: 9) بعد أن نقضي عليه بالقتل أو بالتغييب والإبعاد سنتوب إلى الله وسنكون من الصالحين
هذا فيه أن الإنسان إذا اعتذر لنفسه عند الإقدام على الذنب سهل على نفسه الوقوع في الذنب فلذلك الذي يقول بإذن الله سأتوب بإذن الله سأفعلها مرة وسأراجع وأتصدق وأستغفر الله وأتوب إليه فهذا يسهل عليه الذنب وما يدريك أنك ستوفق للتوبة؟ وما يدريك أنك ستعان على التوبة؟ وما يدريك أنك ستعيش إلى أن تتوب؟ كل هذه أمور يغفل عنها كثير من الناس عند الإقدام على المعصية إذًا مما يوسوس به الشيطان للإنسان ويزين له أنه يتذكر التوبة، ويتذكر العزم على التوبة قبل الوقوع في الذنب ليسهل عليه الوقوع في الذنب يقول أنا أعرف أنه خطأ وأنه ذنب لكنني سأعود وسأتوب إلى الله سبحانه وتعالى ﴿وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾ (يوسف: 9) وفيه أيضًا أنه لا ينبغي أن يُتوصَّل إلى مقصد صحيح بوسيلة غير صحيح هذا هو الأصل فهم أرادوا مقصدا جميلا وهو ﴿وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾ (يوسف: 9) وأيضا ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف: 9) هم يريدون أن يفرغ لهم أبوهم وأن يحبهم أبوهم، سلَّمنا لكم بذلك لكن هل معنى ذلك أن تقتلوا الولد أن تقتلوا أخاكم هذا لا يليق.
ولذلك قالوا الوسائل لها أحكام المقاصد والأصل أن الغاية لا تبرر الوسيلة كما يقولون لذلك الأصل أنك إذا أردت شيئًا فلتكن الوسيلة مشروعة حتى تكون الغاية كذلك صحيحة بفضل الله سبحانه وتعالى وهذا الباب معروف في الأصول والقواعد وله مباحثه فأحياناً يباح في الضرورة ما لا يباح في غيرها لكن الضرورة تقدر بقدرها والرخص تناط بمواضعها وهذا له فقهه الواسع والمعروف.
﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ﴾
﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ﴾ (يوسف: 10) كان من أفقههم لا نتجه إلى القتل، القتل شديد لكن أمرٌ أخف ماذا يصنع هذا؟ مع أنَّ قوله أيضًا على باطل، لكن ضرر أخف من ضرر ﴿لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ (يوسف: 10) والذي حمله على ذلك لعله بعض شفقة على يوسف أو استعظام للقتل، فرأى أن القتل شيء عظيم فلنبتعد عنه أو أن يوسف لا يصل الأمر به إلى ذلك مع أنه لا ذنب ليوسف أصلاً يعني حتى لو سلمنا جدلا أن يعقوب عليه السلام وقع منه ما وقع ولا نقول بذلك فما ذنب يوسف عليه السلام؟وهو المحبوب وهو الطفل ما الذنب ما ذنبه؟ ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ (يوسف: 10) هذا يكفي ارموه في قعر البئر ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ﴾ (يوسف: 10) أي بعض المسافرين فالمراد بالسيارة :- المسافرين ﴿إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ﴾ (يوسف: 10) عازمين على ما قلتم بشأنه فهذا أخف ضرراً من قتله لأنه سيسافر ويبتعد عنكم، ولن يعرف عنه أحد شيئًا فيعيش في بلد آخر ويعيش حياته الأخرى بعيداً عنا حينئذ بدأوا في الحوار وكأنَّ المعنى في ذلك أنهم وافق على قوله فوافق إخوة يوسف على رأي هذا القائل وأجمعوا عليه بعد أن دار الحوار بينهم بين القتل أو اطرحوه أرضا أو ألقوه في غيابة الجوع.
ولذلك قالوا هنا في التفسير تأملوا (ولما اتفقوا على ابعاده قالوا ) إذًا هذا مقدر في السياق، وهذا من بديع القرآن الكريم ومن إعجازه أنه لا يسوق كل كلمة أنما يترك للعقل أن يفكر يترك يطلق للذهن التفكير حتى يقول هنا تقدير وهنا شيء يصل بشيء فيجعلك تصل القصة بعضها ببعض وهكذا.
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾ (يوسف: 11)
أى لماذا لا تجعلنا أمناء على يوسف؟ نحن إخوته ونحن أولى الناس به ﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾ (يوسف: 11) نحن مشفقون عليه نرعاه مما يضره وناصحون له بحفظه ورعايته حتى يعود إليك سالما فما الذي يمنعك؟.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (يوسف: 12) دعه يتمتع ويتلذذ ويلعب ﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ (يوسف: 63) نحن سنحفظه بفضل الله سبحانه وتعالى.
﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾
﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ﴾ (يوسف: 13) هذا هو السبب الأول عزيز علي وشاق على أن افارقه وهذا فيه أن يعقوب عليه السلام كان يلتمس فيه النجابة ويلتمس فيه الخير فلا يريد أن يفارقه هذا من جهة هذا عذر وهذا ما لهم فيه حيلة؛ بل هو عين مشكلة فقول يعقوب عليه السلام ﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾ وهم يريدون أن يذهبوا به حتى لا تراه معك لكنه قال ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾ (يوسف: 13) هذا عذر آخر فأجابوا عن هذا العذر وتأمل الذي قاله يعقوب هو الذي جاءوا من بعد وادعوه فما الذي ادعوا؟ ﴿فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ (يوسف: 17) ﵝيُوسُف : ﵗﵑﵜ وهو الذي ذكره يعقوب وحذر منه ولذلك بعضهم استند بهذا وغيره إلى قول بعضهم (البلاء موكل بالمنطق) يعني أحياناً يذكر الإنسان شيئًا فيُبتلى بهذا المنطق الذي نطق به وكأنه لقنهم الحجة التي تعللوا بها فيما بعد وهي شبهة داحضة وأبطلها عليهم عليه الصلاة والسلام ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾ (يوسف: 13) وسبحإن الله من كرم يعقوب أنه يعتذر لهم بأنه إذا أكله الذئب فأنتم عنه غافلون ليس عن عمد وقصد فلستم في موضع التهم.
﴿قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾ (يوسف: 14)
كيف يأكله الذئب ونحن جماعة؟ إنا في هذه الحال لا خير فينا فنحن خاسرون إذا لم نمنعه من الذئب كل هذا يستحثونه على أن يترك يوسف عليه السلام ليرتع معهم ويلعب.
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات :
1. ثبوت الرؤيا شرعا وجواز تعبيرها وهذا في قوله ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5) ولذلك فعندنا في السنة أحاديث كثيرة في تعبير الرؤيا بل هناك كتاب في الصحيح عند البخاري كتاب التعبير في تعبير الرؤى كان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ رؤاهم ويفسرها أو يعبرها لهم صلوات الله وتسليماته عليه.
2. مشروعية كتمان بعض الحقائق إن ترتب على إظهارها شيء من الأذى ولذلك ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا﴾ (يوسف: 5) وقد صحح بعض أهل العلم حديثا للنبي ﷺ (استعينوا على انجاح حوائجكم بالكتمان) وبعضهم أعلَّه ومعناه ظاهر وهو أنَّ الإنسان قد يكتم الشيء للمصلحة الراجحة ومن ذلك ( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فلا يخبر بها إلا من يحب ) قاله نبيكم ﷺ.
3. بيان فضل ذرية آل إبراهيم واصطفائهم على الناس بالنبوة ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ﴾ (يوسف: 6) بهذا اكتفى أصحاب المختصر في الطبعة الجديدة السابعة.
لكن كان معي في السادسة هنا الميل إلى أحد الأبناء بالحب يورث العداوة والحسد بين الإخوة باعتبار ما وقع من إخوة يوسف ﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 8) لكن أحسن أصحاب المختصر إذ حذفوا هذه الفائدة في النسخة الجديدة هذا أولى؛ لأنَّ قولنا الميل إلى أحد الأبناء بالحب كأننا نثبت هذا ليعقوب، وهذا ليس بصريح في هذا الباب بل الأصل فيه خلافه لما ليعقوب عليه الصلاة والسلام من فضل ومكانة لأنه نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
قال الله سبحانه ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ﴾ (يوسف: 15) هنا تقدير لذلك قالوا هنا في المختصر (فأرسله يعقوب معهم) أي وافق يعقوب عليه السلام حينما قال له أولاده ما قالوا وافق وأرسله معهم
﴿وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ (يوسف: 15) أي :-عزموا على رميه في قعر البئر فمعنى ﴿غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ (يوسف: 15) أي قعر البئر وقع ما وقع منهم ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: 15) أوحى الله إليه والله أعلم بطريقة هذا الوحي فمنهم من قال :-إلهام ألهمه الله إياه، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك، وبعضهم قال :-صار بذلك نبياً، وبعضهم قال :-هذا وحي ليس وحي النبوة المهم أنَّ الله طمأنه وأعلمه.
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا﴾ (يوسف: 15) لتخبرنهم بصنيعهم هذا سيأتي وقت وسيأتي زمان ستخبرهم بهذا الحدث الذي وقع منهم وبهذا الذنب الذي اقترفوه ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: 107) أي :- لا يشعرون بك حال إخبارك لهم ولذلك ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ (يوسف: 58) ﵝيُوسُف : ﵘﵕﵜ كما سيأتينا بإذن الله تعالى حين عرفهم يوسف عليه السلام وهم له منكرون فأخبرهم يوسف عليه السلام، وأخيراً قالوا له ﴿أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ (يوسف: 90) ﵝيُوسُف : ﵐﵙﵜ
قال هنا ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ (يوسف: 16)
أي وقت العشاء ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ (يوسف: 16) بكاءً كاذبا ترويجا لكذبهم، وهذا فيه أنَّ البكاء منه ما هو صدق، ومنه ما هو كذب فليس كل بكاء ينبئ عن صدق صاحبه فقد يتباكى الإنسان بكاء غير صحيح وغير مقبول، ولذلك ورد عن الشعبي أو غيره (أنَّه لما أتته امرأة وهي تبكي ) ﴿وَقِيلَ﴾ له :- هلا أفتيت أو هلا قضيت لها؟ قال له (ويحك وما يدريك أنها صادقة! ) وقد قال الله ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ (يوسف: 16) فالقاضي ينبغي له أن ينصت وأن يتأمل، يبحث عن الحقيقة لا- لأنَّ المرأة أو لأنَّ الرجل جاء باكياً أو جاءت باكية فإنَّه يُحكَم له أو لها لا ليس الأمر كذلك.
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ (يوسف: 17) أي :- نتسابق على الأرجل ونترامى بالنبال سواء كان هذا السباق مشياً على الأرجل أو جرياً على الأرجل أو كان برمي النبال ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا﴾ (يوسف: 17) تركناه عند المتاع حتى يحفظه ﴿فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ (يوسف: 17) ذكروا ﴿فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ﴾ وقد حذرةم منه وخشي على يوسف من أن يحدث له ذلك فوجدوا ما يعتذرون به ليعقوب عليه الصلاة والسلام فقال ﴿فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ (يوسف: 17) وهو ما حذرة منه يعقوب عليه الصلاة والسلام.
﴿فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ (يوسف: 17) أي :- بمقرٍّ لنا أو بمصدق لنا لكن الإيمان فيه معنى الإقرار : وما أنت بمقر ﴿لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ لن تسمع كلامنا، ولن تستجيب لنا ولن يكونوا صادقين في ذلك. أي :- فيما أخبروا به لم يُحكِموا الحيلة فكان بإمكانهم أن يمزِّقوا القميص، ثمَّ يؤتى بالقميص ممزَّقا لكنهم كما يقولون أنَّ السارق يترك وراءه ثغرة، وكذلك الكاذب يترك وراءه علامة، كيف وهم يتكلمون مع نبي مبارك كريم وهو يعقوب عليه السلام ذو فطنة وذو علم؟ والأب كذلك يشعر بابنه وبأبنائه كما هو معلوم فقالوا له حينئذ
﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾
﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (يوسف: 18) وضعوا على القميص دما كاذبا؛ ليس هو بدم يوسف عليه السلام بدم غير دمه، قد يكون دم ذبيحة دم شاة ونحو ذلك وتأمل قوله ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (يوسف: 18) وصف الدم بأنه كذب والأصل أنَّه دم مكذوب وأن الكاذبين هم الواضعون له لكن من هذه المبالغة أن الدم نفسه وصف بأنه كذب فكيف بمن وضعه؟
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (يوسف: 83) قالوا هنا في التفسير (ففطن يعقوب بقرينة أنَّ القميص لم يمزق لكذبهم فقال لهم ليس الأمر كما أخبرتم ) ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ فقوله ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ (يوسف: 83) أي :- ليس الأمر كما زعمتم بل زينت لكم أنفسكم أمراً فماذا أصنع وقد أخفيتم يوسف وذهب يوسف؟ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾
قالوا هنا (فأمري صبر جميل) أو صبري صبر جميل ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فيكون خبراً لمبتدأ فصبري صبر جميل ﴿وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: 18) وقوله ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي :- لا شكوى معه.
خلاصة وتثبيت الفكرة
فإنْ قال قائل كيف وقد قال يعقوب ﴿إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (يوسف: 86) فقالوا الشكوى إلى الخالق لا مطعن فيها ولا تمنع الصبر من أن ينسب إلى الجمال؛ وإنما الصبر الجميل لا يكون فيه شكوى إلى الخلق فقوله ﴿إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (يوسف: 86) لا ينافي أن صبره صبر جميل عليه الصلاة والسلام ﴿وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: 18) فاستعان بالله وأعانه الله سبحانه وتعالى.
﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ ماذا عن يوسف عليه السلام؟ وقد ألقي في غيابة الجب وهو صغير ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ أي :- قافلة مارة فالمراد بالسيارة القافلة التي تمر﴿فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ﴾ (يوسف: 19) أي :- بعثوا من يستقي لهم الماء يقال له الوارد يجلب لهم الماء ويستقي لهم ﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ﴾ قالوا هنا (فأرسل دلوه في البئر فتعلق به يوسف عليه السلام)
﴿قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌ﴾ (يوسف: 19) لم يخرج معه الماء، ولم يخرج معه شيء يسير؛ ﴿أَنَّمَا﴾ خرج معه إنسان طفل غاية في الجمال أعطي شطر الحسن كما جاء.
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ (يوسف: 20)
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي :- باعوه فالاشتراء يأتي بمعنى البيع وهذا كثير في القرآن الكريم ومضى معنا مثل ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ﴾ (البقرة: 102) ﵝالبَقَرَةِ : ﵒﵐﵑﵜ قال كثيرون باعوا فقالوا ﴿وَشَرَوْهُ﴾ يعني باعوه ﴿بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: 20) فقالوا :- باعوه قالوا هنا (وباعه الوارد وأصحابه بمصر بثمن زهيد) فالمعنى ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي :- باعوه بعد ذلك حين قدموا مصر باعوه بثمن زهيد وقليل، وبعض العلماء جعل ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ﴾ (يوسف: 20) على أنه بمعنى الاشتراء والمعنى اشتروه من إخوة يوسف عليه السلام
فقال بعض المفسرين وقف إخوة يوسف عند البئر يترقبون حاله لا يسكتون فلما رأوهم قالوا نستفيد بشيء أيضًا فضموا إلى ما صنعوا بيع يوسف عليه السلام فباعوه لكنهم لم يشددوا في الثمن فهذا معنى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ﴾ (يوسف: 20) فرأوا أن الضمير يعود على إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ (يوسف: 20) والذي حملهم على ذلك أن هؤلاء الذين كانوا فيهم من الزاهدين ﴿أَنَّمَا﴾ هم إخوته وبعضهم قال لو كانوا إخوته ما قال ﴿وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ (يوسف: 20) لأن الأمر لا يتعلق به زهد فقط؛ وإنما كانوا من النافلين الطالبين لإبعاده وقتله فقالوا :- ﴿أَنَّمَا﴾ هذا في المارة وفي الذين أخذوه حينما أدل واردهم دلوة وهذا ما اعتمدوه هنا في التفسير
قال ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: 20) بثمن قليل بخس لا يليق ولا يصلح، والأصل أنه حر لا يباع ولا يشترى لكنه عمل معاملة رقيق وليس برقيق قال ﴿دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: 20) وقوله (معدودة) : استفادوا منه أنها قليلة قالوا لأنه إذا عُدَّ دل ذلك على قلته، ولذلك حينما ينبئون عن الكثرة يقولون من غير عَد فمعنى قولهم من غير عَدِّ أو لا يحصى عدداً أو لا يمكن عده فهذا دليل على كثرته؛ لكنَّ قوله ﴿بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: 20) إذا هم يستطيعون عدها دلالة على قلتها ﴿وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ (يوسف: 20) لما زهدوا فيه؟
خوفاً من أن يظهر شيء آخر /أو أن يظهر أصحابه /أو أن يظهر أقاربه فيختصمون معهم فقالوا ننتهي ونبيعه ويكفينا ما نأخذه من ورائه.
قالوا هنا في التفسير (وهذا من تمام رحمة الله به حتى لا فيكون معهم طويلاً ) فكان هذا من رحمة الله ﴿إِلَّا﴾ فيكون مع الباعة والمشترين؛ وإنَّما ينتقل إلى بيت عز، وإلى بيت شرف وإلى بيت له مقامه، وله مكانته في مصر وله سلطانه كما سيأتي بإذن الله تبارك وتعالى بيانه وتفصيله في الآيات.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ﴾ (يوسف: 21) وله شأن ومكانة وله قدر في الملك وفي السؤدد في ما يتعلق بمصر ﴿أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا﴾ (يوسف: 21) أي :- أحسني إليه وأكرميه في مقامه معنا ﴿عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا﴾ (يوسف: 21) ينفعنا في القيام ببعض ما نحتاج إليه أو نجعله بمثابة الولد بأن نتبناه قال ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ (يوسف: 21) قالوا هنا في التفسير (وكما أنجينا يوسف من القتل وأخرجناه من البئر وعطفنا عليه قلب العزيز) لأنه هو الذي اشتراه، ولذلك من الذي اشتراه؟ العزيز، قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ (يوسف: 56) قالوا هنا (مكنَّا له في مصر)
وتأمل قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ (يوسف: 56) ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ قيل؟ قيلت هنا في هذا المقام وهو بمثابة المسترق في بيت العزيز يخدمه وهو سيده أعني العزيز وهي سيدته -أعني - امرأة العزيز لكنَّ الله جعله تمكينا وهو كذلك؛ لأنَّه بداية انتقال من كربة إلى فرجة، ومن عسر إلى يسر فقد كان مضطهداً بقتل أو بضرب وما أشبه ذلك وقد كان معرَّضًا لأن يباع لأسوأ الناس، وقد كان معرَّضا لأن يُفعل به ما يُفعل لكن الله حفظه من هذا كله وصار في بيت سؤدد ومن المعلوم أن من عاش في بيت هؤلاء ينعم ولو خدمهم فكيف هم!