سورة يوسف — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قالوا ﴿عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا﴾ (يوسف: 21) وقال لها زوجها ﴿أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ﴾ (يوسف: 21) إذا هو من بداية الأمر يقول :- ﴿أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ﴾ (يوسف: 21) فيه دلالة على أن يوسف يعيش حياة كريمة عليه الصلاة والسلام فهذه بداية التمكين ولذلك بعض الناس لا يشعر بهذا المعنى فيمكن الله له وهو لا يظن أنه في تمكين؛ لكنَّه تمكين وهو لا يدري لكن هذا التمكين ستظهر آثاره بعد ذلك وذلك فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴿وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ (يوسف: 21) وتقدم تفسيرها وأنَّ فيها احتمالين فتأويل الأحاديث يدخل فيه تعبير الرؤى ويدخل فيه تفسير الكتب المنزلة من عند الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ﴾ (يوسف: 21) سبحانه لا يرد أمر الله أحد ولا يقدر على ذلك أحد وقوله ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ﴾ (يوسف: 21) على من يعود الضمير في قوله ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21) قال بعضهم :- يعود على الله أي :-والله غالب على أمر الله فأمر الله ربي غالب عليه لا يستطيع أحد أن يرد أمر الله وقال بعضهم :- يعود على يوسف أي :- والله غالب على أمر يوسف عليه السلام.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 22)
﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي :- يوسف ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 22) ولما بلغ يوسف سن اشتداد البدن وهذا فيه أنه كان قبل ذلك قبل اشتداد البدن وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ وهو صغير وهو طفل؛ لأنّّ الله قال بعد ذلك ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (يوسف: 22) قالوا (فهما وعلما ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به نجزي المحسنين في عبادتهم لله) وهذا معنى ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 22) وقد نبهت سابقا أنَّه من مقاصد السورة الدعوة إلى الإحسان لذلك كثر وصف يوسف عليه السلام بأنه من المحسنين.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :
· بيان خطورة الحسد الذي جر إخوة يوسف إلى الكيد به والمؤامرة على قتله فأصل ذنبهم الحسد ماذا فعل بهم الحسد؟ محاولة القتل، ثم بعد ذلك الاتفاق على إلقائه في غيابة الجب، ثم على قول بعض المفسرين أنهم باعوه فهذا أيضًا فيه جريمة أخرى ثم بعد ذلك ماذا كان؟ الكذب على يوسف ثم ماذا كان؟ داخل في عقوق الوالد ثم ماذا؟ إدخال الحزن على أبيهم، وظلم أخيهم كل هذه ذنوب جرهم إليها الحسد لذلك احذر أخي الكريم من ذنب واحد فما يدريك لعل هذا الذنب يجر إلى آخر ويجر إلى آخر ونسأل الله السلامة.
· مشروعية العمل بالقرينة في الأحكام لذلك قال يعقوب عليه السلام ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: 18) أين القرينة؟ قالوا هذا الثوب أو هذا القميص أتوا به وهو غير ممزق فكيف يكون يوسف قد قتل أو قد أكله الذئب وترك القميص؟ هل خلعه منه بداية؟ وأتى به على مراحل هذا عجيب!! فكانت هذه قرينة ولذلك يستفاد من القرائن ومما يشهد لذلك قصة سليمان عليه السلام مع المرأتين في مسألة اختلافهما في الابن ولأيهما يكون هذا الولد فإنه عليه الصلاة والسلام أخذ بالقرينة حينما قالت هو ابنها وهذا حفاظاً عليه؛ وأما الأخرى فلا حرج عليها في أن يؤتى بالسكين ويقسمه بينهما نصفين ومن المعروف أنَّ قلب المرأة أو قلب الأم يختلف عن غيرها فحكم بذلك سليمان وهذا من الحكم بالقرائن
· من تدبير الله ليوسف عليه السلام ولطفه به أن قذف في قلب عزيز مصر معاني الأبوة بعد أن حجب الشيطان عن إخوته معاني الإخوة :- سبحان الله عزيز مصر يلطف بيوسف ويرفق به وإخوة يوسف يعادون وإخوة يوسف أبناء من؟ أبناء يعقوب عليه الصلاة والسلام فالبيت بيت نبوة وبيت كرم، وأوذي ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إخوته فيه وهناك عزيز مصر يدعوهم هناك إلى التوحيد وكانوا بعيدين عن ذلك لكنه قدر الله سبحانه وتعالى وربي إذا قضى شيئًا وأراده هيأ أسبابه سبحانه.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23)
تنتقل بنا السورة الكريمة مع هذه القصة الشريفة إلى موقف آخر من مواقف يوسف عليه الصلاة والسلام هذا الموقف يتعلق بإصراره على طاعة الله وترك معصية، وهو في غربة وهو في بلد غير بلده، وفي بيت غير بيته وهو في مكان مع امرأة هذه المرأة هي سيدته ولها مكانتها وقدرها في المكان كله.
قال ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) وتأمل ماذا في القرآن الكريم من صيانة وتعليم للخلق الحياء إذ يقول رب العزة ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) لم يقل وراودته امرأة العزيز ﴿أَنَّمَا﴾ يقول ﴿ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾ (يوسف: 23) بهذه الكناية وبهذا الإبهام وهذا من جلال القرآن الكريم ولذلك قالوا : إنَّ الله حيي يكني بما يشاء سبحانه وتعالى فالمقام لا يذكر فيه التصريح ولا الأسماء وما أشبه ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) ففيه ستر وصيانة أيضًا لشأن المرأة فمع أن المرأة هي التي فعلت إلا أنه في مقام ذكرها تذكر هكذا ﴿ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾ (يوسف: 23) سترا عليها لذلك قالوا إن الإبهام في القرآن له أسباب وذكروا من أسباب الإبهام ما يتعلق بهذا الموضع وهو الستر
وأيضا في قوله ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) فائدة أخرى ﴿هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾ (يوسف: 23) :- فلا لوم عليه، ولا عتب فهي ملكة للبيت وهو مجني عليه وهو مطلوب لا طالب؛ والأصل أن تكون المرأة هي المطلوبة لا الطالبة لكنه هنا في هذا المقام هي التي تطلب وهو في بيتها وهو تحت رعايتها ﴿وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ﴾ أحكمت الأبواب بالتغليق للدلالة على أنها توصد الأبواب من كل طريق فلا يتمكن أحدٌ من الدخول عليهما أو الاطلاع على ما يصنعان والمعنى أنها خططت ودبرت وهيأت ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (يوسف: 23) حينما تتخلى المرأة عن موضع عفتها وحشمتها وحيائها مع فتاها ومع عبدها وهو في هذه المخاطرات، وقد غلقت عليه الأبواب وهي التي تطلبه ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (يوسف: 23) قالوا هنا هلم وتعال إليَّ أقبل علي لكن في التعبير بـ ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) معنى زائد قالوا يفيد معنى الصيحة يعني الصيحة التي تصيح بها المرأة شوقا إلى الرجل فكأنها تكلمت وصاحت وطلبت وغلقت كل هذه مهيجات ومشجعات لفتنة يوسف عليه السلام لكنه النبي الكريم المؤيد ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾ (يوسف: 23) كلمة جليلة ما أجمل أن يرددها العبد في مثل هذه المقامات!
﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾ (يوسف: 23) أي :- أعتصم بالله واستعيذ به مما دعوتيني إليه لا أرتكب معصيته ولا أجترئ على حرمته أو على محارمه وهذا ما علمنا الرسول ﷺ إياه في قوله (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم رجلًا طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) فالذي منع يوسف عليه السلام من ذلك الخوف من الله، مراقبة الله، الاعتصام بالله.
﴿إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ (يوسف: 23) قالوا هنا في التفسير (إنَّ سيدي أحسن إليَّ في مقامي عنده) ففسروا قوله ﴿إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ (يوسف: 23) بسيدي أحسن إليَّ وذلك لأنه قال لامرأته ﴿أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ﴾ (يوسف: 21) فقالوا هذا مناسب لهذا المقام ولأنه ذكر ما يتعلق بالله ابتداء في قوله ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾ (يوسف: 23) وبعض جعل ﴿إِنَّهُۥ رَبِّىٓ﴾ (يوسف: 23) إلى الله سبحانه وتعالى ﴿أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ (يوسف: 23) يعني إن الله أكرمني ومنَّ علي فما كنت لأعصيه ﴿إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) (وإنه) هذا يقال له ضمير الشأن يفسر بما بعده إنه ماذا؟ لا يفلح الظالمون.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ﴾ (يوسف: 24) ولقد همت به لتأكيد هذا الهم الذي وقع منها لذلك ﴿وَلَقَدْ﴾ أي هنا لام موطأة لقسم مقدر أي :- والله لقد همت به هم إصرار فهمها هم إصرار ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ﴾ (يوسف: 24) هم عزم وإصرار وتخطيط واعداد وتقدم بالمعصية.
﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ﴾ (يوسف: 24) فيها كلام طويل وكثير لأهل التفسير :
1-فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن قوله ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ﴾ (يوسف: 24) معناه أنَّه لم يهم بها ـ فالمعنى أي :- لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فهو ما هم بها لأنه رأى برهان ربه فامتنع همه بها لرؤيته برهان ربه.
2- وبعضهم جعل ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ متعلق بقوله ﴿لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ﴾ (يوسف: 24) وبعضهم منع ذلك وقالوا لا تتعلقوا بما قبلها ولكنهم قدروا تقديرا فقالوا :- لهم بها أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها لكنه ما هم عليه الصلاة والسلام إذًا هذا القول يرى أصحابه أنه لم يقع هم من يوسف عليه الصلاة والسلام وإنما قال ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) فلم يقع منه هم ذلك لأنه رأى برهان ربه
ثم اختلفوا في معنى البرهان
فمنهم من قال :- ﴿رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ﴾ (يوسف: 24) أي رأى وتذكر الجنة والنار وتذكر عذاب الله فامتنع عن الوقوع في المعصية أو تذكر واستحضر عظمة الله.
﴿وَقِيلَ﴾ رأى يعقوب أو صورة يعقوب أمامه وهذا مما لا دليل عليه إلى غير ذلك مما قيل في معنى البرهان وهنا قالوا (لولا أنه رأى من آيات الله) فالبرهان آية من آيات الله، الله أعلم بها ما يكفه عن ذلك.
القول الثاني قالوا ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ نعم وقع منه هم لكنه هم خطرات وليس هم إصرار فلأن يوسف عليه السلام في عنفوان شبابه وقع منه هم خاطرة ثم تذكر كيف أهم بالمعصية؟ فتركها لله سبحانه ولا عتب عليه في ذلك بل هو مثابٌ على ذلك كما جاء في الحديث ( ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة)
فقالوا : هذا الهم لا يلام عليه يوسف عليه السلام، ولا يخدش في كرامته؛ وإنَّما يدل على قوته في شبابه فوقع منه هم لكنه هم خطرات وليس هم إصرار ولا فعل معصية وهذا الذي اختاروه هنا في التفسير وعزاه بعضهم للجمهور فقالوا (ولقد رغبت نفسها في فعل الفاحشة وخطر على نفسه هو ذلك خطر مجرد خاطرة ) لكنها لم تستقر وإنما انقلبت إلى حسنة وطاعة فكوفئ على ذلك ولا يعاتب على ذلك عليه الصلاة والسلام.
والقول الثالث :-قالوا إنَّ هم يوسف يختلف عن همها فهمه كان هم دفع يدفعها، همَّ أن يدفعها لكن من تيسير الله أنه ما دفعها بهذه الطريق لأنه لو دفعها من القبل فحينئذ حينما استأنست بعد ذلك وقال بعد ذلك ﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ (يوسف: 26) وجاء الشهود ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (يوسف: 26) فإنَّ قَدَّ قميصه من جهة القُبُل من جهة الأمام قيل أنه هو الذي يقبل عليها وهي تدفعه عن نفسها فالمعنى أنه كان يهم بأن يضربها أو بأن يدفعها لكنه ما صنع ذلك واختار أن يجري وأن يهرب عنها وأن ينصرف عنها.
فهذه أقوال ثلاثة هنا في التفسير أنه هم خطرة وقال به كثيرون وبعضهم منعه ونفى الهم مطلقا وقالوا :- أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها قال الله ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ﴾ (يوسف: 24) وأمَّا الأقوال الأخرى والمزاعم الأخرى التي فيها طعن في يوسف عليه السلام، وأنه باشر وأنه خلع بعض ثيابه وأنه أقبل عليها وأنه جلس منها وما أشبه ذلك فكل ذلك من العبث المرفوض غير المقبول الذي لا يليق بالصالحين فضلا عن الأنبياء والمرسلين كيف وقد أثنى الله على يوسف وقال ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24) ومن كان من المخلَصين لم يتسلط عليه الشيطان الرجيم؛ لأنَّ الشيطان كما قال الله في هذا ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: 83) ﵝالحِجۡر : ﵐﵔﵜ فالشيطان لا يتسلط عليه وهذا فيه دليل على أن الشيطان ما تسلط على يوسف عليه السلام هو بريء، وقد برأه رب العزة سبحانه وتعالى وكذلك الشاهد حينما رأى واعترف بذلك العزيز وقال ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾ (يوسف: 29) ﵝيُوسُف : ﵙﵒﵜ فمع هذه البراءات كلها يأتي آت ويقول فعل أو حاول! هذا كله من الخطأ الذي لا يليق، ومن المعلوم أن الأقوال التي ترد في التفسير مما لا تليق بجناب الأنبياء والمرسلين فإنها باطلة غير صحيحة وغير مقبولة.
﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24) :-
قالوا (لنكشف عنه السوء ونبعده عن الزنا والخيانة)
2-بعضهم قال : - السوء مقدمات الزنا والفحشاء الزنا فصرف الله عنه مقدمات وصرف عنه الفاحشة ﴿إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24) عليه الصلاة والسلام وهذا فيه أن العبد المخلَص يسلمه الله من الفتن فإذا كان العبد مخلِصا حفظه الله من الفتن وسلمه من الابتلاءات بفضله سبحانه وتعالى
﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾ أي تسابقا إلى الباب لِمَ؟ يوسف لينجو بنفسه
وهي لتمنعه من الخروج ما زالت مستمسكة بيوسف تريده مع امتناعه عنها تجري وراءه تريد أن تمسكه وكأنه قد غاب عقلها بسبب ذلك، وهذا فيه أن المعصية إذا تمكنت من الإنسان أفسدت عقله وحينئذ تنازلات ما تليق بمقامك ولا بإنسانيته ولا بموقعه وما أشبه ذلك
واستبق أو تسابق يوسف من أجل ماذا؟ من أجل أن يفتح الأبواب ومن أجل أن ينصرف، وهذا فيه الفرار من مواضع الفتنة والفرار من مكان المعصية. لا تقل :- أنا البطل الهمام وإنما ابتعد عن موضع المعصية فانصرف، فيوسف وجد أن المخرج الهروب الخروج من هذه الدائرة الخروج من هذا المكان.
﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ﴾ (يوسف: 25) شقته من الخلف هذا معناه أنه كان يَسبقها وهي تجري وراءه فشقت قميصه انظر إليها تحولت من رقيقة مائلة إليه تهواه إلى عنيفة في التعامل معه ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي :- وجدا ﴿سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ﴾ (يوسف: 25) وتأمل التعبير عن زوجها بأنه سيدها، وهذا فيه أن للزوج مكانة عند الزوجة، وأنَّ المرأة ينبغي لها أن تعامل زوجها هذه المعاملة الكريمة، وهذا جاء في القرآن الكريم ورضي الله عن أم الدرداء حين كانت تقول في حق أبي الدرداء حدثني سيدي أبو درداء، وهذا جليل ولسنا بحاجة إلى سيد وسيدة وإلى ما يجري في القصص ﴿أَنَّمَا﴾ عندنا كتاب ربنا نستغني به عن غيره وهذه السيادة ليست سيادة استبداد وإنما هي رعاية وحياطة وحفظ وصيانة كما لا يخفى قال الله سبحانه ﴿قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا﴾ (يوسف: 25) تمهِّد مباشرة وهكذا الإنسان الذي يكون قد فعل الفعلة وعمل العمل يبادر، والإنسان المستقر المظلوم تراه هادئاً والآخر يريد أن يبين براءته بأقصى طريق وبأقصر طريق وبأسرع طريق ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (يوسف: 25) وهي تقصد بذلك يوسف عليه السلام ﴿إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (يوسف: 25) يعذب عذابا موجعا فهذا قولها على سبيل الاحتيال ما يكون جزاء وماذا يكون إلا كذا ﴿إِلَّآ أَن يُسْجَنَ﴾ (يوسف: 25) أي :- لا جزاء لمن ﴿أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ﴾ ولذلك قالوا هنا (ليس عقاب) ففسروا ما بأنها نافية بدليل دخول إلا.
﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾
﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ (يوسف: 26) ما أجملك يا يوسف! عليك الصلاة والسلام ما أجمل يوسف عليه الصلاة والسلام! إذ يقول ﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (يوسف: 26) ما قال امرأتك - امرأة العزيز - السيدة فلانة! ولسنا في حاجة إلى زَليخة وإلى زُليخة وإلى ما أشبه ذلك مما ردد ﴿أَنَّمَا﴾ يقول ﴿هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ (يوسف: 26) تأمل راودتني وتحاول معي حتى أوقع بها ﴿هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ (يوسف: 26) أي :- هي التي طلبت مني الفاحشة هذا معنى ﴿هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ (يوسف: 26) ولم أردها منها ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ أي :- أانبعث شاهد من أهلها الله أعلم بحقيقته اختلفوا فيه منهم من قال :- هو صبي تكلم في المهد، ﴿وَقِيلَ﴾ من أقاربها ﴿وَقِيلَ﴾ كبير، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك.
﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (يوسف: 26) وهنا العمل بالقرائن وكنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ نتكلم عن العمل بالقرائن فيما وقع من يعقوب عليه السلام حينما قال ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (يوسف: 83) وهذا أيضًا من العمل بالقرائن ماذا قالوا؟ ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن﴾ القبل -قدَّ من الأمام- إذًا هو الذي هجم هو الذي كان يهجم عليها وهي تدفعه عن نفسها
لكن إن كان قد من دبر فهو صادق كان يهرب وهي التي تجري وراءه فالمصيبة مصيبتها والذنب ذنبها ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (يوسف: 26) أي :- فذلك قرينة على صدقها لأنَّها تمنعه من نفسه فهو كاذب.
﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (يوسف: 27)
قالوا وأن كان قميصه شق من خلفه فذلك قرينة على صدقه كونها كانت تراوده وهو هارب عنها فهي كاذبة.
﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: 28)
إن مكركن مكر قوي
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾
﴿يُوسُفُ﴾ ينادي على يوسف ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾ (يوسف: 29) إنس هذا الموضوع، لا تتكلم فيه ثانية، أغلق الباب لا تحدث أحداً،وأضرب عن هذا الأمر صفحاً، ولا تذكره لأحد ﴿وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ﴾ عاب كثير من المفسرين ما وقع من العزيز في هذا الموضع أكان يكفيك أن تقول لها استغفري لذنبك؟ هذا هو الذي تقوله لها بعدما فعلت مع فتاها ما فعلت أهذا عقابها؟ أهذا الذي تستحقه؟ أين الغيرة؟ فقالوا إنه قد انطفأت الغيرة هكذا قال كثيرون والعلم عند الله في هذا المقام.
﴿وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾ (يوسف: 29) والمراد بالخطأ هنا الخطأ عن عمد ولذلك عبر بالخاطيء دون المخطئ، فالمخطئ يقع في الخطأ بلا عمد لكن ﴿مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾ (يوسف: 29) من العامد وجعلها من زمرة الخاطئين ونسبها إلى الخاطئين؛ ولأنَّ الخطأ في رجال كثير ولأنهم الأغلب في هذا الباب فقال ﴿مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾ (يوسف: 29) دون أن يقول :- إنك كنت من الخاطئات، فبعضهم يقول :-هذا فيه أسلوب تغليب إذ قال ﴿مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾ (يوسف: 29).
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾ (يوسف: 30) هل هذا الخبر سيبقى هكذا دون انتشار؟ إنه خبر في بيت عزيز مصر فأنى له أن يُسكَت عنه؟ أنى له أن يسكت عنه؟ مثل هذا ينتشر ولا سيما ما يتعلق بأخبار النساء وما يتعلق بأخبار أبواب الفواحش نسأل الله السلامة ولذلك حذرنا الشرع الحنيف ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قالوا هنا في التفسير : وانتشر خبرها في المدينة ولا ذنب ليوسف في ذلك فقد أعرض لكن هذا خارج عنه.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾ (يوسف: 30) ولأن نسوة جمع تكسير فالأفصح أن يقل (وقال) فهذا معروف في اللغة كما قال ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ﴾ فمع الأعراب قال قالت مع أنهم ذكور وهنا قالوا ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ أي :- وقال جمع نسوة وهناك ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ﴾ يعني :- قالت جماعة الأعراب فإذا وجدت مع جمع التكسير الفعل مؤنثا فهو على تقدير جماعة وإذا جاء مذكرا فهو على تقدير جمع أي :- وقال جمع نسوة ﴿فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ﴾ والمراد بالمدينة هنا مصر إذا المدينة بحسب ما وقعت في القرآن الكريم فباختلاف سياقها يكون معناها ﴿ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾ (يوسف: 30) تراود عبدها إلى نفسه إلى نفسها ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ (يوسف: 30) وصل حبه إلى شغاف قلبها نسأل الله السلامة وهذا داء.
ولذلك داء العشق داء خطير وقد كتب فيه العلماء وابن القيم رحمة الله تعالى أقام أكثر كتابه الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي في مثل هذا فمن ابتلي بمثل هذا الداء فليقرأ مثل هذه الكتب النافعة التي يسلم بها بفضل الله سبحانه من هذا الداء بأن يتقي الله سبحانه ويراقبه عز وجل ويعرف عقوبة هذه
الذنوب العظيمة التي فيها الهلاك والدمار في الدنيا والأخرة ﴿إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30)
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات :
· قبح خيانة المحسن في أهله وماله الأمر الذي ذكره يوسف من جملة أسباب رفض الفاحشة : حينما قال ﴿إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ (يوسف: 23) يعني :- من أحسن إليك لا تسيء إليه، رجل أحسن إليك وأنت تسيء إليه وهذا يجري في بعض الأحوال حينما ترى العامل عند رئيسه في العمل إذا به يقع بامرأته، وكذلك من ذلك ما جاء في السنة (من أكبر الذنوب أن تزاني بحليلة جارك) فمن له حق عليك؟ حق الجوار أو حق الإحسان مثل ذلك لا يقابل بالإساءة لذلك ماذا قال يوسف؟ ﴿إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23).
· بيان عصمة الأنبياء وحفظ الله لهم من الوقوع في السوء والفاحشة ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24)
· وجوب دفع الفاحشة والهرب والتخلص منها ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾ هروبا من المعصية أو من أن يقع في المعصية أو أن تقع عليه تلك المعصية فهرب عليه الصلاة والسلام.
· مشروعية العمل بالقرائن في الأحكام :- ولذلك وقع منهم ما وقع ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
ونقف عند هذا الحد ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الخامس والسَّبْعُونَ مِنْ المُخْتَصَرِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعدُ، فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة يوسف عليه السلام.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
قوله سبحانه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ الفعل ( سمع ) : يتعدى بنفسه فيُقال : سمع مكرَه؛ لكنَّ الله سبحانه وتعالى لما ذكر الفعل هنا عداه بالباء فقال ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالوا :-
1-إنَّ السماع هنا تضمَّن معنى الإخبار : أي :- : فلما أخبرت بمكرهن فالمراد بقوله ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ أي :- فلما أخبرت بمكرهن؛ لأنَّه لا يلزم أن تكونَ قد سمعت بنفسها ابتداءً؛ وإنمّا بلغها فهي امرأة العزيز ولها مكانها ولها شأنها وأيضاً لها حاشيتها ولها نَقَلَةُ الأخبار فنقالوا لها أخبار هؤلاء النسوة.
وقوله سبحانه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾
2- ولك أن تقول :- إنَّ المكر تمثَّل في أنَّه لم يُرَدْ من كلامهن النصيحة وإنمّا أُرِيد بذلك التشنيع عليها ففرق بين مَنْ يُعَيِّر ويُشَهِّر وبين مَنْ ينصح.
فحينما قالت النسوة ما قالت لم يقصدن بذلك النصيحة أوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لامرأة العزيز، وإنمّا هوالشماتة والتشهير بها ولذلك قالوا كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾
وقولهم ﴿ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ﴾ دون أن يذكرون اسمها للدلالة على أنَّها امرأة ذات زوج، ومن ثَمَّ فلا عذر لها فيما صنعت فلوأنَّها امرأة خالية من الأزواج، أوليس لها زوج لربما أُعتذِر عنها! لكنَّها امرأة متزوجة؛ ثم إنَّها ليست امرأة رجل عادي، وإنمّا هي امرأة العزيز فامرأة رجل له شأنه ومكانَه.
ثم قالوا ﴿تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا﴾ فهي التي تراوِد وليس هوالذي يراود!
ثم قالوا ﴿تُرَٰوِدُ﴾ وهنا جاء التعبير بالفعل المضارع فهذا يدل على تكرر تلك المراودة وأيضاً ﴿تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا﴾ فهوليس في طبقتها، ولا ينبغي لها أن تصير في هذه الطبقة، أوأن تتدنى وتُذلِّل نفسها، وتجعل نفسها في هذه الذلة والمهانة للفتى.
﴿تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ فملأ عليها قلبها بتعلقها به تعلقاً شديداً.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ بهذا الأسلوب الجازم المؤكد منهن فلذلك قال الله﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾
وبعض المفسرين يقولون جاء التعبير بقوله ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ لأنَّهنَّ احتلْنَ ليرين يوسف عليه السلام وكأنَّ النسوة منا بهذا القول إلى أن يصل الخبر إلى امرأة العزيز لعلهنَّ يظفرن برؤية يوسف عليه السلام، فقد وُصِفَ يوسفُ عليه السلام بأنَّه شديد الجمال فأنى لهم أن يصلوا إلى رؤيته إلا بمثل هذه الحيلة! فلذلك قيل له مكر والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا﴾ ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أي :- :- هيأت لهن متكئا قالوا هنا ( محلا فيه فراش ووسائد ) فالمرادُ بالمتكأ : المكان أوالموضع - المجلس الذي فيه فراش ووسائد - وما إلى ذلك
﴿وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ وذلك لأنَّهن يجلسن في مجلس فخم وعظيم فهوعند امرأة العزيز فمن أجل هذا أعدت لهن المكانة على خير تهيئة وعلى خير وضع.
قال ﴿وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ قالوا هنا في التفسير ( تقطع به الطعام ) يعني :- أنَّها قدمت لهن الطعام ﴿وَءَاتَتْ﴾ أي :- :- أعطت ﴿كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ ﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أمرتْ يوسف عليه السلام بالخروج عليهن.
﴿فَلَمَّا﴾ هنا تقدير، فتقدير الكلام : وقالت اخرج عليهن، فخرج عليهن يوسف عليه السلام ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ والذي يتأمل سورة يوسف عليه السلام يجدُ أنَّ فيها إيجازاً كثيراً - أعني من الإيجاز بالحذف - فهناك جمل وكلمات مقدرة في مواضع كثيرة من هذه السورة الجليلة يدل عليها سياق الكلام.
ولذلك هنا مسألة ليس المجال مجال التفصيل فيها لكنني أشير إليها إشارة :- وهي قضية الإيجاز :-
1-إذ ذهب فريق من العلماء كالعلامة الشيخ محمد عبدالله دراز رحمة الله :- إلى أن القرآن إيجاز كله، واعترض على ما ذكره جماهير أهل البلاغة مِنْ أنَّ الكلام منه الموجز أومنه الإيجاز ومنه المساواة ومنه الإطناب، ورأى هو أنَّ القرآن كله إيجاز لأنه لا يمكن بحال حال من الأحوال أن يتأتى لأحد أن يأتي بمثل نظم القرآن الكريم في هذه الوجازة التي أتى بها القرآن فالقرآن الكريم من مزإياه وخصائصه قصد اللفظ مع الوفاء بالمعنى فاللفظ مقتصد
والمعنى واف جدًا، ولا يمكن لأحد أن يأتي بمثل؛ بل لو أراد شخص أن يأتي بما هو في معنى القرآن ليس في قوته ولا في ولا في تمام أسلوبه فهذا لا يتأتى لمخلوق؛ لكن ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يأتي بما يمكن أن يقال عنه بليغ فإنَّه يحتاج في السطر إلى صفحات، ومع ذلك لا يصل إلى كمال المعنى الذي أراده رب العزة سبحانه وتعالى وجاء به في القرآن الكريم.
فكيف هذا الكلام؟ مع أنَّ جمهور العلماء يقولون :- إنَّ هناك في الأساليب العربية وكذا في القرآن الكريم ما هومن قبيل الإيجاز، وما هومن قبيل المساواة، وما هومن قبيل الإطناب.
1- مما يذكر في هذا الباب والله أعلم أنَّ الإطناب باعتبار النظر إلى غير هذا الكلام بمعنى إذا نظرنا إلى قصة يوسف عليه السلام وقارناها بقصة أخرى فإنَّنا نقول :إنَّ قصة يوسف جاءت في القرآن على أسلوب الإطناب بمعنى : أنَّها جاءت مفصَّلة، والقصة الأخرى جاءت موجزة فحينئذ المقارنة ليست بقصة يوسف مع قصة يوسف نفسها وإنمّا بالنظر إلى قصة أخرى هذا من جهة.
2-وأيضاً من جهة أصول المعاني لا من جهة مستتبعات التراكيب بمعنى هناك فرق بين أن تُلَخص القصة وبين أن تأتي بالفوائد التي هي من آثار الألفاظ القرآنية فهذا لا يتأتى بمثل هذا الإيجاز الذي جاء به القرآن الكريم بمعنى أنت قد تختصر قصة يوسف عليه السلام وتأتي بخلاصة الكلام فيها لكنك لم تأت على المعاني البلاغية الجليلة والفوائد الغزيرة العظيمة فمنذ لحظات كنا نتكلم عن سر التعبير بقولهن ﴿ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ فأنَّى لأحد أن يأتي بمثل هذا الإيجاز!
3-ومن الدلائل على ذلك أنَّ سورة يوسف فيها إيجاز بالحذف كثير جداً فهذا يدلك على هذا الذي ذكروه والتفصيل في ذلك له موضع آخر والله أعلم.
﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾وفي ذلك إشارة والعلم عند الله إلى أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام كان يوافق امرأة العزيز فيما لا مخالفة فيه؛ فالأصل أنها تأمره وهو فتاها فإذا أمرته – أجابها ولبَّاها- فلما أمرته بالخروج فما منه إلا أن يسمع ويطيع إنَّما خالفها حينما وصل بها الأمر إلى ما وصلت إليه من الدعوة إلى المعصية وما إلى ذلك مما هو معلوم.
قال ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي :- أعظمنه واندهشن لحسنه وذلك أنَّ يوسف عليه السلام كما تقدم وقد جاء في صحيح مسلم ( أنَّه أُعطِي شَطْر الحُسن ) عليه الصلاة والسلام فكان جميلاً جمالاً عظيماً وجليلاً.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
قوله ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قالوا هنا ( وجرحنا أيديهن من شدة الانبهار به بالسكاكين المُعدَّةِ لقطع الطعام من شدة الاشتغال ومن شدة الهول عند رؤيته ) ما كان منهن إلا أن جرحنا أنفسهن بدلاً من أن يقطعن الطعام أو الفاكهة إذا بهن يقطعن أو إذا بهن يجرحن شيئًا من الأصابع.
وهذا فيه أنَّ معنى قوله ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الجرح وليس المراد بالتقطيع الإزالة وقد قال بذلك بعض المفسرين، لكن الأكثرين من المفسرين يفسرون القطع بالجرح. وهذا معروف في اللغة فيقال : (قطع يده) يعني :-جرح يده وليس المراد بذلك أنَّه أبأنها، ولذلك قال السمعاني :- الأكثرون على أن هذا خدش وجرح بلا إبانة خدش وجرح بلا إبانة يعني : بلا إزالة.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ﴾
قالوا هنا (وقلنا تنزه الله سبحانه وتعالى) فالله هوالعظيم سبحانه وهو الذي يخلق هذا الخلق، ويخلق هذا الجمال ﴿وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ﴾
1-وبعض العلماء يجعل ﴿وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ﴾ متعلقة بشأن يوسف عليه السلام يعني :حاشا ليوسف أن يعصي الله من أجل الله سبحانه بمعنى :- حاشا يوسف عليه السلام أن تقع منه معصية لما من أجل الله يعني :- أنَّه ترك المعصية من أجل الله فيجعلون اللام في قوله ﴿وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ﴾ تعليلية أي :- من أجل الله فحاش ليوسف أن يقع في المعصية من أجل الله - يعني :- أنَّه من أجل الله - لا يرتكب تلك المعصية عليه الصلاة والسلام ﴿وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ﴾.
2- أو أن يكون المعنى :- حاشا أن يكون يوسف من جنس البشر العادي بدليل ما بعدها ﴿مَا هَـٰذَا بَشَرًا﴾
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
1-قالوا : ليس هذا الغلام بشراً فما هو فيه من الجمال لم يعهد في البشر ليس إلا ملَكاً كريماً من الكرام.
2-أو أننا نقول هذا على سبيل التشبيه البليغ يعني – إن هذا إلا كملك كريم – يعني :- هو كملك كريم فكان هذا من باب المبالغة في وصف يوسف عليه السلام وفي شدة جماله عليه الصلاة والسلام.
وهذا فيه أيضًا - أنَّ المَلَك معروف بالجمال، وأنَّ الملائكة معروفون بحسن الصورة.
﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾
﴿قَالَتْ﴾ أي :- قالت امرأة العزيز ﴿فَذَٰلِكُنَّ﴾ أي :- هذا هو الفتى الذي عيرتنني بسبب حبه ﴿فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾ تذكرهن بكلامهن السابق الذي بلغها عنهن حينما قلنَ ﴿ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾ فتقول هذا عذر وهذا هو الفتى الذي كرهتم الكلام أو الذي ادعيتم على أنني كذا وكذا ﴿فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾ وكأنها تعتذر عن نفسها بسبب جمال يوسف عليه السلام، وأنَّ جمال يوسف هو الذي غرها فتنها.
﴿وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ﴾ هكذا بالأسلوب المؤكد فهي تؤكد هذا الكلام. أي :- والله لقد راودته عن نفسه ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾ وهذا فيه أنَّ يوسف عليه السلام جمع بين جمال الظاهر وجمال الباطن، فظاهره جميل وباطنه جميل وهو جمال العفة ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾
1- أي :- امتنع امتناعاً شديداً، وتحفَّظ تحفظاً شديداً فمعنى الاستعصام يعني :- الامتناع امتناعاً شديداً.
2- أو ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾ يعني :- فاعتصم لكن الألف والسين والتاء لشدة المبالغة؛ ولا يقال ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾ أي :- فطلب العصمة لأنَّها تحققت له عليه الصلاة والسلام ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾.
قالوا هنا في التفسير (فامتنع) إذاً فسروا الاستعصام بالامتناع / أو أن يقال :- هو شدة الامتناع.
﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾
كما أنها أقسمت على أنها راودت / أقسمت على توعده بأنَّه إن لم يعد إلى ما تريد، ويوافقها على هواها فإِنَّهَا ستفعل به كذا وكذا قالت ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾
أي :- ليدخلن السجن وليكونن من الأذلاء ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾.
وقوله ﴿وَلَيَكُونًا﴾ هذا التنوين أصله النون المخففة من الثقيلة في قوله ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ فهذا تهديد منها ووعيد بأنها ستجعله في السجن إن لم يستجب لدعوتها ولكلامها ولمرادها ﴿وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ أي :- الأذلاء.
فقال يوسف عليه الصلاة والسلام حين سمع هذا الوعيد :-
﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾
﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ فيه أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام اختار العقوبة الدنيوية العاجلة التي هي ابتلاء بالنسبة له على معصية الله؛ لأنَّ معصية الله تؤدي إلى العقاب في الدنيا وفي الآخرة.
فاختار الابتلاء في الدنيا على الابتلاء في الدين، ولذلك كان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) فالأصل : أنَّ الإنسان يتمنى لنفسه السلامة والعافية، فلا يريد لنفسه سجناً ولا يريد لنفسه عذاباً لكن إذا كان لا بد من اختيار فليكن الاختيار للأهون، والأهون هو الابتلاء الدنيوي دون أن يُبتَلى الإنسان في دينه، ودون أن يُعَاقَب في الآخرة ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾
لذلك كثيرون قالوا :- أحب هنا مسلوبة التفضيل / أو أنها لو قيل إن أحدهما أحب فليكن السجن؛ وإلا فالسجن في الأصل ليس حبيباً إليَّ، وكذلك المعصية بغيضة إليه كل البغض عليه الصلاة والسلام ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾
وتأملوا التعبير القرآني ﴿أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ هذا فيه :- أنَّ هؤلاء النسوة تحولن ليكن عوناً مع امرأة العزيز على يوسف عليه السلام، لذلك قال بعض المفسرين :- وكأنهن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ليوسف عليه السلام طاوع سيدتك، طاوع امرأة العزيز، استجب لها افعل كذا وكذا فملن إليها وصرنَ معها على يوسف عليه الصلاة والسلام، لذلك قال ﴿أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾
مع أنَّ يوسف عليه السلام نبيٌ مباركٌ ومعتصم بالله سبحانه وتعالى مع أنَّه معتصم بالله عز وجل مع أنَّ يوسف معتصم بالله متمسك بدينه مبتعد عن المعصية إلا أنَّه سأل الله الثبات والإعانة فقال ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ إذا لم تكشف عني مكرهن أَمِلْ إليهن ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ يعني : أَمِلْ إليهن.
﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ يعني :- إذا صرف عني كيدهن فهذا بإذن الله ورحمته وفضله وإحسانه، فيه أنَّ الإنسان لا يغتر بنفسه، ولا يظن أنَّه بعيد عن المعصية، وأنَّه لن يقع في حبائل الشيطان، ما يدريه لعل الشيطان يغرُّه لعل المعصية تجرُّه فحريٌّ به أن يتوكل على الله دوماً، وأنْ يعتصمَ بالله وأن يسأل الله الثبات، وأن يسأل الله الثبات والسلامة من الفتن. فقال يوسف عليه السلام ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ هذا ما نتعلمه من قولنا لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقوله ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ ما المراد بالجهل هنا؟ الجهل هنا ليس المراد به الجهل في مقابلة العلم؛ وإنمّا هو الجهل في مقابلة العمل بالعلم. فتقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنَّ الجهل على نوعين :-
1-هناك جهل بالعلم - إنسان جاهل - في مقابلة العالم.
2-وهناك آخر :- يُقَال له جاهل لأنه لم يعمل بالعلم فمن علم ولم يعمل بما علم فهو جاهل، ولذلك يقابل الحلم بالجهل والسفاهة ومنه قوله ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ [الفرقان: 63]، وقول موسى عليه السلام ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] فالمراد بهم :- بسبب ارتكاب المعاصي ولذلك قال الله ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17] ولذا قالوا :- كل من عصى الله فهو جاهل.
فهنا ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ بسبب ارتكاب المعصية، وتقدم معنا في سورة هود عليه السلام ﴿إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [هود: 46]
﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾
استجاب الله سبحانه وتعالى ليوسف عليه السلام فصرف عنه كيدهن، فربط على قلب يوسف عليه السلام وثبته ونصره على هذا على هذه الفتنة، وعلى هذا الابتلاء من امرأة العزيز ومن النسوة ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ﴾
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ أي :- بدا من رأي :- العزيز وقومه ﴿مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَـٰتِ﴾ يعني :- من بعد ما ظهرت البينات والحجج الواضحات أنَّ يوسف بريء عليه السلام كما مضى معنا في قضية القميص، وعُلِمَ أنَّ يوسف عليه السلام بريء وقال ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ رأوا أن يسجنوا يوسف عليه السلام حتى لا تنكشف الفضيحة إلى مدة غير معلومة، وكأنَّ الأمر لما بدأ ينتشر رأى العزيز أنَّ الحكمة تقتضي أن يحبس يوسف عليه السلام فإذا حبس قيل إنَّه بسبب جريرة ارتكبها، وبسبب جريمة اقترفها فحينئذ سيقولون :- إن يوسف هو المعتدِي، وأنَّ امرأة العزيز هي البريئة وهي الحصان الرزان وهي الداعية أو هي المحافظة على نفسها الممتنعة عن يوسف عليه الصلاة والسلام، وهذا من شديد الامتحان ليوسف عليه السلام، فيوسف يُسجَن دون ارتكاب جريمة وبعد علم العزيز بأنَّه بريء عليه الصلاة والسلام والفتنة بامرأة العزيز كما تقدم كانت فتنة شديدة لأنَّه شاب وفي غربة وفي داخل بيتها وهي الداعية له وهي المهيئة لكل الأسباب إلى غير ذلك مما يتيح له فرصة المعصية وهو على سفر بعيد عن بلده ووطنه لكنَّه الثبات الذي يُثبِّت الله به عباده المؤمنين كيف بالأنبياء والمرسلين؟
قال ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قالوا هنا في التفسير (فسجنوه ودخل معه غلامان في السجن ) هذا من التقدير أيضًا (فسجنوه ودخل معه السجن فتيان غلامان ) ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ دخل فتيان مع يوسف عليه الصلاة والسلام فرأوا من يوسف عليه السلام النجابة والحكمة العقل والديانة فحينئذٍ استنصحوه في رؤيا رأى كل واحد منهم رؤيا فأراد أن يقصها على يوسف عليه السلام ليعبرها له يوسف عليه السلام وقالوا ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ 1-بعضهم قال :- من المحسنين إلى الخلق. رأوا منه أنَّه بفضل الله سبحانه يحب الخير للغير.
2- أو أنَّه محسن في تقربه وتبتله إلى ربه سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ نراك من المحسنين من أهل الإحسان فماذا قالوا؟ أوفماذا قالا؟ ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ رأى أحدهما رؤيا :- إنِّي رأيت في المنام أنَّي أعصر العنب ليصير خمراً وهذا معنى قوله ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ولم يقل :- إني رأيت أني أراني جاء هنا بالتعبير المضارع لاستحضار الصورة وكأنه يستحضر الرؤيا التي رآها أمامه الآن مشاهداً لها ليقصها على يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي :- أعصر عنباً ليصير خمراً فهنا التعبير عن الشيء بما يؤول إليه فأحيانا يُعبَّر عن الشيء باعتبار ما سيؤول إليه كما تقدم معنا ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101] والحلم يظهر بعد ذلك فأحياناً يُعبَّر عن شيء باعتبار ما سيؤول إليه قال ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وإنمّا نص على الخمر لأنهم يتخذون من العنب الخمر فهذا مرادهم وهذا شرابهم.
﴿وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا﴾ قالوا هنا (إني رأيت أني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ) أي :- تأكل الطيور منه وسيأتينا تفصيل ذلك، وأنَّه فسر ذلك بأنّه هذا سيتعرض للصلب ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ﴾ ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ﴾ فسر لنا هذه الرؤى ﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ فأثنوا على يوسف عليه السلام بما هو له أهل عليه الصلاة والسلام قال يوسف عليه السلام :-
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾
إنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام استثمر الفرصة واغتنمها، وبدأ بالأهم فكل واحد منهما يريد أن يعرف تفسير رؤياه فترك الجواب عن تفسير الرؤيا واتجه إلى الدعوة إلى الله وإلى توحيد الله سبحانه وتعالى وهذا فيه أنَّ الداع إلى الله عليه أن يغتنم الفرص، وأنْ يبدأ بالأهم فيوسف عليه السلام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يجيبهما عن الرؤيا التي رآها كل واحد منهما اغتنم الفرصة بأن يدعوهما إلى الله سبحانه الذي علمه، والذي من عليه بمنن كثيرة وفضائل عديدة فقال لهما ممتناً ذاكرا نعمة الله عز وجل عليه مذكِّراً بها ومُعْلِماً بها.
﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ﴾ بعض المفسرين حملوا ذلك على الرؤيا يعني :- لا يأتيكما طعام في رؤية أن نتأمل كلمة جملة ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ هذا يناسب الطعام والشراب وكذلك قول الآخر ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا﴾ فقال لهما أبشرا أنا عندي تفسير الرؤية ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا﴾
1-إذا رأى أحدكما رؤيا أو طعاما فإنني آتيه بتأويله ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصل إليه هذا الطعام.
2-وبعضهم قال :- ليس هذا المراد به في المنام إنمّا في الحقيقة فإذا أُعطِي شيئًا من الطعام أو جيء لهما بطعام فهو يعلم به قبل مجيئه من إعلام الله عز وجل له لأن الله يطلع بعض أنبيائه ورسله على ما يشاء من أمور الغيب كما قال ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾ [الجن: 26-27] وكما قال الله في حق عيسى عليه السلام ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: 49] لذلك قالوا هنا في التفسير (لا يأتيكما طعام يجري عليكما من الملك أو غيره إلا بينت لكم حقيقته وكيفيته ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتيكما ) وهذا معنى التأويل فهما هنا قالوا (﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتيكما) أي :-(حقيقته وكيفيته ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتيكما) فهذا هو بالتأويل وقلنا إنَّ التأويل يأتي على معانٍ :-
1-منها التفسير ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ﴾ المراد به :- تفسير الرؤيا وتعبيرها.
2-وأيضاً ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ﴾ قالوا :-يعني حقيقته لأن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ﴾ أي :- هذا الذي أقوله لكم ليس عن طريق التنجيم، ولا عن طريق الدجل والشعوذة والسحر وإنمّا هومما علمني ربي إياه سبحانه وتعالى.
﴿إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ يدعوهم إلى الله سبحانه وإلى ترك الشرك وإلى توحيده ﴿إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ قوله ﴿إِنِّى تَرَكْتُ﴾ لا يلزم منه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ معهم على الكفر؛ وإنمّا قول ﴿إِنِّى تَرَكْتُ﴾ يعني :- تخليت / أو أنَّي لم أتلبس فأنت تترك الشيء ولا يلزم منه أنَّك كنت واقعاً فيه؛ وإنمّا المراد :- أني تركت يعني اجتنبت ولم أتلبس بما عليه من عبادتهم غير الله ومن كفرهم بالآخرة ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى آخر الآيات الكريمة
قال الشيخ حفظه الله :-
من فوائد الآيات
1- بيان جمال يوسف عليه السلام الذي كان سبب افتتان النساء به : وقد أعطي شطر الجمال كما تقدم والشاهد في الآيات ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ولا يمكن أن يقع هذا إلا مع شخص شديد الجمال حتى يقع من النسوة ما وقع منهن.
2- إيثار يوسف عليه السلام السجن على معصية الله ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾
3- من تدبير الله ليوسف عليه السلام ولطفه به تعليمه تأويل الرؤى وجعلها سببًا لخروجه من بلاء السجن ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا﴾
قال الشيخ حفظه الله :-
قال ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
أي :- واتبعت دين آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾؛ فأنبياء الله ورسله كلهم على توحيد الله عز وجل وعلى نبذ الشرك وطرحه.
﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ أي :- شيء فلا يقعون في شرك أكبر ولا أصغر؛ بل إنَّهم يتنزهون عن ذلك وكذلك فإنَّهم يحذرون الناس من ذلك ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ﴾ هذا من فضل الله علينا أن وفقنا له ومن فضله على الناس أيضًا وذلك إذ بعث إِلَيْهِم الرسل وكذلك فإنَّ وجود المؤمنين بين ظهراني الناس نعمة ينبغي لهم أن يشكروا الله عز وجل عليها، فوجود إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وأمثال هؤلاء بين الناس نعمة تستوجب الشكر لذلك قال ﴿ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ لا يشكرون الله سبحانه وتعالى على نعمه بل يكفرونه.
﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾
ناداهم وهو رفيق بهما عليه الصلاة والسلام ﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ﴾
1-قال بعض المفسرين :- أي :- يا رفيقي السجن أو يا ساكني السجن، فالمراد بالصحبة هنا :- السكنة في السجن لأنهم ملازمون وهذا يدل على طول المدة التي مكثوها فقال ﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ﴾
2-أو المعنى :- يا صاحبي في السجن باعتبار أنَّ السجن ليس بمصحوب ابتداء؛ وإنمّا هو مصحوب فيه فالسجن هو موضع للقائهما أو للقائهم واجتماعهم.
﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ﴾ يخاطبهم ويخاإذاً عقولهما يخاطبهما ﴿أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ ﴿ءَأَرْبَابٌ﴾ أعبادة آلهة متعددة خير أم عبادة الله الواحد الذي لا شريك له؟ هنا في التفسير قدَّروا (عبادة) ﴿أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ﴾ فلا يتساوى الرب الواحد والإله الواحد مع تلك الآلهة المتعددة، ولذلك فلا تتساوى أيضًا عبادة الله سبحانه وتعالى - لا تساويها عبادة تلك الأرباب - ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17] ﴿أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾ أعبادة آلهة متعددة ﴿خَيْرٌ أَمِ﴾ أم عبادة الله الواحد الذي لا شريك له ﴿ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ لغيره الذي لا يُقهَر.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم﴾ يحدثهم عن عبادتهم للأصنام، وَأَنَّهَا لا تستحق ذلك فقال ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً﴾ ما هي إلا مجرد أسماء، وليست حقيقية وليست حقيقة بالعبادة وأن بصرف العبادة لها هم ﴿سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم﴾ أي :- سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة - وهي ليست بآلهة - على وجه الحقيقة كما قال الله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ [الحج: 62] ﴿سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم﴾ إذًا هنا تقدير : سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة؛ وليست بآلهة ﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ﴾ أي :- حجة لذلك قالوا هنا (لم ينزل الله بتسميتكم لها حجة تدل على صحتها) فليس لها حجة
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ فالحكم سبحانه وتعالى كوناً وشرعاً فهو يحكم بما يشاء سبحانه عز وجل ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ فينبغي لكم أن تصرفوا العبادة إليه وحده لا شريك له والله جل وعلا هو الخالق المدبر الذي يحكم بما يريد ويقدر ما يريد سبحانه وتعالى، فمن مقتضى ربوبيته عز وجل أنَّه يحكم بما يشاء، ومن مقتضى إلهيته أنَّنا نتحاكم إليه سبحانه وتعالى.
لذلك فقوله﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ هذا من مقتضى ربوبيته، ومن مقتضى ألوهيته
1-فمن مقتضى ربوبيته :-من جهة أنَّه سبحانه وتعالى هو الحاكم بما يريد، كما أنَّه الخالق والرازق فهو المدبر والحاكم بما يريد.