سورة يوسف — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
2-ومن جهة الألوهية وصرف العبادة إليه :-بأنَّه ينبغي أن يتحاكم الخلق إليه ﴿وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الشورى: 10].
﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ ذلك الدين القيم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تأملوا هذه النصيحة الغالية فأعظم ما يدل عليه وأعظم ما يُدعَى الناس إليه توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وينبغي للداعية إلى الله ﴿إِلَّا﴾ يفرِّط في هذا، وأن يبدأ بالأهم في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وفيه أيضًا جواب حكيم فالإنسان قد يُستَفتى في فتوى لكنَّه يرى أنَّ المستفتي يحتاج إلى بيان شيء أهم فحينئذ يقدم الأهم ثم يجيبه على فتواه حينئذٍ انتقل يوسف عليه السلام إلى تعبير الرؤيا كما طلب منه الفتيان فقال :-
﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾
﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ﴾ ولم يبين من هو لأنه واضح وجلي قوله ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا﴾ لم يقل : الذي رأى وقال إني أراني أعصر خمراً هذا سيسقي ربه خمرا، فهذا معروف فهذه الرؤيا أو هذا التعبير يُناسب تلك الرؤيا وهذا التعبير يُناسب تلك الرؤيا، وقال بعض المفسرين :- لئلا يواجه الثاني بأنَّه سيُصلَب فلم يقل له وأنت ستُصلَب؛ وإنمّا قال ﴿وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ﴾ وكلٌ يعرف تعبير رؤياه ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا﴾
والمراد بربه هنا ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُۥ﴾ أي :- سيده وهو الملك فعبر عنه بالرب؛ لأنَّه جاء مضافاً إليه فقال ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا﴾ فالمراد به أنَّه الملك فهو سيده وهذه الربوبية خاصة وقاصرة؛ وليست الربوبية العامة والمطلقة فقال ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا﴾ والمعنى :- أنَّه سيخرج من السجن إذ كيف يسقي الملك الخمر وهو في السجن إنمّا المراد أنَّه سيخرج وسيصير قريباً من الملك وسيصير من حاشيته، وممن يدنى منه حتى يصل به الأمر إلى أن يسقي الملك الخمر.
﴿وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ﴾ الذي رأى الرؤية الأخرى ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ﴾ وهذا معنى قوله ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ﴾ والمراد به :- أنَّه يصلب ويقضى عليه ﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ هذا هو تعبير الرؤية وفيه :- أنَّه عبر الرؤيا التي ظاهرها المصلحة لمن رأى، وعبر الرؤية الأخرى التي فيها مضرة فيما يتعلق بالشخص الآخر، وأنَّه سيصلب فهي ليست موافقة لهواه فلذلك من يفهم في تعبير الرؤى ليس في كل الأحوال سيعبر الرؤيا على ما يشتهيه الإنسان؛ وإنمّا بحسب ما تقتضيه الرؤيا والعلم عند الله تعالى.
وفي قوله ﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ والتعبير عنه بقوله ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ وأيضاً :- كما سيأتينا بعدُ ﴿أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ﴾ هذا يدل على أن تعبير الرؤيا يدخل في حيز الفتوى، فلا ينبغي للإنسان أن يتعرض له إلا إذا كان ذا علم وبصيرة وخبرة؛ وإلا فإنَّ عليه أن يسكت في هذا المقام ﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ وبعضهم جعل هذه الجملة من الأمثال المرسلة التي تقال في بعض المناسبات فإذا انتهى المقام في شيء يقال ﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ يعني :- لأنه قُضِيَ الأمر وانتهى واتضحت المحجة وظهرت الحجة.
﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
﴿وَقَالَ﴾ أي :- وقال يوسف عليه السلام ﴿لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ وهو الأول الذي عبر له الرؤيا بأنَّه سيسقي ربه خمراً ﴿ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ أي :- اذكرني عند الملك أنت ستخرج وستكون قريباً من الملك فاذكر أمري عنده وأعلمه بحالي وأخبره عني وأنني بريء فعليه أن يبحث في أمري وفي حقيقة شأني وأنني أُدخلِتُ السجن عن ظلم وليس عن حقيقة وهذا الملك أعلى من العزيز فهو أعلى منه ولذلك فإنَّ حكمُهُ نافذ على العزيز فقال له ﴿ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ وهنا عبر عنه فقال ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ عُبِّر عنه بعد ذلك بالملك ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ﴾ وهذا هو المراد بقوله ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ فالمراد به الملك قال ﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
أنسَى مَنْ؟ هنا في التفسير قالوا (فأنسى الشيطانُ الساقيَ ذكرَ يوسف عند الملك) ﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ﴾ أي :- أنسى الشيطان الساقي الذي يسقي ربه خمراً وهو صاحب الرؤيا الأولى فهذا هو المراد. فقالوا :- إن هذا الرجل نسي فأنساه الشيطان فنسي أن يتكلم في حق يوسف ﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أي :- فلبث يوسف عليه السلام ﴿فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ حينما خرج الرجل وصار قريباً من الملك لم يتذكر يوسف عليه السلام ونسي إلى أن جاءت الرؤيا الأخرى - رؤيا الملك - فحينئذ تذكر يوسف عليه السلام فأعاد الكرَّة وجاء ليوسف وكان ما كان كما سيأتي بيانه بفضل الله سبحانه وتعالى.
وبعض المفسرين يجعل الضمير عائداً إلى يوسف فيقول : ﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ﴾ يعني :- أنسى يوسف ذكر ربه أي :- :-أنَّه نسي أن يذكر ربه بأن تعلق قلبه بالملك وبأن الملك سيخرجه ففكر واحتال لذلك بأن قال له اذكرني عند سيدك وهذا كلام ضعيف ومردود والأصل أنَّ التفسير الذي يمسُّ مقام النبوة لا يكون مُوَفَّقًا أو لا يكون مختاراً؛ بل يكون مردوداً فدعوى أنَّ الضمير يعود على يوسف عليه السلام محل نظر وذلك أنَّ ما فعله يوسف ليس إلا من قبيل الأخذ بالأسباب وماذا عليه أن يصنع ذلك؟ وأن يسعى البريء في بيان براءته وهذا واضح جداً من يوسف عليه السلام حتى حينما دعاه الملك طلب أن يفتش في الأمر، وأن يعرف ما سبب التهمة وأنَّه بريء فهذا من كرم يوسف عليه السلام وصدقه وثباته ﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ إذاً فأنساه الشيطان ذكر ربه على القول الراجح المراد به السابق قال ﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أي :- فلبث يوسف عليه السلام ﴿فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
1-وأكثر المفسرين على أن هذه البضع في الآية سبع سنوات فقالوا :- مكث في السجن سبع سنوات.
2-وبعضهم قال :- المدة كلها سبع سنوات.
3-وبعضهم قال :- بعد خروج هذا الفتى وذهابه إلى الملك.
قال بعدها ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ﴾ وأعلى منصب في مصر وقتئذٍ وقوله ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ﴾ ولم يسمه فرعون مع أنَّه في قصة موسى عليه السلام سمي الملك فرعون قالوا :- لأنَّ الملك في هذا العصر لم يكن من الفراعنة -ملوك القبط - وإنمّا كان في عصر الهكسوس، فكانوا يقال لهم ملوك لأنهم من العمالقة وهم الكنعانيون ولذلك كان يقال لهم ملوك الرعاة أي :- البدو، فهذا هو السبب في التعبير بالملك والعلم عند الله.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ﴾ والأصل ﴿إِنِّى رَأَيْتُ﴾ (يوسف: 4) لكن التعبير جاء بالفعل المضارع لاستحضار هذا المشهد وكأنه يرى هذه الرؤية وهو يقصها ﴿أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ بقرات هزيلات وهذا معنى ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ فمعنى ﴿عِجَافٌ﴾ يعني :- هزيلات. وهذا عجيب أنَّ السبع العجاف هي التي تأكل السبع السمان، والأصل أنَّ البقرة السمينة هي الأقوى.
﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ ﴾ أي :- رأى أيضًا سبع سنبلات خضر، ﴿وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ﴾ أي :- وسبع سنبلات يابسات، قال بعض المفسرين :- وهنا تقدير (وسبعة آخر يابسات تأكل الخضر) فهذا عُلِمَ مما قبل) إذًا المراد : ﴿أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ﴾ تأكل سبع سنبلات خضر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿ أَفۡتُونِي﴾ إذا تعبير الرؤيا فتوى ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ إنْ كنْتم عالمين بتفسير الرؤى.نعم
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :-
· وجوب اتباع ملة إبراهيم والبراءة من الشرك وأهله :- وذلك من قوله ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾
· كل الآلهة التي ﴿تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ما هي إلا أسماء على غير مسميات ليس لها في الألوهية نصيب :- قال الله سبحانه وتعالى ذاكراً قول يوسف ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ﴾
· استغلال المناصب للدعوة إلى الله كما استغلها يوسف عليه السلام في السجن :- إذ دعا إلى الله، وبدأ بالأهم فقال لهم ﴿إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾
والتعبير بكلمة استغلال صحيح لغة ولا حرج فيه، وإن كان بعضهم يؤثر أن يعبِّر بتعبيرات أخرى كأن يقول استثمار أو توظيف أو ما أشبه ذلك، والأمر في ذلك سهل ويسير من حيث التدقيق اللغوي والعلم عند الله تعالى نعم.
قال الشيخ حفظه الله
﴿قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾
أجاب الملأ الملك هذه الرؤيا التي رأيتها ﴿أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ﴾ أخلاط أحلام، وما كان كذلك فلا تلتفت إليه ثم قالوا ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾ قالوا هنا في التفسير (ولسنا عالمين بتأويل الأحلام المختلطة ) هذا ليس لنا فيه مجال، ولو أنهم سكتوا وقالوا لا نعلم لكان أحسن وأجمل، وهذا فيه أيضًا :-أنهم لما قالوا ذلك فإنَّ هذا لم ينفي أن يكون هناك تعبير صحيح، ولذلك مسألة أنَّ الرؤيا لأول عابر وما ورد في ذلك ليس على الإطلاق فقد يعبرها شخص ثم يعبرها آخر، ويكون تعبير الآخر أفضل من تعبير الأول وأدق وأصح، ويجري الأمر على ما فسره الثاني وهذا له تفصيل في كتاب الرؤيا وتعبير الرؤى كما هو معلوم.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ﴾
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي :- قال الساقي الذي نجي من السجن وصار مع الملك ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي :- تذكر بعد مُدَّة فقوله ﴿وَٱدَّكَرَ﴾ يعني :- تذكَّر بعد أُمَّة يعني بعد مدة زمنية وتقدَّم معنا أنَّ الأمة وردت في القرآن الكريم على أَوْجُه، ومن هذه الأوجه :-
1- أنَّها تأتي بمعنى المدة أو بمعنى الفترة الزمنية أو بمعنى الزمان ومنه ما تقدم معنا في سورة هود ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ﴾ [هود: 8] وقلنا وذلك أنَّ الناس يجتمعون في زمان فباعتبار أنَّ الزمان يجمعهم قيل له :- أمة.
قالوا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ﴾ أرسلوني فأنا أدلكم على تعبير الرؤيا حين تذكر يوسف عليه السلام فأرسلوه إلى يوسف، فالتقدير :- فأرسلوني فأرسلوه إلى يوسف فدخل على يوسف فقال يوسف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الصديق كل هذا إيجاز بالحذف هذا كثير في القصة.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾ تأمل هذا الوصف الذي وصف به الساقي يوسف عليه السلام، وهذا فيه أنَّ من عاشر الأنبياء والمرسلين عرف أخلاقهم. فمن قبل قالوا ﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ وهنا قال ﴿أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
ماذا قالوا هنا في المختصر؟ قالوا (لعلهم يعلمون تعبير رؤيا الملك ويعلمون فضلك ومكانتك ) إذًا هنا حذف المتعلق في قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون ماذا؟ فأفاد أكثر من معنى :- يعلمون تعبير الرؤيا، يعلمون فضلك ومكانتك فيكون لك مخرج وأنت من قبلُ طلبت مني أن أذكرك عند الملك فهذا خير ما تُذكَر به حين تعبر لهم تلك الرؤيا فأجاب يوسف عليه السلام.ومن جميل ما أجاب به يوسف عليه السلام أنَّه لم يعبر الرؤيا فحسب؛ وإنمّا عبر الرؤيا وبين المخرج وزاده.
فاجتمع في تعبير يوسف عليه السلام للرؤيا عدة أمور، فأنت قد تعبر للشخص الرؤية لكن لا تبين له المخرج أما يوسف عليه السلام فبين لهم المخرج مما تقتضيه تلك الرؤيا، ثم زادهم ما ليس موجوداً في الرؤية كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾
أي :- قال يوسف عليه السلام معبراً هذه الرؤيا تزرعون سبع سنين متتابعة بجد وهذا معنى ﴿دَأَبًا﴾ أي :- متتابعة بجد سيأتيكم الحصاد والخير والبركة فحينئذ ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ هذه السبع سنين دأباً هي السبع السمان ما يمن الله عز وجل عليكم فيها بالخيرات فاغتنموا تلك الفرص رزقكم الله برزق عميم ووفير ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ﴾ أي :- فاتركوه في سنابله منعاً له من التسوس لَأَنَّكُم إذا أخرجتموه تسوس إنمّا اقتصدوا وادخروا فخذوا ما يكفيكم وما بقي فيبقى في سنبله ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ ولذلك قالوا في استبقاء البذر تحصين الأقوات ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ يعني ما تحتاجون إلى أكله.
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾
يعني هناك سبع سنين ثم بعدها سبع أخرى سبع سنوات وهذا في تفسير العدد (سبع ) بسبع سنوات والسبع الأخرى بسبع سنوات ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي :- ثم تجيء من بعد تلك السنين السبع المخصبة وهي المعبر عنها بالبقر السمان وكذلك بقولهم فيما بعد ﴿ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ﴾ كناية عن الخير والبركة التي تعم البلاد في هذه السبع سنوات.
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ أي :- :- سبع سنين مجدبة يأكل الناس فيها كل ما حصد في السنين المخصبة فما ادخرتموه في السنوات السبع سيؤكل في هذه السنوات المجذبة قال ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي :- مما تحفظونه إلا قليلا مما تحفظونه مما يكون بذراً؛ لَأَنَّكُم بحاجة إلى إبقاء البذر ليُنبِت بعد ذلك.
ولذلك قالوا :- الإحصان : الإحراز وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن وهو الحرز والملجأ فهذا قوله ﴿مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في استبقاء البذر تحصين للأقوات لأنَّ بقاء البذر هذا ينفع فيما المستقبل.
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
بعد هذه السبع السنوات الشديدة التي تمر عليكم بفضل الله دون معاناة ولذلك صارت مصر بفضل الله محط الأنظار فيأتيها الناس من هنا وهناك كما جاء إخوة يوسف إلى مصر طالبين منهم الخير والبركة والعطاء وذلك لأنهم بفضل الله طبقوا ما قاله يوسف عليه السلام في تعبير هذه الرؤيا فكانت سبب خروج مصر من أزمة عظيمة وقع فيها كثيرون أو وقعت فيها بلاد كثيرة قال ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
﴿يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ يعني تنزل الأمطار بغزارة وتنبت الزروع، وهذا هو الغيث لأنَّ الغيث هو المطر النافع ولا يقال له غيث إلا إذا كان مطراً نافعاً ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قالوا :- يعصر فيه الناس ما يحتاج للعصر كالعنب والزيتون والقصب قالوا "وهذا ليس موجوداً في الرؤيا "
ليس في الرؤيا ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ من أين أتى به يوسف عليه السلام؟ فقيل هذا بالوحي أعلمه الله به فأنبأ زيادة عما طلبوا، وهذا فيه أنَّ العالم والمفتي إذا استطاع أن يفيد غيره بفائدة زائدة فهو حسن ويوسف يوحى عليه الصلاة والسلام.
وقال بعضهم : استفاده يوسف من واقع الأمر في الرؤية لأنه لما ذكر العدد سبعة فيما يتعلق باليسر والخصب أو خصوبة الأرض والزرع ثم ذكرت سبع سنوات مجدبة عُلِمَ أنَّ الجدب سينتهي بعد سبع سنوات، وحينئذ سيعود الخير مرة أخرى بعده السبع السنوات المجدبة فسيعم الخير، ومن ذلك أن يستقي الناس أو أن يُسقَى الناس، وأن يعصر الناس والعلم عند الله تعالى.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾
﴿ٱئْتُونِى بِهِۦ﴾ هنا تقديرات :- فذهب الذي نجا منهما إلى الملك، وقص عليه الرؤيا إلى غير ذلك لكن هذا معلوم طُوِيَ ذكره لكنَّه حاضر في العقل والقلب ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حين سمع هذا التعبير الرائق الفائق الجليل العظيم ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾ جاءه الرسول من عند الملك يطلب منه أو يأتي به إلى الملك ﴿قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ وقد ثبت في الصحيحين H0 وتأمل قوله ﴿مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ دون أن يقول ما بال امرأة العزيز؟ إنمّا قال ﴿مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ لأنَّ :-
1-البحث في أمر النسوة أخف من البحث في امرأة العزيز، ولها شأن وللعزيز شأن عند الملك أَلَا فليبتعد عن هذا وليتوجه إلى النسوة والنسوة ستجلب ما بعده ذلك وتظهر الحقائق وهذا من فقه يوسف عليه الصلاة والسلام فيما قال.
2- وقال بعضهم :- من باب الستر عليها وألا يتكلم في حقها بشيء وإنمّا يأتي الأمر تباعاً بما يٌثبِت براءته عليه السلام ﴿فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أو أنَّ الأمر انتشر جداً بعد تقطيع النسوة أيديهن، واتُهم يوسف عليه السلام بما هو بريء منه.
﴿إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ إنَّ ربي بكيدهن وتدبيرهن ومكرهن عليم.
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ﴾ تأمل هذا الإيجاز القرآني :- فذهب الرسول إلى الملك وأخبره بما قال يوسف، فأرسل الملك إلى النسوة قال ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ﴾
﴿قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ﴾ حاشا يوسف المعصية لأجل طاعة الله سبحانه وتعالى ولأجل تعظيمة لله ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ﴾ وتأمل قولهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ﴾ فــ (سوء ) نكرة جاءت في سياق النفي لتدل على التعميم ثم دخلت عليها (من) لتكون نصاً في التعميم أي :- ما علمنا عليه أدنى سوء، وهذا ينفي كل سوء عن يوسف عليه السلام.﴿قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ﴾ لهجت ونطقت.
﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ أي :- : ظهر الحق بعد كتمانها له، وبعد اتهامها ليوسف عليه الصلاة والسلام، وسعيها في سجنه وتخطيطها له ﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ﴾ هي التي تعترف بذلك ﴿أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام.
﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ﴾
﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ مَنْ قائل ذلك؟ اختلفوا في هذا :-
1- قالوا هنا في التفسير (قالت امرأة العزيز) إذًا كما قالت ﴿أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ فالكلام هذا من تتمة كلام امرأة العزيز وهو الأرجح والأقرب قالت ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾، قالوا هنا في التفسير (قالت امرأة العزيز ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا التي راودته، وأنه صادق أني لم أفترِ عليه في غيابه) إذًا ذلك تقوله امرأة العزيز : ذلك الذي أقوله ﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أي :- ليعلم يوسف ﴿أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أني لم أفترِ عليه في غيابه؛ بل اعترفت وقلت الحق ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ﴾ قالوا أيضًا :- من تتمة كلام امرأة العزيز﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
وهناك قول ثاني يقولون فيه :- إنَّ ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾، أيضًا من كلام امرأة العزيز ولكن الضمير في قولها ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي :- ليعلم زوجي ﴿أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أنَّ ما فعلته ما هو إلا مراودة، وأنني لم أصل إلى الفاحشة وإنمّا كانت مراودة ليوسف فحسب دون زيادة على ذلك فجعلوها في شأن العزيز؛ والأقرب أنها في حق يوسف عليه الصلاة والسلام.
2- وهناك وجه آخر :- يجعل الكلام من كلام يوسف ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أي :- يوسف يقول ذلك :- ليعلم العزيز ﴿أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾، لم يكن مني خيانة له؛ بل أنا حفظت عهده، ولذلك قال ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ وكذلك في قوله ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾ جعلوها من قول يوسف عليه السلام وهم يقولون المراد به حديث النفس لا يبرئ نفسه منه إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ؛ لأنَّه صرفه عنه سبحانه وتعالى لكن الأقرب والعلم عند الله أنَّ القول من أوله إلى آخره مما ذكره الله عن امرأة العزيز إذ بينت أنَّ الحق قد ظهر، وَأَنَّهَا لم تخن يوسف عليه السلام - بمعنى أنها قالت في حقه الحق - ولم تفتري عليه في غيابه والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات
· من كمال أدب يوسف أنه أشار لحدث النسوة، ولم يشر إلى حدث امرأة العزيز : ولذلك قال ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ وقد تقدم ذكر بعض الفوائد والأسرار من ذلك والعلم عند الله.
· كمال علم يوسف عليه السلام في حسن تعبير الرؤيا: وهذا واضح وجلي، وهذا الذي حمل الملك على أن يستدعيه حينما رأى ما رأى من وفور علمه وكمال ذكائه.
· مشروعية تبرئة النفس بما نسب إليها ظلما وطلب تقصي الحقائق لإثبات الحق : ولذلك قال ﴿قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ دون أن يتعجل فيخرج عليه الصلاة والسلام
· فضيلة الصدق وقول الحق ولوكان على النفس :حينما قالت امرأة العزيز ﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ وبعض العلماء أيضًا يجعل ﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ من باب الأمثال المرسلة ففي بعض المواضع يقال ﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ وهذا كما تقدم يجوزه كثير من العلماء في مقام الجد، وليس في مقام الهزل واللعب تعظيماً لكتاب الله، ولعدم الاستخفاف به نعم.
قال الشيخ حفظه الله
﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
تقدم أنَّ قوله ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ﴾ للمفسرين فيها قولان مشهوران :-
1-فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هذا من كلام امرأة العزيز فهو من مواصلتها للكلام، وهذا هو الأقرب فهي تقول أيضًا ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ﴾ أنا أقول ﴿ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ ومع ذلك فأنا لا أبرئ نفسي ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾ فقد دعتها نفسها إلى أن أمرتها بسوء، وهمت بيوسف عليه السلام وأرادته عن نفسه. ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ﴾ أي :- لكثيرة الأمر بالسوء ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
2-وبعض المفسرين يجعل هذا من كلام يوسف عليه السلام ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾ وأنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام قال ذلك تواضعاً بعدما ثبتت براءته، فيقول : ومع ذلك ما أبرئ نفسي فأنا أيضًا أعترف لربي بالتقصير كما يعترف الأنبياء والمرسلون بما يتعلق بحق الله كقول الرسول صلى الله عليه وسلم ((اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي)).
3-وبعضهم يجعل ذلك ما كان من حديث النفس عند قول من قال :- إنَّ الهم الذي همَّ به يوسف هو حديث النفس وتقدم الكلام على هذا الهم؟ وهل كان كذلك أم كان غير ذلك؟ على ما تقدم بيانه.
لكن الأقرب والله أعلم أنَّ المراد بقوله ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾ ما جرى من حديث امرأة العزيز من كلامها ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقوله ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ﴾ فيه أنَّ النفس قد تأمر الإنسان بالسوء؛ بل كثيرة الأمر بالسوء ولذلك جاء التعبير بقوله ﴿لَأَمَّارَةٌۢ﴾.
وهناك النفس اللوامة كما قال الله ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾
وهناك النفس المطمئنة ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]
فالنفس قد تكون أمارة بالسوء، وقد تكون لوامة، وقد تكون مطمئنة وأحسنها النفس المطمئنة جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه.
قال سبحانه ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى﴾ حقَّقَ الملك ليوسف عليه السلام طلبَه فقد ثبتت براءة يوسف عليه السلام من هذه التهمة التي من أجلها سُجِنَ وهو بريء عليه الصلاة والسلام.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يعني :- جيئوني به لنفسي أجعله خالصاً لنفسي له مقام عندي ومنزلة ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي :- فجاءوا به فدخل على الملك ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ : - مكين عندنا صاحب مكانة وجاه ومنزلة.
﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
﴿قَالَ﴾ أي :- قال يوسف عليه السلام ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي :- قال يوسف للملك وَلِّنِي على حفظ خزائن المال والأقوات في الأرض- في أرض مصر - فإنِّي خازن أمين ذو علم وبصيرة بما أتولى، طلب يوسف عليه السلام أن يتولى خزائن الأَمْوَال والأقوات في مصر، وهذا فيه أنَّه لا بأس في مثل هذه المقامات أن يطلب الإنسان الصدارة وذلك لأنَّ يوسف عليه السلام كان يعلم ما ستمر به مصر، فهي ليست مغنماً بقدر ما هي مسؤولية كبيرة! وليس يقدر على تحمل هذه المسؤولية إلا من كان حفيظاً عليماً فلخشية يوسف عليه السلام على أهل مصر وليكون في موقع يسهل عليه الدعوة إلى الله وما إلى ذلك طلب يوسف عليه السلام ذلك ولذا أُعِيَن عليها وإلا فالأصل أنَّ الإنسان لا يحرص على الإمارة، ولا يدعو نفسه إليها، ولا يطلبها فإنَّه إن فعل ذلك وُكِلَ إليها؛ وأمَّا إن أُسنِدتْ إليه دون طلب أو من غير مسألة منه أُعِيَن عليها كما جاءت بذلك الأحاديث H0.
وأيضاً يدخل في ذلك الثناء على النفس فالأصل أنَّ الإنسان لا يثني على نفسه ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32] ولكن إذا اقتضى المقام التزكية كأن يُعرِّفَ الإنسان بنفسه وأن يعرف الناس قدره حتى يستفيدوا من علمه أو فضله أو اختصاصه بباب من الأبواب كانوا منصرفين عنه فلا حرج عليه، ولا يدخل في تزكية النفس المذمومة والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وفيه :- أنَّه سمَّى مصر الأرض فهي الأرض باعتبار لأنَّها المعهودة في الحديث فحديثنا عن الأرض التي نعيش عليها هي أرض مصر، وبعض العلماء استفاد من ذلك أنَّ مصر كانت بمثابة الأرض لجميع من حولها؛ لأنَّ من حولها يأخذون منها ويستفيدون منها فقد كان جماع الخير فيها بفضل الله سبحانه ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ :- خزائن الأَمْوَال والأقوات
﴿إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فيه أيضًا :- أنَّ مَنْ يتولى ينبغي أن يُرَاعى فيه هذه الشروط، وهو أن يكون حفيظاً وأن يكون عليماً قالوا هنا (خازن أمين ذو علم وبصيرة ) فقولهم (خازن أمين ) هذا في معنى حفيظ إذًا يُشتَرط في من يتولى أمراً من الأمور 1- أن يكون أميناً، 2- والأمر الثاني أن يكون عليماً بأن يكون ذا خبرة، ولذلك كما قالوا في قصة موسى عليه السلام ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ [القصص: 26] القوي الامين :- فالقوي الأمين - الأمين في معنى الحفيظ - والقوي في معنى العليم لأنَّ الخبرة بحسب الباب المراد، فقد تكون الخبرة علمية، وقد تكون عملية، أو قوة بدنية أو عقلية وما إلى ذلك والجمع بين ذلك كله لا شك أنَّه أفضل الخير والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ومن ذلك أيضًا ما مر معنا في قصة طالوت وجالوت في قول الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247]
﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
وهذا فيه :- أنَّ الملك استجاب ليوسف عليه السلام فمكنَ الله له فلما قال يوسف للملك ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فاستجاب الملك ليوسف عليه السلام بدليل ما بعده ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾
أي :- قالوا هنا (وكما من نار على يوسف بالبراءة والخلاص من نار عليه بالتمكين له في مصر) هذا معنى وكذلك مثل التمكين بخروجه من السجن أيضًا مكنا ليوسف بتوليه هذه الولاية
قال ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ تأملوا يا أيها الإخوة الكرام! هذه الجملة التي تكررت مضت معنا في السابق في قول الله ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 21] سبحان الله! حينما دخل عند هذا العزيز وكان بينهم غلاماً، وكان يستجيب لهم ويسمع لهم ويطيع قال الله ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا﴾ لأنَّ هذا الموقع هوالذي جرَّه إلى هذا الموقع فالله ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا هيأ أسبابه ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ هذه الرؤية التي رآها الملك كانت السبب في التعريف بيوسف عليه السلام فربك ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا هيأ أسبابه سبحانه وتعالى قال الله عز وجل ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾
يوسف عليه السلام الذي أُلقِي في غيابة الجب وهو في هذا المكان إذا به يخرج إلى سعة الدنيا، ويخرج إلى هذا المكان وإلى هذا الموقع الكبير ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
قال ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا حكم عام بعموم المحسنين يحفظهم الله ويعطيهم من أجره ولعلكم على ذكر مما ذكرناه في أول السورة ونحن نتحدث عن مقاصد السورة الكريمة، وأنَّ من مقاصدها بيان الإحسان كما قال في أول سورة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] وقلنا :- إنَّ يوسف عليه السلام ذكَّر بالإحسان في السورة في مواضع عديدة بلغت خمسة مواضع منها هذا الموضع ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
﴿وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾
إذا كان هذا في الدنيا فكيف عن الآخرة؟ ﴿وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أعظم ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾.
﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾
انتقلت بنا السورة الكريمة إلى موقف آخر، وإلى عهد يوسف عليه السلام الذي أُلقِي في غيابة الجب يوسف عليه السلام الذي سُجِن، يوسف عليه السلام الذي خدم في بيت العزيز إذا به الآن على سُدَّة الأمر إذا به الآن بمثابة الوزير كما يقال في هذه الأيام إذا به على الأَمْوَال، إذا به على الخزائن ويأتيه إخوة يوسف طالبين الإعانة - طالبين الخير والعطاء - من أهل مصر ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾
عرفهم يوسف ﴿وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ قالوا هنا (لم يعرفون أنَّه أخوهم بطول المدة وتغير هيئته لأنه كان صبياً حين رموه في البئر ) والواقع أنَّ المظلوم لا ينسى، والظالم قد ينسى فالظالم في كثير من الأحيان قد ينسى؛ وأما المظلوم الذي أصيب بالظلم فإنَّه يتذكر مظلمته.
قال الله سبحانه ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾
إنَّه يوسف الكريم لم يجابه، ولم يواجههم في أول الأمر مَنْ أنتم؟ ومَنْ جاء بكم؟ وكيف جئتم؟ ﴿إِلَّا﴾ تتذكرون! ولم يستعمل قوته، ولم يستعمل مكانته؛ وإنمّا أحسن إِلَيْهِم ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أي :- أعطاهم ما طلبوا من الميرة والزاد ﴿قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ قد يكون دار بينهم حوار فذكر أنَّ لهم أخاً فطلب أن يرى الأخ، وهنا قالوا في التفسير (قال بعد أن أخبروه أنَّ لهم أخاً من أبيهم تركوه عند أبيه جيئوني بأخيكم من أبيكم أزدكم حمل بعير ) وكأنهم أرادوا أن يذكروا أنَّ لهم أخًا حتى يزيدهم في العطاء فحينئذٍ استثمرها يوسف عليه السلام فرصة يريد أن يرى أخاه وأن يطلع على أمره فحينئذ قال لهم ﴿ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ قال :- ﴿ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ فهو أخوهم من الأب كيوسف عليه السلام، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ لا مجال للقلق أنتم إن أتيتم به فإنني سأزيدكم كيلاً بفضل الله سبحانه وتعالى.
﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾
﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ﴾ إن لم تجئوني به فهذا يدل على كذبكم، وأنَّكم مدعون؛ وإلا لو كنتم صادقين فهاتوا هذا الأخ حتى أراه، وحتى أزيدكم قال ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾
والأصل :- ولا تقربوا لكن قال ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي :- ولا تقربوني - لا تقربوني- ولا علاقة لكم ببلدي لَأَنَّكُم كاذبون، وثبت لي كذبكم عندئذٍ - فلا تقربوني -.
﴿قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ﴾
فأجابه إخوته قائلين سنطلبه من أبيه ونجتهد في ذلك، وكأنَّ يعقوب عليه الصلاة والسلام بدأ يحترز منهم في هذا الأمر بعدما وقع ليوسف عليه السلام ما وقع، ويدل على ذلك ما جاء بعده ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66].
﴿وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
والقراءة الأخرى ﴿وَقَالَ لِفِتۡيَتِهِ﴾ ﴿ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ﴾ المراد به الثمن الأَمْوَال فأعطاهم ما يريدون من زاد ومتاع، وترك المال ما يريد منهم شيئًا إكراماً، وأيضاً لعلهم يرجعون.
وفي قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بعد قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ﴾ يعرفون أنَّ هذه البضاعة، وأنَّه ما أخذها منهم ﴿إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
قالوا هنا (وهذا يجبرهم على الرجوع ثانية، ومعهم أخوه ) إمَّا لأنهم ليس من دأبهم أن يتركوا المال؛ وإنمّا يدفعون لأنهم أولاد نبي مبارك وهو يعقوب عليه السلام فيرجعون من أجل رد ذلك، فيُجبَرون على العودة، ومن جهة أخرى يرون عظيم الإكرام فحينئذ يرون أنَّ هذا الرجل المكرم لا بد أنْ يُجَاب إلى طلبه، وأن نذهب بأخينا فإنَّه سيكرمنا أكثر وأكثر.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾
﴿فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ﴾ أي :- مُنِعَ منا الكيل إن لم يذهب معنا أخونا، فالأمر معلق على ذهاب أخينا، فليذهب معنا أخونا لندلل على صدقنا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾
وقوله ﴿نَكْتَلْ﴾ الجواب أرسل يعني: إن تُرْسِله معنا نكتل، وليس «نكتل» اسمًا لأخينا كما ادعاه بعضهم.
فبعضهم قال : ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا﴾واسمه ﴿نَكْتَلْ﴾ وهذا بعيد.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾وهذا يدل عليه أنَّهم قالوا قبلُ : ﴿مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ﴾ فما المخرج؟ أي :- منع منا الكيل إلا إذا أرسلت معنا أخانا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾
﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ لنتعهد لك بحفظه حتى يرجع إليك سالماً
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات
من أعداء المؤمن نفسه التي بين جنبيه لذا وجب عليه مراقبتها وتقويم اعوجاجها : ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ولذلك فالإنسان مطالب بمراقبة نفسه ومعاتبتها ومجاهدتها ومعاقبتها أن استحقت عقابا إلى غير ذلك مما هومعروف بدءاً بالمشارطة بأن يشترط عليها لزوم الطاعة وقد قال الله ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]
· اشتراط العلم والأمانة في من يتولى منصباً يصلح به أمر العامة : ولذلك فإنَّ الله عز وجل ذكر أنَّ يوسف عليه السلام قال ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فقوله ﴿عَلِيمٞ﴾ يدل على العلم وقوله ﴿ حَفِيظٌ﴾ يدل على الأمانة كما تقدم معنا في قوله ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]
· بيان أنَّ ما في الآخرة من فضل الله إنمّا هو خير وأبقى وأفضل لأْهْل الإيمان : ﴿وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾
· جواز طلب الرجل المنصب ومدحه لنفسه إن دعت الحاجة وكان مريداً للخير والصلاح : ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فهذا يتأتى إن دعت إليه الحاجة، وإلا فالأصل ﴿إِلَّا﴾ يستشرف الإنسان إليها، وألا يطلبها وأيضاً ﴿إِلَّا﴾ يُزكِّي نفسه، وألا يمدح نفسه إلا إذا دعت إلى ذلك الحاجة وكان مريداً للخير والصلاح كأن يقول :- أنا بفضل الله عندي علم بكذا حتى يفيد الناس، وحتى يعرف الناس ذلك فيستفيد من علمه وما إلى ذلك والعلم عند الله تعالى. نعم.
قال الشيخ حفظه الله
﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
قال لهم أبوهم عليه السلام حين رجعوا إليه، وأخبروه بما أخبروه به من طلبهم أن يُرسل معهم أخاهم ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [يوسف: 63] ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ قد ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ الشقيق ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فماذا كان؟ ولذلك تأمل قولهم ﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ قالوها في حق يوسف وهم الآن يقولونها في حق أخي يوسف عليه السلام ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا﴾ والقراءة الأخرى ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا﴾ فالله سبحانه وتعالى هو خير حافظ سبحانه وتعالى ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ والمعنى :- أنتم تعهدتم بحفظه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، ولم توفوا بما تعاهدتم به، فلا ثقة عندي بتعهدكم بحفظه إنمّا ثقتي بالله فهو خير الحافظين عز وجل.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ﴾ قالوا هنا (أوعية طعامهم وجدوا بضاعتهم ) أي :- وجدوا الثمن رد الثمن والبضاعة أو الثمن والطعام هذا وذاك! ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ ما الذي نبغيه فوق ذلك؟ ما الذي نطلبه فوق هذا الإكرام! فقد أكرمنا وأعطانا الطعام، وترك لنا المال.
﴿هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ الثمن معنا، ومع ذلك أخذنا ما أخذنا من الطعام ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي :- نجلب الطعام لأهلنا، ونحفظ أخانا ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ نزداد كيلَ بعير قد وُعِدْنَا به إن اصطحبنا أخانا معنا ﴿ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أمر وسهل عند العزيز، وتأمل قولهم عند العزيز لأنَّ المراد به يوسف لأنَّ منصبه كان منصب العزيز، ولذلك بعد ذلك قالوا ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾
لأنَّ يعقوب عليه السلام جرَّب منهم ما جرى؛ ولكنَّه يعلم الضرورة لذهاب أخيهم لذهاب ولده؛ لأنهم بحاجة إلى الكيل بالفعل، وقد رأى علامات تدل على صدق هذا الذي ذكروه فالبضاعة رجعتْ والأَمْوَال رجعت! ولكن حينما يتذكر يوسف عليه السلام يعلم ما وقع منهم.
﴿لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ﴾ إلا بشرط ﴿حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ﴾ عهد مؤكد من الله ﴿لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ هذا من استثنائه عليه الصلاة والسلام - استثنى استثناءً جميلاً وجليلاً - ﴿لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ﴾ لكن إذا أحيط بكم، وهلكتم جميعاً فأنتم حينئذٍ لا تثريب عليكم ماذا تصنعون! هذا أمر خرج عنكم
﴿إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي :- إلا أن أحاط هلاكم بكم جميعا ولم يبق منكم أحداً، ولم تقدروا على دفعه ولا الرجوع ﴿فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطوه الميثاق، والموثق ﴿قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾
﴿قَالَ﴾ أي :- قال يعقوب ﴿ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ فقوله ﴿ٱللَّهُ﴾ هو مقول القول، وليس هو الفاعل لـ(قال) إنمّا المعنى ﴿قَالَ﴾ أي :- قال يعقوب ﴿ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال :- ﴿ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾
﴿وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ﴾ بدأ ينصحهم يعقوب عليه السلام ﴿لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ﴾ أي :- لا تدخلوا مصر من باب واحد ﴿وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ قالوا هنا ( في ذلك أسلم من أن يعمَّكم أحد بضرر إن أراده بكم ) وهذا من فقهه إذا تعرضتم لضرر فلا يكن هذا للجميع ولكن بعضكم ينجو منه فهذا أخف فلئن يُصَاب البعض خير من أن يصاب الجميع والكل، وبعضهم قال :- خوف الحسد عليهم عليه الصلاة والسلام.
﴿وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ أنا أعلم أنَّ كل شيء بقدر، وأنَّ القضاء قضاء وأنا أؤمن بذلك؛ لكن لا يمنع من الأخذ بالأسباب ففي هذا إشارة إلى الأخذ بالأسباب من جهة، وإلى أنَّ العبد يعلم أنَّ كل شيء يقع بقدر.
﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ لا أقول لكم ذلك لأدفع عنكم ضرراً أراده الله بكم، ولا لأجلب لكم نفعا لم يرده الله؛ فالقضاء ليس إلا قضاء الله سبحانه وتعالى، والأمر ليس إلا أمر رب العزة سبحانه وتعالى.
قال ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾
تأملوا قال يوسف ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وقال يعقوب ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وقدَّم (على) لأنَّ التوكل على الله وحده ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ قالوا هنا (فارتحلوا ومعهم أخوه الشقيق ) هذا فيه تقدير إذًا : ارتحلوا ومعهم أخوه الشقيق، ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ أي :- ﴿وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾
﴿مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ : ما كان يدفع عنهم دخولهم ﴿وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ شيئًا مما قدره الله عليه إنمّا هي استجابة لقول يعقوب وأخذ بالأسباب قال ﴿إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا﴾
ما معنى ﴿حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا﴾ قالوا هنا (هي شفقة يعقوب على أولاده) إذًا ما المراد بالحاجة؟ شفقة يعقوب على أولاده وما معنى قضاها؟ أي :- أظهرها، - أظهرها لهم - أظهر الشفقة حين قال ﴿لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾
﴿وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ﴾ فهو عالم بما علمناه من الإيمان بالقدر، والأخذ بالأسباب وهذا من الثناء الجميل على يعقوب عليه السلام ﴿وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ﴾ :-
1-للعلم الذي علمناه فهو عليه الصلاة والسلام يعلم أنَّ كل شيء بقدر ويأخذ بالأسباب.
2-وبعض العلماء يقول ﴿و لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ ﴾ أي :- عمل فهو ذو علم وعمل لما علمناه، فهو يطبق ما يعلمه من الوحي﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ أي :- دخل إخوة يوسف على يوسف ﴿اوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي :- ضمه إليه وقال له سراً - دون إخوته - ﴿إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ﴾ أي :- الشقيق ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ قالوا : فلا تحزن لما كان يصنعه إخوتك من الأعمال الطائشة من إيذاء وحقد علينا وإلقاءهم إياي في البئر نعم.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
· الأمر بالاحتياط والحذر ممن أثر عنه غدر وقد ورد في الحديث الصحيح (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ) أخرجه البخاري ومسلم : وهذا ظاهر في قوله ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ فلا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.
· من وجوه الاحتياط التأكد بأخذ المواثيق المؤكدة باليمين وجواز استحلاف المخوف منه على حفظ الودائع والأمانات : ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾
· يجوز لطالب اليمين أن يستثني بعض الأمور التي يرى أنها ليست في مقدور من يحلف اليمين : ولذلك قال ﴿إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ فاستثنى عليه الصلاة والسلام.
من الأخذ بالأسباب الاحتياط من المهالك : ومن ذلك قوله ﴿لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾
ونقف عند هذا الحد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السادس والسَّبْعُونَ مِنْ المُخْتَصَرِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعدُ، فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في لقاء جديد ومجلس جديد من مجالس التعليق على المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة يوسف عليه الصلاة والسلام نعم.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ﴾
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ المراد بهذا التجهيز ما أعطاهم إياه يوسف عليه السلام من تحميل إبل إخوته بالطعام فرجعوا محملين بالطعام الذي أعطاهم إياه يوسف عليه الصلاة والسلام؛ لكنَّ قوله ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ قالوا هنا في التفسير (فلما أمر يوسف خدامه بتحميل إبل إخوته بالطعام)، وذلك أنَّ يوسف عليه السلام في هذا المقام وهو عزيز إلَّا أنَّه ليس هوالذي يقوم بالتجهيز بنفسه، ولا يلزم هذا فلذلك قالوا هنا (فلما أمر يوسف خدامه) وهذا كما نقول :- ( فعل الأمير كذا - بنى الأمير كذا ) والمراد بذلك عُمَّاله وهذا ما يسميه علماء البلاغة بالمجاز العقلي لذلك هنا ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾ نُسِبَ التجهيز إلى يوسف والمراد أنَّه الآمر بالجهل فهؤلاء الخدام والعمال ما قاموا بما قاموا به إلا بأمر من يوسف عليه السلام فنُسِبَ التجهيز إليه ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قالوا (والسقاية إناء كبير يُسقى به) وهو المراد بالصواع المذكور بعد ذلك إذا عبر عنه بالسقاية وعبر عنه أيضًا بالصواع.
﴿جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ﴾ قالوا هنا (جعل مكيال الملك الذي يكيل به الطعام ) فكان هناك صواع وهو مكيال للملك يكيل به الطعام (جعله في وعاء أخيه الشقيق) وهوالمسمى ببنيامين كما جاء في الروايات المذكورة في ذلك ولا يضيرنا باسمه المهم أنَّه أخوه الشقيق الذي أتى معهم وطلبه يوسف عليه الصلاة والسلام ليزدادوا به كيلَ بعير توصلاً إلى إبقائه معه، أراد يوسف عليه السلام أن يحتال حيلة بأن فيكون أخوه معه لمصلحة راجحة.
فوائد من هذا الدرس
- وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ
- أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ
- وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ