سورة يوسف — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
ولذلك أهل العلم يقولون إنَّ الحيل على نوعين :- 1-هناك حيل مشروعة 2- وهناك حيل ممنوعة.
فالإنسان إذا احتال للوصول إلى الحق لا حرج عليه في ذلك؛ وأما إذا كانت الحيلة يُرَاد منها إسقاط حق أو زعم باطل فإِنَّهَا حينئذ لا تصح، ولا تجوز ولذلك جاء بعد ذلك ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾
قال الله سبحانه ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي :- نادى مناد فالتأذين معناه النداء والإعلام ﴿أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ﴾ أي :- نادى في أثرهم أيتها العير – يعني - يا أصحاب الإبل المحملة بالميرة ﴿إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ﴾ فحكم عليهم بأنَّهم سارقون أي :- في غالب الأمر لأنَّ الصواع قد اختفى، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون قد اختفى إلا بفعل فاعل، وأنتم الذين أمامنا إذا أنتم المتهمون فهذا معنى رميهم إياه رميه أي :- بالسرقة -.
وهنا قد يقول قائل : كيف اتهمهم بالسرقة وهم برءاء من ذلك في حقيقة الأمر؟
فيُمكِن أن يُقال إنَّ هذا اجتهاد منه، وإنمّا قال يوسف اسألوهم سلوهم، وابحثوا عما في أيديهم، أو عما في رحالهم فقال قائلهم ﴿إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ﴾ وبعض المفسرين قال :- لعل في ذلك تعريضًا أمرهم بأن يقولوا ذلك؛ لأنهم في حقيقة الأمر سرقوا يوسف نفسه فعاد بهم إلى السرقة الأولى، وهي أنهم سرقوا يوسف عليه السلام من أبيهم يعقوب عليه السلام.
﴿قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾
قال إخوة يوسف وأقبلوا على المنادي في أثرهم ومن معهم أصحابه ماذا ضاع منكم حتى تتهمونا بالسرقة؟ ولأنَّ إخوة يوسف عليه السلام ليسوا بسارقين فإنَّهم تكلموا بثبات وقوة لذلك أقبلوا عليهم، لم يكن هناك داع إلى أن يقع منهم خوف أو قلق أو فزع أو هرب؛ لأنَّهم يرون أنَّهم برءاء مما دعي عليهم أو اتُّهموا به ﴿قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ ماذا ضاع منكم حتى تتهمونا بالسرق؟
﴿قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ﴾
﴿قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ نفقد صاع الملك الذي يكيل به وأضافوا الصواع إلى الملك لبيان أنَّ له قدرا وشأناً وأنَّه لا ينبغي اخفاؤه ولا سرقته فإنَّ الأمر جد خطير، فلذلك ﴿قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ اتجهوا معهم إلى جانب آخر وهو جانب الترغيب، وهو أنَّ مَنْ جاء به قبل التفتيش فله جُعْل وهذا معنى ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ يعني :- مَنْ استخرجه أو أخرجه وأعطانا إياه فإننا فضلاً عن العفو فإنَّنا سنعطيه عطاءً وجُعْلاً ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ﴾ قالوا هنا أي :- ولمن جاء بصاع الملك قبل التفتيش جُعْل :- وهو حمل جمل، وهو ما كان ينتظره أحدهم ولذلك قال هنا ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ولذلك قالوا لأبيهم أيضًا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ وقالوا ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
قال :﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ﴾ أي :- وأنا ضامن له بذلك، وأنا ضامن له بذلك، وعندنا في شريعتنا ما يسمى بالجُعَالة : بأن يجعل جُعلاً على من أنجز مهمة بأن يُقال مَنْ رفع هذا الشيء إلى هذا الموضع من البيت فإنَّ له كذا، وأنت لا تستأجر شخصاً بعينه؛ وإنمّا أنت تجعل الجُعْلَ على العمل؛ فإنْ قام به واحد أو قام به أكثر استحقوا هذه الجعالة أو هذا الجُعْلَ الذي جُعِلَ وكذلك ﴿وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ﴾ ضامن، وعندنا أيضًا في شريعتنا ما يقال له باب الضمان والكفالة.
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ﴾
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ﴾ فأقسموا بالله، ويقولون : إنَّ القسم بقول (تالله) إنمّا يستخدم مع الشيء الغريب والعجيب يعني هذا الادعاء - ادعاء عجيب - دعواكم علينا بأنَّنا سارقون هذا شيء غريب وعجيب! وقد جاءوا قبل ذلك، ولا يعرف عنهم سرقة ﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يعني :- تعلمون نزاهتنا وبرائتنا كما رأيتموه من أحوالنا ﴿وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ﴾ ما جئنا أرض مصر لنفسد فيها، وما كنا في حياتنا سارقين، فلم نسرق ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، ولسنا سارقين في هذا المقام.
﴿قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ قالوا ﴿قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ﴾ ما العقوبة إذا وقع؟ إذا كان هناك كذب؟ إن كان هناك كذب وثبتت السرقة عليكم فقالوا :-
﴿قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
وتأمل ﴿قَالُواْ ﴾ ﴿قَالُواْ ﴾ ﴿قَالُواْ ﴾ لأنَّ المقام مقام المحاورة وقلنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنَّه في مقام المحاورة يكون الجواب ﴿قَالُواْ ﴾ دون دخول الفاء أو الواو ﴿قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ﴾
قوله ﴿ جَزَٰٓؤُهُۥ﴾ هذا مبتدأ - والهاء مضاف إليه - والخبر الجملة التي بعده ﴿مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ﴾ سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنَّ مَنْ في قوله ﴿ مَن﴾ سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها شرطية أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها موصولة ﴿مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ﴾ عندنا العقوبة أنَّه إذا ثبتت على شخص استرُقَ صار رقيقاً يؤخذ على أنَّه رقيق فهذه هي العقوبة ولذلك قالوا هنا (جزاء السارق عندنا أنَّ من وُجِدَ المسروق في وعائه يُسلَّم برقبته للمسروق منه يسترِقُّه هذا الجزاء بالاسترقاق نجزي السارقين)، فكانت العقوبة عندهم أنَّه إذا سرق سارق وثبتت السرقة منه أخذ وصار مستَرَقَّاً عند مَنْ سرق منه وهذه العقوبة لم تكن العقوبة المعروفة في مصر، فالعقوبة التي كانت معروفة في مصر وفي عهد هذا الملك الذي كان يوسف عليه السلام عزيزاً على مصر في حينه كانت العقوبة عقوبة تغريم بأن يغرَّم ويعاقب وما إلى ذلك، لكن لا يُسترق ويوسف عليه السلام قدَّر الله عز وجل له أن يُدبِّر له التخطيط الذي يجعل أخاً يوسف فيكون معه فلو أنَّه أخذ بحكم أهل مصر ما كان ليُستَرَقَّ وإنما طُلبت منهم غرامة لكنهم لما حكموا على أنفسهم ورضوا لأنفسهم بهذا الحكم فإنَّ هذا معناه : أنَّ أخا يوسف عليه السلام سيبقى معه وهوالمراد.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ قالوا هنا في التفسير (فأرجعوهم إلى يوسف لتفتيش أوعيتهم فبدأ بتفتيش أوعية إخوته غير الأشقاء قبل تفتيش وعاء أخيه الشقيق ستراً للحيلة) يعني لماذا بدأ ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ ستراً فالإنسان في وقت الحيلة لا يبدأ بما يظن به أنَّه يفهم الموضوع كمن يسأل أسئلة وهو يقصد سؤالا معيناً فلا يبدأ به وإنمّا يجعله في آخر أسئلته أو في وسط أسئلته هذا كله من حسن التدبير والتخطيط من يوسف عليه السلام لكن قولهم هنا (فأرجعوهم إلى يوسف) ثم قالوا (فبدأ بتفتيش أوعية إخوته ) أيضًا لا يلزم أنَّ يوسف هو الذي قام بالتفتيش بنفسه قد يكون هو قد وَكَلَ غيره كما هو المعتاد في مثل هذا المقام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا﴾ علام يعود الضمير في قوله ﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا﴾؟ إذا رجعنا إلى قولهم ﴿قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ﴾ فهذا صواع وصواع الضمير يعود عليه مذكَّرا لكننا إذا قررنا أنَّ الصواع والسقاية يراد بهما هنا في هذا المقام شيء واحد فتكون عائدة على السقاية التي هي الصواع وهو الصاع الذي يكال به ﴿ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
قال ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قالوا هنا في التفسير (كما كدنا ليوسف بتدبير وضع الصاع في وعاء أخيه كدنا له أمراً آخر أن يأخذ إخوته بعقاب بلدهم باسترقاق السارق) إذًا صارت هنا حيلتان :-
1-حيلة من خلالها ثبتت التهمة على أخي يوسف عليه السلام، والأصل أنَّه بريء أُرِيد أخذه لمصالح يعلمها يوسف عليه السلام.
2-والأمر الثاني أن يحكم بهذا الحكم، وأن يقضي إخوة يوسف بأنَّ هذا الحكم هو الحكم الذي يرضون به والذي يختارونه.
﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وهذا فيه أن الكيد والتدبير إذا كان إحقاق حق أو الوصول إلى ما فيه حكمة وصلاح فلا حرج فيه، والأصل أنَّ الكيد فعل يُتَوصَّل بظاهره إلى مقصد خفي قال الله سبحانه ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ كدنا من أجل يوسف وهذا معنى ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ كدنا من أجل يوسف ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
نعم ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾ أي :- مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى حكم الملك المراد بـ ﴿دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾ هنا حكمه أو شريعته أو منهجه أو قانونه؛ لأنَّهم لو حكموا بقانون الملك وبتشريعه وبما عليه مذهبهم فإِنَّهَا ستكون العقوبة عقوبة أخرى من تعزير ونحوه ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ : ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى﴾ سبحانه تدبيراً آخر فهو قادر على كل شيء سبحانه وتعالى ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ هنا فيها قراءتان هناك من قرأ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ وهناك من قرأ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ فتكون بدون تنوين لأنَّها مضافة إلى قوله ﴿مَّن نَّشَآءُ﴾ أو ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾يكون المفعول هو ﴿مَنْ﴾ و ﴿دَرَجَٰتٖ ﴾ تمييز أي :- نرفع من نشاء درجاتٍ قال ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وهذا فيه أنَّ الله رفع يوسف عليه السلام درجات، ومن هذه الدرجات الفطنة والعلم والحكمة وكذلك رفع أخاه بأن كان مع أخيه في هذا المقام الشريف ثم قال الله ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالوا أي :- وفوق كل صاحب علم مَنْ هو أعلم منه وفوق علم الجميع، علم الله الذي يعلم كل شيء فمهما أوتي عالم علماً فإنَّ فوقه من هو أعلم منه، ثم لا يزال الأمر هكذا هناك عالم، وهناك من هو أعلم منه، وهناك عالم وهناك من هو أعلم منه ثم ينقطع الأمر عند رب العزة سبحانه وتعالى، لذلك هذا يخاض بالعقل وكذلك بدلائل النقل وهو أنَّ الله سبحانه هو العليم الذي ليس فوق علمه علم بل هو العليم بكل شيء سبحانه وتعالى.
ثم قال الله عز وجل ﴿قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾
﴿قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ﴾ سولت لهم أنفسهم أن يبعدوا عن أنفسهم كل صورة يُتَوهَّم من خلالها أنَّهم مشاركون لأخيهم في السرقة فحينئذ قالوا كذباً ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ﴾ يعني : ليس هذا بعجيب ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن﴾ قبله؛ لكنَّه أخ لنا من الأم وليس أخاً شقيقا لنا، والمعنى : أنَّه شابه أخاه لكنه لم يشابهنا فنحن على غير ما ذهب إليه! ونحن لم نعرف عن سرقته شيئًا! فهم يريدون بذلك تبرئة ساحتهم وأنهم برءاء مما وقع من أخيهم، وأنَّه هوالذي دبر وخطط وأخذ دون علم منهم، ولا شك أنَّهم قد كذبوا في ذلك؛ لأنَّ أخاهم الذي اتهموه بذلك هو يوسف عليه السلام؛ أما يكفيهم ما وقع ليوسف عليه السلام؟ فوقع منهم ذلك؟ ومع ذلك قال الله ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ أسرَّ تلك المقالة التي قالوها فأسَّرها ولم يجب عليهم، ولم يقل : أنتم كاذبون فيما زعمتم ومن أين لكم أن تقولوا ذلك من السارق ومن الكاذب إلى غير ذلك؟ وهذا من شدة صبره وحلمه عليه السلام ففي مثل هذا المقام لا يكاد يصبر إنسان على أن يجد مثل ذلك لا سيما وأنَّه مُكِّن، وفي موضع التمكن وفي موضع القدرة لكنه عليه الصلاة والسلام حليم ورحيم وصابر عليه الصلاة والسلام ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ﴾ أسرَّ هذا الإيذاء وهذه المقالة ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي :- ولم يظهرها لهم.
﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ هنا قولان للمفسرين في قوله ﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ 1-بعض العلماء يقول :- هذه هي المقولة التي أسرَّها في نفسه - يعني - أنَّ يوسف عليه السلام قال في نفسه ﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ فيكون قوله ﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ تفسير لما أسرَّه يوسف عليه الصلاة والسلام في نفسه ولم يبدها لهم ويكون قوله ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ قاله يوسف في نفسه دون أن يجهر به عليه الصلاة والسلام.
2-والوجه الثاني في تفسير هذه الجملة أنَّ يوسف عليه السلام أسرَّ هذه الأذية، وهذه المقالة التي قالوها وأعرض عنها صفحاً لكنه توجه إِلَيْهِم وقال ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ مالكم ولأخيه لا تتكلموا عن أخيه هذا - هذا لا يهمنا - أنتم أنفسكم شر مكانه لأنَّ أخاكم حينما صنع ذلك أنتم الذين كنتم معه، وأنتم المشاركون له فبدأ يكلمهم فيما يتعلق بقصتهم دون أن يكلمهم عن أخيهم وبرائته أو اتهامه أو ما قالوه في حقه فقال لهم ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
وهنا قالوا في التفسير :- (قال لهم في نفسه ما أنتم عليه من حسد وصنيع سوء سبق منكم هو الشر بعينه ) في هذا المقام فاختاروا الوجه الأول وهو أنها مقولة قالها في نفسه عليه الصلاة والسلام.
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
نادوه بالعزيز، وتقدم معنا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ هناك عزيز لمصر، وهو الذي كان يوسف عليه السلام يسكن عنده وهو زوج المرأة التي وقع منها ما وقع من مراودتها ليوسف عليه السلام؛ فما وجه تلقيب يوسف عليه السلام بالعزيز؟ هنا احتمالان والعلم عند الله :-
1-الاحتمال الأول :- أنَّ يوسف عليه السلام تولى ما كان يتولاه العزيز في هذا المقام، وأنَّ يوسف عليه السلام اجتمع له الأمران، فيوسف كان على خزائن الأرض على أمور المال، وكذلك كان يوسف عليه السلام على ما تولاه العزيز، وقد ذكر بعضهم ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ والياً على أمور الشرطة فكأن يوسف عليه السلام اجتمع له الأمران جمع ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ بين هذا وذاك فقيل له العزيز هذا من جهة.
2-ومن جهة ثانية أن يُقال : إنَّ كل رئيس لولاية مهمة في مصر كان يلقب بالعزيز، فلا يمنع أن يكون العزيز الآخر كان موجوداً أيضًا لكن يوسف عليه السلام قيل له أيضًا العزيز باعتبار مقامه وفضله، وأنَّه قد تولى رئاسة مهمة وهي المتعلقة بالأمور المالية وإصلاح أحوال البلاد الاقتصادية كما تقدم بيانه في قضية رؤيا الملك
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ يستعطفونه فيقولون له : ﴿إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا﴾ ومعروف ما يكون من الأب من عاطفة وحنو فالمقصود إنَّ له أبا عنده حنان وعنده عطف، وهذا الأمر سيضر به ضرراً شديداً وسيجعله في غم وكرب عظيم ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ وهو أيضًا شيخ، وهو أيضًا كبير ومثل ذلك يحتاج إلى استعطاف فكأنَّهم يستعطفونه في تغيير الحكم من أن يُسترَق أخوهم إلى أن يأخذ أحدهم مكانه ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ﴾ خذ أحدنا مكانه حتى يرجع أخونا إلى أبيه الذي ينتظره ﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ نراك ونعرف منك ورأينا منك ووجدنا منك الإحسان فأحسن إلينا بذلك.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات :
· من محاسن الأخلاق جواز الحيلة التي يتوصل بها لإحقاق الحق بشرط عدم الإضرار بالغير : وهذا تقدم بيانه في أثناء التفسير ولذلك قال ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾ فهذا الجعل للسقاية في رحل أخيه من باب الحيلة، وكذلك ما جاء في قوله ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ لكن قولهم هنا (بشرط عدم الإضرار بالغير ) هذا مهم جداً؛ لأنَّ أخا يوسف؛ وإن كان في الظاهر قد استرق؛ لكنه في حقيقة الأمر لا يسترق لأنه سيكون في حفظ وحماية ورعاية من أخيه يوسف عليه السلام إذًا يُرَاعِى في الحيلة للوصول للحق ﴿إِلَّا﴾ يقع بها إضرار.
· يجوز لصاحب الضالة أو الحاجة الضائعة رصد جُعْل مكافأة مع تعيين قدره وصفته لمن عاونه على ردها : ويشهد لذلك قولهم ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ﴾ فهذا من باب الترغيب كمَنْ يقول مَنْ وجد الشيء الضائع مني فله مكافأة كذا وكذا فهذا جائز ولا بأس به.
· التغافل عن الأذى والاسرار به في النفس من محاسن الأخلاق : وهذا واضح وجلي في قول يوسف عليه السلام من قول الله عن يوسف ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ وهذا من تمام إحسانه إِلَيْهِم عليه الصلاة والسلام.
قال الشيخ حفظه الله
﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ﴾
﴿قَالَ﴾ أي :- قال يوسف عليه السلام ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾ عياذًا بالله أن نظلم بريئاً كيف نأخذ أحداً مكانه وهو بريء؟ إنمّا نأخذ مَنْ وُجِدَ عنده هذا المتاع، وتأملوا قول يوسف عليه السلام ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ﴾ لم يقل (معاذ الله أن نأخذ إلا من سرق ) فهو يعلم أنَّ أخاه ليس بسارق فلم يتهمه بالسرقة؛ إنمّا قال محترِزًا ﴿إِلَّا مَن وَجَدْنَا﴾ مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ وهذا متحقق في أخيه ﴿إِنَّآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ﴾ إن فعلنا ذلك أخذنا أحداً مكانه نكون ظالمين فمعاذ الله أن نفعل ذلك.
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ﴾ يئسوا من إجابة يوسف لطلبهم أي :-قنعوا أنَّ يوسف لن يرضى بهذا الذي طلبوه منه ﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ﴾ وهنا الألف والسين والتاء لتأكيد هذا المعنى فمعنى ﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟﴾ يعني : يئسوا وتأكد عندهم أنَّه لن يلبيهم، أو لن يجيبهم إلى طلبهم مما ذكروه ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ﴾
﴿خَلَصُوا۟ نَجِيًّا﴾ أي :- انفردوا عن الناس للتشاور ﴿خَلَصُوا۟ نَجِيًّا﴾ انفردوا وتركوا المقام حتى يتناجوا بينهم ويتشاوروا ماذا يكون الأمر؟ وهذه الجملة ﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا﴾ من الجمل الجميلة والجليلة والعظيمة التي لما سمعها بعضهم قال لا يقول ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، لفصاحة هذه الجملة وبلاغتها فهي تدل على أن قائلها هو الله سبحانه وتعالى لا غيره.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال أخوهم الكبير ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟﴾ يقررهم ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ﴾ وذلك حينما قال ﴿لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ فيذكرهم بهذا الموثق وبهذا الميثاق فقال ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ﴾ أي :- ومن قبل ذلك قد ﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾، ولم تفوا لعهدكم لأبيكم فيه والآن مع أخيه أيضًا سيقع منكم هذا ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ﴾ والمراد بالأرض - أرض مصر - ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ﴾ يعني : لن أترك أرض مصر ﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ﴾ حتى يسمح لي أبي ارجعوا أنتم وأنا باق في مصر، لن أرجع ﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ﴾ ويكون في هذا دلالة على صدقنا لأننا لوكنا حريصين على أن يُفعَل هكذا بأخينا لبادرنا بالرجوع والفرح والسرور بأنَّنا استغنينا عنه فيكون في بقاء دلالة على صدقه وأننا حزينون على هذا الذي وقع ﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى﴾ كأن يقضي الله لي بأخذ أخي، وأن يسامحنا هذا العزيز، ويسمح لنا بأخذ أخينا ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾
﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾
﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ﴾ عودوا إلى أبيكم ﴿فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ﴾ بحكم الظاهر ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾
نحن لم نشهد إلا بما علمنا والمراد هنا بما رأينا؛ لأنهم رأوا هذا الصواع وهو يخرج من وعاء أخيهم فظاهر الأمر أنَّ أخاهم سرق ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وهذا فيه : أنَّ الإنسان لا يشهد إلا بما علم رؤية ونحوها فإذا شهد أو فإذا علم فليشهد، وإذا لم يعلم فلا يشهد ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾
بعضهم قال : إنَّ هذا من باب الاحتراز مِنْ تحقق سرقة أخيهم كأنَّهم يقولون هذا الظاهر ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾ لا نعرف إلا هذا الظاهر.
2-أو أنَّ معنى قوله ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾ ما ذكروه هنا (وما أخبرنا إلا بما علمناه من مشاهدتنا للصاع يخرج من وعائه وما كان لنا علم بأنَّه يسرق ) ولو علمنا ذلك ما عهدناك على رده نحن عاهد على ربه لكن ما كان يقع في خاطرنا أنَّ أخانا سيفعل كذا وكذا مما يمنع من رجوعه معنا، وإذا لم تصدقنا وأردت التحقق من صدقنا : فاسأل القرية
﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾
﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ والمراد بسؤال القرية : سؤال أهل القرية، فهو لن يسأل الجدر؛ وإنمّا المراد : أن يسأل أهل القرية ﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا﴾ والمراد بها مصر أي :- واسأل أهل مصر ﴿وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي :- اسأل أصحاب القافلة التي أقبلنا فيها؛ لأنَّ هذا الخبر قد انتشر فالجميع يعرف ما الذي صد أخاهم عن المجيء معهم وما الذي صنعه؟ وما الذي ظهر؟ ﴿وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ هكذا بالجزم ﴿وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ بالتأكيد بإنَّ المؤكدة فرد عليهم يعقوب عليه السلام قال :
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي :- ليس الأمر كما ذكرتم من كونه سرق؛ بل زينت لكم أنفسكم أن تمكروا كما مكرتم بأخيه يوسف ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ مع أنَّهم في هذا الموضع لم يكونوا كاذبين فيما قالوه لكن جريمتهم أو خطأهم السابق هو الذي حمل يعقوب عليه السلام على إساءة الظن بهم لذلك يعقوب عليه السلام قال في الأولى ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وأصاب وهنا قال ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ولم يصب؛ ولكنَّ الذي جعله يفعل ذلك أنَّه رأى منهم في أول الأمر ما يحمله على أن يشك فيه صنيعهم، وهذا فيه أنَّ الإنسان قد يضع نفسه في مواضع يجعل الظن يتحول عليه كما قال الله ﴿ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ولم يقل اجتنبوا كل الظن وإنمّا قال ﴿ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
قال ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يعني: فصبري صبر جميل ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وهذا من تمام ثقته في ربه سبحانه وتعالى فقوله ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ﴾ لأنهم صاروا ثلاثة صار يعقوب عليه السلام صار مفتقداً لثلاثة ( ليوسف ولأخيه شقيقه ولابنه الأكبر ) فهو مفتقد ليوسف ولأخي يوسف الشقيق، ولأخي يوسف الكبير هؤلاء ثلاثة افتقدهم يعقوب عليه السلام، وفي هذا الموضع العصيب الشديد يقول ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا﴾
وفي هذا فائدة : وهي أنَّ الفرج مع الشدة، فإذا اشتد الأمر واشتدت المصائب فإنَّ الفرج يكون قريباً وكأن يعقوب عليه السلام لما رأى أنَّ الشدة قد زادت بفقد واحد ثم ثاني ثم ثالث، فهذا فيه أنَّ الفرج سيكون قريباً بإذن الله فقال ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ﴾ أي :- ابتعد عنهم وأعرض ﴿وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ قالوا هنا : وقال يا شدة حزني على يوسف كأنَّه ينادي الآسف - ينادي الحزن - يا آسف على هذا أو أنك تقول : تعال احضر من شدة الحزن والكرب على يوسف وتأمل ﴿وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ لم يقل ( وقال يا آسفى على ولدي الكبير - ويا آسفى على ولدي أخي يوسف الذي يسمى ببنيامين )؛ وإنمّا قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾ قال بعض العلماء : المصيبة الكبرى تنسي الإنسان المصيبة التي دونها ففقده ليوسف أشدُّ عليّه من فقده لأخويه، وذلك لأنَّ يوسف عليه السلام قد ظهرت مخايل الحكمة والنجابة والفطنة والعلم لا سيما مع الرؤيا التي رآها فكان هذا شديداً على نفس يعقوب مع أنَّ الزمان بعيد، ومع أنَّ المدة التي مضت على فقد يوسف طويلة فقال هنا ﴿يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ وبعض المفسرين يقول : ولا يلزم أنَّه قال يا آسفى على أخويه أيضاً، لكن المذكور هو يوسف باعتبار أنَّ القصة تدور حوله، لكن الأول له وجه وهو أنَّ يوسف عليه السلام المصاب فيه أكبر.
قال ﴿وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي :- بسبب الحزن فـ ﴿مِنَ﴾ هنا بمعنى السببية، أو :من أجل تعليلية وابيضت عيناه من أجل الحزن أو بسبب الحزن ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
وقوله ﴿وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾ قالوا هنا : (صار سواد عينيه بياضاً من كثرة ما بكى عليه ). 1-بعض العلماء قال : ووصل به الأمر إلى أن عمي بصره.
2- وقال بعضهم : ضعُفَ بصره ولذلك جاء بعد ذلك ﴿فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا﴾ فبعضهم يقول : يعني عاد إليه بصره وبعضهم يقول ﴿فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا﴾ يعني :- ارتد إليه قوة بصره بعد ضعفه.
وهذا فيه :- أنَّ الإنسان قد يحزن وهذا مما لا يعاتب عليه الإنسان إذا لم يتسخط على قدر الله سبحانه، ويعقوب عليه السلام كان راضياً بقضاء الله عز وجل ففرق بين الحزن وبين التسخط على قدر الله، وكذلك البكاء وقد جاء.
قال ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي :- مملوء حزنا وهمَّا يكتم حزنه عن الناس فـ ﴿كَظِيمٌ﴾ على وزن فعيل المراد به المبالغة يعني :- هو كاظم للحزن، فقالوا هنا (مملوء حزنا وهما يكتم عن الناس ) يعني : أنَّه كاظم يكظمه فهو حزين لكنه لا يظهره أمام أحد - عليه الصلاة والسلام -.
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾
﴿تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ وجدوه يذكر يوسف عليه السلام، والحديث الآن عن أخويه، وليس عن يوسف لكنهم وجدوه يذكر يوسف فقالوا ﴿تَٱللَّهِ﴾ للدلالة على غرابة هذا الموقف وعلى العجب من صنيعه ﴿تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ هنا ﴿تَفْتَؤُا۟﴾ أي :- لا تفتأ - لا تزال - تذكر يوسف فـ ﴿تَفْتَؤُا۟﴾ هنا المراد بها :- نفيه فالمراد (لا تفتؤا ) يعني - لا تزال - ودلنا على ذلك :-
1- سياق الكلام؛ لأنَّه لا يزال يذكر يوسف، وليس المراد بذلك نفي ذكره ليوسف وإنمّا المراد إثبات ذكره ليوسف، وأنَّه لا يزال ذاكراً له.
2-وأيضاً فلوكان المراد به الإثبات لدخلت عليه نون التوكيد أي :- تالله لتفتأن تذكر يوسف؛ لأنه المناسب للقسم فلما لم يذكر ذلك معه عُلِمَ أنَّ هناك لا النافية تالله ﴿تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ لذلك قالوا هنا في التفسير (تالله لا تزال يا أبانا تذكر يوسف).
﴿حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾ وتأمل استعملوا : ألفاظا أو كلمات غريبة كلمة (تفتأ) وهي غير مشهورة الاستعمال هنا في القرآن واستعمله في القسم (تالله) واستعملوا كلمة (حرضا) للدلالة على غرابة هذا الموقف من كونه لا يَنسَى يوسف، وبعض العلماء قال : بل جاء هذا الاستعمال للدلالة على غرابة موقفهم
كيف يعتبون على رجل يتذكر ولده الذي فقده مع حبه له؟ فكأنَّ هذا الموقف الذي فعلوه وهذا القول الذي قالوه مما يثير التعجب والغرابة فجاءت الألفاظ دالة على هذا المعنى الغريب. ﴿حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا﴾ يعني حتى يشتد بك المرض ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾ يعني أن تهلك فعلاً.
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
إنمّا أشكوا ما أصابني من الهم والحزن إلا إلى الله وحده سبحانه وتعالى، ولذلك شكواه لا تنافي صبره لأنه لم يشكُ الله وإنمّا شكا إلى الله ولذلك يقولون : إنَّ الصبر الجميل هو الصبر مع عدم الشكوى أي :- لا يشكو الله سبحانه وتعالى وإنمّا الشكوى إلى الله. بأن تقول : ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83] أو تقول كما قال موسى عليه السلام ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] فهذا لا حرج فيه؛ بل هو من الاستعانة بالله سبحانه وتعالى إذا عرضتك بلية فاصبر لها..........صبر الكريم فإنه بك أعلم
إذا شكوت إلى ابن آدم إنمّا...... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى﴾ وهو الهم والحزن الشديد وحزني بثي همي الشديد ﴿وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ دلالة على أنَّ له علماً ليس لديهم، وذلك لأنَّ يعقوب نبي عليه الصلاة والسلام وهم على قول مَنْ قال أنَّهم صاروا أنبياء فهذا بعد ذلك، وهناك من ينفي أنَّهم صاروا أنبياء كما هومعروف في الاختلاف في معنى الأسباط وتقدم بيان ذلك قبل ذلك فقوله ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إمَّا بوحي من الله وأما ببصيرته وإلهامه بأنَّ الله سبحانه وتعالى سيجعل مع العسر يسرًا وبعد الكرب فرجاً سبحانه عز وجل.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
· لا يجوز أخذ بريء بجريرة غيره فلا يؤخذ مكان المجرم شخص آخر : ولذلك قال يوسف عليه السلام ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ﴾
· الصبر الجميل هو ما كانت فيه الشكوى الله تعالى وحده : لذلك قال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وقال أيضًا ﴿إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾
· على المؤمن أن يكون على تمام يقين بأنَّ الله تعالى يفرج كربه ولذلك قال وقال أيضًا ﴿إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ وقال ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ذاكراً قول يعقوب عليه السلام ﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾
يقول يعقوب عليه السلام لبنيه ﴿ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ والتحسس شدة التطلب والتعرف تعرفوا واطلبوهم، ولا تملوا ولا تكلِّوا وبإذن الله سبحانه وتعالى ستعثرون عليهم وستفرج الكربة، ويطلق الله سبحانه وتعالى سراح أخيكم وسيأذن العزيز بذلك إلى غير ذلك مما رجاه يعقوب لأنه واثق في الله سبحانه وتعالى
﴿وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾ لا تقنطوا من تفريج الله وتنفيسه من عباده وهذا معنى (الروح ) فالروح : الترويح والتنفيس عن العباد ﴿وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ لأنهم يجهلون عظيم قدرة الله سبحانه وخفي إفضاله على عباده؛ فالكافر لا يثق في وعد الله سبحانه ولا يؤمن بقدرة الله إلى غير ذلك أما المؤمن فإنَّه واثق بالله مصدق بالله.
وهذا فيه :- أنَّ الإنسان إذا كان لديه رجاء وطمع فإنَّه يعمل؛ وأما إذا يأس فإنَّه يترك العمل فما الذي يجعلهم ويحملهم على التحسس؟ وعلى الذهاب وعلى البحث! إنَّها الثقة في وعد الله، وعدم القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ﴾ هنا مقدرات في الآية تقدير أوحذف ما هو؟ فامتثلوا أمر أبيهم، وذهبوا بحثا عن يوسف وأخيه فَلَمَّا دَخَلُوا۟ ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾ ولذلك تقدم معنا أنَّ في السورة الكريمة، وفي أثناء القصة تقديرات كثيرة مع أنَّ السورة تُنسَبُ إلى الإطناب لكن هذا بحسبه كما تقدم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ﴾ أي :- دخلوا على يوسف ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا﴾ أي :- أصابتنا الشدة والفقر ﴿وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ﴾ أي :- جئنا ببضاعة حقيرة زهيدة والبضاعة يحتمل والله أعلم 1-أنَّها الثمن 2- أو أنَّ الثمن عندهم لا يلزم ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ في كل الأحوال عن طريق الأوراق العملة الورقية قد تكون بضاعة في مقابل أخرى فقد يكون هذا عن طريق أنهم يعطون شيئًا ويأخذون في مكانه؛ لكن الشيء الذي سيعطونه حقير وزهيد قالوا ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾ أي :- فكيل لنا كيلا وافيا كما كنت تكيل لنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾ سبحان الله! يوسف عليه السلام الذي يُلقَى في غيابة الجب يوسف عليه السلام الذي يساء إليه يوسف عليه السلام الذي يصنع به ما صُنِع يوسف عليه السلام الذي يباع ويُؤخَذ مسترَقَّاً وخادماً إذا به يُقَال له الآن ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾ فكان هذا المقام هو المقام المناسب الذي يلهج به يوسف عليه السلام بالحقيقة؛ وإلا فقد يقول قائل لم يقل يوسف هذا الكلام من بداية الموقف ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ لكنَّه آخر للوقت المناسب عليه الصلاة والسلام.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
قوله ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الاستفهام هنا يراد به :- التوبيخ في هذا المقام ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ما هذا الذي صنعتموه بيوسف وأخيه؟ ﴿إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾
1-قالوا هنا في التفسير (إذ أنتم كنتم جاهلين عاقبة ما فعلتم بهما ما كنتم تعلمون عاقبة ذلك)
2-أو أنَّ قوله ﴿إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾ جهل العمل بالعلم كما تقدم معنا في قوله ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ فما صنعوه معصية وما صنعوه مخالفة، وهذا من الجهل لأنَّ الجهل كما تقدم نوعان :- 1- جهل بالعلم 2- وجهل بالعمل بالعلم :-بأن يجهل الإنسان فلا يعمل بمقتضى ما تعلم.
﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾ قالوا هنا (فتفاجأوا) هذا يتكلم عن يوسف ويعرف أخباره من أين له ذلك؟ وكيف ثم بعد ذلكَّ؟ انكشف عنهم الغمامة فيوسف عليه السلام قد تغيَّر منظره، وقد تغير حاله لكن حينما قال ذلك وكأنهم انكشفت لهم الحقيقة بعد خفاء! ﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾ والقراءة الثانية ﴿أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾ يعني لما سمعوا هذا الكلام قالوا جازمين : إنَّك لأنت يوسف، فعندنا قراءتان :- قراءة الاستفهام والقراءة الأخرى على سبيل الجزم ﴿أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾ ويراد بها لازم الخبر؛ لأنَّ جملة ﴿أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾ ليست استفهامًا إنمّا هي خبرية لكن المراد لازم الخبر، وهم يقولون : قد عرفناك إنك أنت يوسف ﴿قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى﴾ لم يقل :- أنا العزيز أنا وأنا؛ إنمّا قال ﴿أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ هكذا يقول يوسف يتذكر ربه ويشكر نعمة ربه، ﴿قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ ثم لفت أنظارهم ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ فهو يعظهم في هذا المقام يغتنم تلك الفرصة لتذكيرهم بالله سبحانه ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ ومنهم يوسف عليه السلام ولم يقل : فإنَّ الله لا يضيع أجرهم لإثبات أنَّ المتقي والصابر محسن فمن جمع بين الصبر والتقوى فهومحسن من المحسنين.
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أقسموا بأن يوسف عليه السلام قد فُضِّل فضله الله عز وجل عليهم، وأعطاه من الخير والبركة والمنة ما لم يعطهم ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فأنت أفضل وأعلى شأنا ومنزلة ﴿وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾ وإن هنا المخففة من الثقيلة بدليل دخول اللام كما تقدم مراراً وهي اللام الفارقة بين النفي وبين التأكيد أو بين (إنْ) المخففة من الثقيلة أي :- وإنَّنا كنا لخاطئين ففيها إثبات الخطأ، والمراد بالخطأ هنا المعصية والذنب.
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ هكذا يقولها بثبات وقوة برحمة ورفق مع تمكنه وقدرته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ إذًا لما قال لهم ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ﴾ من أجل التنبيه ابتداء ثم بعد ذلك زال كل شيء من ذلك من توبيخ ونحوه، ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ يعني : لا توبيخ ولا تأنيب ولا لوم عليكم ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾
1- بعض المفسرين اختار الوقف على عليكم ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ثم قال ﴿ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾
2- وبعضهم وصل ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ ثم دعا لهم ﴿يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ ما أجمل العفوعند يوسف عليه السلام قدر وملك ومع ذلك عفا عن إخوته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
ثم قال لهم : ﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى﴾ قالوا هنا (فأعطاهم قميصه، لما أعلموه بما آلى إليه بصر أبيه، أعلموه بأنَّ أباه قد وصل به الأمر إلى كذا وكذا ﴿وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فقال لهم ﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا﴾ من باب البشارة ليستبشر أبوهم بذلك ﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ولعل هذا بوحي أوحاه الله عز وجل إلى يوسف عليه الصلاة والسلام أو أنَّها الحاسة القوية والبصيرة العظيمة، وتأمل هذا الجليل فيعقوب عليه السلام أول ما دخل عليه الحزن كان عن طريق (القميص ) وتفريج الكربة جاء عن طريق (القميص) ففي بداية القصة ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وكان هذا بداية الحزن ليعقوب عليه السلام، وهنا المخرج في البداية ﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا﴾، وإن اختلف القميصان لكن هذا في باب الحزن، وهذا في باب في باب زوال الحزن.
﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
1-بعض العلماء كما قلت يقول ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ دلالة على أنَّه قد عمي بصره.
3- أو ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي :- في بصره القوي، ويقوى على ذلك.
﴿وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أحضروا إليَّ أهليكم كلهم فيدعوهم إلى المجيء بأهلهم كلهم من أجل أن ينعموا في مصر لأنَّها كانت بلدة رخاء، ونسأل الله أن يُدِيم علينا نعمة الرخاء، ورفع البلاء.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ﴾ أي :- ولما خرجت القافلة منطلقة من مصر، وفارقت العامر منها ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ أي :- قال يعقوب ﴿إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قال للحاضرين، هنا قالوا (قال لأبنائه ولمن عنده في أرضه)، ولا يلزم أن يكونوا أبناءه الموجودون معه إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنَّ الإخوة إخوة يوسف -أبناء يعقوب - خرجوا باحثين عن يوسف عليه السلام وأخيه، فيكون مَنْ حضر يعقوب في هذا المشهد يقول لهم ﴿إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ أي :- لأشمُّ رائحة يوسف لولا إنكم تجهلونني وتنسبونني إلى الخرف هذا معنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ أي :- تنسبونني إلى الخرف. ﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾
مَنْ القائل؟ مَنْ عنده من ولده أو من أحفاده أو من أهله موجودون الذين لم يكونوا في سفر، فلم يسمعوا من يوسف هذا، فبالنسبة لهم هذا كلام غريب - الآن تتذكر يوسف وتقول ﴿إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾ أي :- في توهمك السابق بشأن منزلة يوسف عندك، وإمكانية رؤيته ثانية، وقد كان يعقوب صادقاً عليه السلام فيما قال، وتتأمل في هذه السورة الكريمة كلمة الله ﴿تَٱللَّهِ﴾ ﴿تَٱللَّهِ﴾ التي تتكرر في هذه المقامات ليدلك على غرابة ما ورد في القصة، وَأَنَّهَا قصة عجيبة صارت بهذه المسارات العجيبة التي قدَّرها رب العزة سبحانه وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
· عظم معرفة يعقوب عليه السلام بالله حيث لم يتغير حسن ظنه رغم توالي المصائب ومرور السنين : وهوالذي قال لأولاده وبنيه ﴿وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾
· من خلق المعتدل الصادق أن يطلب التوبة من الله ويعترف على نفسه ويطلب الصفح ممن تضرر منه : ولذلك قالوا هنا ليوسف عليه السلام ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾ وسيأتينا بعد ذلك قولهم ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾
· ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ والصبر تنال أعظم الدرجات في الدنيا وفي الآخرة : ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
· قبول اعتذار المسيء وترك الانتقام خاصة عند التمكن منه وترك تأنيبه على ما سلف منه وهذا ما وقع من يوسف عليه السلام حين قال ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾.
قال الشيخ حفظه الله
قال ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ﴾ أي :- المخبر بما يسر يعقوب عليه السلام ﴿أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ﴾ ألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا كما ذكر يوسف عليه السلام سابقاً، فتحقق قول يوسف ﴿فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا﴾ عاد إليه بصره، أو زال ذلك البياض الذي على عينيه قال ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
وقد سبق أنَّه قال ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فتحقق وعد رب العزة سبحانه وتعالى ليعقوب أو تحقق ما أَّمله يعقوب عليه السلام في ربه وهو صادق عليه الصلاة والسلام.
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾
اعترف إخوة يوسف بالذنب والخطأ فطلبوا من أبيهم الاستغفار ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾
يعترفون بذلك، وقولهم ﴿إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾ فيه الاعتراف بالذنب، وهذا لا بد منه في التوبة، فمن شروط التوبة الندم وقد جاء في الحديث (الندم توبة) ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾
هنا قال ﴿سَوْفَ﴾ التي تفيد الاستقبال وكأنَّ المعنى : أنا أستغفر لكم، ولا أزال أستغفر لكم وأعدكم بأنَّني في مستقبل الأيام أيضًا ﴿أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ ولينبه لهم أنَّ الأمر جد خطير، وأنَّه لا يزال مستغفرا لهم حتى يغفر الله لهم ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ وبعضهم قال :- أراد بذلك أن يؤخره إلى وقت إجابة الدعاء كوقت السحر، ولا دليل على ذلك؛ لكن على كلٍ وقت السحر مظنة لإجابة الدعاء كما هومعلوم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾
﴿اوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ هنا تقدير واضح من القصة لذلك قالوا هنا (وخرج يعقوب وأهله من أرضهم قاصدين يوسف في مصر فلما دخلوا عليه) ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قالوا (ضمَّ إليه أباه وأمه) فمعنى أبويه : الأب والأم ﴿وَقِيلَ﴾ لهما أبوان من باب التغليب هذا أسلوب معروف في اللغة، وهوأسلوب التغليب، والذين يذكرون في التفسير يذكرون روايات في ذلك، ويقول بعضهم : إنَّ أم يوسف كانت قد ماتت؛ وإنمّا هذه زوجة أبيه فجعلها في مقام الأم والله أعلم بذلك، سواء أكانت أمه أم كانت في مقام أمه على كل فإنَّ يوسف عليه السلام أكرمهما قال ﴿اوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ وقوله ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ليست تعليقاً؛ وإنمّا هي من باب التحقيق والتيمن والتبرك بقول إن شاء الله كما في قوله ﴿لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] ولذلك فلا ينافي ذلك الجزم بأنَّهم في مصر بفضل الله سيكونون آمنين.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي :- أجلس أبويه على السرير الذي يجلس عليه، وهذا من إكرامه لأبويه عليه الصلاة والسلام ﴿وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا﴾ كما جاء في رؤياه ﴿إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ الأبوان ﴿رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ وكان هذا معروفاً عندهم، وأنَّ هذا من باب التقدير لا من باب العبادة، فلذلك صاغ ذلك وجاز فما فعلوه هذا كان تحية وإكرام ليوسف عليه السلام، وكان هذا سائغاً ولا حرج فيه ولا ضيق، وقد مُنِعَ في شريعتنا فلا يجوز لأحد أن يسجد لأحد ولو على سبيل التحية لكنه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كان موجودا، وعلى كل فهو سجود تحية وإكرام وليس سجود عبادة كما لا يخفى ﴿وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا﴾ قال هنا (وحيَّاه أبواه وإخوته الأحد عشر بالسجود) حيَّاه الأبوان : حيوا يوسف عليه السلام بهذه التحية فهو سجود تحية.
﴿وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ﴾ توجه بالنداء لأبيه لأنه قص الرؤيا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ على أبيه سبحان الله! تأمل القصة من أولها إلى آخرها تُلَخَّص في هذا فيما رآه يوسف وفي تعبير الرؤيا ما بينهما أحداث وأحداث تم بها تحقيق تلك الرؤية، وهذا فيه أنَّ الإنسان قد يرى رؤيا ولا تتحقق إلا بعد زمن طويل فلا يُشترط إذا رأى الإنسان رؤيا أن تتحقق في حينها أو في وقت قريب؛ بل يكون تحققها بعده ولو كان طويلاً ﴿وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ﴾ فالتأويل هنا تحقيقها ليس تفسيرها وإنمّا التحقيق فقد تحققت.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ﴾ بعضهم يقول أحسن تتعدَّى باللام وهنا تعدت بالباء فقيل (إنَّ أحسن تضمن معنى اللطف ) يعني : لطف بي / أو أنَّها تتعدى بالاثنين. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ تأمل قوله ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ ولم يقل : إذ أخرجني من غيابة الجب :-
1-لأنَّ قوله من غيابة الجب يُذكِّر بمعصية إخوته وبخطأ إخوته، فلا يريد أن يذكرهم بماضيهم؛ وإنمّا قال ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ هذا من جانب.
2-ومن جانب آخر:- فغيابة الجب تبعها الاسترقاق والخدمة والخروج من السجن تبعه العزة وتبعه الملك والسؤدد فالمناسب ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ لأنه سبب جلوسي على العرش، وسبب جلوس أبوي على العرش قال ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ﴾ أي :- من البادية ﴿مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ أفسد الشيطان ﴿بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ فنُسِب هذا إلى الشيطان؛ لأنَّه سببه وتأمل قوله ﴿مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ لم يقل : مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لإخوته؛ وإنمّا قال ﴿بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ وكأنَّه طرف مع أنَّه المجني عليه والمظلوم عليه الصلاة والسلام.
﴿إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ سبحانه وتعالى قالوا هنا ( إنَّ ربي لطيف في تدبيره لما يشاء) ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
سبحانه عز وجل ثم أقبل يوسف ودعا ربه فقال :
﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾
﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾