مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الحديد جزء 1 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 44 من 61 · 27 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فكنا قد انتهينا، يا أيها الإخوة الكرام، في اللقاء السابق من تفسير سورة الواقعة وننتقل الليلة بإذن الله جل ذكره إلى تفسير سورة الحديد

وسورة الحديد إحدى المسبحات. والمقصود بالمسبحات السور التي ابتدأها الله عز وجل بذكر التسبيح، وعندنا السور التي ابتدأها الله سبحانه وتعالى، بالتسبيح

سورة سبحان وهي سورة الإسراء سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾ السميع البصير فابتدأها الله بقوله سبحان، وأما سورة الحديد فأولها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾2 (الحديد: 1). وعندنا كذلك سورة الحشر سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، وعندنا سورة الصف وبدايتها نفس البداية، وعندنا سورة التغابن ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾

وعندنا كذلك سورة الأعلى ابتدأها الله سبحانه وتعالى، بقوله ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾3 (الأعلى: 1). فهذه السور يقال لها: المسبحات لأنَّ الله افتتحها بالتسبيح. وقد ورد عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، حديث في هذا الأمر.

وأيضًا سورة الجمعة بدأها الله سبحانه وتعالى، بالتسبيح يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾ فتكون هذه السور سبع سور ابتدأها الله بالتسبيح جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ لا يرقد، يعني: لا ينام حتى يقرأ المسبحات. وقال إن فيهن آية هي خير من ألف آية. لكن هذا الحديث قد اختلف في ثبوته فصحّحه بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر رحمة الله تعالى في فتح الباري في شرح صحيح الإمام البخاري وأعله بعضهم بالإرسال ولأنه جاء من طريق آخر وفيه راو مجهول الحال

على كل قد اختلف أهل العلم في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام، إن فيهن آية هي خير من ألف آية. فقال بعضهم: هي آية التسبيح لأنَّها الآية المشتركة فالآية التي تكررت في هذه السور كلها البدء بماذا البدء بتسبيح الله سبحانه وتعالى. وقال بعضهم: بل هذه الآية التي هي خير من ألف آية

هي قوله جل ذكره ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾4 (الحشر: 21). الناظر في أحاديث النبي «صلى الله عليه وسلم»، يجد أن رسول الله محمدًا صلوات ربي وتسليماته عليه كان يقرأ سورا عديدة قبل نومه

فلو ثبت هذا الحديث ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ المسبحات ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يرقد، يعني: سبع سور. ومنها سورة الإسراء يقرأ بني إسرائيل وورد أيضًا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ الم تنزيل السجدة وورد كذلك ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ تبارك

وورد ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ الزمر وبني إسرائيل يا سورة الإسراء فضلًا عن ذلك كان يقرأ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ أو دعا إلى ذلك. وقال اقرأ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ثم نم على خاتمتها لأنَّها براءة من الشرك، وأيضًا قراءة الإخلاص وقراءة المعوذتين وقراءة آية الكرسي. أما قراءة آية الكرسي. فهذا ثابت كما لا يخفى كذلك المعوذات وسورة الإخلاص وسورة الكافرون أيضًا عند أبي داود وغيره الشاهد من ذلك، أنَّ هناك جملة من الأحاديث عن الرسول «صلى الله عليه وسلم»، تدل على ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ آيات عديدة وسورا عديدة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينام صلوات ربي وتسليماته عليه

هذا في الحقيقة ليس بمستغرب من فعله «صلى الله عليه وسلم»، قد يقال يقرأ هذا أحيانًا ويقرأ هذا أحيانًا. لكن الروايات على القول بثبوتها جاءت بلفظ كان لا ينام حتى يقرأ كأن هذا شيء متكرر. ولذلك كثيرٌ ممن يشكو ويقول أشعر بالقلق وأشعر بالهم، ومن الحين إلى الحين تأتي مشكلات تتعلق بالبيوت. وهذه الأم تأتي وتقول ابنتي تعبانة وابنتي مريضة. وهذا يقول ابني يُصاب بالأرَق

ونقول أين هم من الرقى الشرعية وأين هم من قراءة القرآن في يقظتهم، وقبل نومهم الناس بحاجة إلى أن يدققوا في كلام ربهم وأن يقرأوا القرآن الكريم قراءة الواثق في الله

سورة الحديد

من السور المدنية على قول جمهور أهل التفسير. بل حكى النقاش الإجماع على ذلك وفي نقله الإجماع نظر لأنَّ عددًا من أهل العلم قالوا إنها مكية وتقدم مرارًا أن معنى مدنية على قول جمهور أهل العلم، يعني: أنها نزلت بعد هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم»،

ويشهد لذلك، أن الله أنزل فيها ما يتعلق بالحديد ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾5 (الحديد: 25). وهذا يتعلق بالحديد والسلاح والقتال. وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ كان ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ كان بعد هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم»، إذ الإذن بالجهاد ﴿أَنَّمَا﴾ كان بالمدينة، ولم يكن في مكة المكرمة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن مع ذلك هناك آيات قال بعض العلماء بأنها مكية لذلك بعضهم قال السورة كأنها مختلطة منها جزء مكي.

ومنها جزء مدني ومما يشهد لذلك، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن مسعود رضي الله عنه قال ما كان بين إسلامنا وبين، أن عاتبنا الله

بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ إلا أربع سنين، يعني: يقول ربنا عاتبنا بأن قلوبنا ما خشعت بعد الإسلام بأربع سنوات

طبعاً ابن مسعود من السابقين الأولين من أوائل من أسلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فكونه يقول إن هذه الآية عاتبنا الله بها بعد إسلامنا بأربع سنين هذا يدل على أن هذا كان ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ كان في مكة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يهاجروا إلى المدينة النبوية على كل فالآيات الكريمة سيأتي تفصيل القول فيها بإذن الله في خلال تفسير سورة الحديد

ابتدأها الله بتقرير التسبيح وتنزيه الله عز وجل وبين أنه سبحانه مستحق لذلك فهو الموصوف بالكمال ونعوت الجلال فذكر الله لنا طرفا من أوصافه عز وجل. ثم إنَّ الله دعانا إلى الإيمان ودعانا إلى الإنفاق وبين، أن الإنفاق وقت الشدة أعظم ثم بين الله أقسام الناس فهناك المؤمن الذي ينفعه إيمانه يوم القيامة فيسعى ﴿نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم﴾ وهناك أهل النفاق الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر

فهؤلاء تنطفئ أنوارهم، ولا يبقى لهم نور ويقال لهم: حينما يطلبون النور ويظنون أنهم لاحقون بالمؤمنين فإذا بهم يفقدون هذا النور، ولا يجدونه فيأتون إلى موضع تقسيم الأنوار

فلا نور وقتئذ لأنهم غدروا ونافقوا فظنوا أنه نور وليس بنور. كما أنهم في الدنيا كانوا يدعون، أن معهم نور الإيمان وليس معهم نور الإيمان. ثم إنَّ الله سبحانه حذرنا من الافتتان بالدنيا وأمرنا بالمسابقة إلى المغفرة وإلى الجنان ثم بيَّن الله أنه أنزل الحديد وبيَّن، أن هذا مما منَّ الله به على عباده الصالحين وأن الله أنزل الميزان والعدل والقسط في الأرض

وبين، أن الرسول «صلى الله عليه وسلم»، ليس ببدع من الرسل وإنَّما سُبق بالرسل من قبله فهناك نوح وهناك إبراهيم وهناك الرسل الذين جاءوا بعد هذين المباركين الرسولين عليهما الصلاة والسلام وهكذا ذكرنا الله في هذه السورة بكثير من الأصول وبكثير من الفوائد العظيمة. أما التسبيح فمعناه: التنزيه، يعني: أنت حينما تسبح الله، يعني: أنك تنزه الله وتبرئ الله من كل نقص فتقول يا رب أنت منزه ومبرأ من كل عيب ومن كل نقص ومن كل خلل فأنت الموصوف بالكمال ونعوت الجلال.

ولذلك يشرع للعبد أن يجمع بين التسبيح والحمد لأنه حينما يسبح الله فإنَّه ينزه الله عن النقائص وحينما يحمد الله يصف الله بأوصاف الكمال فأنت تجمع بين الأمرين فتقول سبحان الله

سبحان الله عن الشريك، سبحان الله عن الولد، سبحان الله عن الضد، سبحان الله عن الكفر والنظير، سبحان الله عن صفات النقص، تسبح الله عن كل النقائص.

وتقول وبحمده، يعني: وأنا أحمد الله عز وجل وأصف الله بما يليق به. ولذلك جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم سبح لله

وقوله: سبح لله وكلمة سبح يمكن أن تتعدى بنفسها فيقال سبح الله. لكن اللام تدل على معنى التبيين كما تقول نصحته ونصحت له وتقول شكرته وشكرت له كذلك تقول سبحت الله وسبحت له. فهذا لتبيين التسبيح ولأنه خاص بالله سبحانه وتعالى. ولذلك سبحان لا تضاف إلا إلى الله عز وجل فتقول سبحان من؟ سبحان الله، سبحان الله العظيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾.

وقال بعضهم: التسبيح يدل على المرور السريع المرور السريع والبعد فالتسبيح إبعاد. وذلك لأنَّ المسبح لله يُبعِد عن الله كل ما لا يليق به من أوصاف النقص والخلل وما يتعلق بذلك، ومنه السباحة لأنَّ الإنسان الذي يسبح يمر سريعًا في البحر وكأن المسبح يسرع في تنزيهه لله عز وجل من كل النقائص. وقد ورد عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، تفسير التسبيح بالتنزيه.

فقال: التسبيح تنزيه الله. لكن هذا لا يسلم من مقال فهو من الروايات المرسلة. لكن يمكن أن يقال إنه يقوي بعضها بعضًا لا سيما. وقد جاءت بذلك بعض الآثار عن التابعين سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ

كل ما في السماوات وكل ما في الأرض يسبح الله سبحانه وتعالى، كما قال الله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾6 (الإسراء: 44)،

إما بلسان المقال وإما بلسان الحال لذلك قالوا أنت تسبح الله وإن كنت تزعم أنك لا تسبحه

فجوارحك لو نطقت لقالت سبحانك ربنا كل ما فيك لو نطق ولهج لسبح الله سبحانه وتعالى، ونثبت التسبيح على حقيقته بالنسبة للكائنات لأنَّ الله قال: ﴿وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. ولذلك من معجزات رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، أن الطعام كان يسبح وهو يؤكل بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، يعني: الطعام الذي يؤكل كان يسمع له تسبيح

شوف أنت لما يكون الطعام نفسه له تسبيح هذا وأيضًا ربنا سبحانه وتعالى، لما ذكر نبييه الكريمين داود وسليمان أيضًا ﴿يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ﴾ فربنا سبحانه وتعالى، ﴿يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ﴾ قال بعضهم: يا جبال أوّبي، يعني: رجعي معه في التسبيح فهي تسبح الله سبحانه وتعالى، معه

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ قال بعض العلماء. وهذا فيه أنَّ الإنسان المنصرف عن التسبيح هو على حال مخالف لحال الكائنات كلها، يعني: أنت لما كنت ما بتسبحش ربنا الثياب اللي أنت لابسها تسبح ربنا والأرض التي تمشي عليها تسبح الله ولكن لا تفقهون تسبيحها

المركوب الذي تركبه يسبح الله والطعام الذي تطعمه يسبح الله فإذا كنت أنت لا تسبح الله فأنت في واد والكائنات كلها في واد آخر

وحينئذ يحدث الانعكاس ويحدث الاصطدام فيرى الإنسان نفرة. ولذلك قال قائلهم إني لأعص الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي، يعني: نعصي ربنا، أجي أصلي، الدنيا مش ماشية معايا مضبوط

ألاقي المرأة مش مطوعانة إيش ده بيحصل يجي يدوَّر العربية ما تشتغلش، يجي يمشي كل الأمور عكس معاه، ليه لأنه في وقت غافل عن ذكر الله سبحانه وتعالى، بخلاف من يذكر الله عز وجل. فإنَّ الله يسر له كل الأمور، سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ،

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إذا قلت: ولِمَ تسبح الكائنات كلها الله؟ يقال لأنَّ الله مستحق لذلك

ما دلائل استحقاقه هو العزيز الحكيم ﴿لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. تأمَّل! ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾

كل هذه دلائل تدل على استحقاقه التسبيح سبحانه. ثم قال هو ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهو العزيز الحكيم

العزيز تقدم تفسيره مرارًا فالعزيز معناه: منيع الجانب الذي يغلب، ولا يغلب فالعزيز منيع الجانب يغلب، ولا يغلب العزيز القوي العزيز القاهر العزيز الذي لا نظير له

منع من الفساد، ومنه قيل حكمت الدابة الحكمة بتاعت الدابة ليه لأنَّها تمنع الفرس أو تمنع الدابة من أن تجمح من أن تضر فتبقى الحكمة منعاها حجزاها تحجزها عن فعل ما يضر أو يفسد يا بني حنيفة، أحكِموا سفهاءكم أي: منعوهم فالحكيم الذي لا يفعل فسادًا. وقال الحكيم هو الذي يفعل الصواب والسداد في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فالذي يفعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي يقال له: حكيم والحكمة تأتي بمعنى الإتقان

يقال فلان فعلها بأحكام، يعني: فعلها بإتقان. ولذلك الحكمة تستدعي علمًا فلا يكون حكيمًا بدون علم وإنَّما يكون لديه علم وعنده فهم أو عنده إتقان هذا بالنسبة للحكمة بصفة عامة الله جل وعلا هو الحكيم قال بعضهم، أي: العليم. وقال بعضهم: المتقن ﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أتقنه كل شيء فهو متقن كل شيء سبحانه وتعالى، كل صنعه متقن

والحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها فهو حكيم في قدره حكيم في شرعه فقدره كله بحكمة وشرعه كله بحكمة وهو المحكم وهو الحاكم الذي يفعل ما يريد. فقال بعضهم: الحكيم الحاكم الذي يحكم بما يريد سبحانه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾

وكلها معاني حقة في حق الله عز وجل على أكمل وجه وأتم معنى ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾

إذا لماذا لا تسبحه الكائنات، ولا يسبحه ﴿مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ﴾ ملك السماوات والأرض أنت مملوك لله فالمملوك يسبح المالك ينزه المالك عن النقائص لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ. وهذا من دلائل ملكه. ولذلك بعضهم قال بدل اجتمال يحيي ويميت فهو يتصرف في مملوكيه كيف يشاء يحيي ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ويمَيِّت ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ سبحانه وتعالى، يحيي ويميت

فهذه امرأة تتمنى وترغب في أن تحمل، ولا تحمل من الذي يقدر لها ذلك إنه الله سبحانه وتعالى، تطلب الولد، ولا ولد من الذي يرزقها الله عز وجل. وهذا شخص قوي. بل طبيب يداوي الناس ويقدر الله عليه الموت فيموت دونما سابقة مرض فمن الذي قدر عليه ذلك هو الله سبحانه وتعالى، يحيي ويميت

وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

هو الأول والآخر إحاطة زمانية والظاهر والباطن إحاطة مكانية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ هُوَ﴾ الأول، أي: الذي ليس قبله شيء فليس أحد قبل الله

هو الأول الذي ليس قبله شيء سبحانه وتعالى، وكيف يكون قبله شيء وهو خالق كل شيء فهل يكون المخلوق مع الخالق. فقال: هو الأول فسرها الرسول «صلى الله عليه وسلم»، أنت الأول فليس قبلك شيء والآخر فليس بعدك شيء

هو الأول والآخر الآخر الباقي بعد فناء المخلوقات فليس بعده شيء ونحن نرث الأرض، ومن عليها وإلينا يرجع ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فانٍ ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ﴾7 (القصص: 88)

هو الأول والآخر ليس بعده شيء فهو الأول لم يسبقه عدم وهو الآخر لا يفنى، ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد سبحانه عز وجل وإذا قال قائل فربنا يقدر البقاء لبعض المخلوقات

فربنا يقدِّر البقاء للجنة، مش الجنة هتفضل موجودة لا تفنى؟ «خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ» «خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ» وكذلك النار هذه الأشياء التي تبقى ﴿أَنَّمَا﴾ تستمد بقاءها من الله الباقي

وإلا فإنَّها لا تبقى من ذاتها. وأما الله عز وجل فهو الباقي الذي لا يفنى، ولم يسبق بعدم، ولا يفتقر إلى أحد لأنه القائم على كل شيء الغني عن كل شيء ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ﴾، يعني: كمن ليس بقائم. وهذا من معاني صمديته ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ الذي لا يحتاج إلى أحد وهو الغني عن كل أحد سبحانه عز وجل ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ﴾ قال وأنت الظاهر فليس فوقك شيء الظاهر فوق كل شيء العالي على كل شيء فلا يعلو عليه أحد

وهو القاهر فوق عباده ليس فوقه شيء سبحانه وتعالى، ودلائله ظاهرة فمن نظر في دلائله أيقن بوجوده وأنه الإله الحق سبحانه وتعالى،

وهو نفسه ﴿ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ﴾ الباطن الذي ليس دونه شيء قال بعضهم، أي: العالم ببواطن الأشياء فليس هناك باطن يخفى عليه

أنت تبطن ما تبطن. لكن ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ يعلم السر وأخفى يعلم السر وأخفى قال بعض المفسرين وأخفى ما أخفى قال ما تُضمِره في نفسك، ولا تتحدث به بلسانك حتى الذي يدور في نفسك وأنت لم تكلم به أحد حتى في السر فالله يعلمه سبحانه وتعالى،

والباطن. وقال بعضهم: والباطن الذي لا يستطيع أحد أن يحيط به فهو كقوله ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ فمعنى الباطن الذي لا يحاط به

ما حدش يقدر يحيط به سبحانه، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا﴾ فهو العليم ببواطن الأشياء، ولا يحيط أحد به سبحانه وتعالى، ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 1 ↩
  3. آية: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 1 ↩
  4. آية: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 21 ↩
  5. آية: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 25 ↩
  6. آية: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 44 ↩
  7. آية: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 88 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة