سورة الأعلى
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة الأعلى - مَكيّة -
مقاصد السورة
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): تذكير النفس بالحياة الأخروية وتخليصها من التعلقات الدنيوية
تعليق الشيخ حفظه الله:
نعم سورة الأعلى وذلك أخذاً من قوله سبحانه ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ وهو الله سبحانه وتعالى فهذه السورة سميت باسم من أسماء الله الحسني وهذه السورة مكية وهذا باتفاق ومن مقاصد السورة (تذكير النفس بالحياة الأخروية وتخليصها من المتعلقات الدنيوية) ولذلك جاء في آخرها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ ... ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾ وهذه السورة الكريمة فيها تنزيه الله عز وجل عن النقائص ببيان قدرته وعظيم سلطانه سبحانه وتعالى ولذلك هذه السورة هي أحد المسبحات وإن شئت فقل هي آخر المسبحات بحسب الترتيب المصحفي، وقد تقدم أن المسبحات سبع سور آخرها هذه السورة سورة الأعلى وهي السورة التي جاء فيها ذكر التسبيح في صدر سورة من سور القرآن بصيغة فعل الأمر، وقبلها جاء بصيغة المصدر في سورة سبحان، سورة الإسراء، وجاء بصيغة الماضي (سبح) وبصيغة المضارع يسبح وهنا جاء بصيغة الأمر (سبح) نعم.
تعليق الشيخ على المتن
تعليق الشيخ حفظه الله :
قال الله سبحانه ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ قالوا هنا نزه ربك الذي علا على خلقه ناطقاً باسمه عند ذكره إياه وتعظيمك له)
تقدم أن التسبيح معناه تنزيه الله عن النقائص، وإبعاد رب العزة سبحانه وتعالى عن كل سوء فكل سوء الرب منزه عنه لكن إذا سمعت كلمة سبح ربك ففيه معنى النطق، يعني ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: «سبحان ربي الأعلى» ولذلك ورد في الحديث: «اجعلوها في سجودكم» لذلك يشرع لنا أن نقول في سجودنا «سبحان ربي الأعلى» ولذلك قالوا هنا (ناطقاً باسمه عند ذكره إياه وتعظيمك له)
﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ ففيه إثبات العلو لله سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ ﴿وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ الذي خلق الإنسان سويا وعدل قامته ولكن أن تقول بالعموم الذي عدل الخلق عموماً، الذي خلق فسوى :: الذي عدل الخلق عموماً سواء أكان هذا في خلق الإنسان أم كان في غيره كل بحسبه ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ ﴿وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ فهو سبحانه خلق الخلائق وهدى كل مخلوق إلى ما يناسبه ويوائمه ﴿وَٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ﴾ ما ترعاه دوابكم ﴿فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحْوَىٰ﴾ أي بعد ذلك بعد أن كان يرعى وبعد أن كان أخضر صار بعد ذلك هشيماً يابساً مائلاً للسواد فمعنى الغثاء :: الهشيم اليابس ومعنى أحوى مائلاً للسواد وعلى ذلك فقوله (أحوى) صفة لكلمة غثاء وهناك قول ثان في تفسير الآية وهو «الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء» فيجعلونه على التقديم والتأخير أي والذي جعل المرعى أخضر ومن شدة خضارته أو خضرته يميل إلى السواد ثم بعد ذلك جعله غثاءً والأقرب عدم الحاجة إلى التقديم والتأخير فما فسَّروه أولى وهو أن كلمة أحوى صفة لكلمة الغثاء وهو أنه بعد أن كان أخضراً مال إلى السواد حينما صار هشيما يابساً وهنا فائدة: وهي أن الله سبحانه وتعالى عطف بعض أوصافه على بعض فقوله( الأعلى الذي خلق فسوى....فهدى) من المعلوم أن الذي قدر فهدى هو الذي خلق فسوى وهو أيضًا الذي أخرج المرعى فقوله (والذي..)(والذي)(والذي) لا يراد منها ثلاثة وإنما الله سبحانه، وإنما جاء العطف باعتبار تغاير الصفات لذلك قالوا إن وأو العطف تقتضي المغايرة لكن التغاير قد يكون باعتبار الذات وقد يكون باعتبار الصفات، فأنت قد تقول جاء محمد الكاتب والشاعر والعالم ولا تعني بذلك ثلاثة وإنما تعني بذلك تعدد الأوصاف لموصوف واحد فحينئذ هذا يستفاد منه في بعض الأبواب وفي فهم بعض الآيات
قال الله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ وهذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ ... ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾
فلا تنسى يعني فلا يكون منك نسيان وقوله فلا تنسى لا هنا نافية، ﴿فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ ولذلك أثبت معها حرف العلة فلا تنسى) وأخطأ من قال (إنها ناهية) لأنَّها لو كانت كذلك لقيل فلا تنس بحذف حرف العلة ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ﴾ أي إلا ما شاء الله أن تنساه منه لحكمة قال بعضهم والمراد به ما نسخ منه فما ينساه هو الذي يرفع وينسخ كما قال ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ أو أن معنى قوله ﴿فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أن تنساه بعد أن تبلغه لأنه لا يشكل علينا كيف ينسى الرسول ص شيئًا من القرآن أوليس الرسول ص محفوظ ومعصوماً يقال هو يبلغ ثم بعد ذلك قد يقع منه النسيان ولذلك قال: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا»، وجاء في رواية: «أسقطتهن من سورة كذا» أما النسيان الذي يعنى عدم البلاغ فهذا ممنوع وغير موجود في حقه صلى الله عليه وسلم
وبعض العلماء قال ﴿أَنَّمَا﴾ قال (إلا ما شاء) لبيان أن الله حفظه ﴿أَنَّمَا﴾ هو بمشيئة الله فيبقى التعلق بالخالق سبحانه وتعالى
﴿إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ قوله إن نفعت الذكرى قال بعضهم بمعنى حيث نفعت الذكرى فهذا معناه أن الإنسان يُذكِّر إذا رجا الانتفاع وأما إذا تيقن أنه لا انتفاع بتذكيره فحينئذ لا يجب عليه التذكير قال بهذا عدد من أهل العلم وقال بعض العلماء بل المعنى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ وإن لم تنفع فقالوا هذا من أسلوب الاكتفاء، فقالوا وإن لم تنفع! وأيضاً قال بعضهم ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ أي ستنفع الذكرى أو أن المعنى إن نفعت الذكرى يعني إن بلغت الذكرى مسموعة فمجرد بلوغها مسموعة هذا من أوجه الانتفاع ومما يدل على أن التذكير عام قوله بعد ذلك ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى﴾ فقوله ويتجنبها هذا معناه أنه نصح وأنه ذكر لكنه هو الذي تجنب فالأصل أن يعمم الإنسان دعوته فإذا كان يرجى الانتفاع دعا وإذا كان لا يرجو الانتفاع فإنه يدعو أيضًا لاقامة الحجة وإنما يسقط ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ حينما يتيقن الضرر أو يغلب على ظنه الضرر فحينئذ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وكل هذا له فقهه في أبواب الدعوة.
قال الله ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾ من الذي ينتفع بالتذكرة الذي يخشى الله وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ فيستريح ولا يحيى حياة كريمة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ وتزكى هنا بمعنى طهر نفسه بخلاف ما جاء في قوله ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ فالمراد بها المدح ﴿وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ ... ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ﴾ إن هذا أي الذي ذكرناه لكم من الأوامر والأخبار قال بعضهم قوله ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾ هو الموجود في الصحف الأولى وقال بعضهم بل المراد السورة كلها في الصحف الأولى ﴿صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ فيه إثبات صحف إبراهيم وموسى كما جاء في قوله ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾ ونسأل الله الإعانة والتوفيق
من فوائد الآيات
1-خشية الله تبعث على الاتعاظ: وذلك في قوله ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾ وتقدم معنا مراراً أن الذي ينتفع بالموعظة هو الذي يخشى الله عز وجل ولذلك نريد منكم آيتين تدل على هذا المعنى.
2-أهمية تطهير النفس من الخبائث الظاهرة والباطنة: ولذلك قال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ اللهم آت نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الأعلى ونسأل الله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)