مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس الرابع- التعليق على تفسير الجلالين تفسير قوله (إياك نعبد) إلى (غير المغضوب عليهم)

سلسلة التعليق على تفسير الجلالين · الدرس 15 من 21 · 36 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. تقديم إياك يفيد حصر العبادة والاستعانة
  2. حذف المتعلَّق يفيد العموم المناسب
  3. التفات الفاتحة من الغيبة إلى الخطاب
  4. اهدنا: سؤال الهداية لا تحصيل حاصل
  5. بدل الصراط: توكيد وإجمال ثم بيان
  6. إعراب غير: بين البدل والنعت
  7. أدب الإسناد: أنعمت عليهم لا غضبت
  8. نكتة البدل: تعوذ من مسالك الزائغين
التفريغ النصي الكامل للدرس

تقديم إياك يفيد حصر العبادة والاستعانة

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، والفضلاء مع مجلس جديد من مجالس مدارسة تفسير الجلالين والتعليق عليه. وهذا هو المجلس الرابع وما زلنا مع آيات سورة الفاتحة. توقفنا عند قول جلال الدين المحلي رحمة الله تعالى تعليقًا على تفسير قوله سبحانه وتعالى، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾2 قال رحمه الله، أي: نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب منك المعونة على العبادة وغيرها قوله هنا أي: نخصك بالعبادة ﴿أَنَّمَا﴾ أخذ هذه الجملة نخصك بالعبادة من التعبير القرآني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ «إياك» مفعول به مقدَّم ونعبد فعل مضارع، وعلى ذلك تقدم المفعول وهو إياك على الفعل وأهل العلم يقولون.

إن تقديم المفعول على الفعل من فوائده إفادة الحصر والقصر. ولذلك قالوا: إن تقديم المعمولات يفيد الحصر. وقالوا أيضًا تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فهذا أسلوب حصر وقصر واختصاص. وبناءً عليه فقوله: نخصك بالعبادة من أين أخذ قوله نخص أخذه من تقديم إياك على نعبد إذ لو أنَّ طالب علم يفسر قوله سبحانه وتعالى، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

فقال: أي: نعبدك، نقول له: إن هذا التفسير فيه قصور لأنه أسند الفعل وهو العبادة نعبدك ولكنه لم يأت بما دل عليه قوله سبحانه وتعالى، إياك حين قدم إذن «﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾» استفدنا منه أننا نعبد الله وأننا لا نعبد إلا الله فقولنا لا نعبد إلا الله ﴿أَنَّمَا﴾ أخذناه من التعبير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولذلك كما نبهت فالجلالان رحمهما الله تعالى يتميزان بدقة العبارة، وكذلك المفسرون المعروفون بالتمكن في هذا الأمر. تكون هكذا عبارتهم حينما يفسرون آيات القرآن الكريم.

إذن قوله نخصك بالعبادة استفدنا منه قاعدة وهي أن تقديم المعمولات يفيد الحصر أو أن تقديم حقه التأخير يفيد الحصر طيب قال نخصك بالعبادة من توحيد وغيره. إذن هو يفسر لنا العبادة ما المراد بالعبادة العبادة التوحيد وغيره التوحيد وما يتبعه قال نخصك بالعبادة من توحيد وغيره لذلك بعضهم يفسر ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يعني: إياك نوحد نقول نعم وأيضًا مع التوحيد السير على منهاج هذا الدين باتباع الرسول الكريم ﷺ وأصل مادة العبادة من التذلل والخضوع يقال طريق معبد يسهل السير عليه لأنه لا صعوبة فيه.

فهذا معنى العبد، أي: المتذل لله سبحانه وتعالى، الخاضع لله عز وجل قال نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب منك المعونة على العبادة وغيرها طيب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال ونطلب منك المعونة على العبادة وغيرها طيب ونطلب منك من أين أخذنا ونطلب منك أخذها من الألف والسين والتاء في قوله ونستعين من قوله نستعين قال تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما معنى نستعين أي: نطلب المعونة.

فقال: ونطلب منك المعونة هذا معنى نستعين على العبادة وغيرها. لكن لو قال: قائل كان الأفضل أن يقال نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونخصك بطلب المعونة على العبادة وغيرها هذا كان أولى لماذا لأنه أيضًا في قوله نستعين قال قبلها إياك نستعين فأفادت المعنى السابق وهو الحصر ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نعبد إلا الله وإياك نستعين، يعني: لا نستعين إلا بالله.

إذن قول جلال الدين المحلي ونطلب منك المعونة الأولى في ذلك، أن يقال نخصك به سبحانه وتعالى، ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾3 فهنا تعاون نقول لا تعارض فرق بين التعاون وبين الاستعانة فالاستعانة من تفويض الأمر ﴿أَنَّمَا﴾ يكون إلى الله سبحانه وتعالى. أما يكون من أمور تتعلق بالمخلوقين فيما يقدرون عليه فلا بأس بالاستعانة بمن يقدر على فعل شيء من الأفعال حتى يقضي هذه الحاجة لهذا الشخص.

أما تفويض أعمال القلب واللجوء فإنما يكون إلى الله سبحانه وتعالى، وحده طيب ونطلب منك المعونة على العبادة وغيرها هنا قوله ونطلب منك المعونة على العبادة وغيرها،

حذف المتعلَّق يفيد العموم المناسب

وقبل قال من توحيد وغيره هذا يتعلق بقاعدة من القواعد التفسيرية أيضًا وهي أن حذف المتعلق يفيد العموم النسبي أو كما يقولون، أن يفيد العموم المناسب له ما معنى هذا؟ يعني: أنت حينما تقول إياك نستعين نستعين بمن بالله على ماذا لم يبين لنا ربنا

هذا الذي نستعين به عليه فلم يقل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في الصلاة وإياك نستعين على الزكاة وإياك نستعين على أعمالنا، وعلى دنيانا، وعلى أمورنا، وعلى حياتنا، وعلى أولادنا لم نقل شيئًا من ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ جاء التعبير القرآني هكذا وإياك نستعين فحذف المتعلَّق. وهذا يفيد العموم المناسب له. وهذا كثيرًا ما يجري مع حذف المتعلَّق.

وهذا هو الذي قرره هنا الجلال حين قال من توحيد وغيره على العبادة وغيرها، يعني: أفاد معنى التعميم. وهذا سيرد معنا كثيرًا في تفسير الآيات القرآنية فهي قاعدة مهمة، يعني: مثلًا في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾4 طيب أطيعوا الله والرسول على ماذا أو في ماذا أي: في كل الأوامر، وفي ترك كل النواهي لم يذكر لنا مواضع طاعة الله وطاعة الرسول.

إذن يفيد هذا معنى العموم النسبي، أي: المناسب له كذلك لعلكم تتقون يدخل لعلكم تتقون الله لعلكم تتقون النار لعلكم تتقون المحرمات وهكذا. إذن هذه قاعدة مفيدة نستفيد منها وموضعها هنا في قوله على العبادة وغيرها، وأيضًا استفدنا من ذلك، أن الله سبحانه وبحمده يستعان به على العبادات ويستعان به أيضًا على أمور الدنيا، يعني: نحن في حوائجنا، وفي أمورنا الدنيوية نستعين بالله سبحانه وتعالى، على أن ييسرها لنا فلولا إعانة الله لنا ما تحققت، ولا تيسرت.

ولذلك شرع لنا دعاء الاستخارة فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى، إن كان هذا الأمر خيرًا لك في دينك ودنياك ومعاشك أو قال عاجل أمره وآجله فقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه هذا من الاستعانة بالله سبحانه وتعالى، وكذلك في أمور العبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وتلحظ أخي الكريم، أن قوله إياك تكرر فلم يقل رب العزة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ونستعين.

التفات الفاتحة من الغيبة إلى الخطاب

لكن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهذا فيه تأكيد لهذا المعنى وأن كل واحدة منهما جملة مستقلة فالله سبحانه وتعالى، يعبد، ولا يستحق العبادة إلا هو، وكذلك يستعان به ولا يستعان إلا به عز وجل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهنا لفتة، لكن لم يعرض لها الجلالآن. لكن المفسرون اعتنوا بها، أشير إليها على عجل وهي أنه في هذه الآية الكريمة أسلوب يقال له: أسلوب الالتفات لأننا قبل ذلك نقرأ «الحمد لله»، لم نقل «الحمد لك يا رب العالمين» لما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾5 ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾6 ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾7.

فهذا حديث عن الله فالأسلوب الذي يناسب هذا أن يكون الكلام هكذا إياه نعبد وإياه نستعين لأننا نتحدث عن الله. لكن تحول الحديث فصار ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إذن من الحديث بأسلوب الغيبة الذي جاء في قول الحمد لله رب العالمين حديث عن الله تحول. الأمر إلى الخطاب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهذا ما يسميه أهل البلاغة بالالتفات.

وهذا الأسلوب يثير الانتباه من جهة وأيضًا تكون له فوائد خاصة، ومن الفوائد الخاصة التي تتعلق بهذا الأسلوب في هذا المقام أن العبد حينما أثنى على الله سبحانه وتعالى، أحس بقربه من ربه فحينئذ خاطب الله عز وجل. فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولذلك يشرع للإنسان بين يدي دعائه، أن يقدم الثناء ﴿وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ طيب بعد ذلك قال الجلال في قوله سبحانه ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾89 أي: أرشدنا إليه.

اهدنا: سؤال الهداية لا تحصيل حاصل

إذن ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: أي: أرشدنا إليه وترى أنه لم يفسر لنا الصراط المستقيم لكننا نجد تفسير الصراط المستقيم في كتب غريب القرآن، وكذلك في الكتب التي تتوسع في التفسير وتبين المفردات القرآنية مفردة مفردة. لكن كما تقدم فالجلالان لا يبينان كل الكلمات ﴿أَنَّمَا﴾ يبينان ما يريانه يحتاج إلى بيان فإنَّهما يبينانه دون غير.

فقال: هنا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ قال أرشدنا إليه وقوله: سبحانه وتعالى، معلِّمًا عباده ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾، يعني: أرشدنا إلى هذا الصراط المستقيم والصراط المستقيم هو الطريق الواضح الطريق الواضح الذي لا عوج فيه وفيه كلام طويل لأهل العلم في المراد به. لكن كما قلت: قدر المستطاع لا نعرض إلا لما عرض له الجلالآن إلا عند الحاجة التي تقتضي ذلك لفائدة أو للطيفة أو نكتة ونحو ذلك ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وليس ثمة أحد إلا وهو يحتاج إلى سؤال الله سبحانه وتعالى، أن يهديه لأنَّ ما نجهل أكثر مما نعلم وما نعلمه ونعجز ونكسل عن العمل به أكثر مما نقوم به وما نعمل به ونخطئ فيه ونقصر أكثر مما لا نفرِّط فيه وكذلك ما نقوم به على وجه صحيح قد نتكاسل عنه أو قد لا ندوم عليه فنحن.

نسأل الله الهداية ليعلمنا ما لم نعلم وليعيننا على العمل بما علمنا وليثبتنا على ما عملنا كل ذلك داخل في معنى: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ لذلك هو ليس من باب تحصيل الحاصل وإنَّما هو مما يحتاج إليه، ولا يستغني أحد عن سؤال الله سبحانه وتعالى، الهداية ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ قال ويبدل منه ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾10 بالهداية، يعني: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾11 صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنعمت عليهم بماذا؟ أنعمت عليهم بالهداية. وهذا فيه أنَّ: الهداية من أجل ما ينعم الله سبحانه وتعالى، به على عباده طيب قوله ويبدل منه ويبدل منه ما الذي يبدل من ماذا، يعني: أين البدل وأين المبدل منه البدل هنا «صراط»، هذا بدل والمبدل منه الصراط. إذن عندنا مبدل منه وهو الصراط في قول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ والبدل هو صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: رب العباد سبحانه وتعالى، لم يقل اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولا تغفل أخي الكريم عما ذكرناه في بداية السورة الكريمة، أن بعض العلماء يرى أنَّ في الآيات تقديرًا منهم نقدره قبل البسملة، ومنهم نقدره قبل الحمد، ومنهم نقدره قبل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: قولوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قولوا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾.

إذن صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صراط بدل من قوله الصراط المستقيم أو عطف بيان كما يقول أهل اللغة. إذن ما موقع قوله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؟ «صراط» ما موقعه من الإعراب؟ نقول هو بدل أو عطف بيان من قوله الصراط المستقيم طيب قال ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالهداية. لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نتجاوز ذلك الإمام أو الجلالان رحمهما الله تعالى أو السيوطي على وجه الخصوص ذكر أنه سيعرض بعض المسائل النحوية.

بدل الصراط: توكيد وإجمال ثم بيان

لكن ليس فيها شيء من الإطناب، ولا الاستطراد كما سيأتي بإذن الله في مقدمته لسورة البقرة هنا ذكر أن هذا الأسلوب أسلوب بدل هذا الأسلوب أعني أسلوب البدل له فائدة، يعني: لم يقل الله اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مباشرةً، ولم يقل أيضًا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ جمع بين المبدل منه والبدل؛ بين قوله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وقوله: صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فما فائدة ذلك.

وهذا الذي يفيد المفسر أكثر، يعني: عندنا معرفة نحو تساعدنا ثم بعد ذلك أيضًا لا بد أن نعرف الأثر وما يترتب على ذلك صحيح أنَّهم قالوا: إن الإعراب فرع. المعنى، وأيضًا حينما يتبين لنا الإعراب ونعرفه فإننا نستخرج منه ونستنبط منه فوائد ولطائف فمن فوائد ذلك قالوا التوكيد، يعني: البدل بمثابة التأكيد للمبدل منه فهو حينما قال ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ العبد حينما يسأل الله ويقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأن هنا تقديرًا لأنَّ البدل أيضًا يحتاج إلى عامل فكأن تقدير الكلام ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأن العبد سأل الله الهداية مرتين في قول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾، وفي قوله صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يبقى تقدير الكلام ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لذلك قالوا كما ذكر الزمخشري في الكشاف وكذا البيضاوي وغيرهما قالوا فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير هكذا يقول الزمخشري يقول لما فيه من التثنية والتكرير، يعني: فيه تثنية بتكرار لفظ البدل لأنه قال الصراط، وبعدين الصراط والتكرير بما يفيده البدل من تكرر العامل كما تقدم لأنه على تقدير اهدنا الصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين، يعني: أنت حينما تقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ طيب هذا الصراط المستقيم مَنْ الذي سلكه

من هؤلاء الذين سلكوا هذا الصراط نريد أن نذكر قومًا يعرفون به حتى نسلك مسلكهم ونسير على منوالهم فحينئذ قال صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو تفسير للصراط ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، يعني: لو قال: اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ما جاء الثناء على هؤلاء الذين سلكوا هذا الصراط بأنهم سلكوا واتبعوا صراطًا مستقيمًا لكننا حينما نقرأ ونقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ عرفنا أن الذين أنعم الله عليهم على صراط موصوف بأنه مستقيم على صراط موصوف بأنه مستقيم.

فهذا على أبلغ وجه وآكد كما تقول هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل لكن حينما تقول هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ أين هذا الصراط مَنْ الذي سلك هذا الصراط تقول صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأنك ثنيت ذكره مجملًا أولًا ومفصلا ثانيًا هنا اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هؤلاء الذين سلكوا الصراط المستقيم.

فهذا مما يستفاد من هذا التعبير القرآني، وأيضًا ممن كشف عن هذه الفائدة ابن عاشور رحمة الله قال: وإنَّما جاء نظم الآية بأسلوب الإبدال أو البيان. تأمَّل! أسلوب الإبدال أو البيان الإبدال، يعني: بدل والبيان عطف بيان لذلك نقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ إجمال ثم جاء البيان ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ دون أن يقال اهدنا صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لفائدتين الأولى أن المقصود من الطلب ابتداء هو كون المهدى إليه وسيلة للنجاة واضحة سمحة سهلة، يعني: المراد ابتداء أن يهديك الله هذا الطريق المستقيم السهل الواضح.

فهذا هو المقصود ابتداء بسؤال الله عز وجل الهدى. وأما كونها سبيل الذين أنعم الله عليهم فأمر زائد لبيان فضله والفائدة الثانية ما في أسلوب الإبدال من الإجمال المعقب بالتفصيل ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ ثم جاء التفصيل بعد ذلك ليتمكن معنى الصراط للمطلوب فضلَ تمكُّنٍ في نفوس المؤمنين الذين لقنوا هذا الدعاء فيكون له من الفائدة مثل ما للتوكيد المعنوي، وأيضًا لما في هذا الأسلوب من تقرير حقيقة هذا الصراط وتحقيق مفهومه في نفوسهم فيحصل مفهومه مرتين فيحصل له من الفائدة ما يحصل بالتوكيد اللفظي لأننا من هاتين الآيتين أو من قوله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وقول الصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تعرفنا على الصراط بأكثر من وجه فإذا سئلنا ماذا تعرف عن صراط الله عن الصراط نقول الصراط مستقيم.

بدليل قول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ هذا وصف له. وعرفنا كذلك أنَّ هذا الصراط هو صراط هؤلاء الذين سلكوا. فهو سبيل هؤلاء الذين سلكوا هذا الصراط من الأنبياء ﴿مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ وَٱلصَّٰلِحِينَ. طيب قال ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال بالهداية، يعني: أنعمت عليهم بالهداية ويبدل من الذين بصلته ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، ولا الضالين وهم النصارى طيب ويبدل من الذين بصلته ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: الآن ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لعلكم تذكرون ما ذكرناه في بداية التفسير من أن أهل العلم يقولون لهم أقوال مشهورة فيما يتعلق بالبسملة ووجه عد سورة الفاتحة سبع آيات فمنهم من يرى أنَّ قوله صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية و﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾12 آية أخرى.

إعراب غير: بين البدل والنعت

وذلك عند من يرى أنَّ بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من الفاتحة. وأما من يرى أنها آية من الفاتحة فهو يجعل صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا الضالين آية واحدة فهنا قال صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فهو يقول ويبدل من الذين في كلمة صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، يعني: يقصد أن قوله سبحانه وتعالى، غير بدل من قوله الذين في قوله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل منه طيب.

إذن ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط الذين السؤال ما موقع الذين في قوله صراط الذين عرفنا أن الصراط بدل أو عطف بيان الذين مضاف إليه الذين في قول صراط الذين الذين مضاف إليه اسم موصول في محل جر مضاف إليه. إذن هو مضاف إليه طيب غير بدل من. إذن عرفنا أن إعراب قوله «غير» بدل من قوله الذين في قوله صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.

لكن هناك وجه إعرابي آخر وهو، أن قوله غير نعت. وهذا القول قدمه بعض العلماء. بل نسب إلى سيبويه رحمة الله تعالى كما ذكره عنه أبو حيان وغيره. فقالوا إنه نعت، لكن أشكل على هذا القول أمر وهو، أن غير موغلة في الإبهام، يعني: غير بعضهم يقول إنها لا تصير معرفة وإن أضيفت إلى معرفة من المعروف أنَّ النكرات إذا أضيفت إلى المعارف اكتسبت بإضافتها التعريف.

ولذلك حينما نذكر المعارف فنذكر منها المضاف إلى إحدى المعارف. لكن هناك ألفاظ يقولون عنها إنها موغلة في الإبهام، يعني: حينما تقول مررت برجل غيرك طيب من مراد بقولك مررت برجل غيرك يحتمل مررت برجل غيرك لو عمر، علي، إسماعيل، إبراهيم يدخل في كثيرون. إذن هو مبهم. فقالوا: إن غيرك وإن أضيفت فإنَّها لا تتعرف فهنا يرد إشكال معروف أنَّه إذا كان المنعوت، أي: الموصوف معرفة.

فإنَّ النعت يكون معرفة، والذين اسم موصول واسم الموصول هذا معرفة، فكيف يكون غير صفة له وهي لا تكتسب التعريف بالإضافة هذا وجه الإشكال وأجابوا عن ذلك بأجوبة من أشهرها أن غير قد تكتسب التعريف إذا كانت بين ضدين إذا كانت بين ضدين كما لو قلت: الحركة غير السكون لماذا؟ لأنه هنا ليس هناك إبهام ﴿أَنَّمَا﴾ يصير.

الأمر واضحًا إما حركة وإما سكون وهنا كذلك إما منعم عليهم وإما مغضوب عليهم وإما ضالون. إذن علم من ذلك، أن قوله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مقابل لقوله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلما كان في مقابلته اكتسبت غير التعريف بالإضافة والوجه الثاني أن الذين هنا بمثابة النكرة فكأنها بمثابة النكرة فيكون معنى الصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيضًا مبهم لأنَّ الصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لن يحدد ﴿أَنَّمَا﴾ كل من أنعم الله عليهم داخل في هذا.

المعنى فقالوا: هذا كقولك. ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم قلت: لا يعنيني فقولك. ولقد أمر على اللئيم أنت لا تقصد لئيما معينا فمع أنَّ اللئيم دخلت عليها أل لكنَّها بمعنى. ولقد أمر على لئيم أي: لئيم فكذلك الصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كل من أنعم الله عز وجل عليهم فحينئذ هي في حكم نكرة وبناء على ذلك فجاءت صفاتها على كل لا أطيل بذلك.

لكن أردت بذلك الإشارة إلى أن قول الجلال هنا ويبدل منه كأنه ذكر الإبدال مع أنَّ غيره قدم النعت عليه. لكن لأنَّ النعت ترد عليه إيرادات فكأنَّه أحب أن يخرج من هذه الإيرادات فاكتفى بالإبدال؛ وإلا فالوجه الثاني هو النعت طيب قال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هنا لطيفة يعرض لها بعض العلماء وهي أن الله سبحانه وتعالى، قال صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فلما ذكر الإنعام أسنده إليه صراط الذين أنعمت لم يقل صراط المنعم عليهم.

أدب الإسناد: أنعمت عليهم لا غضبت

لكن في باب الغضب قال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لم يقل غير الذين غضبت، يعني: كان المتوقع أن تسير الجملتان على وتيرة واحدة صراط المنعم ﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لا صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الذين غضبت لا لهذا. ولهذا ﴿أَنَّمَا﴾ صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أضاف الإنعام إلى الله، وفي الغضب قال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فبعضهم يقول.

وهذا من باب التأدب مع الله نتأدب مع الله يعلمنا الله سبحانه وتعالى، أننا حينما نخاطبه جل وعلا وحينما نتحدث عنه ففي مقام الإنعام والإكرام نسند العمل أو نضيف ذلك إليه. وأما في باب النقمة، وفي باب الإضلال فإننا لا نضيفها إليه مع اعتقادنا أن كل شيء بقدر تأدبا مع الله كقول الخليل إبراهيم ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾13 وكقول الجن ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾14.

ولهذا مزيد كلام ولعله يأتي تفصيل له في مواضع أخرى مناسبة بإذن الله تعالى طيب ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ قال هنا الجلال وهم اليهود لم يفسر ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وللمفسرين فيها أقوال ولعل القول الذي أخذ به كثير من العلماء هو أنه قد فسر ذلك بما جاء في آية سورة النساء، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾15 قول ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، ولا الضالين قال وغير الضالين فسر لا بغير، ولا الضالين وهم النصارى تفسير المغضوب عليهم باليهود وتفسير الضالين بالنصارى مروي عن النبي ﷺ عليه وآله وسلم.

نكتة البدل: تعوذ من مسالك الزائغين

إذن هذا من التفسير النبوي فسر لنا الرسول عليه السلام ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باليهود، ولا الضالين بالنصارى. ومع ذلك فأهل العلم لم يمنعوا من أن يندرج مع اليهود غيرهم وأن يندرج مع النصارى غيرهم. ولذلك قال سفيان «من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى» فقول ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود لما

أنهم عاندوا؛ عرفوا الحق وحادوا عنه وتركوا. فقالوا كل من عاند الحق وعلم الحق وعانده وتركه وانصرف عنه عن عمد ففيه نصيب من الغضب المذكور في قوله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ النصارى الذين جهلوا الحق فلم يعملوا به وكذلك كل من كان موافقًا لهم في ذلك فله نصيب من الضلال. وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى، بذلك.

فقال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾16 وهم حينما عرفوا النبي ﷺ وحادوا عن الحق وتعمدوا ذلك جمعوا بين الغضب والضلال فلا يمنع أن يجتمع فيهم الغضب والضلال حينما عرفوا الحق وحادوا عنه لذلك الانصراف عن الحق وترك الحق يرجع في جملته إلى أمرين إلى العناد.

وهذا يوجب الغضب وإلى الجهل والتفريط في العلم، يعني: التفريط في تحصيل العلم عنده قدرة على أن يتعلم، ولا يتعلم. وهذا يؤدي إلى الضلال. نسأل الله السلامة. قال ونكتة البدل، ومعنى قوله نكتة، يعني: الفكرة اللطيفة الدقيقة، يعني: والنكتة، يعني: الفائدة نكتة البدل، يعني: لماذا قال الله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ ما الفائدة لم يقل الله ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر الطريق المخالف ذكر لنا الطريق المستقيم وذكر طريق المخالفين.

فقال: ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولا الضالين قال ونكتة البدل أفادت أن المهتدين ليسوا يهودا، ولا نصارا، يعني: ما ربنا قال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ عرفنا أن المغضوب عليهم وأن الضالين ليسوا من المهتدين وليسوا ممن أنعم الله عز وجل عليهم بنعمة الهدى. إذن هذه فائدة الذكر قوله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ وكأننا.

نسأل الله سبحانه، أن يسلك بنا مسالك الصالحين وأن يجنبنا طرق الزائغين، ولابن عاشور كلام نفيس في هذه المسألة أو في هذه النكتة اللطيفة قال ومن غرض وصف ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بقوله «﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾»، يعني: بقوله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾. تأمَّل! التعوذ مما عرض لأمم أنعم الله عليهم بالهداية إلى صراط الخير بحسب زمانهم بدعوة الرسل إلى الحق فتقلدوها ثم طرأ عليهم سوء الفهم فيها فغيروها وما رعوها حق رعايتها، يعني: أنت حينما تقول ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ والضالين كأنَّك تستعيذ بالله تقول: يا رب اهدني يا رب أعذني يا رب أعذني من مسالك المغضوب عليهم، ومن مسالك الضالين والتبرؤ من أن يكون مثلهم، يعني: أنت تتبرأ أيضًا إذ تستعيذ وتتبرأ.

فهذا من نكتة البدل أو النعت على قول من قال: إن قوله غير نعت في هذا المقام. وهكذا نكون، يا أيها الإخوة الكرام، قد انتهينا وفرغنا بفضل من الله وإكرام من تفسير سورة أو من التعليق على تفسير سورة الفاتحة لجلال الدين المحلي رحمة الله تعالى وكما قلت: في سورة الفاتحة فوائد جمة ودقائق كثيرة ولطائف عظيمة.

لكن ﴿أَنَّمَا﴾ نقتصر على المهمات، وعلى ما يناسب المقام ولا سيما أنها مرحلة تتلوها مراحل أخرى بإذن الله. إن يسر الله لنا ذلك وأسأل الله، أن يجعلنا من الموفقين المسددين. وقد كنت أحسب أن الوقت يتسع للإجابة على الأسئلة التي وردت إلي. لكن بإذن الله لعلنا إن شاء الله نعرض لها في الدرس المقبل نجيب على الأسئلة التي تتعلق بالدروس السابقة، وأيضًا أرجو منكم، أن تستعدوا لطرح بعض الأسئلة فربما فتحت المجال بإذن الله في الدرس المقبل لطرح بعض الأسئلة على هذه الدروس الأربعة بإذن الله.

نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وأن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك. صلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 5 ↩
  3. آية: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 2 ↩
  4. آية: ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 32 ↩
  5. آية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 2 ↩
  6. آية: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 3 ↩
  7. آية: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 4 ↩
  8. آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — الفاتحة: 6 ↩
  9. آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 6 ↩
  10. آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 7 ↩
  11. آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — الفاتحة: 6 ↩
  12. آية: ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 7 ↩
  13. آية: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 80 ↩
  14. آية: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 10 ↩
  15. آية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 69 ↩
  16. آية: ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 77 ↩

من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة