مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس الرابع عشر: التعليق على تفسير الجلالين تفسير سورة البقرة الآية 17

سلسلة التعليق على تفسير الجلالين · الدرس 14 من 21 · 39 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. افتتاح المجلس الرابع عشر
  2. أوجه تفسير الذي وجمع الضمائر
  3. رأي دراز في مثل الكفار والمنافقين
  4. استدلال دراز بأن المستوقد هو النبي
  5. تفسير صم بكم عمي والتشبيه البليغ
  6. تفسير أو كصيب من السماء
التفريغ النصي الكامل للدرس

افتتاح المجلس الرابع عشر

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فهذا هو المجلس الرابع عشر من مجالس التعليق على تفسير الجلالين وكنا قد توقفنا في المجلس السابق عند قول الله جل ذكره وبقي لنا مما يتعلق بهذه الآية الكريمة التعليق على قول المصنف رحمه الله،

أوجه تفسير الذي وجمع الضمائر

قال ذهب الله بنورهم أطفأه وجمع الضمير مراعاة لمعنى الذي أشرنا في الدرس السابق أن قول الله سبحانه وتعالى، ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾2 جاء الضمير في قوله بنورهم، وفي قوله وتركهم بصيغة الجمع الجلال رحمة الله تعالى وجه ذلك بأنَّ الضمير جمع مراعاة لمعنى الذي، أي: أن الذي في قوله ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الذين فمعنى الآية على ذلك مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارا.

وهذا وجه في معنى الآية الكريمة وثَمَّ أوجه أخرى من ذلك، أن بعضهم يرى أنَّ قوله سبحانه وتعالى، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ على بابه، أي: أن اسم الموصول الذي بمعنى المفرد كما هو المشهور والأصل في معناه:. وذلك أنَّ مستوقد النار يكتفى فيه بواحد فالذي يوقد النار لجماعة من الناس ربما كان واحدًا فقوله: كمثل الذي ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: الذي استوقد لهم هو واحد ثم جاء الحديث بعد ذلك في قوله ذهب الله بنورهم لمن أوقد لهم هذه النار هذا توجيه آخر وهناك من وجه من أهل العلم ذلك.

فقالوا لا مانع أن يضرب المثل للجماعة بالواحد فلما قال الله ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ هذا معروف، وهو أن يُضرَب المثل للجماعة بالواحد. وذلك موجود في القرآن الكريم دون أن نحتاج إلى أن نقول إن الذي بمعنى الذين، ومن الأمثلة على ذلك أعني مجيء التمثيل للجماعة بالواحد قول الله سبحانه وتعالى، ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا﴾3 فالله عز وجل ضرب المثل للذين حملوا التوراة بماذا

قال كمثل الحمار. وهذا مفرد. ومن ذلك أيضًا قول الله جل ذكره ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾4، ولم يقل كالذين يغشى عليهم من الموت مع أنَّه في صدر المقطع أو السياق قال ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ﴾ فهم جماعة. ومع ذلك ضرب المثل لهم بالواحد. فهذا توجيه آخر قالوا وساعد على ذلك أيضًا أن المراد بهذا المثل هو استضاءة أولئك المنافقين بهذه النار ثم إطفاؤها وذهابها عنهم.

والاستضاءة لا تتفاوت من شخص وآخر بمعنى أنهم مشتركون في هذه الاستضاءة فلذلك قال الله مثلهم كمثل الذي هكذا بصيغة المفرد. إذن هذه أوجه متعددة في توجيه الاسم الموصول الذي. وأما القول بأن الذي بمعنى الذين وهو. الوجه الذي ذكره جلال الدين السيوطي كما رأينا وكما سمعنا فإنَّه مستدل على ذلك بأنَّ الذي قد تأتي بمعنى الذين كما في قوله تعالى ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾5.

لكن قد يستدرك على ذلك فيقال إن قوله ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ ليس بصريح في ذلك صحيح أنَّ كثيرًا من المفسّرين يستدلون بهذه الآية الكريمة على مجيء الذي بمعنى الذين. لكن الآية تحتمل احتمالات أخرى فقد يقال إن معنى قوله ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ أي: وخضتم خوضًا كالذي خاضوا، يعني: كالذي خاضوا هذا صفة لقوله خوضا أو للمقدر وهو خوضا خضتم خوضا كالذي خاض ويمكن أن يقدر له ما يناسب الذي كقولنا وخضتم كالفوج الذي خاض وحينئذ فلا إشكال في هذه الآية، ولا يستدل بها على أن الذي جاءت بمعنى الذين على هذه الأوجه.

لكن أيضًا يقال إن الذي تأتي بمعنى الذين هذا معروف في اللغة وسائغ واستدل له أيضًا بقوله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾6. إذن إذا ورد علينا سؤال ما سر التعبير بالذي بصيغة الإفراد وجمع الضمائر في قوله ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾ فهناك أجوبة متعددة لبيان هذا الأمر وللجواب عنه.

ومن ذلك أيضًا أن بعض أهل العلم رأى أن في الآية الكريمة إيجازًا وهو من الإيجاز البديع الذي هو من أساليب الإعجاز في القرآن الكريم.

وقالوا إن الجمع في قوله ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ جاء بهذه الصيغة مراعاة للحال المشبهة وهي حال المنافقين لا للحال المشبه بها وهي حال المستوقد الواحد على وجه بديع في الرجوع إلى الغرض الأصلي وهو انطماس نور الإيمان منهم فهو عائد إلى المنافقين لا إلى الذي قريبًا من ردِّ العجز على الصدر.

وهذا اختاره ابن عاشور بمعنى أن قوله سبحانه وتعالى، ذهب الله بنورهم لا يعود قوله بنورهم على المستوقد وإنَّما يعود ذهب الله بنورهم على المنافقين المشبه المشبه به هو المستوقد وما يجري له والمشبه هو حال المنافقين فعاد الضمير إلى المشبه. وهذا سائغ ومعروف. وهذا من إعجاز القرآن الكريم قال ومما يدل عليه اختيار لفظ النور عوضًا عن النار فقوله: ذهب الله بنورهم دون أن يقول ذهب الله بنارهم إشارة إلى أن هذا النور الذي ذهب هو نور الإيمان.

وقد سبق لنا في المجلس السابق توجيهات أخرى للسر في ذكر النور دون النار على كل حال بهذا نكون قد أدركنا وألممنا بكثير من الأقوال والتوجيهات التي قيلت في سر مجيء اسم الموصول الذي بالإفراد ثم مجيء الضمائر بصيغة الجمع. بعد ذلك، يا أيها الإخوة الكرام، ننتقل إلى مسألة مهمة وهي أن هذا المثل الذي ذكره الله - تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة تقدم أنه مثل للمنافقين على قول جمهور المفسّرين فجمهور المفسّرين يختارون، أن هذا المثل هو للمنافقين وإن كانوا قد اختلفوا فيما بينهم في المراد بهؤلاء المنافقين فمنهم من يرى أنهم قوم دخلوا في الإسلام عند وصول النبي ﷺ إلى المدينة ثم بعد ذلك ارتدوا وصاروا إلى كفر ونفاق، ومنهم من يرى النوم من بادي.

رأي دراز في مثل الكفار والمنافقين

الأمر على النفاق والنوم لم يدخلوا الإسلام حقيقة بدليل ما سبق في قوله، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾7. وهذا يختاره الطبري رحمه الله تعالى . لكن هناك رأي آخر ذهب إليه العلامة الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز كما أشرت في آخر اللقاء السابق ووقفنا عند هذه المسألة يرى رحمة الله تعالى في كتابه النفيس النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم يرى أنَّ هذا المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى، في قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أن هذا المثل مثل للكفار أو للكافرين وما جاء بعد في قوله سبحانه وتعالى، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ8 مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾910 يرى أنَّ هذا المثل للمنافقين. وبناءً عليه فيرى أنَّ الله سبحانه وتعالى، بعد أن قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾11 ذكر مثلين المثل الأول للكافرين وهم المذكورون سابقًا في قوله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾12 وأن المثل الثاني هو في شأن المنافقين الذين ذكرهم الله عز وجل بقوله، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. وهذا القول مبني على أن قوله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾13 أن اسم الإشارة في قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ لا يعود على أقرب الطائفتين في الذكر وهم المنافقون فحسب وإنَّما يعود على الطائفتين اللتين تركتا الهدى فيدخل في قوله «أولئك» أي: الكفار الذين كفروا ويدخل فيها أيضًا المنافقون.

ولذلك قال رحمه الله، «مضى جمهور المفسّرين على أن قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾14 مشار به إلى أقرب الطائفتين في الذكر وهم المنافقون ولكن المروي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، أنه راجع إلى الكفر مطلقا. وهذا هو الذي عولنا عليه لأنه أقعد في. المعنى، وفي النظم. أما في. المعنى فلأنه لا واسطة بين الهدى والضلالة فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ وإذا كانوا كلهم من الهدى ناكبين، وفي الضلالة مشتركين فتخصيص الإشارة بالبعض مع إمكان رجوعها إلى الجميع صريحًا تخصيص بغير موجب. وأما في النظم فلأن تناولها للطائفتين يتم به حسن المقابلة بين الإشارتين في قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى﴾15 وقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾» إلى آخر كلامه، يعني: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر أوصاف المفلحين أوصاف المتقين قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾16 فيناسب ذلك أن يذكر الله عز وجل في مقابلة المهتدين، أن يذكر الله عز وجل حال الضالين فلما ذكر الكفار وذكر المنافقين أتبع ذلك بقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ فإذا تقرر لدينا أن المشار إليهم بقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ يدخل فيهم الكفار ويدخل فيهم المنافقون فيرى أنَّ المثلين أيضًا ضربا للكافرين وللمنافقين لذلك جعل المثل الأول للكفار.

فقال «إذا رجعت بنفسك إلى أجزاء المثلين سترى معنا أن المثل الأول ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين ﴿أَنَّمَا﴾ هو المثل الثاني وحده فهؤلاء القوم الذين ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾1718 ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾19 أليس هم أولئك القوم الذين ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾»20 فهو يربط بين المثل وبين ما جاء في الحديث عن الكفر في صدر السورة المباركة فهنا قال الله في المثل ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، وفي الحديث عن الكفر قال الله عز وجل ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ قال. «وهذه الظلمات الثابتة المستقرة التي ليس فيها بصيص من نور وليس فيها تقلب، ولا تذبذب هل ترى فيها تصويرًا لألوان النفاق ووجوهه المختلفة باختلاف الأحوال» أعني قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾21 تطبيقًا على أنه في الكافرين. فقال «فضرب مثلًا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل» وأريد منك أخي أن تراعي هذا الكلام وأن تدقق فيه النظر يقول عن المثل الأول ضرب مثلًا للمصرين المختوم على قلوبهم.

إذن هؤلاء في حق هذا حق الكفر أو هذا في شأن الكفر المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل «فقام فيهم رجل استوقد لهم نارا يهتدون بضوئها فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر. بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة. فذلك مثل النور الذي طلع به محمد ﷺ في تلك الأمة الأمية على فترة من الرسل فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية فلم يرفعوا له رأسا». «بل نكصوا على رؤوسهم، ولم يفتحوا له عينا. بل خروا عليه صمًا وعميًا» معنى ذلك، أن الشيخ رحمة الله تعالى يرى أنَّ الذي ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ هو رسول الله ﷺ وهذا معنى جديد. لكن السياق يشهد له ويدعمه كما سيأتي بيانه الآن. إذن مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا يرى أنَّ الذي ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ هو رسول الله ﷺ

والمراد بالنار مشعل الهداية الذي حمله فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ، ولم يقل ذهب الله بناره. إذن ناره باقية، والضوء الذي معه باقٍ الهداية التي معه باقية لكنهم انصرفوا عنها يدلل على ذلك فيقول: «هذا أيضًا غير ما ذكره المفسرون فقد جعل مستوقد النار مثلًا للمنافق الذي تكلف النطق بكلمة الإسلام خداعا» ثم ذكر تفسيرًا أو ما عليه جمهور المفسّرين في معنى الآية قال. «الوجه الذي عرضناه ها هنا في شرح المثل يجمع إلى صحته العقلية واللغوية أنه مستنبط من النظم القرآني نفسه ونحسبه مع ذلك أقرب لأسلوب القرآن وأليق بجزالته. فإنَّ لم يكن هو فليكن أحد الأوجه التي يحتملها القرآن»، يعني: إن لم يكن قوله القول الراجح فهو أحد الأوجه الواردة في معنى الآية الكريمة. أما كيف استنبطنا

استدلال دراز بأن المستوقد هو النبي

هذا المعنى من النظم فإليك البيان لقد نظرنا إلى المثلين يثبت أو يدلل على ما ذهب إليه «لقد نظرنا إلى المثلين فرأينا الأسلوب فيهما يتجه اتجاهًا متوازيا إذ وجدنا في صدر كل منهما حديثًا عن شيء مفرد، وفي عجز كل منهما حديثًا عن جماعة، ثم نظرنا إلى المثل الثاني فرأينا الضمير المجموع فيه ليس راجعا إلى مرجع الضمير المفرد». «بل هو راجع باتفاق المفسّرين إلى أمر مفهوم من فحو الكلام، هو القوم الذين نزل عليهم الصيب»، يعني: نحن إذا نظرنا إلى الآية التالية إلى المثل الثاني ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ يجعلون هذا الضمير في قول يجعلون على من يعود على ماذا يعود هل يعود على قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ الجواب لا ﴿أَنَّمَا﴾ يجعلون هم القوم الذين نزل عليهم الصيب.

إذن لم يعد الضمير في المثل الثاني على كلمة ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. إذن الآية الثانية بدأت بشيء مفرد ثم بعد ذلك تكلمت عن جماعة. فقال «ما المانع أن نقيس هذا على ذاك ونجعل قوله سبحانه ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ هذا غير الذين ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾» ثم تابع الحديث. فقال «حينئذ عدنا إلى المثل الأول فقلنا هل عسى أن يكون هو أيضًا سائرًا على» «هذا النهج حسب ما يرشد إليه تعادل الأسلوبين فيكون الضمير المجموع فيه ليس عائدًا إلى الذي ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. بل إلى القوم الذين استوقدت النار من أجلهم أليس السامع ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ انتهى إلى كلمة ما حوله يزداد شعورا بأن هناك قومًا هناك قومًا مشبها بهم إذ سرعان ما ينتقل الذهن من المكان إلى السكان هذه الخطوة الأولى لم تلبث أن لحقتها الخطوات التالية وهي أن النور الذي ذهب الله به إذا كان هو نور أولئك القوم» ربنا قال ذهب الله بنورهم، ولم يقل بناره، ولم يكن هو ضوء النار التي استوقدها المستوقد. «فتلك النار إذا لم تطفأ، ولم يذهب ضوءها فما يكون مضرب المثل بهذا الضياء الذي بقي هو وذهب غيره ﴿إِلَّا﴾ يكون هو ضوء الهداية الحقيقية التي أبى الله إلا أن يتمها ولو كره الكافرون ثم من يكون مضرب المثل بمستوقد النار ﴿إِلَّا﴾ يكون هو الهاد الأعظم صلوات الله عليه فقد استوقد شعلة الهداية الإسلامية أي عالج إيقادها أمام زوابع من الفتن وأعاصير من المقاومات العنيفة فلما أوقدها وأضاءت ما حوله رغمت بها أنوف أعداء الحق الذين أكل الجهل والحسد قلوبهم فانطمست بصائرهم، وكانوا كلما ازدادت هي تألقا وإشراقا ازدادوا هم ظلمة وانتكاسا عند هذا الحد تمت أركان التشبيه واستقام هذا». «المعنى الجديد على أنه احتمال يمكن فهم الآية عليه بحسب اللغة والعقل وبحسب معهود القرآن أيضًا في ضربه النور والضياء مثلًا للهدى والإيمان»، يعني: تكرر في القرآن ضرب المثل عن الهدى والإيمان يضرب المثل للهدى والإيمان بالنور والضياء. ولذلك قال الله في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾22 ظلمات الكفر إلى نور الإيمان قال «وبحسب معهود القرآن أيضًا في ضربه النور والضياء مثلًا للهدى والإيمان والظلمة والعمى مثلًا للجهل والكفران» بيد واسمع هذا الكلام يا رعاك الله لتعرف الفرق بين ما استنبطه الشيخ وبين ما وصل إليه من معنى جديد لكنه معنى نفيس لتصل إلى الفرق بينه وبين ما عليه أمثال الحداثيين في هذه الأيام ممن يدَّعون أنهم دعاة تجديد وهم في الحقيقة أدعياء تبديد.

نسأل الله السلامة وشتان ما بين هذا وذاك يقول «بيد أن اتفاق التفاسير التي بأيدينا على جعل مستوقد النار مثلًا للمنافقين جعلنا نتهيب تأدبا أن نضربه مثلًا للرسول الأمين ﷺ من غير شاهد يؤيد ذلك من الكتاب أو السنة. وما برحت هذه المخالفة التي تحيك في الصدر وتبعد اطمئنان القلب إلى هذا».

المعنى «حتى ظفرنا بشاهده الصريح الصحيح في حديث النبي عن نفسه صلى الله عليه وسلم»، حيث يقول نظر في السنة فوجد حديثًا يشهد لهذا المقام أو لهذا. المعنى وإن كان في مقام آخر وهو قوله ﷺ «﴿أَنَّمَا﴾ مثلي ومثل الناس كمثل رجل ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ جعل الفراش. وهذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها فجعل ينزعهن ويغلبنهن فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها» رواه الشيخان نعم التمثيل به في الحديث من وجه غير.

الوجه الذي في الآية ولكن هذا لا يضير إذ المثل الواحد يضرب لمعاني متعددة باعتبارات مختلفة والذي يعنينا ﴿أَنَّمَا﴾ هو وقوع التمثيل به للنبي الكريم وهو صريح في صدر الحديث كما نرى فبذلك ازدادت النفس ركونًا إلى صحته، يعني: النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح عبر عن نفسه. فقال كمثل رجل استوقد ناره فازداد اطمئنانًا إلى هذا التفسير، وبعده يقول الشيخ رحمه الله، «فما بنا علم الله حب الخلاف، ولا شهوة الإغراب ولكنَّها أمانة العلم والنصيحة لكتاب الله حملتنا على أن نقول فيه أحسن ما نعلم ثم شجعتنا على أن نسجل بالقلم هذا الذي قلناه بالفم أي على الطلاب لنعرضه في الطرس، أي الصحيفة على أنظار القارئين كما عرضناه في الدرس على أسماع الطالبين لعل هؤلاء واجدون فيه من مواضع النقد والتمحيص ما لم يجده أولئك».

وهذا الباب من أبواب البحث والاستنباط الذي لا يمس أصلًا من أصول الدين حتى لا يقول قائل كيف يأتي بهذا القول المحدث مع أنَّه بناه على حجج وبراهين ونظر في اللغة والسياق يقول. «وهذا الباب من أبواب البحث والاستنباط الذي لا يمس أصلًا من أصول الدين، ولا يحل حراما أو يحرم حلالًا لا يزال مفتوحًا لكل مسلم» ولكن بالشروط يقول الشيخ «لا يزال مفتوحًا لكل مسلم أعطاه الله فهما في كتابه على شريطة القصد والأناة في سير العقل ومع الاستضاءة في هذا السير بمصباحين من اللغة والشرع على الحد الذي وصفنا والمنهج الذي رسمنا وبالله التوفيق».

وهذا كلام غاية في النفاسة منه رحمه الله رحمة واسعة. إذن لا بد أن يكون لدينا مصباحان مصباح من اللغة ومصباح من الشرع وبهذا، يا أيها الإخوة الكرام، نكون قد ألقينا الضوابط على هذه الآية الكريمة واطلعنا على كثير من الأقوال التي قيلت فيها وإن بقي كلام كثير جدًّا يتعلق بتفصيل القول في هذا المثل ونسأل الله سبحانه التوفيق والسداد قال الله عز وجل ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾23 والكفار ليسوا في ظلمة واحدة وإنَّما هي ﴿ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وكذلك المنافقون على قول جمهور المفسّرين حينما نقول إن المثل لهم فهم كذلك في ظلمات كثيرة من ظلمة الكفر والكذب والتكذيب والسخرية بالمؤمنين وما إلى ذلك وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾2425 ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾26 فسرها السيوطي.

تفسير صم بكم عمي والتشبيه البليغ

فقال هم صم هذا معناه: أن صم خبر لمبتدأ مقدر، يعني: ربنا قال صم أي: هم صم. وهذا علم من السياق. لكن حذف هذا المبتدأ أو جاء مقدرًا وهو معلوم من السياق هم صم بكم عمي. وهذا على قول كثير من محققي البلاغة أو محققي علماء البلاغة يقولون إنه من التشبيه البليغ وما التشبيه البليغ التشبيه البليغ هو ما حذف منه أداة الشبه ووجه الشبه.

لكن يذكر المشبه والمشبه به فهنا هم صم تقدير الكلام هم كصم هم كبكم هم كعمي في عدم الانتفاع بالحق، وفي عدم سماع الحق، وفي عدم النطق بالحق، وفي عدم النظر إلى الحق. إذن هذا يُسمَّى بـ التشبيه البليغ المشبه يذكر والمشبه به يذكر. لكن أداة التشبيه كالكاف لا تذكر ووجه الشبه أيضًا لا يذكر فكأن المشبه والمشبه به شيء واحد فيقال له: تشبيه بليغ.

لكن قد يقول قائل كيف ذلك والمشبه هنا غير مذكور وهو المنافقون أو الكفر على حسب ما تقدم في التفسير السابق فيقال له: هو مقدر لكنه في حكم مذكور لذلك قدره هنا بيسر وسهولة. فقال هم صم فالضمير هم كأنه مذكور فلذلك لم نجعله من باب الاستعارة وإن كان قد ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين قال صم عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول، يعني: أن الآلات معهم آلة السمع موجودة، وآلة الإبصار، العين، موجودة، وكذلك آلة النطق موجودة، والآلات موجودة لكنهم لا ينتفعون بها ومن لا ينتفع بآلته كأنها معدومة غير موجودة.

ولذلك قد يأتي النفي لا لنفي الذات وإنَّما لنفي الصحة، يعني: قد ينفى الشيء مع أنَّه موجود وإنَّما ينفى لأنه غير منتفع به فلما كانت الأسماع والأبصار، ولما كانت الأفواه غير منتفع بها لديهم فكأنها معدومة غير موجودة. فقال صم بكم عمي. ولذلك إذا سألنا سائل. وقال كيف ذلك والكفار نراهم يسمعون والكفار نراهم ينطقون والكفار نراهم ينظرون، وكذلك.

الأمر في المنافقين فنقول نعم هم يسمعون هم يبصرون هم ينطقون. لكن بغير الخير والحق لا ينتفعون به فلذلك قال الله ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وقوله: صم جمع أصم وقوله: بكم جمع أبكم وقوله: عمي جمع أعمى وأنت ترى أن هذه الكلمات جاءت على وزن واحد وهو وزن فُعْل. وذلك أنَّ المفرد منها على وزن أفعل وأفعل يجمع قياسًا على فعل كما قال ابن مالك في الخلاصة في ألفيته «فعل لنحو أحمر وحمرة وفعلة جمعا بنقل يدرى» فقوله: فعل لنحو أحمر، يعني: أنه مضطرد في أحمر أن يجمع أحمر على حمر كما في قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا﴾27 فحمر جمع أحمر، وكذلك صم جمع أصم وبكم جمع أبكم وعمي جمع أعمى.

وذلك أنها صفات مشبهة. وهذا يدل على أن هذا الوصف وصف ملازم لهم فهم مستمرون على ذلك على عدم الانتفاع بالحق وعدم سماعه وعدم قبوله. نسأل الله السلامة والعافية.

ثم إنَّ التعبير القرآني جاء على أبلغ ما يكون إذ حذفت وأو العطف فلم يقل صم وبكم وعمي ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾28 فوصف وراء وصف وراء وصف مع أنَّ هذه الأوصاف مختلفة لكنَّها في الحقيقة شيء واحد لأنَّ كلمة صم تدل على عدم الانتفاع بكم على عدم الانتفاع عمي على عدم الانتفاع وتجريد هذه الكلمات من العطف بينها يفيد تأكيدها حيث إن المتكلم إذا قصد تقرير كل صفة منها على حدة فإنَّه لا يعطف بينها كأن تقدير الكلام هم صم هم بكم هم عمي فكل منها مقصودة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: «فهم لا يرجعون» وهنا قال إمامنا هم صم عن الحق. إذن إذا قال قائل لماذا قال السيوطي صم عن الحق فلا يسمعونه سمع قبول نقول ذلك لئلا يرد علينا كيف ذلك ونحن نرى الكفر ونرى المنافقين وهم يسمعون فيقال هم يسمعون لكنه ليس سمع قبول فالمنفي هنا هو نفي القبول قال بكم خرس عن الخير فلا يقولون عمي عن طريق الهدى فلا يرون فهم لا يرجعون عن الضلالة فهم لا يرجعون عن الضلالة فقوله: فهم لا ارجعون هذه الفاء تدل على معنى السببية أي: لماذا لا يرجعون؟ لأنهم ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ ومن كان بهذه الأوصاف فإنَّه لا يرجع وقوله: فهم لا يرجعون عن الضلالة

هذا فيه أن «يرجعون» هنا استُعملت استعمالًا لازمًا أي: استعمال الفعل اللازم رجع عن، يعني: لا ارجعون عن الضلالة. بل هم مستمرون في غيهم، ومنهم من قال فهم لا ارجعون أي: فهم لا يرجعون قولًا، يعني: لا يردون، يعني: لا يجيبون فجعله متعديا والأكثرون على ما ذكره هنا فهم لا ارجعون أي: عن الضلالة قال ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.

تفسير أو كصيب من السماء

ثم قال الله سبحانه وتعالى، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾29 ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾30 قال هنا أو مثلهم كصيب أي: كأصحاب مطر أو مثلهم كصيب.

إذن هنا ماذا صنع الجلال ذكر تقديرًا لأنَّ قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾31، يعني: أو مثلهم كصيب من أين عرفنا هذا التقدير من عطف ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ على قوله مثلهم كمثل فكما أنَّ الله قال مثلهم كمثل هنا قال أو كصيب فيكون تقدير الكلام أو مثلهم كصيب، أي: أن مثل هؤلاء كمثل هذا المثل أو كمثل هذا المثل من أهل العلم من يرى أنَّ كلا المثلين في المنافقين وأن المراد به جميع المنافقين فيرى أنَّ أو هنا أي:

انظر إلى هؤلاء أو شبه هؤلاء بهذا المثل أو شبههم بهذا المثل ولكن من أهل العلم من يرى أنَّ الآية الأولى تتحدث عن فريق من المنافقين وأن الآية الثانية تتحدث عن فريق آخر من المنافقين فالفريق الأول هو الفريق المنافق الخالص في نفاقه والفريق الثاني من المنافقين هو الفريق المتردد في نفاقه. وهذا ما اعتمده الحافظ ابن كثير وما ذكرناه عن الدكتور دراز رحمه الله من أن المثل الأول في الكفار.

فهذا في الكفار الخُلَّص والثاني في المنافقين، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هما مثلان للمنافقين على سبيل العموم قال الله عز وجل أو مثلهم كصيب قال أي: كأصحاب مطر. إذن كصيب هنا تقدير أيضًا لأنَّ الله لما قال بعدها يجعلون أصابعهم قالوا. إذن من الذين يجعلون أصابعهم هم أصحاب الصيب فقدروا أيضًا هنا تقديرًا وهو أو كذوي صيب كأصحاب صيب فجعلوا المثل ليس للصيب فحسب وإنَّما لأصحاب الصيب.

وقد يقول قائل لا حاجة إلى ذلك. لكن أكثر المفسّرين على تقدير هذا التقدير. فقالوا ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أي: كذوي صيب أي: كأصحاب صيب قال أي: كأصحاب مطر وأصله صيوب من صاب يصوب. إذن فسر الصيب هنا بالمطر. فقال ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أي: كأصحاب مطر ففسر الصيب بالمطر وكثير من أهل اللغة يفسر الصيب بالمطر. وقد يفسرونه بما هو أوسع فيقولون الصيب السحاب ذو الصوب، أي: السحاب الذي يكون فيه مطر أو ينتج عنه مطر وسنبدأ بإذن الله تعالى في الدرس المقبل بالتعليق على معنى الصيب مع ما يتبع ذلك من تفسير لهذه الآية الكريمة.

نسأل الله أن يُعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا وأن يرزقنا الإخلاص والقبول هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 17 ↩
  3. آية: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 5 ↩
  4. آية: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 19 ↩
  5. آية: ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 69 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 33 ↩
  7. آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 8 ↩
  8. آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
  9. آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
  10. آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
  11. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 16 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 6 ↩
  13. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 16 ↩
  14. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 16 ↩
  15. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
  16. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
  17. آية: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ — البقرة: 17 ↩
  18. آية: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ — البقرة: 17 ↩
  19. آية: ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 18 ↩
  20. آية: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 7 ↩
  21. آية: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 17 ↩
  22. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 1 ↩
  23. آية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 17 ↩
  24. آية: ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ — البقرة: 18 ↩
  25. آية: ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ — البقرة: 18 ↩
  26. آية: ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ — البقرة: 18 ↩
  27. آية: ﴿وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 27 ↩
  28. آية: ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 18 ↩
  29. آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
  30. آية: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
  31. آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ — البقرة: 19 ↩

من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة