سورة يونس — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾
هنا إيجاز بالحذف وتقدير، فتقدير الكلام: فأتوه بهؤلاء السحرة؛ ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ لأنه قال ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فأتوه بهم
﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ بهذا الأسلوب الذي فيه إبهام، دلالة على خسة ما يلقون وتقليله، تقليل شأنه
﴿مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ يعني إنني لا أخافكم ولا ألتفت إلى ما تصنعون، فما تلقون ما هو إلا شيء خسيس لا قدر له ولا وزن؛ لأنه لا يمكن أن يواجه السحر الوحي الذي أنزله الله سبحانه، أو الآية التي أيد الله بها نبيا من أنبيائه ورسولا من رسله
﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟﴾ أي: فلما طرحوا ما عندهم من السحر ﴿قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾
تلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أن موسى عليه السلام اختار أن يتقدموا هم في الإلقاء ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ ولذلك حين خيروه ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ اختار أن يكونوا هم الملقين
وذلك -والله أعلم -لأن الأولى في مثل هذه المقامات أن تطرح الشبهة ثم بعد ذلك يؤتى عليها بدحضها وبيان تهافتها وبطلانها، فموسى عليه السلام أراد أن يلقوا ما لديهم، ثم بعد ذلك يظهر للناس أن ما ألقوه لا قيمة له، وأنه ما هو إلا محض سحر، ذاهب وباطل
وهذا كما يجري من العلماء حينما يريدون الشبهة ويقررون كلام المشوشين والمشغبين بها، ثم بعد ذلك يتبعون ذلك بالرد عليها ونقضها؛ فيكون هذا أرسخ في الأذهان، وأكثر فائدة وأعم.
﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ﴾
ما معنى قوله ﴿مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ﴾؟ أي: الذي جئتم به هو السحر ليس إلا، فما صنعتم إلا سحرا، وما ألقيتم إلا سحرا؛ ولذلك قالوا هنا في التفسير: الذي أظهرتموه هو السحر، ﴿مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ﴾
إذا ﴿مَا﴾ هنا موصولة، الذي جئتم به السحر، وقوله ﴿جِئْتُم بِهِ﴾ صلة موصول و﴿ٱلسِّحۡرُۖ﴾ الخبر الذي جئتم به ما هو إلا سحر
ثم قال﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾
هناك قراءة قرأ بها أبو عمرو وأبو جعفر رحمهما الله من القراء العشرة ﴿مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ﴾ على سبيل الاستفهام، فيكون المعنى ﴿مَا جِئْتُم بِهِ﴾ أي شيء جئتم به، ما الذي جئتم به؟ ما هذا؟ ما هذا الذي أظهرتموه؟ وما هذا الذي ألقيتموه؟ السحر تفعلون؟ السحر تصنعون، فيكون هذا على سبيل الاستفهام، والإنكار والتوبيخ، إذا هذه القراءة التي معنا ﴿مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ﴾ لإثبات أن ما جاءوا به ما هو إلا سحر، والقراءة الأخرى فيها إثبات توبيخهم، وإنكار موسى عليه السلام عليهم
﴿مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ﴾ إن الله سيبطل هذا السحر﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾
قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ بمثابة التعليل، لماذا سيبطل الله السحر؟ لأن ﴿ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾، وعلم من ذلك أن الساحر مفسد
فقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ بإظهار كلمة المفسدين دون أن يقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ﴾ عملكم؛ لإثبات الإفساد لهم، وأنهم ليسوا فاسدين فحسب، وإنما مفسدون، فالساحر يسعى بين الناس بالفساد، ويحاول إيقاع الضر بالخلق؛ فلذلك هم من المفسدين في الأرض
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ قالوا هنا: والله لا يصلح عمل من كان مفسدا، يمحقه، ويبطله ويذهب أثره
ثم قال ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾
﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾ مع أنَّ قبلها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ فلم يقل: ويحق الحق، لكن أظهر الاسم العظيم الأحسن ﴿ٱللَّهُ﴾؛ لتربية المهابة والجلال ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ﴾ فالله هو الذي يحق، وما يمكن لأحد أن يعترضه، أو أن يمنعه من ذلك ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾ قالوا هنا: كلماته القدرية، وبما في كلماته الشرعية من الحجج والبراهين
إذا ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾ الكلمات تشمل النوعين: الكلمات الكونية القدرية، التي قضاها الله سبحانه وتعالى والتي تقع؛ لأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ويلحق بذلك الآيات الشرعية بما جعل الله فيها من حجج وبراهين، على أن هذا حق وأن هذا باطل
وتلاحظون أيضًا التعبير بقوله ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾ إشارة إلى أن السورة الكريمة تحدثت عن الحق والصدع به، والرد على المبطلين، كما تقدم في الكلام عن مقاصد هذه السورة الكريمة، وتكرر كلمة ﴿ٱلْحَقَّ﴾ في هذه السورة الجليلة
﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ لم يقل: ولو كرهوا
﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أيضًا فيه إثبات أنهم مجرمون، فالآيات فيها إثبات أن هؤلاء حينما يستمرون على سحرهم فإنهم مفسدون مجرمون، إلا إذا تابوا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ كما وقع من السحرة وعرفوا الحقيقة، وأن موسى عليه السلام رسول كريم، وأنه رسول صادق في دعوته إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾
هنا السورة أو الآيات أوجزت، وفي بعض سور القرآن جاء التفصيل كما في سورتي الأعراف والشعراء فبين الله سبحانه وتعالى ماذا وقع من موسى، وكما أيضًا وقع في سورة طه
فلذلك جاء ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ إلى غير ذلك؛ لذلك تستطيع أن تقول إن هذه مقدرات في السورة الكريمة أو في الآيات الكريمة هنا؛ لأنّّ الله قال ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ﴾
هذا الإيمان قالوا وقع ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ حين ألقى موسى عصاه؛ ولذلك تعرفون أن موسى عليه السلام قال لفرعون ومن معه﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ فأراد موسى عليه السلام أن يقيم عليه الحجة على رؤوس الأشهاد، فحين ألقى موسى عصاه وكان ما كان من نصر الله عز وجل له وتأييده، ومن إبطال عمل السحرة ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ﴾ هذا من جهة
وأيضا ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾
قالوا هنا في التفسير: صمم القوم على الإعراض، فما صدق بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات الظاهرة والحجج الواضحة إلا شباب من قومه من بني إسرائيل مع خوف من فرعون وكبراء قومه أن يصرفوهم عن إيمانهم بما يذيقونهم من العذاب إن كشف أمرهم
وهذا كما قال بعض المفسرين وقع حينما أثبت موسى عليه السلام الحجة وأقام عليهم المحجة، ونصره الله سبحانه وتعالى عليهم ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ حينئذ لما رأى ذلك جماعة من الشباب ما كان منهم إلا أن آمنوا بالله رب العالمين، وأيقنوا أن موسى عليه السلام محق
قالوا هنا في التفسير: إلا شباب من قوم بني إسرائيل وهذا ما عليه الأكثرون، كابن جرير وغيره يرون أن قوله ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ﴾ أي: من قوم موسى عليه السلام، فهؤلاء الذين ءامنوا بموسى عليه السلام جماعات من بني إسرائيل
وقالوا: إنهم مجموعة من الشباب؛ وذلك لأن الشاب قريب من الحق؛ لأن الشيخ الكبير قد هرم على معتقد معين فيعسر عليه أن ينتقل منه، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى؛ لذلك يسهل على الشاب أن يتنقل من الموقع الذي كان فيه أو من المعتقد الذي كان عليه، لا سيما إذا كان باطلا إذا وضحت له المحجة وظهر له الحق وهذا ما كان من هؤلاء الشباب
﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ﴾ وبعضهم يجعلها إلى فرعون، لكن المذكورة هنا الآية ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ﴾ أي: من قوم موسى عليه السلام
﴿عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ يعني أنهم ءامنوا مع وجود خوف، فهم يعرفون أن فرعون لن يسكت إذا علم بحقيقة أمرهم، وأن الملأ أيضًا لن يسكتوا، بل إنهم سيؤذونهم
لذلك قال ﴿عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ ﴿عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ﴾، ملأ هؤلاء القوم وملأ هؤلاء الجماعة، وهم عليه القوم وكبراؤهم، فهم كانوا يخشون ﴿مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾
وتأملوا قال هنا في الآية ﴿عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ فقوله ﴿وَمَلَإِي۟هِمْ﴾ ملأ: الذرية وإلا فإنه في عامة الآيات التي وردت يذكر الملأ بالإفراد لا يراد وملئهم، لكن هنا لما ذكر ﴿ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ﴾ فهي جماعة فقال﴿وَمَلَإِيْهِمۡ﴾
ثم قال ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ ولم يقل: أن يفتنوهم، وهذا فيه أن الملأ وإن تحركوا فإنهم ﴿أَنَّمَا﴾ يتحركون تبعا لفرعون، فهم يخشون بطش الملأ، ويخشون بطش فرعون، لكن بطش الملأ تابع لبطش فرعون؛ فلذلك قال ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾
وهنا فسروا قوله ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ قالوا: أن يصرفوهم عن إيمانهم بما يذيقونهم من العذاب، فالمراد بالفتنة هنا: الصرف عن الدين بالعذاب الذي يوقعونه بهم؛ ولذلك بعض المفسرين قالوا ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: أن يقتلهم أو يعذبهم، ففسروا الفتنة ابتداء بالعذاب أو القتل، هم فسروها بالصرف عن الدين بالعذاب؛ لأنه لازم له؛ ولذلك لا إشكال في هذا أو في ذاك، فهما تفسيران للفتنة محتملان في الآية الكريمة
وقد تقدم معنا أن الفتنة ترد في القرآن الكريم على أوجه متعددة بحسب السياق
﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ فقوله ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ﴾ إضلالا
وقال ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ صرف الناس عن الدين، وصدهم عن سبيل الله أكبر من القتل
وقال﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في ذلك، وتقدم معنا تفسير الفتنة في هذه المواضع
ومن مجيء الفتنة بمعنى العذاب ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟﴾ أي: عذبوهم
فيكون المعنى على هذا ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: أن يعذبهم ويقتلهم ويصرفهم عن دينهم؛ لأنهم إما يصرفون عن الدين، وإما أن يستمر بهم العذاب، أن يقضي عليهم ويقتلهم
﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ هذا ليس بمستغرب من فرعون فهو عال في الأرض أي: مستكبر في الأرض، كما قال الله ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فهذا فيه وصف فرعون بالكبر، وهو كذلك، ولم لا يكون متكبرا؟ وقد قال ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾
قال الله سبحانه ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: وإنه لمن المتجاوزين للحد في الكفر والتقتيل والتعذيب لبني إسرائيل، وقد قال الله ﴿وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ﴾ فهذا يدل على استحقاقه النار، فلم هو مستحق لعذاب الله؟ لأنه عال في الأرض ولأنه من المسرفين
﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾
﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ﴾ على سبيل إلهاب مشاعرهم على سبيل تشجيعهم، كما لو قلت لشخص إن كنت رجلا فافعل كذا وكذا فقال ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟﴾ عليه وحده توكلوا، وهذا فيه أن المؤمن من صفاته التوكل على الله ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟﴾ وما أحوجهم إلى التوكل في مقاومة فرعون، وهل يقاوم فرعون إلا بالتوكل على الله؟ وأن يعلم المرء أن كل شيء بقدر الله سبحانه ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ فهو يرسخ في قلوبهم وعقولهم أن التوكل على الله سبحانه عاصم من الأضرار والأشرار
فقال ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ أي: مستسلمين له سبحانه وتعالى مقرين له بالوحدانية، وهذا فيه أيضًا أن قوم موسى عليه السلام كانوا على الإسلام
﴿فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ المشهور كما تقدم معنا أنه في باب المحاورات والمقاولات أن يأتي الجواب بقال دون الفاء أو دون الواو، فيقال: قال، وتقدم معنا هذا مرارا، وأن هذا أسلوب مشهور ومعروف
وبعضهم يجعله من شبه كمال الاتصال أو استئناف بياني، كأنه قيل: فماذا كان الجواب؟ فيأتي الجواب بدون فاء أو وأو، لكن هنا قال ﴿فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فدخلت الفاء وهذا له مغزى وهو: سرعة استجابة هؤلاء لموسى عليه السلام
فالمقصود هنا تسجيل سرعة استجابتهم في مقابلة عدوان فرعون والملأ وكبر فرعون ومن معه، فإذا كان فرعون والملأ الذين معه على كبر وإسراف، فإنَّ هؤلاء الذين آمنوا بموسى عليه السلام كانوا على سرعة في الاستجابة له والاستقامة على طاعة ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
﴿فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾
ما معنى قولهم ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾؟ قالوا هنا في التفسير: ربنا لا تسلط علينا الظالمين فيفتنون عن ديننا بالتعذيب والقتل والإغراء
إذا معنى قولهم ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ أي: لا تجعلنا مفتونين، فالفتنة هنا بمعنى: المفتون ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ يعني: لا تجعلنا مفتونين بسبب القوم الظالمين
بمعنى أن الظالمين إذا تسلطوا عليهم بالتعذيب والقتل ربما ضعف أحدهم عن الثبات على دينه، فيخشى على نفسه من أن تتزعزع عقيدته، وكأنهم بهذا يسألون الله الثبات، وأن يسلمهم الله من أذى فرعون بأن ينجيهم الله عز وجل من تعذيبه، وأن يسلمهم، وإن قُدر عليهم شيء من ذلك فلا يُفتنون في دينهم
وهناك معنى ثان ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾: لا تجعلنا فاتنين لهم
بمعنى أن هؤلاء الظالمين حينما ينتصرون عليهم وتكون لهم الدائرة على المؤمنين، يقولون: نحن ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ولو كان موسى ومن معه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ لما هزمناهم ولما صنعنا بهم؛ ولذلك فإنَّ الكافر قد يفتن إذا وجد نفسه في حالة نصرة وفي حالة تمكين؛ فلذلك من دعاء المؤمنين المبارك أنهم يدعون الله ﴿إِلَّا﴾ يجعلهم فتنة للقوم الظالمين بألا يكونوا فاتنين ولا مفتونين، وكلا القولين محتمل، والعلم عند الله تبارك وتعالى، وإن كان القول الأول وهو ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ أي: مفتونين بسبب القوم الظالمين قول أشهر عند المفسرين، لكن كلا القولين متجه والعلم عند الله تبارك وتعالى
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ سألوا الله النجاة ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾ فأنت إذا نجيتنا فهذا برحمتك ﴿مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾
وتأمل قولهم ﴿لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾، ﴿مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾كل هذا لتسجيل الظلم والكفر عليهم، فهم ظالمون بشركهم وعبادتهم غير الله سبحانه وتعالى، واتخاذهم الأنداد له عز وجل، فقال ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾
ثم قال ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ﴾ والمراد بأخيه: هارون عليه السلام
﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ﴾ هارون عليه السلام﴿أَن تَبَوَّءَا﴾ أي: اختارا واتخذا، فالمراد بقوله ﴿تَبَوَّءَا﴾ الاتخاذ، اتخاذ بيوت بمصر
﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أي: بيوتا لعبادة الله سبحانه وتعالى، فبعض المفسرين يقول: هي بيوت غير بيوتهم، بيوت أخرى؛ لأنهم كانوا أصحاب بيوت، فهذا الأمر لموسى وأخيه هارون
﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾أي: بيوتا خاصة تتعبدون الله سبحانه وتعالى فيها، وبعض المفسرين مال إلى أن هذه البيوت هي البيوت المتنقلة
فالمراد بها: الخيام وما أشبه ذلك مما هو مؤذن بأن رحيلهم قريب، وكأن هذه الآيات كانت قرب تركهم لمصر، وما وقع لهم في النجاة حينما كانوا في البحر وغرق فرعون ومن كان معه، فكانت البداية في هذا الأمر أن أمر موسى عليه السلام وأخوه هارون عليه السلام بأن يتبوءا، أو بأن يتخذا لقومهما بمصر بيوتا للعبادة، فمعنى ذلك: لا تلتفتوا إلى بيوتكم التي تقيمون فيها، وليكن همكم الاشتغال بعبادة الله إلى أن يأتيكم وقت الفرج، ووقت الأمر بالخروج من مصر حينئذ
﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ اجعلوا بيوتكم مواضع للصلاة
قالوا هنا: ﴿وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: صيروا بيوتكم متجهة إلى جهة القبلة بيت المقدس، فجعلوا معنى ﴿وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: متجهة إلى بيت المقدس، وهذا فيه أيضًا أنها بيوت يسهل جعلها كذلك، بأن توجه تلك الخيام وما أشبه ذلك إلى جهة القبلة؛ لذا قال فريق من أهل العلم
قال ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾: هذا فيه أيضًا أنه ينبغي للمصلي أن يستقبل القبلة، بحسب القبلة التي شرعت له، فهؤلاء كانت قبلتهم بيت المقدس، ثم استقر الأمر عند المسلمين بأن القبلة هي المسجد الحرام أو الكعبة المشرفة، قال ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
وأنت إذا تأملت هذه الآية الكريمة وجدت التنويع في الخطاب ففيها ﴿أَن تَبَوَّءَا﴾ هذا خطاب بالتثنية
ثم قال ﴿وَٱجْعَلُوا۟﴾ وهذا بالجمع ﴿وَأَقِيمُوا۟﴾ جمع ثم قال ﴿وَبَشِّرِ﴾ بالإفراد فقال ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: وبشرا المؤمنين، باعتبار أن هارون عليه السلام تابع لموسى عليه السلام في دعوته
قال﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أخبر يا موسى المؤمنين بما يسرهم من نصر الله وتأييدهم، وإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض؛ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن هذه بمثابة المقدمات والتوطئة للنصر القادم بفضل الله سبحانه وتعالى
﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾
دعا موسى عليه السلام على فرعون، وهذا لا ينافي أن موسى عليه السلام كان رفيقا أيما رفق بقومه
ودعا إلى الله وقال لفرعون كما علمه الله ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ لكن لما وجد موسى وعلم أن فرعون مستمر في طغيانه، وكما قرر عدد من المفسرين وأوحي له أن فرعون ماض فيما هو ماض فيه، فلا إيمان ولا تقوى، إذا فرعون وجوده تعذيب لأهل الإيمان، وتخويف لهم، فحينئذ دعا موسى عليه السلام عليه حين أيس من إيمانه ومن إيمان الملأ الذين معه؛ ولذلك فهذا لا بأس به
كما وقع لنوح عليه السلام حينما أخبره الله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ فدعا نوح عليه السلام ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا قاله موسى عليه السلام كتوطئة في الدعاء، فإنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ﴾ أنه أعطى ﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ لكنه في بداية دعائه يمهد بذلك
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾ فكرر ربنا أيضًا، وهذا فيه أدب موسى عليه السلام مع ربه عز وجل وتوسله إليه بربوبيته عز وجل
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾ في قوله ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ قراءتان:
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾ أي: ليضلوا الناس عن سبيلك، فيضلوا ليضلوا الفعل الماضي منها أضلوا أي: أضل غيره فمعنى قوله ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ أي: ليضلوا الناس عن سبيلك
والقراءة الأخرى ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟﴾ بفتح الياء ﴿لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾ أي: في أنفسهم فهم جمعوا بين الضلال والإضلال، فهم في أنفسهم ضالون، وهم أيضًا مضلون لغيره
واللام في قوله ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾ تحتمل احتمالين أيضًا:
تحتمل أن تكون تعليلية ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾ أي: قدرت ذلك؛ من أجل أن يقعوا في الضلال والإضلال
فكان فتنة لهم، فلم يستفيدوا بالنعم التي أنعمت بها عليهم، وإنما كانت وبالا عليهم كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ فهناك من ينعم الله عز وجل عليه بالمال والزينة فيطيع الله ويشكره، ومن الناس من يطغى ويفسد في الأرض ويضل، كما وقع من فرعون ومن معه من الملأ
والمعنى الثاني ﴿لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ﴾: أنها لام معاقبة والصيرورة، ليصير الأمر بهذا العطاء إلى ضلال وإضلال فتكون لام العاقبة والصيرورة، وقد مضى معنا ذكر ذلك مرارا في مناسبات كثيرة والله تعالى أعلم
قال الله سبحانه وتعالى ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ فدعا عليهم بأن يطمس الله على أموالهم﴿وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾
قالوا هنا في التفسير: وقال موسى عليه السلام ربنا إنك أعطيت فرعون والأشراف من قومه من زخرف الدنيا وبهارجها زينة، وأعطيتهم أموالا في هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾، فلن يشكروك على ما أعطيتهم، بل استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا امح أموالهم وأمحقها، هذا معنى قوله ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ﴾
فالطمس على المال: بأن يمحى هذا المال وأن يمحق وأن يذهب﴿وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: اجعل قلوبهم قاسية
﴿فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ أي: إلا حين يشاهدون العذاب الموجع، وهذا في وقت لا ينفعهم الإيمان، ما وقع من فرعون إذ ادعى الإيمان وقت أن لم يكن نافعا له
وهنا قد يقول قائل: كيف يدعون عليهم بأن يشدد الله على قلوبهم وهو دعاء بأن يقسي الله قلوبهم؟
هذا من باب العقوبة للظالم، فمن باب النكاية والعقوبة للظالم يُدعى عليه بقسوة القلب؛ لأنه في الأصل قاس ومستمر في قسوته، فحينئذ يزداد غيا إلى غيه، وفساد وضلالا إلى ضلاله، فيستحق مقت الله سبحانه وتعالى وغضبه﴿فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾
نعم
مشروعية الدعاء على الظالم
الثقة بالله وبنصره والتوكل عليه ينبغي أن تكون من صفات المؤمن القوي﴿فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾
بيان أهمية الدعاء وأنه من صفات المتوكلين؛ ولذلك أيضًا قال ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾
بيان أهمية الدعاء، ومن ذلك دعاء موسى عليه السلام أيضًا
تأكيد أهمية الصلاة ووجوب إقامتها في كل الرسالات السماوية وفي كل الأحوال؛ ولذلك قال ﴿وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
مشروعية الدعاء على الظالم كما دعا موسى عليه السلام على فرعون﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا﴾ تتبعا سبيل الذين لا يعلمون
قال الله قد اجبت دعائكما يا موسى وهارون على فرعون اسراف قومه فاثبتا على دينكما على دينكما ولا تنحرفا عنه إلى اتباع سبيل الجهال الذين لا يعلمون طريق الحق
وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا
حتى إذا ادركه الغرق ﴿قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ﴾ ﴿إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾
﴿آلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾
﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾
ويسرنا لبني إسرائيل عبور البحر بعد فلقه حتى جاوز حتى جاوزوه سالمين
فلحقهم وجنوده ظلما واعتداء حتى إذا انطبق عليه البحر وناله الغرق ويأس من النجاة ﴿قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ﴾ معبود بحق ﴿إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ﴾ المنقادين لله وانا من المنقادين لله بالطاعة
وكنت من المفسدين بسبب ضلالك في نفسك واضلالك لغيرك
فاليوم نخرجك فرعون من البحر ونجعلك على مرتفع من الأرض ليعتبر بك من يأتي بعدك
ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلا محمودا ومكانا مرضيا في بلاد الشام المباركة
ورزق من الحلال الطيب فما اختلفوا في أمر دينهم حتى جاءهم القرآن مصدقا لما قرؤوه من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم
﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾
لقد جاءك الحق مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾
فان كنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في ارتياب وحيرة من حقيقة ما أنزلنا إليك من القرآن فاسأل من امن من اليهود الذين يقرأون التوراة
والنصارى الذين يقرأون الإنجيل فسيخبرونك بان الذي أنزل عليك حقًا لما يجدون من نعته في كتابيهما
لقد جاءك الحق الذي لا مرية فيه مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الشاكين وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بحجج الله وبراهينه
أن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ
أن الذين ثبت عليهم قضاء الله بأنهم يموتون على الكفر لاصرارهم عليه لا يؤمنون أبدًا ولو اتتهم كل آية شرعية أو كونية
حتى يشاهدوا الع الموجع فيؤمن حين لا ينفعهم الإيمان
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ أي: قد أجيب دعاؤكما، وهذه التثنية لموسى وهارون عليهما السلام
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى عليه السلام دعا، وهارون كان يؤمن، ومن أمَّن فكأنَّما دعا
ومن هنا قال بعضهم: أن المأموم إذا أمن على قراءة الإمام فكأنَّما قرأ، ومن هنا فقراءة الإمام قراءة للمأموم، وهذا كما تعرفون فيه كلام وبحث معروف في الفقه
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ ولا يمنع والعلم عند الله أن هارون دعا بمثل ما دعا به موسى عليه السلام
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ فتحقق دعاء موسى وهارون عليهما السلام
﴿فَٱسْتَقِيمَا﴾ أي: فاثبتا على دينكما
﴿وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا تنحرفا عنهم إلى اتباع سبيل الجهال، الذين لا يعلمون طريق الحق
﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾
تلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أن سورة يونس عليه السلام في عرضها لقصة موسى تختلف عن عرض غيرها من سور القرآن الكريم في بعض الأمور
منها أنها اعتنت واهتمت هنا بذكر نهاية فرعون، وماذا وقع من فرعون من دعواه الإيمان وقت أن لم يكن نافعا له؛ لأن السورة الكريمة مقصدها كما تقدم وحرره عدد من المحققين: الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله قبل فوات الأوان
﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ يعني قطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوزوه، فيقال: جاوز به حتى تجاوزه ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ أي: ظلما واعتداء
﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾وهذا فيه أن الأمواج قد تلاطمت وأنه كان يحاول دفعها عن نفسه، وكأنه كان يظن أنه يقدر على ذلك، فاجتمعت عليه فأدركه الغرق، فحين أيقن أنه ميت وقد عاين العذاب والهلاك
﴿قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ حينئذ نطق بالإيمان
﴿ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ والمراد بهذا ﴿ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ الله عز وجل، ثم إن المفسرين وجهوا ذلك بعدة توجيهات:
فمنهم من قال: إنه حتى في هذا الموضع وهو في حالة الغرق وقد أقر بالإيمان لم يستحب لنفسه ولم يرغب في أن ينطق باسم الله، بأن يقول: لا إله إلا الله، وإنما قال ﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾، وكأنه في هذا الموقف لم يذهب عنه كبره، بل بقي كبره ملازما له إلى أن غرق حقيقة ووقع فيما وقع فيه من هلاك
وبعض المفسرين من جهة أخرى قالوا: ﴿أَنَّمَا﴾ قال ذلك؛ للدلالة على أنه راض بأن يكون في زمرة ما عليه بنو إسرائيل، فحينما قال ﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ لم يقل: لا إله إلا الله، ثم يدعي أن إلهه يختلف عن إلههم﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ فأنا راض بأن أكون مثلهم، بل أن أكون بعدهم في الإيمان وأن أكون تابعا لما هم عليه
لأن كثيرًا ممن يمتنع عن الإيمان بالله يمتنع بسبب الكبر، وبسبب أنه ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾، فهذا وجه آخر في سبب قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ وهذا فيه أن موسى ومن معه على الإسلام
﴿آلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ ﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ يعني: الآن تؤمن فهنا الفعل تؤمن مقدر، تقدير الكلام: الآن تؤمن، فلم يقل الله أو لم يصرح رب العزة بقوله تؤمن؛ لأنه إيمان لا قيمة له ولا وزن، فحذف من الكلام للدلالة على أنه لا قيمة له في الحقيقة، وهذا من بديع إيجاز القرآن الكريم في حذفه
﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ التقدير: الآن تؤمن، لكن هذه الكلمة تؤمن لا موقع لها في حقيقة الأمر، أي في حقيقة أمر فرعون
هي لها موقع إعرابي أو موقع في اللغة من حيث إنها مقدرة مع قوله ﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ لكن في حقيقة الأمر هو ليس إيمانا حقيقيا، فلذا حذف الله ذكره
﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ والحال أنك قد عصيت قبل ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾
وقوله ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ من باب التحسير والتبكيت والتوبيخ له ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ تأتي الآن لتزعم الإيمان ولتدعي الإيمان، فات الأوان وذهب، وهذا فيه أنه لا ينفع الإيمان عند معاينة العذاب ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٔـٰنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ فسوى الله بين هذا وذاك، فالذي يؤمن وقت معاينة العذاب مثله كالذي مات على الكفر ولم يؤمن بالله، ولم يتب إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن التوبة وقت الغرغرة غير نافعة لصاحبها؛ ولذا H0
﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ﴾
﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أي: نخرجك ببدنك وبعضهم قال قوله ﴿نُنَجِّيكَ﴾ معناها نرفعك على نجوة من الأرض، لأن النجوة: المكان المرتفع
والمعنى: أننا نخرجك فتطفو على البحر وتصير ظاهرة؛ ذلك أن بعضهم من شدة خوفه من فرعون وقع في نفسه شك أو وقع في نفسه أن فرعون ربما لم يمت، وأن فرعون سيظهر يوما ما، فحينئذ قال الله ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ فظهر فرعون أمامهم وهو ميت جثة هامدة، لا تتحرك
هذا الفرعون نعم، أهذا الذي كان يقول ﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ﴾ أجراها الله من فوقه؟ نعم، أهذا الذي كان يقول ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ أهذا الذي كان يقول ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾
قال الله ﴿فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلْءَاخِرَةِ وَٱلْأُولَىٰٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ﴾
﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وتأمل قوله﴿بِبَدَنِكَ﴾ فيه أسلوب احتراس؛ لأنه لو قال: فاليوم ننجيك يحتمل أنه نجا، لكنه قال ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾
﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: بالجثة التي هي صورتك، وليس المراد ننجيك بروحك، فالمعنى أنه نجا أي: أن جسده خرج، فظاهره أنه ناج أي: سالم من ضربات أو ما أشبه ذلك، لكنه في حقيقة الأمر لا حراك به ولا روح فيه
أي أن روحه قد قبضت، وأنه قد مات، وأنه لا يتكلم ولا ينطق، بل هو ميت من الأموات؛ فلذلك قال ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾
وبعض العلماء قال قوله ﴿نُنَجِّيكَ﴾ من باب التهكم
﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ لمن جاء بعدك عبرة
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا﴾ أي: حججنا ودلائل قدرتنا ﴿لَغَـٰفِلُونَ﴾ وهذا فيه أنه ينبغي للمؤمن ﴿إِلَّا﴾ يغفل عن آيات الله سبحانه وتعالى
ثم قال الله ممتنا على بني إسرائيل ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ قالوا هنا: أنزلنا بني إسرائيل منزلا ومكانا مرضيا في بلاد الشام المباركة، فمبوأ صدق أين هو؟ في بلاد الشام
وهذه الآية يمكن أن تفسر بقوله ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا﴾ فقوله ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ﴾ مفسرة لهذه الآية ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾
﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾ ما معنى قوله ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾؟
قالوا هنا في التفسير: فما اختلفوا في أمر دينهم حتى جاءهم القرآن مصدقا دينهم، مصدقا لما قرروه في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، فلما أنكروا ذلك سلبت أوطانهم
إذا ما معنى ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾ يعني ما اختلفوا حتى جاءهم القرآن، وجاء القرآن مبينا ما في التوراة، فحينئذ منهم ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، ومنهم من صد عنه، ومنهم كفر فهذا هو المعنى
لذلك قالوا إن معنى قوله ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟﴾ أي: فما اختلف بنو إسرائيل الموجودون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ الحديث عن بني إسرائيل السابقين الذين كانوا على عهد موسى ويكون قوله ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟﴾ أي: فما اختلف أحفادهم، فما اختلفت ذريتهم ﴿إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾ أي: حينما جاءهم القرآن افترقوا عليه ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾
وبعضهم جعلها لبني إسرائيل السابقين أيضًا فقال ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾ أي: التوراة، فلما جاءتهم التوراة منهم من بدأ يعمل بها، ومنهم من انسلخ عنها ووقع فيما وقع فيه، كما هو معروف في آيات أخرى من القرآن الكريم، كما قال الله عز وجل ذاكرا ما وقع منهم، فقال الله سبحانه ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾
ثم قال الله ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾
﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ هنا يشكل أو تشكل هذه الآية على بعض الناس حينما يقرأها يقول: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ والرسول لا يشك صلى الله عليه وسلم قطعًا لا يشك، فالرسول عليه الصلاة والسلام يوقن بربه ويوقن بأنه رسول الله ويوقن بالقرآن الكريم فكيف توجه هذه الآية؟
يقال له أن الشرط لا يلزم معه وقوع مشروط فقوله ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ لا يلزم منه أنه وقع، حينما يقال: إن فعلت كذا سيحدث كذا وكذا، لا يلزم أنك ستفعل، فقوله ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ لا يلزم منه أن الشك وقع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، كقوله ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ والأنبياء والمرسلون معصومون من الشرك، وكقوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾، وكقوله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ هذا أسلوب شرط، هل هناك آلهة مع الله؟ وهكذا أيضًا في قوله سبحانه ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ﴾ وليس للرحمن ولد
إذا حينما تأتي أداة الشرط لا يدل هذا على لزوم وقوعه المشروط وإنما يؤتى هذا على سبيل الفرض، كما قال الله ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِۦ﴾ على سبيل الفرض والتقدير
فهنا فإنَّ كنت على سبيل الفرض في شك فأمامك السؤال، وهو لا يشك صلوات الله وتسليماته عليه
وبعض المفسرين يقولون ﴿فَإِن كُنتَ﴾ يجعلون إن نافية، فيقولون ما كنت في شك، فيجعلون إن ليست شرطية، وإنما يجعلونها نافية هذا وجه ثاني
ووجه ثالث: يقولون إن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة أي: فإنَّ كنتم ﴿فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ﴾ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أو إليكم، فاسألوا الذين يقرؤون الكتاب، فيكون هذا للأمة وإن خوطب به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم
﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾ هنا أيضًا إشكال ثان في الآية الكريمة
كيف يوجه الرسول عليه الصلاة والسلام أو المؤمنون على القول الآخر في توجيه الآية؟ كيف يوجهون إلى سؤال الذين يقرأون الكتاب؟ وأكثر هؤلاء محرفون، والأصل أن أسند الإنسان إلى العدل لا إلى غيره أو أن يحال الإنسان إلى الصادق لا إلى غيره
فيقال: هذا هو المراد، فقوله ﴿فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ليس المراد فاسأل كل الذين يقرأون الكتاب، ﴿أَنَّمَا﴾ الذين يقرؤون الكتاب الذين قال الله فيهم ﴿يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ﴾ فهؤلاء هم المرادون، وأما غيرهم فكأنهم لا يقرؤون الكتاب، وإن زعموا أنهم يقرؤون الكتاب فلا يعتدوا بصانعيها
إذا هنا التوجيه في قوله ﴿فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾ أي: من العدول، الصادقين غير المحرفين الذين يخبرون بالحقيقة، وقد قال كثير من السلف والمفسرين ولم يشك الرسول ولم يحتج إلى سؤالهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم
﴿فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾ أي: هذا موجود في كتبهم وهذا يعلمونه ويعرفونه، وفي التوراة أخبار H0
قال الله سبحانه ﴿فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾ والمراد ب﴿ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾ التوراة والإنجيل، إذا ما المراد بالكتاب؟ التوراة والإنجيل
﴿فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ أي: من اليهود والنصارى والكتاب الذي يقرأه اليهود: التوراة، والذي يقرأه النصارى: الإنجيل
﴿لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين
وأيضا هنا أنه ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ لا يلزم منه أنه من الممترين؛ لأن النهي عن الوقوع في صفة لا يستلزم أن الشخص وقع فيها، وإنما يراد لذلك الدوام على الترك
﴿وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ أي: استمر على عدم طاعة الكافرين والمنافقين، إذا لا يلزم حينما ينهى الإنسان عن شيء أن يكون قد وقع في هذا الشيء، وإنما يكون من باب داوم على ترك هذا الشيء، كما أن الأمر بالشيء لا يستلزم في كل الأحوال إلا يكون الإنسان قد أتى بهذا الأمر، كقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ فالرسول على التقوى
إذا ما معنى ﴿ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾؟ ازدد من التقوى، داوم على التقوى، اثبت على التقوى
وبهذا يتبين لنا أن هناك عدة إشكالات في ظاهر الآية الكريمة لكنها بفضل الله تعالى تزول عند تأمل الآية وتدبرها ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ ما المراد بذلك؟ وما المراد بهذا الشرط؟ والثاني كيف يوجه المسلمون إلى ﴿فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾، والثالث ما المقصود بالنهي في قوله ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أيضًا ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ ما المراد بقوله ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؟ أي: ثبت عليهم قضاء الله بأنهم يموتون على كفر ﴿لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ سواء أكانت شرعية أم كانت كونية ﴿حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ فهناك قوم قساة القلوب قوم لا يستجيبون لدين الله سبحانه مهما أعطوا من الآيات ومهما رأوا من آيات الله سبحانه وتعالى
لكن الكبر والعناد هو ما منعهم من الإيمان
وجوب الثبات على الدين وعدم اتباع سبيل المجرمين، وذلك في قول الله لموسى وهارون عليهما السلام ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
لا تقبل توبة من حشرجت روحه أو عاين العذاب، وهذا في شأن فرعون ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ وهذا فيه أنه لم ينتفع بهذا الذي ادعاه من الإيمان
أن اليهود والنصارى كانوا يعلمون صفات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الكبر والعناد هو ما منعهم من الإيمان﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ﴾ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
لم يحدث أن آمنت قرية من القرى التي ارسلنا إليها رسلنا إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب فينفعها إيمانها لمجيئه قبل معاينته إلا قوما إلا قوم يونس حين آمنوا إيمانا صادقا رفعنا عنهم عذاب الذل والهوان في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾
ومتعناهم إلى وقت انقضاء اجالهم
ولو شاء ربك لامن ﴿مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ جميعا
أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ولو شاء ربك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول إيمان جميع من في الأرض آمنوا لكنه لم يشأ ذلك لحكمة
وما تغني الآيات والنذر من قوم لا يؤمنون
﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فانتظروا اني معكم من المنتظرين
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول للمشركين الذين يسألونك الآيات تأملوا ﴿مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ من الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته
وما ينفع إنزال الآيات والحجج والرسل في قوم ليس لهم استعداد أن يؤمنوا لاصرارهم على الكفر
فهل ينتظر هؤلاء المكذبون إلا مثل الوقائع التي اوقعها الله على الأمم المكذبة السابقة؟ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهم انتظروا عذاب الله اني معكم من المنتظرين لوعد ربي
ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقًا علينا ننجي المؤمنين
ثم ننزل بهم العقاب وننجي رسلنا ون ننجي الذين آمنوا معهم فلا يصيبهم ما أصاب قومهم كما انجينا أولئك الرسل كما انجينا أولئك الرسل والمؤمنين معهم ننجي رسول الله والمؤمنين معه أن جاء حقًا ثابتا علينا
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ولكن ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فلا اعبد الذين تعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ولكن اعبدوا الله الذي يتوفاكم وامرت أن اكون من المؤمنين ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى﴾ الذي ادعوكم إليه وهو دين التوحيد
فان عبدتها ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ المعتدين على حق الله وحق أنفسهم
قال الله سبحانه ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾
بعد أن أخبرنا الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ فسجل أن هناك طائفة لا ينتفعون ولا يؤمنون مهما قدمت لهم الآيات، ومهما رأوا من عبر وعظات هذا فريق
وفي المقابل لهؤلاء فريق آخر يؤمن بالله رب العالمين، ويدخل في دين الله
وهناك فريق ربما كان على المعصية وكان على الباطل، لكن الله سبحانه يفتح قلبه للإيمان فحينئذ يؤمن وينتفع بهذا الإيمان ولا ينزل الله بهم بأسه وعذابه
فقال ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾
قالوا: لم يحدث أن آمنت قرية من القرى التي أرسلنا إليها رسلنا إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب
تأملوا ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ﴾ لم يحدث أن آمنت قرية من القرى التي أرسل الله إليها الرسل إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب، والمراد بهذه القرى أي: القرى التي أهلكها الله
لذلك ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فكل قرية أهلكها الله لم تؤمن منها قرية قبل معاينة العذاب﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ هي التي آمنت قبل معاينة العذاب
إذا هلاك القرى السابقة نتج عن ماذا؟ عن أن هؤلاء لم يؤمنوا بالله رب العالمين حتى عاينوا العذاب
﴿فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا﴾
قال هنا ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: عذاب الذل والهوان في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ﴿وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: إلى وقت انقضاء آجالهم
ولذلك إذا قال قائل: ما الفرق بين ما وقع لقوم يونس عليه السلام وما وقع لفرعون؟ فإنَّ فرعون قد آمن وقوم يونس قد آمنوا، والله قال ﴿لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾
قال جمهور المفسرين: أن قوم يونس يختلفون في حالهم وشأنهم عما كان من فرعون، فإنَّ فرعون لم يؤمن ظاهرا إلا عند معاينة العذاب، ونزول بأس الله سبحانه وتعالى به
وأما قوم يونس لما رأوا الدلالات والأمارات التي تدل على أن عذاب الله قريب بادروا بالإيمان بالله رب العالمين
إذا إيمان قوم يونس لم يكن عند معاينة العذاب، وإنما عندما وجدت علامات ودلالات تدل على أن عذاب الله سيأتي، فحينئذ تراجعوا وتابوا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
وبعضهم قال: إن هذا استثناء، استثناهم الله عز وجل من هذا الحكم، وهذا من كرم الله وإحسانه إليهم
لكن القول الأول عليه الأكثر وهو الأشهر، وأن ما وقع من قوم يونس عليه السلام من إيمان ﴿أَنَّمَا﴾ كان قبل معاينة العذاب
وهذا فيه كما تقدم أن الهداية من الله سبحانه وتعالى، فمع أن يونس عليه السلام خرج من بين ظهرانيهم، وخرج مغاضبا وهم بدونه، إلا أن الله قدر لهم الهداية والإيمان، ولما كان بين ظهرانيهم كانوا عنه معرضين، وعن دعوته معرضين، ولم يكونوا له من المستجيبين، لكنه قدر الله سبحانه وتعالى وهي الهداية التي يوفق الله عز وجل لها ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من عباده، نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم
ثم قال بعدها مدللا على هذا ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ إذا هناك من يؤمن وهناك من يكفر، هناك من يهتدي وهناك من يضل، والأمر كله لله وربك لا يظلم أحدا سبحانه وبحمده
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وتأمل التعبير القرآني ﴿لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ فأكده بقوله ﴿كُلُّهُمْ﴾ ثم بقوله﴿جَمِيعًاۚ﴾
وفيه معنى الاجتماع يعني أنهم لا يؤمنون فحسب وإنما يجتمعون على الإيمان، فلا يؤمن قوم ويتأخر آخرون، ثم يؤمن آخرون وهكذا، بل ربي قادر على أن يجمعهم على الهدى سبحانه وتعالى
﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله ليس باستطاعتك ذلك﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ فلا تأسى ولا تحزن عليهم، فإنك حينما تأسى وتحزن وكأنك تظن أنك تملك هدايتهم، وهذا ليس إليك
ولذلك قال ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني هذا ليس إليك، وليس بإمكانك أن تكره الناس على الإيمان بالله رب العالمين
قالوا: فليس باستطاعتك إكراه الناس على أن يكونوا مؤمنين، فتوفيقهم للإيمان بيد الله وحده
فنُزِّل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم -من شدة حرصه على أن يؤمن قومه وأن يدخلوا في دين الله، ولكثرة أساه وحزنه على إعراضهم عن دين الله -نزل منزلة من يظن أنه يكره الناس على الإيمان، وإن كان الرسول عليه الصلاة والسلام يوقن ويعلم أن الهداية بيد الله، وقد علمه الله سبحانه وتعالى أن يقول ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ وأن يقول ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ﴾ إلى غير ذلك مما علمه الله سبحانه وتعالى، واستجاب له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم
قال الله عز وجل ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال له ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ هذه قاعدة عامة ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ قالوا أي: أن تؤمن من تلقاء نفسها إلا أن يأذن الله؛ لذلك على المؤمن أن يحرص على سؤال الله الهداية وأن يسأله الثبات على الإيمان، فنسأل الله أن يهدينا وأن يثبتنا على دينه
﴿وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ويجعل الله العذاب والخزي على الذين لا يدركون عنه حججه وأوامره ونواهيه، وهم الذين لم يؤمنوا، وهذا فيه أن المؤمن عاقل وأن الكافر سفيه؛ ولذلك قال الله ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾
تأمل قوله في الأول ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ لم ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟ مع أنَّ الكلام في البداية عن الإيمان؟ لأن الذين لا يؤمنون هم الذين لا يعقلون
ثم قال ﴿قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أمر بالنظر والتدبر والتأمل وهذا كثير في القرآن الكريم، فالقرآن دعانا إلى الاعتبار، ودعانا إلى التذكر، ودعانا إلى التفكر والنظر والتأمل، وذلك أن من نظر واعتبر وتأمل أيقن بأن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، وأنه لا ينبغي أن تصرف العبادة لغيره، فالذي خلق، والذي رزق، والذي دبر هو الحقيق بأن يعبد سبحانه عز وجل
﴿قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ أي: مما تستطيعونه لأنهم لا يحيطون بما في السماوات وما في الأرض
﴿قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ من آيات وعبر ﴿وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
قوله ﴿وَمَا تُغْنِى﴾ ما نوع ﴿وَمَا﴾ هنا؟ نوع “ ما “ في قوله ﴿وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ﴾ تحتمل احتمالين:
﴿وَمَا تُغْنِى﴾ أن تكون نافية، يعني: لا تُغْنِى ٱلْـَٔايَٰتُ ﴿وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ والمعنى: هؤلاء لا ينتفعون بالآيات، فلو نظروا في السماوات والأرض ما استفادوا شيئًا لم؟
لأنهم لا يؤمنون، أي: يصرون على عدم الإيمان﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فقوله وما تغني نافية على هذا القول وهو الأظهر
والمعنى الثاني﴿وَمَا تُغْنِى﴾: على سبيل الاستفهام
﴿وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ﴾ أي شيء تغنيه تلك ٱلْـَٔايَٰتُ ﴿وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ فيكون المراد بهذا الاستفهام: الإنكار والنفي، فيؤول إلى معنى النفي أيضًا، فيؤول هذا الاستفهام على القول به إلى معنى النفي أي: لا تُغْنِى ٱلْـَٔايَٰتُ ﴿وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾
﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ﴾ أي: لا ينتظرون؛ لأن السياق هنا سياق استثناء إلا، فالمناسب معها هنا أن تكون هل بمعنى النفي أي: لا ينتظر، لا ينتظر هؤلاء ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ لذلك قالوا هنا: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون إلا مثل الوقائع التي أوقعها الله على الأمم المكذبة السابقة، ما لهم لا يؤمنون؟ ماذا ينتظرون؟ ينتظرون أن يحيق بهم وأن يلحق بهم ما لحق بالسابقين من العبر ومن الهلاك الذي قدره الله على من قبلهم؟
فقوله ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: من سنة الله فيهم، فهذا المراد به سنة الله عز وجل في المكذبين؛ لأن لله سننا في خلقه؛ ولذلك سنن الله سبحانه وهذا كثر في القرآن الكريم ذكره
﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾
فوائد من هذا الدرس
- فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم…
- وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ
دروس مشابهة
- سورة البروج
- سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا
- وقفات مع قوله تعالى ولكل وجهة هو موليها........ خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- المجلس الثاني - التعليق على تفسير الجلالين - تتمة المقدمة وبداية التعليق على التفسير
- الجمع بين قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وقوله (إن الله يغفر الذنوب جميعا)
- لمحة في سورة الأعلى