مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة يونس — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 316 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

“ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ “ أي: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ﴾ مطلع على ما كانوا يعملون، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيهم على أعمالهم

“ ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ﴾ شهيد "" ثم “ هنا للتفاوت في الأخبار، يعني هذا خبر جديد “ ثم “ يعني وأيضا ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

ثم قال ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ ولكل أمة من الأمم السابقة رسول أرسله الله عز وجل إلى الأمة “ ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ “

“ ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ “ قالوا هنا: فإذا بلغهم ما أمر بتبليغه وكذبوه حكم بينهم وبينه بالعدل

“ فإذا جاء رسولهم “ يعني بلغهم الدعوة وكذبوا، فحينئذ يأتي القضاء العدل بينهم “ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ “ قالوا: فنجاه الله بفضله وأهلكهم بعدله، فالنجاة بفضل من الله ورحمة، وإذا أهلك فإنه يهلك بعدل لا بظلم سبحانه وتعالى

﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ﴾ ثم قال “ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَٰدِقِينَ “ يقولون على سبيل الاستبعاد والإنكار على الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الوعد؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الزمان؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ البعث؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ الآخرة؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الوقت الذي توعدتنا به؟ وقلت إننا سيحدث لنا فيه كذا وكذا “ مَتَىٰ هَٰذَا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَٰدِقِينَ “ وتكررت هذه الآية ست مرات في القرآن الكريم؛ للدلالة على أن هذا السؤال متكرر، وتكررت بغير هذا اللفظ في مواضع أخرى من القرآن الكريم، كقوله “ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ “

﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ حينما يذكر الله هذا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ﴾ هذا الوعد؟ يذكر جوابا يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، من هذه الأجوبة ما ذكره الله هنا ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أنا أخبرتكم بالوعد لكن لم أخبركم أنني سآتي به، ﴿أَنَّمَا﴾ الذي سيأتي به هو الله، وأنا ﴿لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ فهو الذي يأتي به سبحانه وتعالى

وفي آية أخرى “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لكم ميعاد يوم وهكذا لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تستقدمون " ﴿قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾ " ما ينظرون صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ " " ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ “

فرب العزة سبحانه وتعالى يبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغ ومنذر، وأما مجيء الساعة فإلى الله سبحانه

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا املك لنفسي “ أي: لا أملك لنفسي ضرا أضرها به أو أدفعه عنها، ولا نفعا أنفعها به، فكيف بنفع غيري أو ضره؟ يعني لا أملك هذا ﴿أَنَّمَا﴾ يملكه الله سبحانه

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ لكل أمة من الأمم التي توعدها الله بها لها زمن محدد لهلاكها “ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ “

ثم قال ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ لم الاستعجال؟ لم تستعجلون؟ تستعجلون على عذابكم؟

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ارأيتم “ أخبروني، وتقدم معنا أن بعض العلماء رجح في هذا التعبير القرآني “ أرأيتم “ أن فيه استحضار صورة المستفهم عنه كأنه مشاهد أمام عينيه تراه وتحسه

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أرأيتم “ أخبروني “ إن أتاكم وعذابه بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ “ وكأنك تستحضر هذا العذاب الذي يأتي بياتا أو يأتي نهارا

وتأمل التعبير القرآني “ أن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا “ ولم يقل: ليلا أو نهارا، وإنما قابل النهار بالبيات؛ لأن البيات وقت نوم وغفلة، وأما الليل فليس كذلك في كل الأحوال، فالإنسان ربما في أول الليل لم ينم وربما كان مستيقظا، وأما البيات فيه إشارة إلى معنى الغفلة، وفيه إشارة إلى النوم يعني يأتيهم العذاب بغتة، أو وهم يتحركون في أمور المعاش

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ارأيتم أن أتاكم عذابه بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ " " ماذا يستعجل منه “ أي: أي من العذاب وبعضهم قال “ منه “ من الله، والأول أشهر

ماذا يستعجل من العذاب المجرمون، ما الذي يستعجلونه من هذا العذاب؟ وقوله “ المجرمون “ ما قال ماذا يستعجلون منه، ﴿أَنَّمَا﴾ قال المجرمون لتسجيل الإجرام عليهم

ثم قال ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ﴾

أبعد أن يقع تؤمنون به، فإنَّ هذا وقت لا ينفع فيه الإيمان، والمعنى لماذا تستعجلون بالعذاب؟ ما زالت الفرصة سانحة ما زال الوقت قائما في أن تقرأوا، وأن تتمهلوا، وأن تتدبروا، وأن تتذكروا، وأن تتعظوا

“ اثم إذا ما وقع “ قالوا هنا: أبعد أن يقع عليكم العذاب الذي وعدتموه تؤمنون حين لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أتؤمنون الآن وهذا معنى “ الآن “ يعني أتؤمنون الآن هذا إنكار كيف يقع هذا، هذا لا يصلح ولا يقبل أتؤمنون الآن وقد كنتم تستعجلون العذاب ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وعلى وجه التكذيب به؟

فهنا أسلوب تضمين أي: وقد كنتم به تكذبون، فاستعجال مع تكذيب

ولعلكم تتذكرون يا أيها الإخوة الكرام ما تقرر معنا في مقصود سورة يونس، وأن سورة يونس تدعو إلى الإيمان قبل فوات الأوان؛ لذلك جاء التحذير هنا من تأخير الإيمان إلى أن يأتي وقت الندم، وقت لا ينفع الندم

﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

قال الله “ ثم قيل للذين ظلموا “ لم يقل ثم قيل لهم وهذا لتسجيل الظلم عليهم، فهم مجرمون، وهم ظالمون ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ﴾ على سبيل الإهانة “ هل تجزون “ يعني لا تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

ثم قال ﴿وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾

إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن القرآن يسوق مقولات المشركين، ويبين تردد نفوسهم، ويبين أن نفوسهم متذبذبة وأنهم دوما في حيرة، وفي قلق وفي اضطراب، فهم قريبا “ يقولون مَتَىٰ هَٰذَا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَٰدِقِينَ “

وهنا على سبيل التردد “ أحق هو “، إذا هناك تشكك وكأنهم في بعض الأحوال يتشككون، وفي بعضها يقطعون بالإنكار

أو أن يقال إن قولهم “ أحق هو “ أيضًا على سبيل الإنكار، فيكون من باب الاستخفاف بالرسول والاستهزاء به صلوات الله وتسليماته عليه

“ أحق هو “ يعني أحق هذا العذاب، أحق البعث أحق هذا الوعيد الذي توعدتنا به

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ "" ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وربي “ يعني: نعم وربي، “ فـ«إِي» بمعنى نعم، فهي حرف جواب، لكنها لا تأتي إلا في القسم خاصة

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وربي أنه لحق “ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله “ أنه لحق “ يعني إن العذاب الذي وعدتم به لحق

وبعضهم يقول إن البعث لحق؛ ولذلك ذكر بعضهم كالحافظ ابن كثير: أن هذه إحدى ثلاث آيات ذكر الله سبحانه وتعالى فيها أمره للرسول صلى الله عليه وسلم بالقسم على أن البعث حق، هذه إحداها

بأن البعث حق “ ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ “

والآية الثالثة ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟ ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾

“ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ “ قالوا هنا: ولستم بمفلتين منه

ومن معاني “ وما أنتم بمعجزين “ أي: وما أنتم بقادرين على رد العذاب، لا تستطيعون رده، ولا تستطيعون دفعه

الإنسان هو الذي يورد نفسه موارد الهلاك، فالله منزه عن الظلم

مهمة رسوله هي التبليغ للمرسل إليهم، والله يتولى حسابهم وعقابهم بحكمته، فقد يعجله في حياة الرسول أو يؤخره بعد وفاته

لا ينفع الإيمان صاحبه عند معاينة الموت

الإنسان هو الذي يورد نفسه موارد الهلاك، فالله منزه عن الظلم قال الله ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

مهمة الرسول هي التبليغ للمرسل إليهم، والله يتولى حسابهم وعقابهم بحكمته، فقد يعجله في حياة الرسول أو يؤخره بعد وفاته؛ لذلك قال الله “ ولكل أمة رسول “ وقال قبلها “ وأما نرينك بعض الذين ﴿نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ “

النفع والضر بيد الله عز وجل، فلا أحد من الخلق يملك لنفسه أو لغيره ضرا ولا نفعا

ولذلك قال ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾

لا ينفع الإيمان صاحبه عند معاينة الموت؛ ولذلك قال الله ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ﴾

﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

﴿رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

ولو أن لكل مشرك بالله جميع ما في الأرض من أموال نفيسة لجعله مقابل فكاكه من عذاب الله لو اتيح له أن يفتدي به

وأخفى المشركون الندم على كفرهم لما شاهدوا العذاب يوم القيامة

إلا أن لله ما في السماوات والأرض

﴿إِلَّا﴾ إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون، هو يحيي ويميت وإليه تُرجَعون

هو سبحانه يبعث الموتى ويميت الاحياء واليه وحده ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على اعمالكم

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ﴾ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس قد جاءكم القرآن فيه تذكير وترغيب وترهيب

وهو شفاء لما في القلوب من مرض الشك والارتياب وارشاد لطريق الحق وفيه رحمة للمؤمنين فهم المنتفعون به

فما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الزائل

﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ارأيتم مَّآ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رِّزْقٍ فجعلتم منه حراما وحلالا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله ﴿أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؟ وما ظن ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ ﴿وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾؟ أن الله ل فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهؤلاء المشركين: أخبروني عما منَّ الله به عليكم من إنزال الرزق

فعملتم فيه باهوائكم فحرمتم بعضه واحللتم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم هل الله أباح لكم تحليل ما احللتم وتحريم ما حرمتم؟ أم انكم تختلقون عليه الكذب؟ واي شيء يظنه مختلق الكذب واقعا بهم يوم القيامة؟ ايظنون أن يغفر لهم؟ هيهات أن الله ذو افضال على الناس بإمهالهم وعدم معالجتهم بالعقوبة

﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ شأنه وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عليه شهودا إذ تفيضون فيه

وما يعزب عَن رَّبِّكَ مِن ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ

وما تكون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في أمر من الأمور وما تقرأ من قرآن وما تعملون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون ﴿مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا﴾ نراكم عاملين

عالمين بكم ونسمعكم حين تشرعون في العمل مندفعين فيه

وما يغيب عن علم ربك وزن ذرة في أو ﴿فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن﴾ وزنها ولا أكبر إلا وهو مسجل في كتاب واضح ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا﴾

قال الله سبحانه ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

قالوا هنا: أي: ولو أن لكل مشرك بالله جميع ما في الأرض من أموال نفيسة لجعله مقابل فكاكه من عذاب الله لو أتيح له أن يفتدي به

إذا ما المراد بالنفس في الآية؟ هي النفس المشركة بدليل قوله “ لافتدت به “ فإنَّ المؤمن بفضل الله سبحانه يُوفَّق ويُسدَّد ويغفر الله عز وجل له، قال ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

“ وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون “

وهذه الندامة تأسفا على ما وقع منهم في الدنيا؛ لأنهم وجدوا أنفسهم قد هلكوا وقد خابوا وخسروا، لكن هذا الوقت لا ينفع فيه الندم، قال “ وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون “

﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

ولماذا يقع ظلم من الله؟ محال أن يقع منه، فهو مالك ما في السماوات والأرض، فهو لا يحتاج إلى أحد ولا يفتقر إلى أحد، ووعده الحق وقد وعدهم بذلك وما ظلمهم “ ولكن اكثرهم لا يعلمون “

“ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ “

“ هو يحيي ويميت “ قالوا هنا: يبعث الموتى ويميت الأحياء سبحانه وتعالى، “ هو يحيي ويميت “؛ ولذلك قدم “ يحيي “ فقالوا هنا: يبعث الموتى؛ لأن المقام مقام حديث عن الآخرة والبعث “ وإليه ترجعون “

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾

نداء عام للناس “ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكُمْ “ والمراد بهذه الموعظة: القرآن الكريم

فالقرآن كله موعظة، يعظ القلوب والعقول، فمن أقبل عليه اتعظ به واستفاد منه الخير الكثير

“ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكُمْ “ لذلك من لم يجد الوعظ في القرآن الكريم فأين يجده؟ وبعض الناس إذا قرأ القرآن لم يجد لذلك أثرا في قلبه ولم ينتفع به، وهذا من خلل هذا الشخص، ومن جهله بمعاني القرآن الكريم، وما فيه من معان عظيمة

قال الله سبحانه “ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكُمْ “ وهذا وصف للقرآن، فمن أوصاف القرآن أنه “ موعظة " " وشفاء لما في الصدور “ وهذا وصف ثان “ وهدى “ وهذا وصف ثالث “ ورحمة “ هذا وصف رابع

إذا في هذه الآية من سورة يونس ذكر الله عز وجل أربعة أوصاف من أوصاف القرآن الكريم، ولك أن تقول إنها أربعة مقاصد عند من يفسر المقاصد بالغايات التي من أجلها أنزل القرآن، فالقرآن أنزل من أجل الوعظ، وأنزل من أجل الهداية، والشفاء، والرحمة

“ وشفاء لما في الصدور “ فالقرآن فيه شفاء لما في الصدور، فالإنسان الذي في صدره مرض وخلل إذا قرأ القرآن وأمعن النظر فيه شفاه الله من داءه، فهذا الذي يجد في نفسه رياء، أو يجد في نفسه عجبا، أو كبرا، أو حسدا عليه أن يطالع القرآن ويقرأه فيشفيه الله من مرضه

﴿إِلَّا﴾ ترى أن هذا الحاسد إذا قرأ القرآن وقرأ قوله ﴿مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ فإنه يعلم أن كل شيء بقدر الله سبحانه وتعالى، وهذا يدفع عنه هذا الداء، وهكذا في بقية الأدواء

قال “ وَشِفَآءٌ لِّمَا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ “ وهو يشفي الصدور من أمراض الشهوات والشبهات على حد سواء، وذكر الشفاء هنا لأن الشفاء يكون لتخلية النفس ولتخلية الصدر من الأمراض، فالإنسان يحتاج دوما إلى تخلية وتحلية، فالشفاء فيه التخلية مما وقع في الإنسان من خلل، والإنسان يحتاج إلى تحلية وأعظم ما يحلى به الإنسان الهداية وتمام الرحمة؛ لذلك قال “ وهدى ﴿وَإِنَّهُۥ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ “ وخصها بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بهدى القرآن، ولأنهم المنتفعون برحمة القرآن الكريم، تلك الرحمة التي تدفعهم إلى كل خير والتي تصرفهم عن كل شر “ وهدى ﴿وَإِنَّهُۥ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ “

﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾

إذا “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ بفضل الله “ يعني بالقرآن الكريم، بتعاليم القرآن بما فيه من معان عظيمة

“ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ “ بهذا الإنزال للقرآن الكريم فليفرحوا، والقراءة الأخرى “ فلتفرحوا “ افرحوا بالقرآن، واصعدوا بالقرآن، وأنعموا بالقرآن

“ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ “ ما يجمع من متاع الدنيا ومن زينة الدنيا وزخارفها يزول، وأين الفرح بالدنيا من الفرح بالآخرة، وأين الفرح بالدون من الفرح بكلام رب العالمين “ هو خير مما يجمعون “

ثم قال الله ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَـٰلًا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾

انتقلت بنا السورة الكريمة إلى قضية أخرى من القضايا هذه القضية يبين الله سبحانه وتعالى أن المشركين قد زعموها فيبطلها الله عز وجل، ويبين تهافتها وهذا من عظيم أسلوب القرآن، فمن سنن القرآن في أسلوبه أنه حين يعمد إلى موضوع من الموضوعات، فإنه يرد على المشركين على خصوم الإسلام، ويبين تهافتهم وضلالهم وفسادهم، ثم بعد ذلك يتبع ذلك ربما على سبيل الاستطراد إن صح القول بذلك إلى قضية أخرى يقول بها المشركون، فيرد عليها أيضًا ويبطلها ويسقطها، ﴿إِلَّا﴾ ترى أنك إذا كنت تقضي على عدو من الأعداء فإنك تقضي عليه وهزمه، ثم إنك تعمد إلى أمر آخر تهزمه به أكثر وتقضي عليه حتى لا تقوم له قائمة، ولله المثل الأعلى، فهذا أسلوب عزيز في القرآن أسلوب جليل من أساليب القرآن الكريم، فجاء الحديث هنا عن قضية التحليل والتحريم

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ارأيتم مَّآ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رِّزْقٍ “ هذا الرزق الذي رزقكم الله إياه، وأنتم ترونه من هذه الأرزاق ولذلك قال “ ارأيتم “ أخبروني وأنتم تشاهدونها، وهي حاضرة أمامكم، ولكنكم تقسمون الأرزاق كيف شئتم فجعلتم منه حراما وحلالا “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ االله ﴿أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ “

﴿قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وهذا الاستفهام لتقريرهم وتبكيتهم أيضًا

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله إذن لكم “ هل الله أذن لكم أن تحرموا وتحللوا، ومن المعلوم أنه لا إذن لهم من عند الله، وهم لا يتلقون الوحي ولا يصدقون به

“ أم على الله تفترون “ وهذا هو الحقيق بالقبول، فهم على الله مفترون

ثم قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ وهذا فيه دليل على إثبات الافتراء

فلذلك عقب وقال “ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ “ والمعنى: وما ظنكم وأنتم تفترون ﴿وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾

﴿وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ما يظن هؤلاء المفترون ماذا يظنون بالله؟ ماذا سيصنع بهم الله؟ هل يدعهم يفترون ويتركهم دون أن يحاسبهم دون أن يعاقبهم؟ لذلك قالوا هنا مقدرين في التفسير على سبيل التقدير: أيظنون أن يغفر لهم؟ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾

الله أمهلهم في الدنيا وأعطاهم الفرصة وراء الفرصة، لكن جاءت الآخرة جاءت الصاخة، وجاءت الحاقة

“ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ “ ومن فضله على الناس إمهالهم ورحمته بهم، ومن فضله على الناس حلمه بهم سبحانه، وَلَٰكِنَّ ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، ومن فضله على الناس إنعامه عليهم يرزقهم برزق يحرمونه

وكان الحقيق بهم أن يشكروا الله على هذا الرزق، لكنهم يحللون الحرام ويحرمون الحلال ويفترون على الله الكذب

ثم قال الله ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ آية عظيمة تبين مراقبة الله عز وجل لعباده، اعلموا أن الله عليم بكم مطلع على أعمالكم لا تخفى عليه خافية، لا يغتر الإنسان إذا وجد إمهال الله له، فإنَّ الله وإن أمهل لكنه يعلم ولا تخفى عليه خافية

“ ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ شأن “ أي: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول وخاطب الرسول بذلك تكريمًا للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد العموم بدليل قوله بعدها “ ولا تعملون من عمله “ لكنه بدأ بقوله “ وما تكونوا في شأنه “ حال من الأحوال من تبليغ الدعوة ومن غيرها من أموره

“ وما تتلوا من قرآن “ وهذا فيه تعظيم شأن تلاوة القرآن، فمع أن تلاوة القرآن داخلة في قوله “ ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ شأن “

أي: من الشؤون ويدخل فيها تلاوة القرآن، لكنه خصه بالذكر؛ للدلالة على أن تلاوة القرآن شأن عظيم ولذلك يخطئ كثيرًا من يظن أن تلاوة القرآن ليس لها قدر عظيم، وحقيقة الأمر أن تلاوة القرآن لها شأن عظيم عند الرب العظيم، ولم لا؟ وهي إحدى المهمات التي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أجلها بعثه الله عز وجل، ومن أجلها دعا الخليل إبراهيم عليه السلام

يعني وما تتلو من أجل هذا من قرآن

وهذا فيه أن الإنسان يتلو القرآن في كل شأن من الشؤون، فإنه يجد فيه بفضل الله سبحانه الصلاح والفلاح، والرشد، والطريق القويم

أو “ ما تتلوا منه من قرآن “ أي: من أجل الله سبحانه، ما تتلوا من أجله سبحانه، تريد الثواب وتريد الأجر والمثوبة من القرآن

“ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ “ كما قال لقمان لابنه “ يا بني ﴿إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يأتي بها الله أن الله لطيف خبير “

“ إذ فيه إذ تفيضون فيه “ قالوا هنا: حين تشرعون في العمل مندفعين فيه، وهذا معنى الإفاضة “ إذ تفيضون فيه “ تشرعون فيه بقوة وباندفاع، فالله يعلم ولا يخفى عليه شيء

“ وما يعزب عن ربك “ يعني وما يغيب عن ربك “ من ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين “ وتقدم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ الذرة في مصطلح اللغة أو في معروف أهل اللسان عندهم: النملة الصغيرة

وبعضهم يقول: النملة الحمراء الصغيرة، فقال هنا “ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ ولاأكبر إلا في كتاب مبين “

وبعضهم يفسرها بالهباء التي ترى في أشعة الشمس ولا تمثل شيئًا

قال “ إلا في كتاب مبين “ عنده سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء عز وجل، ومع ذلك فإنه يكتبه وهو مسجل عنده عز وجل

عظم ما ينتظر المشركين بالله من عذاب حتى أنهم يتمنون دفعه بكل ما في الأرض، ولن يقبل منهم

القرآن شفاء للمؤمنين من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات بما فيه من الهدايات والدلائل العقلية والنقلية

دقة مراقبة الله لعباده وأعمالهم وخواطرهم ونياتهم

عظم ما ينتظر المشركين بالله من عذاب حتى أنهم يتمنون دفعه بكل ما في الأرض ولن يقبل منهم ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

القرآن شفاء للمؤمنين من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات بما فيه من الهدايات والدلائل العقلية والنقلية قال الله “ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ “ وجاء الإطلاق في بعض المواضع “ قُلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ “؛ لذلك نقول هو شفاء لما في الصدور، شفاء للأبدان وشفاء للعقول، وشفاء للقلوب أيضًا

ينبغي للمؤمن أن يفرح بنعمة الإسلام والإيمان دون غيرهما من حطام الدنيا قال الله “ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ “ أي: لا بغيره؛ لذلك لم يقل “ فليفرحوا بذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ قال “ فبذلك فليفرحوا “ لهذا لا بغيره فليفرحوا، ولذلك ذم الله الفرح بالباطل وبغير الحق “ ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ “

قال دقة مراقبة الله لعباده وأعمالهم وخواطرهم ونياتهم

قال الله “ وما فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ “

ذلك هو الفوز العظيم

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلونه من أهوال القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا

وكانوا يتقون الله بامتثال اوأمره واجتناب نواهيه

لهم البشارة من ربهم في الدنيا بما يسرهم برؤية صالحة أو ثناء أو ثناء الناس عليهم ولهم البشارة من الملائكة عند قبض ارواحهم وبعد الموت وفي الحشر لا تغيير لما وعدهم الله به

ذلك الجزاء هو النجاح العظيم لما فيه من نيل المطلوب والنجاة من المغضوب

﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾

ولا تحزن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لما يقوله لما يقوله هؤلاء من الطعن والقدح في دينك

أن القهر والغلبة كلها لله فلا يعجزه شيء وهو السميع لأقوالهم العليم بافعالهم وسيجازيهم عليها

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ﴾ إلا أن لله وحده ملك إلا أن لله وحده ملك من في السماوات وملك من في الأرض واي شيء يتبعه المشركون الذين يعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ شركاء لا يتبعون في الحقيقة إلا الشك وما هم إلا يكذبون في نسبتهم الشركاء إلى الله

تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا هو الذي جعل لكم الليل هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا

له ملك ما في السماوات وملك ما في الأرض

ليس عندكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون برهان على قولكم اتقولون على الله قولا عظيما؟ إذ تنسبون إليه الولد

لا تعلمون حقيقته دون برهان

قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول أن الذين يختلطون على الله الكذب بنسبة الولد إليه لا يظفر لا يظفرون بما يطلبونه ولا ينجون مما يرهبون مما يرهبونه فلا يغتروا بما يتمتعون به من ملذات الدنيا ونعيمها

ثم نذيقهم العذاب القوي بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسوله

قال الله سبحانه ﴿أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾

قوله سبحانه “ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “ في مقابلة الحديث عن أعداء الله، فبعد أن حدثنا الله عن أعداء الله المفترين على الله الكذب، المكذبين برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أتبع الله ذلك بالحديث عن أوليائه

حتى يحرص المؤمنون على اقتفاء آثارهم وعلى السير على منوالهم

فقال منبها “ ﴿إِلَّا﴾ “ التي تفيد الاستفتاح والتنبيه “ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ “

وتأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم كيف أن الله سبحانه قدم النتيجة على العمل، فلم يقل: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ﴾ هم ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ثم ذكر الثواب، وإنما قال من البداية “ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون “

ثم ذكر وصفهم وأعمالهم، ثم عاد إلى ذكر جزائهم، فذكر العمل بين الجزاءين، بين قوله “ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون “ وقوله “ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ “ وكأنهم كوفئوا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يعملوا إذ وفقوا للعمل، فلما عملوا بارك الله في أعمالهم وكافأهم عليها، وجزاهم عنها خير الجزاء

“ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون “ أما نفي الحزن، فالمراد به نفي حزن المذلة والهوان، وإلا فإنَّ الحزن الطارئ وارد على كل إنسان؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يصاب بالحزن أحيانًا، لكنه ليس حزن مذلة ولا حزن هوان، ﴿أَنَّمَا﴾ هو حزن طارئ من باب الشفقة والرفق صلوات الله وتسليماته عليه

وكذلك الخوف، فإنَّ خوفهم من الله سبحانه وتعالى، وأما غير الله فإنهم لا يخافون منه، وما يقع من خوف فإنه مما يكون جبليا عند مواجهة شيء دون أن يكون على سبيل العبادة، إذ خوفهم عبادة ﴿أَنَّمَا﴾ هو من الله سبحانه وتعالى، ثم يؤمنهم الله في الآخرة

فإما أن نقول “ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون “ أي: يوم القيامة، وإلى هذا ذهب فريق من المفسرين

ولذلك قالوا هنا: لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم؛ لأنهم يقولون إن الخوف يكون على ما يستقبل، تخاف مما يستقبل، وتحزن على ما مضى، فهم لا يحزنون على ما فاتهم لأن الدنيا وإن كان فيها ما فيها فهي سجن المؤمن، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر كما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلذلك لا يقع منهم حزن على ما فات

وأيضا هم في الدنيا حزنهم حزن طارئ، وليس حزنا مستقرا، وخوفهم خوف عبادة، وهو مشوب بإجلال الله سبحانه وتعالى وعبادته

قال ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ إذًا إذا سأل سائل وقال من أولياء الله؟ فالجواب “ الذين آمنوا وكانوا يتقون “

إذًا أولياء الله هم المؤمنون الأتقياء كما قال “ أن ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ “ ولكن اكثرهم لا يعلمون “

وقوله “ وكانوا يتقون “ دلالة على استمرار التقوى، وعلى ثباتهم على التقوى

“ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ “ قالوا هنا: بما يسرهم برؤية صالحة أو ثناء الناس عليهم؛ ولذلك لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم كما في مسلم عن الرجل يعمل العمل أي: من الخير، فيثني الناس عليه خيرا، فH0

وقال أيضًا لم يبق من النبوة إلا المبشرات، وفسر المبشرات: الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له

فمن هذه البشارات في الدنيا:

رؤيا صالحة يخبره بها أحد أو يراها هو، تدل على ثباته وعلى استقامته، وعلى أن له خيرا عند الله سبحانه وتعالى

ومن البشارات تيسير أمره، وما إلى ذلك

“ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ “ بدءا بقبض الأرواح عند قبض الأرواح، وبعد الموت وفي الحشر

ثم قال “ لا تبديل لكلمات الله “ لا تغيير ما وعدهم الله به من هذا الجزاء، فهو جزاء واقع لا محالة، لا يخلفه الله ولا يستطيع أحد تبديله “ ذلك هو الفوز العظيم “

﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ ولا يحزنك قولهم يا رسول الله “ لا يحزنك قولهم “ ما علاقة هذا بالآيات السابقة؟

قد يقول قائل إنها متصلة بما ذكر الله في قوله “ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “ ثم حدثنا عن الحزن الطارئ فقال “ ولا يحزنك قولهم “ فهذا حزن طارئ ومع ذلك تغلب عليه، ولا تلفت إليه

أو أن الآيات الكريمة لما ذكرت ولاية الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ في قوله “ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “ أتبعت ذلك ببيان أن أعداء الله لا قيمة ولا وزن؛ فلذلك يا رسول الله لا تلتفت إليهم، ولا يحزنك قولهم، فأنت ولي الله، والله ناصرك ومؤيدك

فلم تحزن؟ “ ولا يحزنك قولهم “ على أن هذه الآية مرتبطة بالسورة كلها وبالآيات السابقة، فالآيات منذ البداية ذكر الله من قول الكفار “ أن هذا لساحر مبين “ وأيضا “ أن يقولوا افتراه “ وما إلى ذلك مما وقع منه من تكذيب

قال الله سبحانه “ ولا يحزنك قولهم؟ لم؟ “ أن العزة لله جميعا “ ليست لهم عزة فلا تحزن ولا تلتفت إلى مقالهم، فكلامهم هوان وكلامهم ذل ومهانة “ أن العزة لله جميعا “

ولذلك رأى كثير من أهل العلم أن يوقف على قوله “ قولهم " " ولا يحزنك قولهم “ حتى لا يتوهم واهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحزنه قوله “ أن العزة لله جميعا “

“ فان العزة لله جميعا “ لا تُحزن الرسول، وإنما قوله “ ولا يحزنك قولهم “ أي: من الأقوال التي قالوها

من التكذيب، ودعواهم أنه ساحر، وأنه مفتري على الله الكذب، وما إلى ذلك، هو السميع العليم سبحانه

“ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ “ قالوا: ﴿إِلَّا﴾ إن لله وحده ملك من في السماوات وملك من في الأرض، عرفنا ذلك من تقديم ما حقه التأخير كما تقدم مرارا

“ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ليتبعون إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ “

ما نوع “ ما “؟ في قوله “ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ شركا “، ما نوعها أو ما معناها؟ تحتمل احتمالين والعلم عند الله:

أن تكون ما هذه استفهامية، أو أن تكون نافية، هنا فسروها بالاستفهامية

فقالوا: وأي شيء يتبعه المشركون الذين يعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ شركاء، سؤال فيه توبيخ لهم تقريع وتهكم بصنيعهم “ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ شركا “

ما هؤلاء الشركاء الذين يعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟ ما هؤلاء الذين يتبعهم هؤلاء المشركون؟ فإذا هذا استفهام فيه إنكار وتوبيخ وتقريع لهم، ثم قال الله “ أن يتبع إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ “

والمعنى الثاني: إن “ ما “ نافية ويكون المعنى “ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ “ أي: في الحقيقة

فيكون المعنى: لا ﴿يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ﴾ في الحقيقة، ﴿أَنَّمَا﴾ هو وهم؛ لذلك قال “ أن يتبعون إلا الظن “ يعني هم يتبعون ويدعون أنهم شركاء، وفي الحقيقة ليسوا بشركاء

إذا يصح أن تكون ما استفهامية أو أن تكون نافية، وعلى كل اعتبار يأتي معنى الآية المناسب لهذا التأويل والعلم عند الله

“ وان هم إلا يخرصون “ كذب في نسبتهم الشركاء إلى الله سبحانه وتعالى

قال الله عز وجل “ هو الذي جعل لكم الليل لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ “ الله عز وجل امتن على خلقه بهذه النعم وبهذه الآيات الدالة على قدرته وعلى عظمته، فلم ينصرفون عنه؟

“ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا “ هنا أسلوب الاحتباك الذي مضى معنا في كثير من المناسبات؛ لأنّّ الله قال “ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه “ ما قال: هو الذي جعل لكم الليل مظلما في مقابلة “ مبصرا “

فلما قال “ والنهار مبصرا “ الذي يقابل “ مبصرا “ مظلما فقال “ هو الذي جعل لكم الليل “ ولم يكن مظلما ﴿أَنَّمَا﴾ “ قال لتسكنوا فيه “

وقال “ والنهار مبصرا “ ولم يقل لتتحركوا أو لتعملوا فيه، فأصل الكلام: هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا؛ لتتحركوا أو لتعملوا فيه

لكنه ذكر في كل شيء؛ ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنهم يسمونه كما سماه الزركشي (بالحذف المقابلي) يحذف من هذا شيئًا ويحذف من هذا شيئًا، ويعرف هذا بما ذكر هنا، ويعرف ذاك بما ذكر هناك وهكذا

قال الله “ هو الذي جعل لكم الليل لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ “

وتأمل قوله “ والنهار مبصرا “ مع أنَّ الذي يبصر هم الناس، فالمعنى “ والنهار مبصرا “ فيه الناس؛ لذلك هذا يقال عنه عند أهل البلاغة بالمجاز العقلي، حيث أضاف الأبصار إلى النهار، والمراد به إبصار الناس في هذا النهار “ أن في ذلك لايات لقوم يسمعون “

ما وجه ارتباط هذه الآية بالآية السابقة؟ هذه الآية تدل على مزيد عدوان هؤلاء، وضلال هؤلاء

فهؤلاء لم تنقطع سفاهتهم، ولم ينقطع افترائهم على الله الكذب، فمما افتروه على الله ظلما وزورا ادعاء الولد لله سبحانه وتعالى، قالوا هنا في المختصر: قال فريق من المشركين، فحصروا “ قالوا “ في فريق من المشركين

وإلى هذا مال عدد من المفسرين، قالوا لم؟ قالوا: لأن السورة مكية، فالحديث لا يكون عن اليهود والنصارى

وبعض العلماء “ قالوا “ قالت اليهود والنصارى

ما وجه صلة الآية بالآيات السابقة؟ قالوا: لا مانع، فالآيات عددت قول المكذبين من أعداء الله بعد أن ذكرت الحديث عن الموالين لله وعن أولياء الله سبحانه وتعالى

ولا مانع من أن يقال أن قوله “ قالوا اتخذ الله ولدا "" قالوا “ أي: عامة أهل الشرك، عامة من وقع في الشرك؛ ولذلك قال الله “ ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ رض ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ “ إلى أن قال في آخر الآية “ سبحانه عما يشركون “ فلا مانع من ذلك

ويرد على من قال إن السورة مكية بأنه قد ورد في بعض السور الحديث عن أهل الكتاب وهذا لا حرج فيه ولا مانع منه والعلم عند الله، فتكون السورة لما ذكرت أولياء الله عددت من يعادي الله سبحانه وتعالى ومن يفتري على الله الكذب

ولا حرج أن يقال والمشركون داخلون بالدرجة الكبرى باعتبار أن الحديث من أول السورة عنهم والعلم عند الله تبارك وتعالى، ولا سيما أن السورة أيضًا مما يدل على عمومها أن السورة بعد ذلك تحدثت عن موسى عليه السلام، وتحدثت عن فرعون وما جرى من اليهود، وهذا مشهور في مثل هذا الأمر والعلم عند الله تبارك وتعالى

“ ﴿قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ “ مما يرد به على من يزعم أن لله ولدا يقال له: الله هو الغني فلم يحتاج إلى ولد؟

الذي يحتاج إلى ولد الفقير، الذي يتعزز بولده ويتقوى به؛ ولذلك قال الله “ ﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ وكبره تكبيرا وكبره تكبيرا “

“ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْغَنِىُّ “ وهنا معنى لطيف يعني حضر الآن والعلم عند الله أن قوله “ قالوا اتخذ الله ولدا “ مناسب لذكر أولياء الله؛ لأن ولاية الله ليست بالولادة، وإنما ولاية الله بأن يعبده الخلق لا أن يكونوا منسوبين إليه نسبة أولاد، فلما قال “ إلا أن أولياء الله “ لا تظن يا ولي أنك ابن لله، فليست هناك ولدية، الله غني عن العباد لكنه يوالي أحبابه، يوالي أحبابه سبحانه وتعالى

“ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْغَنِىُّ “ ليس بفقير سبحانه وتعالى

“ ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ “ ولذلك مما نرد عليه على من زعم أن لله ولدا كقول النصارى إن عيسى ابن لله، نقول: لو كان الله متخذا ولدا ويحب الأولاد، فلم لم يتخذ عددا أكبر من ذلك مثلًا؟ معاذ الله لماذا ولد واحد وما الفائدة من وراء ذلك؟ هذا كله باطل وبهتان

قال الله “ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْغَنِىُّ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ إِنْ عِندَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ “

“ إِنْ عِندَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ “ ما معنى “ ان “ : ما، أي: ما عندكم من سلطان بهذا

وهنا جاءت “ إن “ بمعنى ما في سياق إثبات، و “ إن “ تأتي بمعنى ما كثيرًا في باب النفي وقلنا مع إلا تأتي بمعنى النفي، لكنها جاءت هنا في الإثبات

“ إِنْ عِندَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ “ وجاء التنكير في “ سلطان “ مع دخول من عندكم ﴿مِنْ أَىِّ﴾ سلطان بهذا؟ وهنا أسلوب التفات أيضًا

لأنه بعد أن قال “ قالوا “ قال “ أن عندكم “ ما قال: إن عندهم، ولكن التفت إليهم وخاطبهم؛ ليوبخهم

“ اتقولون على الله ما لا تعلمون “

“ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ “ وهذا هو الجامع المشترك بين الأقوال السابقة والأقوال اللاحقة، الجامع حينما افتروا على الله الكذب في التحليل والتحريم، حينما افتروا على الله الكذب في ادعاء أن القرآن من كلام الرسول، حينما افتروا على الله الكذب في ادعاء الولد لله أنهم مفترون على الله الكذب

“ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ “ لا يظفرون بما يطلبونه، ولا ينجون مما يرهبونه

قال “ مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ “

قالوا هنا في التفسير: فلا يغتروا بما يتمتعون به من ملذات الدنيا ونعيمها، لا تغتروا “ متاع في الدنيا “ هو متاع في الدنيا، وحتى المبتدأ حذف “ متاع في الدنيا “

“ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أن الذين ي على الله الكذب لا يفلحون “ متاع، كما تقدم معنا في السورة “ متاعَ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ “

والقراءة الأخرى “ متاعُ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ “ يعني ما يحتاج أن يشار إليه، شيء تافه لحقير لا وزن له، كيف من أجله يكفر بالله؟ كيف من أجله يترك الإيمان بالآخرة “ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ “

من فوائد الآيات:

ولاية الله تكون لمن ءامن به، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأولياء الله هم الآمنون يوم القيامة، ولهم البشرى في الدنيا: إما بالرؤيا الصالحة أو عند الموت

حرمة الكذب على الله عز وجل، وأن صاحبه لن يفلح، ومن أعظم الكذب نسبة الولد له سبحانه

ولاية الله تكون لمن ءامن به وامتثل أمره، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم وأولياء الله هم الآمنون يوم القيامة، ولهم البشرى في الدنيا: إما بالرؤيا الصالحة أو عند الموت، قال “ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ “

العزة لله جميعا وحده، فهو مالك الملك وما عبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ لا حقيقة له، قال “ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ “

الحث على التفكر في خلق الله؛ لأن ذلك يقود إلى الإيمان به وتوحيده

ومن ذلك ما دعانا الله “ هو الذي جعل لكم الليل لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ “

حرمة الكذب على الله عز وجل وأن صاحبه لن يفلح، ومن أعظم الكذب نسبة الولد له سبحانه وتعالى

قال الله “ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْغَنِىُّ “ وقال “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أن ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لا فلحون “

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ﴾ يا قوم ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى﴾ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فعلى الله توكل

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا

فانظر كيف كان عاقبة المنذر وقصص ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول على هؤلاء المشركين المكذبين خبر نوح عليه السلام حين قال لقومه يا قومي إن كان عظم عليكم مقامي بين اظهركم وشق عليكم تذكيري بآيات الله ووعظي وعزمتم على قتله فعلى الله وحده اعتمدت في احباط ما تكيدون

فتأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول كيف كانت نهاية أمر القوم الذين انذر نوح عليه السلام فلم يؤمنوا

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فجاءوا ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ﴾

ثم بعثنا وهارون إلى فرعون وملأه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ

﴿قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ﴾

قالوا اجئتنا لتلفتن ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾

ثم بعد مدة من الزمن بعثنا من بعد هؤلاء الرسل موسى واخاه هارون إلى فرعون ملك مصر والكبراء من قومك بعثناهما بالآيات الدالة على صدقهما فتكبروا عن الإيمان بما جاء به

وكانوا قوما مجرمين لكفرهم بالله وتكذيبهم لرسله

فلما جاء فرعون والكبراء من قومه الدين الذي جاء به موسى وهارون عليهما السلام قالوا عن آياته الدالة على صدق ما جاء به موسى أنه لسحر واضح وليس حقًا

قال موسى مستنكرا عليهم ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ﴾ هو سحر؟ كلا ما هو بسحر

واني لاعلم أن الساحر لا يفلح أبدًا

فكيف لي بتعاطيه؟ أجاب قوم فرعون أجاب قوم فرعون موسى عليه السلام قائلين اجئتنا بهذا السحر لتصرفنا عما وجدنا عليه ابائنا من الدين

ويكون لك أنت ولاخيك الملك وما نحن لك ما يا موسى وهارون بمقرين بانكما رسولان ارسلتما الينا

قال الله سبحانه ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾

تذكر لنا هذه الآيات الكريمة بعض قصص الأنبياء والمرسلين، فتذكر لنا بعض أحواله وكيف أنهم بلغوا الرسالات، لكن أكثر أقوامهم وقعوا في التكذيب والكفر، وأن الله أنجى الأنبياء والمرسلين والمؤمنين، وأهلك المعتدين الظالمين الكافرين

فقال “ واتل عليهم “ أي: اقصص ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول على هؤلاء المشركين واقصص على أصحابك حتى يعلموا الحقائق وحتى يثبتوا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾

ويقال: كبر يكبر في السن

قال “ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى “ قالوا هنا في التفسير “ إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم؛ ولذلك بعضهم قال: وجودي بينكم، وبعضهم فسر المقام بالقيام

إن كان كبر قيامي ووجودي بينكم، أو ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم﴾ مكاني بين أظهركم وقيامي على الدعوة؛ فلذلك المقام هنا يمكن أن يقال: أنه مصدر ميمي أو اسم مكان، وهذا وذاك صحيح في هذا المقام

“ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى “ إقامتي على دعوتي، أو قيامي على دعوتهم، أو وجودي بينكم، أو في المكان بين أظهركم

“ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ “ شق عليكم وعظي لكم، ونصحي لكم وقد دعاهم بالليل والنهار، سرا وجهارا، ليلا ونهارا، بكل الأساليب المتاحة المطلوبة المرغوب فيها من الوعظ والحكمة والترغيب والترهيب، والدعوة الحسنة

“ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ “ قالوا في التفسير: وعزمتم على قتلي استفادوا هذا مما جاء بعد “ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ “

“ فعلى الله توكلت “ أي: على الله وحده توكلت

“ فأجمعوا أمركم “ يعني أحكموا أمركم وشركاءكم، إجماع الأمر معناه: إحكام الأمر وتصميمه، معناها: صمموا وأجمعوا، واعزموا أمركم وشركاءكم أي: واجمعوا شركاءكم

فهنا تقدير “ فأجمعوا أمركم “ واجمعوا شركاءكم، وبعضهم يعطف على أنها من المفعول معه

“ فأجمعوا أمركم وشركاءكم “ إذا المراد أن تجمعوا الرأي، وألا تترددوا في طريقة قتلي، في طريقة اغتيالي في طريقة القضاء علي، أنا لست خائفا، أنا متوكل على الله عز وجل، وكذلك ليأتي الشركاء، ليجتمعوا معكم واتفقوا على رأي واحد، ماذا ستصنعون بي؟

“ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً “ يعني مبهمة أو سرا “ ثم أقضوا إلي “ اعمدوا إلي “ ولا تنظرون “

يعني ولا تؤخروني لحظة وهذا يدل على عظيم شجاعة نوح عليه السلام وتمام توكله على الله سبحانه؛ ولذلك فالأنبياء والمرسلون أشجع الناس؛ ولذلك جاء في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان أشجع الناس صلى الله عليه وسلم

تأمل قوله “ فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكون أمركم عليكم غمة ثم قضوا إلي ولا تنظرون “ لا تؤخروني ولا تمهلوني لحظة، فأنا مستعد بفضل الله سبحانه وتعالى لمواجهتكم

وينبغي للعلماء وهم ورثة الأنبياء أن يكونوا أشجع الناس أيضًا، فالعالم لا ينبغي أن يكون جبانا، وإنما يكون شجاعا؛ لأنه بفضل الله سبحانه وتعالى معتصم بالله، ومن كان معتصما بالله فالله معه، ومن كان الله معه فلا يخاف ولا يخشى أحدا

قال الله “ ثم اقضوا إلي ولا تنظرون “

“ ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ “

وأيضا قال الله في شأن هود عليه السلام في قوله “ ﴿مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ “

“ اني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا ما ﴿هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ “

قال الله عز وجل “ فان توليتم “ يقول نوح لهم “ فما سألتكم من أجل “ أنا لا أريد منكم أجرًا، أجري على الله “ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ “

قال الله “ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا “

“ فنجيناه ومن معه “ قدم النجاة على الإهلاك؛ لأن النجاة هي المقصودة؛ ولأن المقام هنا مقام التذكير بفضل الله على نوح ومن معه

فقال “ فَنَجَّيْنَٰهُ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ “ أي: السفينة

“ وجعلناهم خلائف “ ما معنى “ خلائف “؟ قالوا: صيرناهم خلفا لمن كان قبلهم

استفادوا هذا من قوله “ ثم “ لأن “ ثم “ تدل على التراخي في الزمان هذا أصل في معناها

“ ﴿فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟﴾ ما كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ “ هذه طريقتهم هي طريقة الإصرار على الكذب

“ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا “ تأمل قوله “ الحق “

ولعلكم تذكرون ما ذكرناه قبل من أنه من مقاصد السورة الكريمة: بيان الحق والرد على الباطل؛ ولذلك جاء هنا ذكر التوراة وذكر الوحي بالحق

“ لما ﴿جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ “ أي: قالوا على التوراة، قالوا على الآيات، قالوا على الآيات المعجزات

قالوا عن هذه الآيات “ أن هذا لسحر “

“ ﴿قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ﴾ “ هنا تقدير وهو تقدير عجيب ولطيف

﴿قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ﴾ “ ماذا؟ تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم سحر؟ أتقولون للحق لما جاءكم هذا ثم رد “ اسحر هذا “ فقوله “ اسحر “ بعد انتهاء الكلام السابق لكن لم يصرح بهذا

أتقولون للحق لما جاءكم هذا سحر؟ يعني مثله لا يقال عنه سحر، فلا يذكر، ثم جاء إنكاره “ أسحر هذا “ أي: الذي يزعم منكم أنه سحر “ ﴿أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ﴾ “ كيف أرضى لنفسي أن أكون ساحرا أو أن آتي بسحر، وأنا أعلم أن الساحر لا يفلح

“ قالوا اجئتنا لتلفتنا “ أي: لتصرفنا فمعنى قوله “ لتلفتنا “ اللفت: الصرف واللي

“ اجئتنا لتلفتنا “ وهذا فيه أن مادة لفت أصل الفعل مجرد؛ لذلك بعض الناس يقول: ومما يُلفت الأنظار والصحيح أن يقال: مما يَلفت الأنظار؛ لأن لغة القرآن جاءت “ ﴿لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ “ أنتما تريدان الكبرياء في الأرض، أن يكون لكم الملك والسؤدد والسلطان، وهذه دعوة عريضة ودعوة باطلة، فموسى لم يرد دنياهم ولم يرد شيئًا منه

إن الساحر لا يفلح أبدًا

سلاح المؤمن في مواجهة أعدائه هو التوكل على الله، وهذا ما وقع من نوح عليه السلام “ فعلى الله توكلت “

ولذلك تقدم معنا في براءة “ ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ “

ولذلك علم الرسول وعلم الله الرسول “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ادعوا شركاءكم ثم كيدوني فلا تنظرون أن وليي ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ “

لذلك هذا مناسب أيضًا لما ذكر الله في قوله “ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “ فالذي يستيقن أن الله وليه يتوكل على الله ولا يخشى أحدا

الإصرار على الكفر والتكذيب بالرسل يوجب الختم على القلوب فلا تؤمن أبدًا

قال الله “ كذلك “ أي: مثل ذلك الطبع، “ نطبع على قلوب معتدين “ بعد قوله “ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قبله “ فإذا طبع على قلبه لم يؤمن بالله سبحانه وتعالى

حال أعداء الرسل واحد، فهم دائمًا يصفون الهدى بالسحر أو الكذب؛ ولذلك قال الله سبحانه “ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ “ وهذا مناسب لأول السورة الكريمة حينما قال “ ﴿قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾ “ والقراءة الأخرى “ أن هذا لساحر مبين " " ﴿قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ﴾ “

إن الساحر لا يفلح أبدًا وهذه هي الآية “ ولا يفلح الساحرون “

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد: نواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة يونس

قال الله سبحانه ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ﴾ بعدما قرر فرعون والملأ أن موسى عليه السلام ساحر عليم ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فحينئذ قال الملأ ﴿قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾؛ لذلك قال هنا ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أي: من أجل القضاء على دعوة موسى عليه السلام وإظهار عجزه وضعفه، وأن ما أتى به من سحر فإنهم يتمكنون منه ويقدرون على بيان ضعفه وتهافت صنيعه

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة