مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة يونس — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 315 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي ولولا ما مضى من قضاء الله أنه لا يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا وإنما ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ فيوم الفصل هو يوم القيامة

قال الله سبحانه ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾

﴿وَيَقُولُونَ﴾ تأمل ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن السورة ذكرت شبهات المشركين فيما يتعلق بالوحي والرسالة وردت عليهم ﴿وَيَقُولُونَ﴾ هذا من قول المشركين أيضًا ﴿لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾

ما معنى ﴿لَوْلَا﴾ هنا؟ أي هلا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ أي آية من الآيات التي اقترحوها التي قصدوا بها التعنت لا الاسترشاد لأنه قد يقول قائل أوليس إذا طلب هؤلاء آية كان هذا سائغا؟ أوليس الله قد قال في شأن المؤمنين ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد: 20] فالمؤمنون يقولون لولا نزلت سورة لكنهم يقصدون بذلك أن تنزل آية من آيات الله ليعملوا بها ليزدادوا إيمانا أما هؤلاء المشركون فإنهم حين يطلبون الآيات فإنهم يطلبون الآيات المعينة التي اقترحوها كأن يصير جبل الصفا ذهبا أو ما أشبه ذلك بأن يأتي بالله قبيلا وما إلى ذلك مما ذكره الله عنهم من تعنتات لا يقصدون بها الحق ولا يريدون بها الوصول إلى الحق

قال الله ﴿فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ قد يقول قائل ما وجه المناسبة بين قولهم ﴿لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ وقوله ﴿فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ﴾؟

وجه ذلك أن الآيات غيب فمجيء تلك الآية أو عدم مجيئها غيب من الذي يقدر مجيء الآية أو يقدر عدم مجيئها هو الله ولذلك قالوا هنا في التفسير فقل لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول نزول الآية غيب

تأمل نزول الآية غيب يختص الله بعلمه

﴿فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ أي انتظروا ما اقترحتموه من الآيات الحسية إني معكم من المنتظرين لها وهذا وعيد شديد لهم لأنهم لم يسألوا استرشادا وتثبتا وإنما سألوا عنادا وتعنتا

نعم

اتباع الهوى والاختلاف على الدين هو سبب الفرقة

عظم الافتراء على الله والكذب عليه وتحريف كلامه مثلما فعل اليهود بالتوراة قال الله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾

النفع والضر بيد الله سبحانه وتعالى وحده دون ما سواه لذلك قال ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [يونس: 18]

بطلان قول المشركين بأن آلهتهم تشفع لهم عند الله قال ﴿وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

اتباع الهوى والاختلاف على الدين هو سبب الفرقة لذلك قال ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا۟﴾ وهذا راجع إلى اتباع الهوى نسأل الله السلامة

لذلك قال الله للرسول ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]

نعم

﴿قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾

وإذا اذاقنا وإذا اذاقنا المشركين نعمة من مطر وخصب بعد جدب وبؤس أصابهم إذا لهم استهزاء وتكذيب بآياتنا

لا يفوتهم منه شيء

فكيف يفوت خالقهم؟ وسيجازيكم على وسيجازيكم الله على مكركم

ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

الله هو الذي يسيركم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس في البر على اقدامكم وعلى دوابكم وعلى غيرها مما يسره الله لكم

وهو الذي يسيركم في البحر في السفن ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى﴾ السفن في البحر وجرت بهم وجرت بهم بريح طيبة

فرح الركاب بتلك الريح فبينهم في فرحهم جاءتهم ريح قوية الهبوب وجاءهم موج البحر من كل جهة وغلب على ظنهمإنهم هالكون

لئن أنقذتنا من هذه المحنة المهلكة لنكونن من الشاكرين لك على ما أنعمت به علينا

فلما استجاب دعاءهم وانقذهم من تلك المحنة إذا هم ﴿يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ بارتكاب الكفر والمعاصي والاثام

كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ التي تتمتعون فيها في سرعة انقضائها كمثل مطر اختلط ﴿بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ﴾ من الحبوب والثمار

والله يوفق من شاء من عباده إلى دين الإسلام الموصل إلى دار السلام هذه

قال الله سبحانه ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾

﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً﴾ ما المراد بالناس هنا المراد بهم المشركون بدليل سياق الآية

لأنّّ الله قال ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِىٓ ءَايَاتِنَا﴾ وهذا من دأب المشركين وصفتهم وهذا فيه أن الكلمة في القرآن الكريم قد تطلق عامة ويراد بها معنى خاص وتقدم معنا في أول السورة ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ وهذا التعجب ﴿أَنَّمَا﴾ وقع من أهل الشرك كذلك هنا ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ﴾ أي المشركين لذلك قالوا هنا وإذا أذقنا المشركين

﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ﴾ المراد بالرحمة النعمة ﴿مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ﴾ من بعد ضراء أصابتهم وتأمل قوله ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً﴾ فحينما ذكر الرحمة أضاف الإذاقة إليه ولما ذكر الضراء قال ﴿مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ﴾ لم يقل مسسناهم بها وهذا فيه ما تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ من أنه من باب التأدب مع الله لا ينسب الشر إليه مع أنَّ الله قد قدره ومن ذلك قول الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80] ولم يقل والذي يمرض مع أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر عليه المرض ومن ذلك قول الجن ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10] ففي جانب الشر قالوا أريد وفي جانب الخير أو الرشد صرحوا به

إذا من باب التأدب مع الله ﴿إِلَّا﴾ ينسب الشر أو ﴿إِلَّا﴾ ينسب الضر إلى الله سبحانه وتعالى

قال الله سبحانه ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِىٓ ءَايَاتِنَا﴾ استهزاء وتكذيب بآياتنا ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾

فمكر الله أغلب وأعظم كما قال الله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30] وهذا المكر في حق الله صفة كمال لأنه في مقابلة مكرهم لذلك يقولون هذه الصفة صفة مقيدة فهو ماكر بهؤلاء الماكرين سبحانه وتعالى

﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ يعني ما من مكر لا يفوتهم منه شيء فمكر هؤلاء المشركين مكتوب ويحاسبون عليه ورب العزة أيضًا أسرع مكرا وهو قادر على مؤاخذتهم سبحانه وتعالى

ثم قال الله ممتنا على عباده ومبينا أن هؤلاء المشركين لا يرعون عن غيهم وأنهم في وقت الشدة يسألون الله وفي وقت الرخاء يغفلون عن الله كما تقدم في قوله ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ﴾ الآية قال هنا

﴿هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

ففي وقت الشدة ماذا يصنعون؟ يخلصون لله سبحانه وتعالى في الدعاء لكنهم في وقت الرخاء يشركون بالله سبحانه وتعالى وتأمل قوله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ ولم يقل وجرينا بكم

والأصل أن يقال (﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ بكم) لكنه قال ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾

فهذا هو الأسلوب الشهير الذي تقدم معنا التنبيه عليه مرارا وهو أسلوب الالتفات فبعدما كان الحديث بالمخاطب

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ﴾ وتوجيه بالخطاب صار ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ أي بالغيبة

فقال ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ ولم يقل (وجرينا بكم) وفي هذا معنى والعلم عند الله أن هؤلاء لإعراضهم عن الله ولعدم صدقهم في إيمانهم حقيق بأن يعرض عنهم وأن يتوجه عن الخطاب إليهم إلى الحديث عنهم لا أن يواجهوا بهذا الخطاب فقال ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ بعض العلماء يفرق بين الريح والرياح فيقول أن الرياح تستعمل في جانب الرحمة والريح تستعمل في جانب النقمة أو في جانب العذاب لكن يقال هذا في الغالب

ولذلك ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم دعا (اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا) لا يثبت H0

ولكن وصفها الله بأنها طيبة فعلم أنها ريح طيبة فهي نافعة لهم

ثم بعد ذلك قال ﴿وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ فقوله ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ على الأصل المشهور والغالب وهو أن الريح تستعمل في جانب الشر وفي جانب الشدة وفي جانب النقمة ﴿وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾

ما معنى ﴿أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾؟ يعني أنهم هالكون كما تقدم معنا في معنى والله محيط بالكافرين

على قول بعض المفسرين فالتعبير بقول ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ﴾ [الكهف: 42] المعنى أهلك هذا الثمر

فقال ﴿دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

ومن عجيب صنيع بعض أهل هذا الزمان كما نبه الألوسي من قبله ولا يزال الأمر إلى يوم الناس هذا أن بعض الناس اليوم في وقت الشدة لا يخلصون لله في الدعاء مع أنَّ الله ذكر أن المشركين وقت الشدة يخلصون لله سبحانه وتعالى في الدعاء وبعض الناس في هذا المقام في وقت الشدة لا يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى مع أنه الركن الشديد سبحانه الذي لا يعجزه شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ

﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾

وقوله ﴿بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ يمكن أن يقال أنه وصف كاشف وبيان لواقع الأمر لأن البغي بغير الحق

قال ﴿يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ هذه موعظة من الله لهم ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم﴾

ما معنى ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم﴾ أي جزاء بغيكم على أنفسكم وإثم بغيكم على أنفسكم ومن عمي فعليها ومن أساء فعليها فهذا الذي يضر نفسه ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم﴾

قال ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاة الدُّنْيَا ﴾ نمتعكم متاع ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ هذا متاع ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ففيها القراءتان متاع بالنصب ومتاع بالرفع

﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ التي تغترون بها وتلتفتون إليها وتغفلون عن الإيمان بالله

﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ قالوا لونها الزاهي

﴿وَٱزَّيَّنَتْ﴾ أي وتجملت

قال ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ﴾ أي ظن أهلها أنهم قادرون على حصاد ما أنبتت وقطافه

﴿أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ قال ﴿أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ أي جاءها قضاؤنا بإهلاكها

﴿فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ﴾ جعلناها ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ﴾ كأن لم تكن عامرة بالأشجار والنباتات ومن معاني ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ﴾ يعني كأن لم تنعم بالأمس وكأنه ليس هناك شجر ولا نعيم ولا شيء في هذا المكان كذلك الدنيا فإنها تتزين للإنسان ثم عما قريب يفارقها أو تفارقه لذلك قالوا أنها إذا حلت أوحلت وإذا كست أوكست فهذا مثل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ وبيان سرعة انقضائها وذهابها وهوأنها على الله سبحانه وتعالى

والتعبير بقوله ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ﴾ كأن لم تنعم دلالة على أن الإنسان إذا لم يكن من أهل الجنة فإنه لا ينفعه ما تقدم من نعيمه في الدنيا وحينئذ يتذكر المرء قول النبي صلى الله عليه وسلم في مسلم يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة ثم يقال له هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا وعزتي لا يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا من أهل الجنة فيغمس في الجنة غمسة وفي لفظ فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال له هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب فغمسة واحدة في النار تنسي نعيم أهل الدنيا ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وغمسة في الجنة تنسي الفقراء ما كانوا يقاسونه في الدنيا من هموم وأحزان وفقر

قال الله سبحانه ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ﴾ أي يدعو جميع عباده إلى دار السلام ما دار السلام؟ هي الجنة فالجنة دار السلام وفيها السلام وأيضا من معاني السلام السلامة من الآفات فمن يدخل الجنة فهو سالم من الآفات ومن معاني ﴿إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ﴾ أن السلام من أسماء الله فيكون المعنى والله يدعو إلى دار الله يعني إلى داره إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن السلام هو سبحانه وتعالى لكن الكثيرين على الأول

قال ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

يذكر علماء البلاغة هذه الآية في حذف المفعول للدلالة على التعميم فهنا قال

﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ﴾ لم يقل يدعو من؟ لأن المراد بذلك العموم فالمعنى والله يدعو كل الناس يدعو جميع الناس إلى دار السلام لكنه في الهداية هداية التوفيق خصص فقال ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فصرح بالمفعول به﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾ لأنه خاص لأن هداية التوفيق ليست لجميع الناس نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم

نعم

الجنة هي مستقر المؤمن لما فيها من النعيم والسلامة من المصائب والهموم

الله أسرع مكرا بمن مكر بعباده المؤمنين ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾

بغي الإنسان عائد على نفسه ولا يضر إلا نفسه ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم﴾ وهذا فيه إثبات أن الجزاء من جنس العمل

بيان حقيقة الدنيا في سرعة انقضائها وزوالها وما فيها من النعيم فهو فان

﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ﴾ الآية الكريمة

الجنة هي مستقر المؤمن لما فيها من النعيم والسلامة من المصائب والهموم قال الله ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ نعم

قال الله سبحانه ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

لما ذكر الله سبحانه أنه يدعو الخلق إلى دار السلام وأنه ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فماذا يا ربنا لهؤلاء الذين هديتهم صراطك المستقيم فقال ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ فقوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟﴾ قالوا هنا أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الطاعات وترك ما حرم عليهم من المعاصي لهم المثوبة الحسنة ولك أن تقول أن قوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟﴾ أي أحسنوا في عبادة الله وأحسنوا إلى خلق الله فالإحسان نوعان إحسان في عبادة الله وإحسان إلى الخلق وقد H0

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي الجنة وقالوا هنا المثوبة الحسنة وهي الجنة وهذا قد جاء تفسيره H1

قال هنا ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي الجنة فالجنة قيل لها الحسني لأنَّها أحسن النعيم وأفضله وأجله وأعلاه فقال الحسني وهذه مبالغة في الحسن والكمال والتمام لأنَّها صنعة الله سبحانه وتعالى وداره التي أعدها لعباده المحسنين وقوله ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ من أصرح الأدلة على أن الجزاء من جنس العمل فلما كان عملهم إحسانا كان جزاؤهم الحسني

قال ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ قالوا ولا يغشى وجوههم غبار ولا يغشاها هو أن ولا خزي هذا في مقابلة ما يحدث للكفار ولذلك وصف الله المؤمنين فقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ نسأل الله أن نكون من أهل الجنة بمنه وكرمه قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

. ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ في مقابلة هؤلاء المؤمنين المحسنين ذكر الله ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾

ما المراد بالسيئات في هذه الآية؟ السيئات في هذه الآية المراد بها الكفر والمعاصي وليس المراد بها المعاصي فقط لأنّّ الله قال في آخر الآية ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

والخلود في النار ﴿أَنَّمَا﴾ هو للكافرين وتقدم معنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام أن كلمة السيئة وكذا كلمة السيئات ترد في القرآن الكريم على أوجه فقد ترد السيئة بمعنى الشرك كما في قوله ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 81] ومن ورود السيئات بمعنى الكفر هذه الآية التي معنا ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا﴾ إلى أن قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

وقد تأتي السيئة بمعنى الكبيرة كما في قبله يؤمن في قوله تعالى ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 78] في شأن قوم لوط عليه السلام والمراد بها الفواحش وجريمة اللواط وقد تأتي السيئة بمعنى الصغيرة كما في قوله ﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31] فمعنى ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ﴾ أي الذنوب الصغيرة

قال هنا ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾قالوا من الكفر والمعاصي ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا﴾ أي لهم جزاء السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله في الآخرة وهذا دال أيضًا على أن الجزاء من جنس العمل

﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي وتغشى وجوههم ذلة وهو أن ﴿مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أنزله بهم كما قال ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: 10]

قال ﴿كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ نسأل الله السلامة وهذا تشبيه وبيان لقبح وجوههم في هذا الوقت قال ﴿كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي ألبست وجوههم قطعًا من الليل أي سوادا من الليل المظلم من كثرة ما يغشاها من دخان النار وسوادها وكأن وجوههم قد كسيت بهذه القطع المظلمة من الليل

قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

ثم قال ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾

قوله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ويوم أي واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يوم القيامة يوم نحشر هؤلاء جميعا نحشر الخلق جميعا ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾

ما معنى قوله ﴿مَكَانَكُمْ﴾؟ بما نصب قوله ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي الزموا مكانكم فقوله ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي الزموا مكانكم كما تقدم معنا في قوله ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 138] أي الزموا صبغة الله

قال هنا ﴿أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ أي الزموا مكانكم أنتم وشركاءكم ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي ميزنا وفرقنا بين المعبودين والعابدين

﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأت المعبودات من عبادة العباد لها ﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾

﴿فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾

﴿فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا﴾ أي الله شاهد وكفى به أنا لم نرضى بعبادتكم هذا ولم ندعوكم ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6] فيتبرأ هؤلاء ممن عبدهم وأنهم لم يكونوا راضين بذلك بل كانوا عن عبادتهم غافلين فالأصنام غافلة لا تعرف شيئًا عمن عبدها ولا أرواح لها ولا عقول ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾

و (إنْ) هنا هي المخففة من الثقيلة: إننا ﴿كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾ بدليل دخول اللام في قوله ﴿ لَغَافِلِينَ﴾

وتقدم أنهم يقولون لها أنها اللام التي تفرق بين (إن) المؤكدة التي هي مخففة من الثقيلة وبين (إن) النافية التي معناها ما كنا عن عبادتكم لأن المراد هنا تأكيد هذا المعنى وهو تأكيد غفلتهم عن عبادة هؤلاء العابدين لهم

﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾

﴿هُنَالِكَ﴾ أي هنا في هذا الموقف ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾

ما معنى ﴿ تَبْلُو ﴾؟ قال بعضهم أي تعلم ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ كل نفس تعلم كما قال تعالى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: 14] وكما قال تعالى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 5] وقال بعضهم بل المراد بقوله ﴿ تَبْلُو ﴾ أي تختبر ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ فالمعنى أن هذا الموضع هو موضع اختبار الحقائق وظهور وانكشاف الحقائق فيكون معنى الاختبار هنا ظهور وانكشاف الحقائق وهناك قراءة أخرى متواترة ﴿هُنَالِكَ تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ﴾ ما معنى هنالك؟ قال لك ﴿ تَتْلُو ﴾ أي هنالك تقرأ ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ كما قال الله ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13 -14]

﴿وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ وردوا إلى الله أي رجعوا إلى الله أو أرجعوا إلى ربهم سبحانه

﴿ مَوْلَاهُمُ ﴾ أي الذي يتولى حسابهم سبحانه عز وجل وتأمل هنا أثبت أنه مولاهم وقد نفى ذلك في مواضع أخرى كقوله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ [محمد: 11]

تقدم أن معنى قوله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ أي لا ناصر لهم يتولى شؤونهم وأمورهم فالله نفى ولايته للكافر أي نصرته وتأييده وإعانته لهم وإما أنه مولى الجميع بمعنى أنه إله الجميع فهذا عام فقال هنا ﴿وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ أي إلههم الحق سبحانه وتعالى ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ ضل عنهم أي ذهب عنهم ما افتروه من شفاعة أصنامهم إذا هذه الشفاعات ذهبت

ثم قال ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ وجه لهم هذه الأسئلة وهي أسئلة تقريرية يقرِّعهم الله فيها ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ من جهة السماء أو من جهة الأرض من جهة السماء بإنزال المطر عليكم ومن جهة الأرض بما ينبت فيها من نبات وبما تحويه من معادن

﴿أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ﴾ سيجيبون على هذه الأسئلة ﴿فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾

﴿أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ الذي يملك السمع والأبصار والقادر على إذهابها هو الله سبحانه وتعالى وهنا في التفسير قالوا ومن يرزقكم من الأرض بما ينبت فيها من نبات وبما تحويه من معادن ثم دخلوا مباشرة إلى تفسير ﴿وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ﴾ والأولى أن يفسر قبلها ﴿أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ أي يقدر على حفظها أو على إذهابها فهو الله سبحانه وتعالى

قال ﴿وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ﴾ يخرج الحي من الميت كالإنسان من النطفة والطير من البيضة ﴿وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ كالنطفة من الحيوان والبيضة من الطير كما تقدم معنا مرارا

﴿وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ﴾ أمر السماء والأرض وما فيهن من مخلوقات ﴿فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه

وهنا قالوا ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تعلمون ذلك وتتقون الله سبحانه وتعالى

﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾

نعم

في الطبعة الحديثة التي جاءت بعد ذلك فسروا ﴿أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ فقالوا ومن يملك ما تتمتعون به من السمع والأبصار فإذا هذا معنى ﴿أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ﴾

قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ﴾ تقدم معنا أنه يستدل على إثبات إلهية الله جل وعلا ووحدانيته بربوبيته فلأن الله هو الرب الخالق المدبر فهو الإله المعبود الحق كما قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

فقال هنا ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ تأمل تكررت كلمة الحق هنا وقلنا في مقاصد السورة أن هذه الكلمة تكررت في السورة كثيرًا لأن السورة تتحدث عن الحق وبيان الباطل والرد عليه

﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ أي من ترك الحق وقع في الضلال فإما أن تتبع الحق وإما أن تتبع الضلال وهذا فيه أنه لا واسطة بينهما فالإنسان الذي يريد أن يلعب على الوترين كما يقال أو أن يرضي جميع الأطراف لا سيما في الاعتقاد فإنَّ هذا ليس بحق ولا يمكن أن تصل له ولذلك قال الله للرسول ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]

فقال هنا ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾

وقوله ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ﴾ إنكار وقوع ذلك لا يقع مثل هذا فالحق يحافظ عليه ولا إلى الضلال لأن الضلال مضمحل

﴿فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ إنكار الواقع لأنهم قد صرفوا فجمعت الآية بين الإنكارين

ثم قال ﴿كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قد يقول قائل قوله ﴿كَذَلِكَ ﴾ بم يتعلق (ذلك) ما الذي مثل ذلك؟

قالوا هنا في المختصر وأحسنوا فيما قالوا كما ثبتت الربوبية الحقة لله وجبت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول كلمة ربك القدرية على الذين خرجوا عن الحق عنادا أنهم لا يؤمنون

إذا كذلك كما ثبتت الربوبية لله الربوبية الحقة لله وجبت أي ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟﴾ والمراد ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ تقدير ربك ومشيئته فالمراد بالكلمة هنا الكلمة القدرية على الذين خرجوا عن الحق عنادا أنهم لا يؤمنون لأنه لا يؤمن أحد إلا بمشيئة الله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾

ولذلك جاء معنا في سورة يونس أيضًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ [يونس: 96 -97]

نعم

من فوائد الآيات

أعظم نعيم يرغب به المؤمن هو النظر إلى وجه الله تعالى

فلابد من توحيدهما معًا

إذا قضى الله بعد عدم إيمان قوم بسبب معاصيهم فإنهم لا يؤمنون

أعظم نعيم يرغب به المؤمن هو النظر إلى وجه الله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ نسأل الله أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم

بيان قدرة الله ﴿وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ﴾ قدير﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ هذا كله يدل على قدرة الله سبحانه

التوحيد في الربوبية والإشراك في الإلهية باطل فلابد من توحيدهما معًا لا يكتفي الإنسان بتوحيد الربوبية وإنما عليه أن يوحد الله ربا وإلها فإذا كان العبد يعتقد أن الله هو الرازق فعليه أن يعبده وحده لا شريك له ولذلك يخطئ من يفهم أن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله فإنَّ المشركين يقولون لا خالق إلا الله وهم ليسوا موحدين ﴿أَنَّمَا﴾ لا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله كما تعتقد أن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق فاعبده وحده لا شريك له وهذا في قوله سبحانه ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾

وأيضا ما سبق في قول ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ إلى أن قال ﴿فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ إذا كنتم تقرون أنه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة يونس عليه السلام

قال الله سبحانه “ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ “

هذه الآية صلتها واضحة بالآيات السابقة، فالآيات السابقة ذكر الله سبحانه وتعالى فيها بعض ما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله

قال الله سبحانه وتعالى “ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ أم من يملك السمع والابصار “ إلى آخر الآية، وذكر الله جواب أولئك المشركين حين قالوا “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله “ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ “

لكنه في هذا السؤال تولى الرسول صلى الله عليه وسلم الجواب، فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب “ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ “ فهذا هو الفرق بين الأسئلة السابقة وبين هذين أو بين هذه الأسئلة

فهنا قال “ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ؟ “ ثم أمر الله الرسول بالجواب “ ﴿قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ “

إذا هناك أسئلة وجهت للمشركين، بين الله أن المشركين يجيبون عليها مباشرة، وهناك أسئلة أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيب بها، وهي واضحة جلية ﴿لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

“ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ “ والمراد بهذا الأمر الإفحام والتعجيز، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم على سبيل الإفحام والتعجيز “ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ؟ “ أي: هل من بين شركائكم الذين تعبدونهم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، من ينشئ الخلق على غير مثال سابق ثم يبعثه بعد موته أو يقدر على إعادته، ومن المعلوم أن الشركاء لا تقدر على ذلك، ولا تنفع ولا تضر فهذا فيه دلالة على عجزها

“ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ؟ “ ولذلك فالمراد بذلك الإلزام والتبكيت أي: إلزامهم بالحجة، وأن آلهتهم عاجزة عن النفع وعن الضر، وعاجزة عن الإحياء وعن الإماتة

قال “ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ “

أول الآية “ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ “ والأصل في هذا الجواب ليس هناك أحد من الشركاء يبدأ الخلق ثم يعيده، لكن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم من ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ، والذي ينبغي أن يتجه إليه وأن يقصد وهو الله سبحانه “ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ “ أي: لا آلهتكم ولا شركاؤكم

“ فانى تؤفكون “ فأنى تصرفون عن عبادته عز وجل، فأنى تصرفون عنه إلى غيره، والاستفهام في قوله “ فانى “ للإنكار

ثم قال “ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ “ أيضًا يأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخاإذاً هؤلاء المشركين “ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ “ من يوصل إلى الحق، وكيف توصل إلى الحق وهي لا علم لها، وهي لا تعرف ولا تميز، فكيف تكون هادية غيرها، وهي في نفسها غير مهتدٍة إلا أن يهديها الله سبحانه وتعالى، فقال “ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ يوصل إلى طريق ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ “

وكما تقدم في الجواب ليس هناك أحد من هؤلاء الشركاء يهدي إلى الحق، لكن المقصود الحقيقي هو إثبات أن الهداية بيد الله، وأنه الإله الذي ينبغي أن يعبد وحده وأن يقصد وحده سبحانه

“ ﴿قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ﴾ فمالكم كيف تحكمون “

ثم جاء هذا الاستفهام الذي فيه إنكار صنيعهم “ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أَن يُتَّبَعَ “

من الحقيقي بالاتباع؟ ومن الحقيقي بالعبادة؟ ومن المستحق لها؟ “ افمن يهدي إلى الحق “ والمراد به الله سبحانه

“ أحق أن يتبع “ أي: ممن لا يهدي إلى الحق، فأنتم حينما تراجعوا أنفسكم تعلمون أن تلك الأصنام وأن هؤلاء الشركاء لا يهدون إلى الحق، والذي يهدي إلى الحق هو الله الحق سبحانه وتعالى

فمن الأولى بالاتباع؟ من الأولى بالعبادة؟ أوليس الذي يهدي أولى بهذه العبادة؟ قال “ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أَن يُتَّبَعَ “

وقد قال بعضهم “ أحق “ هنا مسلوبة التفضيل؛ لأن تلك الآلهة الباطلة لا أحقية لها “ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ “ فهنا ربنا ينفي أن يكون من لا يهدي إلى الحق مساويا في الأحقية للحق الذي يهدي إليه وهو الله سبحانه وتعالى، والمراد به في الحقيقة إثبات الحق لله، وإثبات الباطل لغير الله سبحانه وتعالى من هذه الآلهة المزعومة

“ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يتبع امن لا يهد إلا أن يهدى “ لذلك قالوا هنا في التفسير: فهل من يرشد الناس إلى الحق ويدعوهم إليه أولى بأن يتبع أو معبوداتكم التي لا تهتدي بنفسها إلا أن يهديها غيرها

فقال “ امن لا يهدي “ يعني أمن لا يهتدي إلا أن يهدى، يعني لا وجه للمساواة كما يقولون في “ أم “ المتصلة كما هو معلوم، فلا وجه للمساواة بين هذه الآلهة وبين الله سبحانه وتعالى

“ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ “ ما معنى “ لا يهدي “؟ أي: لا يهتدي، فقوله “ امن لا يهدي “ أي: لا يهتدي

لكن التاء أبدلت دالا، ثم أدغمت في الدال فصارت دالا مشددة، والمشدد أوله ساكن، فالهاء في قوله “ يهتدي “ الأصل فيها أنها ساكنة، فلما التقى الساكنان كسرت الهاء تخفيفا فصارت “ امن لا يهدي “ يعني امن لا يهتدي “ إلا أن يهدى “

فمالكم كيف تحكمون “ كيف يتساوى الذي يهدي مع من لا يهتدي إلا أن يهدى، لا شك أن كل عاقل يقول لا يستوي مع ذاك، وأنت إذا تأملت التعبير القرآني وجدت أن الله سبحانه وتعالى عد الفعل يهدي بإلى في موضعين: الأول والأخير، وعداه باللام في الوسط في قوله “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله يهدي للحق “

فقال أولا: “ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ “ يعني يوصل إلى الحقق، وهذا يحتاج إلى بعد ومسافة، ثم قال “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله يهدي للحق “ فجاء باللام لأن اللام تدل على الاختصاص والقرب

فلما كانت الهداية هنا مسندة إلى الله ذكرها بما يختص به سبحانه فقال “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله يهدي للحق “ فهو يوصل إلى الحق من أقرب طريق سبحانه وتعالى، ولا يمنعه من ذلك أحد

ثم قال “ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أن واتبع امن لا يهد إلا أن يهدى “ معلوم أن قوله “ افمن يهدي إلى الحق “ يراد به الله سبحانه وتعالى، لكنه قصد به المعنى العام فتعدى بإلى، وإذا كان من يهدي إلى الحق أحق بالاتباع فكيف بمن يهدي للحق؟ إذا كان من يهدي إلى الحق ولو على بعد أحق بالاتباع، فكيف بمن يهدي للحق ويختص به، فهذا أولى وأبلغ والله تعالى أعلم

ثم قال “ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ “ فمالكم كيف تحكمون حين تزعمون أنهم شركاء لله، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا

إذا تأملنا هاتين الآيتين يا أيها الإخوة الكرام نجد أن فيها استفهامات عديدة، تدل على هذه المعاني العظيمة من الإنكار عليهم، أعني من إنكار صنيع أولئك مشركين وتوبيخهم وتقريعهم قال “ هل من شركائكم “ وهذا استفهام “ فانى تؤفكون “ وهذا استفهام، “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل من شركائكم “ وهذا استفهام، ثم قال “ افمن يهدي إلى الحق “ استفهام أيضًا، وقال “ فما لكم “ وهذا استفهام “ كيف تحكمون “ وهذا استفهام، كل هذا في هاتين الآيتين الكريمتين

ثم قال “ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ “ إذا أردت أن تعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العاقل كيف صرف هؤلاء عن عبادة ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وآلهتهم التي يعبدونها،لا تهدي، بل ولا تهتدي إلا أن يهديها الله سبحانه وتعالى، وهذه الأصنام لا تعقل أصلا، لكن لو فرضنا أنهم عبدوا من يعقل فإنه لا يهتدي إلا أن يهديه الله فكيف بمن لا يقبل هداية ولا عقلا أصلا؟

قال الله سبحانه “ وما يتبع أكثرهم إلا ظن “ إن قلت ما الذي صرفهم؟

قال “ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا “ أي: ما يتبع معظم المشركين إلا ما علم لهم به ما هو إلا وهم يتبعونه، وما هو إلا تخمين وظنون دون أن تكون هناك حجج يرجعون إليها أو يستندون إليها

“ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا “ ما المراد بالظن؟ الوهم والشك

قال “ أن الظن لا يغني من الحق شيئًا “ أي: أن الشك لا يقوم مقام العلم “ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ “

وتقدم معنا في بعض المناسبات يا أيها الإخوة الكرام أن هذا الظن المذموم: هو الظن الذي لا يستند إلى حجة أو دليل، وأما الظن الذي يستند إلى حجة أو دليل فإنه يعمل به في الأحكام الشرعية وما أشبه ذلك ولذلك قالوا إن غلبة الظن معمول بها في الشرع؛ ولذلك قال بعضهم: إن الفقه من باب الظنون يقصد بذلك الظنون الراجحة، فهناك مسائل فقهية كثيرة يكون هناك خلاف بين الفقهاء

فيقال في هذه المسألة هذا القول أرجح، فهذا ليس على سبيل القطع أو اليقين، وإنما على سبيل غلبة الظن وهذا يعمل به، أما الظن المذموم فهو الذي لا يستند إلى حجة، لا سيما إذا كان في باب الاعتقاد، فهم الآن في باب العقيدة، يعبدون الأصنام بدون حجة ودون أن يكون لهم مستند

ثم قال سبحانه “ وَمَا كَانَ هَٰذَا ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وَلَٰكِن التصديق ﴿ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ “

لعلكم تذكرون يا أيها الإخوة الكرام ونحن نتكلم عن مقاصد السورة الكريمة ذكرنا فيما ذكرنا أن السورة من صدرها ومن بدايتها تحدثت عن أصول الاعتقاد، عن أصول الاعتقاد والمبادئ العظيمة التي تعنى بها السور المكية من تقرير التوحيد والرسالة والبعث، وكذلك أثنت على القرآن الكريم من البداية “ تلك آيات الكتاب الحكيم “

فالآيات السابقة تحدث الله فيها، أو حدثنا الله فيها عن قضية التوحيد “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل من شركائكم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل من شركائكم “ فهذا فيه بيان حقيقة التوحيد، انتقل الحديث بعدها إلى الحديث عن إثبات النبوة، وذلك بإثبات أن القرآن وحي من عند الله سبحانه وتعالى، فبعد أن أبطل الله عز وجل الشرك، أبطل الله عز وجل الطعن في النبوة وفي القرآن، وهذا وجه المناسبة فقال “ وَمَا كَانَ هَٰذَا ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ “

وتكون الآية أيضًا عودا على بدء، أي: من حيث بدأ الله السور “ تلك آيات الكتاب الحكيم “

فقال هنا “ وَمَا كَانَ هَٰذَا ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ “ وتأمل هذا التعبير الشريف “ وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ “

فرق بين أن يقال هذا القرآن ليس مفترى، وبين أن يقال “ وَمَا كَانَ هَٰذَا ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ “ يعني: ما يصح ولا يصلح أن يكون هذا القرآن مفترى ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى، هذا القرآن بما فيه من هدايات، وبما فيه من مبادئ عظيمة وأصول قويمة لا يمكن أن يصدر عن بشر، وإنما هذا القرآن لا يصدر إلا عن رب البشر؛ ولذلك قال بعضهم: لو تصورنا أن القرآن ألقي في مكان لدل بنفسه على أن قائله هو الله سبحانه وتعالى، لو أن إنسانا لديه عقل ولديه فطنة وحكمة ثم سمع هذا الكلام، ولم يكن يعلم أنه كلام الله لقال أن هذا الكلام لا يصدر عن بشر، وإنما هو كلام رب القوى والقدر سبحانه وتعالى

“ وما كان هذا القرآن “ لذلك قالوا هنا في المختصر: وما يصح لهذا القرآن أن يختلط وينسب إلى غير الله لعجز الناس ضرورة عن الإتيان بمثله

وإذا كان رب العزة قد حدثنا في أول السورة عن حكمة القرآن، فإنه حدثنا هنا عن أن القرآن لا يصلح أن يكون مفترى ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، وأيضا حدثنا عن أمر آخر وهو: أن القرآن فيه تصديق الذي بين يديه من الكتب

الوجه الأول: أن الكتب السابقة أخبرت به، فجاء القرآن مطابقا لما أخبرت به

والأمر الثاني: أن القرآن الكريم ذكر من الأشياء، ومن الأحكام، ومن الأمور، ومن الأحوال، ومن الأخبار ما هو موجود في هذه الكتب، فكان هذا من تصديق القرآن لتلك الكتب، قال “ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ “ فالقرآن أيضًا فيه التفصيل وفيه البيان

ثم تحدى الله الخلق فقال “ أم يقولون افتراه؟ ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَٰدِقِينَ “

“ أم يقولون افت “ هذا لإنكار الواقع؛ لأنهم بالفعل قالوا ذلك

لذلك قال بعضهم أي: بل أيقولون افتراه، وهنا قالوا في التفسير: بل أيقول هؤلاء المشركون إن محمدا صلى الله عليه وسلم اختلق هذا القرآن من نفسه ونسبه إلى الله وهم قالوا ذلك

قال الله سبحانه وتعالى “ أم يقولون افترى ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ مثله “ هذا هو التحدي “ ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ مثله “ أي: مثل القرآن الكريم

“ ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَٰدِقِينَ “

ادعوا مَنِ ٱسْتَطَعْتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ حتى يعينوكم لو كانت لديهم قدرة على الإتيان بمثل سورة من سور القرآن فليفعلوا، فإنَّ عجزتم وأنتم عاجزون فاعلموا أنه كلام ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

ثم قال الله سبحانه “ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يأتيهم تأويله “

“ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ “ هنا تقدير؛ لذلك أحسنوا هنا في المختصر إذ قالوا: فلم يجيبوا، بل سارعوا بتكذيب القرآن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفهموه ويتدبروه، تأمل قولهم (فلم يجيبوا) لأن الله يقول “ فاتوا بسورة مثله “

هذا الأمر يراد به التعجيز، فهم لن يستطيعوا الإتيان بسورة مثل القرآن الكريم، لكنه أمر وطلب، المفروض أنهم يردون على هذا الطلب ويجيبون إليه، فقال الله سبحانه “ بل كذبوا “، والمعنى لم يجيبوا، بل كذبوا

فقال “ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ “ كان منهم التكذيب، ما معنى قوله “ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ “؟

قالوا هنا: سارعوا بتكذيب القرآن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتفهموه ويتدبروه وقبل أن يحصل ما أنذروا به من العذاب وقد اقترب إتيان ذلك

“ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ “ يعني بما لا علم لهم به، لم يحيطوا بعلمه، لم يكذبون بالقرآن وهم لا إحاطة لهم بفهم القرآن، فلم يعوا القرآن ولم يفهموه، فلم التكذيب؟ هلا تمهلوا حتى يقرأوا ويمعنوا النظر، ولكنهم كانوا يتواصون فيما بينهم “ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ “

ولذلك استدل بهذه الآية على القاعدة الشهيرة (من جهل شيئًا عاداه) فلأنهم يعادون القرآن الكريم؛ لأنهم جاهلون عادوا القرآن الكريم، فمن جهل شيئًا عاداه، وهم لأنهم جهلة عادوا القرآن الكريم

يحتمل أن يكون المراد بالتأويل التفسير فيكون المعنى: ﴿كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟﴾ بعلم القرآن

“ ولما يأتيهم تأويله “ أي: ولما يعرفون معانيه، ولم يتدبروا ما فيه، فيكون المراد بالإتيان في قوله “ ولما ياتهم “ يعني لم يعرفوا، ولما يعرفون تأويله أي: معانيه لم يعرفوا المعاني، ولم يتدبروا فيها، والمعنى أنهم لو تدبروا لآمنوا بالله رب العالمين، ولآمنوا بالقرآن الكريم

والمعنى الثاني: أن المراد بالتأويل ما تؤول إليه الأشياء عواقب الأشياء، أو وقوع ما أخبر الله عز وجل به بادروا بالتكذيب مع أنَّ ما توعدهم القرآن به سيحل عليهم قريبا، ما بين الله أنه سيعطيه للمؤمنين سيصل إليهم قريبا لم ينتظروا ذلك، ولم يتمهلوا، وإنما كانوا متعجلين في التكذيب

لذلك قالوا هنا في المختصر وأحسنوا إذ قالوا: بل سارعوا بتكذيب القرآن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتفهموه ويتدبروه

هذا على تفسير التأويل بأنه بمعنى التدبر والتفسير

وقبل أن يحصل ما أنذروا به من العذاب، هذا على المعنى الثاني: وهو أن التأويل يكون بمعنى وقوع المخبر به، كما مضى معنا في سورة الأعراف “ ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ “ إلى آخر الآية

قال الله سبحانه “ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ “ مثل هذا التكذيب كذبت الأمم السابقة “ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ “ فهل يتعظ هؤلاء وهل ينزجر هؤلاء؟

ثم قال “ ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ﴾ “ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الضمير يعود إلى المشركين، فحينئذ سيرد إشكال

ربنا يقول “ ومنهم من يؤمن به “ فهل المشركون يؤمنون بالقرآن؟ هم يكذبون بالقرآن، فإما أن نقول ومنهم من يؤمن به في قرارة نفسه، لكنه يجحد ذلك مكابرة وعنادا هذا توجيه

والوجه الثاني وهو الذي ذكروه هنا في المختصر: ومن المشركين من سيؤمن بالقرآن قبل موته

إذا ما معنى “ ومنهم من يؤمن به “؟ أي: قبل موته، فيكون الفعل يؤمن على معنى الاستقبال أي: ومنهم من سيؤمن لأن الله لما قال “ ومنهم “ يعني من المشركين، فهو مشرك، فكيف يكون مؤمنا بالقرآن؟

“ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ “ يعني يستمر على التكذيب وعلى الكفر والجحود بالقرآن إلى أن يموت

“ ورب ربك أعلم بالمفسدين “ المصرين على الإفساد

“ وان كذبوك “ واستمروا على التكذيب فلا تشغل بالك بهم

“ فقل لي عملي “ أي: لي ثمرة عملي، لي جزاء عملي، وبعضهم فسر العمل بالدين، فقل لي ديني ولي عملي ولي ثمرة عملي وجزائي

“ ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ “ فيه معنى المتاركة، وأنه بريء من صنيع أولئك، وأنهم برءاء من صنيعه صلى الله عليه وسلم وعند الله يجتمعون

ثم قال “ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ﴾ “

“ ومنهم من يستمعون اليك “ ويبدو أن الرسول عليه الصلاة والسلام لحرصه الشديد وحبه الكبير

ورحمته العظيمة وشفقته الكبيرة كان حينما يراهم يسمعون إليه يطمع في إيمانهم، فبين الله أنه لا مجال لإيمان هؤلاء المصرين على الكفر، حتى ولو سمعوا فإنه سمع بلا فهم، وسمع بلا وعي وسمع بلا فهو سماع ظاهر، لكنه ليس بحقيقي فلا ينتفعون بذلك السماع

فقال “ ومنهم من يستمعون إليه أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ “ ولذلك قالوا هنا: ومن المشركين من يستمعوا إليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول إذا قرأت القرآن استماعا غير مقرون بقبول وإذعان

كما قال الله “ صم بكم عم فهم لا يرجعون " " فهم لا يعقلون “

قال أفأنت تقدر على إسماع من سلب السمع “ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ “ كيف تسمع الصم؟ وهو وأصم فكيف يسمع؟

فإما أن يقال المعنى “ : هؤلاء لا يسمعون سماع انتفاع، كما أنك لا تتمكن من إسماعه الصم، أو أنهم قصدوا بالصم ابتداء، وأنهم في حقيقة الأمر كأنهم صم

قال الله “ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ “ وهذا معنى آخر، وهو أنهم جمعوا بين الصمم وبين عدم العقل، فالذي لا يسمع إذا رآك ورأى حركاتك قد يفهم من وراء تلك الحركات شيئًا، لكن هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون، فكيف يرتجى من ورائهم انتفاع أو هداية والعلم عند الله تبارك وتعالى

سفه المشركين وتكذيبهم بما لم يفهموه ويتدبروه

الهادي إلى الحق هداية التوفيق هو الله وحده سواه ولذلك قال “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله يهدي للحق “ فهداية التوفيق خاصة بالله سبحانه وتعالى، ومضى معنا مرارا أن الهداية تأتي بمعنى هداية الدلالة، والإرشاد، والبيان، وهذه هداية عامة، وتأتي بمعنى هداية التوفيق والتسديد، وهذه خاصة بالله سبحانه وتعالى، وهي التي يتأتى فيها قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾

الحث على تطلب الأدلة والبراهين والهدايات للوصول للعلم والحق وترك الوهم والظن؛ ولذلك قال الله سبحانه “ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى﴾ لا يغني من الحق شيئًا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ “ فالإنسان عليه أن يتتبع الأدلة، لا أن يسعى وراء التخمين والظن والشك

ليس في مقدور أحد أن يأتي ولو بآية مثل القرآن الكريم إلى يوم القيامة؛ ولذلك قال الله “ وَمَا كَانَ هَٰذَا ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ “ ثم قال “ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَـٰدِقِينَ “؛ ولذلك قال إن الله سبحانه سهل في بيان عجز الخلق، وكذلك مع تسهيل الله سبحانه وتعالى فإنه سجل عجزهم، فالله سهل وكذلك سجل العجز؛ ولذلك قال “ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ “

سفه المشركين وتكذيبهم بما لم يفهموه ويتدبروه، قال الله سبحانه “ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يأتيهم تأويله “

قال الله سبحانه “ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى﴾ لعميا ولو كانوا لا يبصرون “

فبعد أن نفى الله سبحانه وتعالى استماعهم النافع، نفى أيضًا بصرهم النافع، لكنه قدم الاستماع؛ لأن النفع به أكبر وأكثر وأشهر؛ ولذلك إذا تأملت الأسلوبين تجد أن رب العزة سبحانه وتعالى قال في الأولى “ ومنهم من يستمعون إليك “ بواو الجماعة وهنا قال ومنهم “ من ينظر إليك “ ولم يقل ومنهم من ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال بعضهم لأن المستمعين أكثر، فقد يستمع إليك من لا يراك، وهذا أكثر

فقال هنا “ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ﴾ “ لا تظن أن كل من ينظر إليك سيستفيد من نظره إليك، والأصل أن من نظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفه، وأدرك أحواله، وأخباره، وعرف سيرته وأخلاقه فإنَّ هذا يوصله إلى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قالوا: لو لم تكن للنبي صلى الله عليه وسلم معجزة إلا السيرة لكفى، فالسيرة النبوية وحدها كافية في الدلالة على أن هذا الرجل وهو محمد صلى الله عليه وسلم رسول من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، بل خاتم الأنبياء والمرسلين

“ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ﴾ “ أفأنت يا رسول الله تستطيع تبصير الذين سلبت أبصارهم؟ إنك لا تستطيع ذلك، نعم هم معهم بصر، لكنه بصر لا يؤدي مطلوبه، ولا يؤدي غرضه، فالنفي هنا نفي الانتفاع ونفي الثمرة

قوله “ ولو كانوا لا يبصرون “ قال بعضهم: ولو كانوا لا يستبصرون بهذا البصر، فالمعنى: ولو كانوا لا يبصرون ببصائرهم، فهم وإن كانت لهم عيون ينظرون بها، لكن هذه العيون لا تؤدي بهم إلى البصيرة؛ فلذلك هم عمي قال “ ولو كانوا لا يبصرون “

ثم قال “ إِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ “

والآيتان السابقتان “ ومنهم من يستمعون إليك " " ومنهم من ينظر إليك “ فيها تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتفريج عنه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه ما يراه من تعنت المشركين مع رؤيتهم له ومع سماعهم منه، فبين الله سبحانه وتعالى له أن الهداية منه عز وجل، وأنه قدر على هؤلاء ما قدر، ثم بين أن الله لا يظلم الناس شيئًا، فهو لا يظلمهم عز وجل، ولكن الأمر كما قال “ فَلَمَّا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ ﴿ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ “

“ أن الله لا يظلم الناس شيئًا “ قليلا كان أو كثيرًا ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

“ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ “

قالوا هنا: ويوم يحشر الله الناس يوم القيامة لحسابهم كأن لم يمامكثوا في حياتهم الدنيا وفي برزخهم ﴿إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍۭ﴾، تأمل (ساعة من نهار)، ساعة يسيرة، هذه المدة التي مكثوها في الدنيا والتي عمروا فيها حينما يرون أهوال يوم القيامة، يرون أن ما عاشوا فيه من الدنيا ما هو إلا زمن قصير وزمن يسير

“ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أو ضحاها “

قال: “ إلا ساعة م يتعارفون بينهم “ يعرف بعضهم بعضا فيها، ثم تنقطع معرفتهم بشدة ما شاهدوا من أهوال يوم القيامة، ومن المعروف أن التعارف في الساعة تعارف يسير لا يدوم فقال “ يتعارفون بينهم “

“ قد خسر الذين كذبوا ب الله وما كانوا مهتدٍن “ هؤلاء من الخاسرين الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدٍن

يبين أنه ناصر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه قاض على هؤلاء الكافرين المكذبين المشركين

“ ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ﴾ “ أي: بعضا مما وعدناهم به من العذاب قبل وفاتك أو نتوفينك قبل ذلك، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى ناصر دينه، وأنه مهلك أولئك المشركين

فقال “ فالينا مرجعهم “ إلينا رجوعهم يوم القيامة؛ ولذلك قال “ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ “

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة