سورة يونس — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تَفْسِيرُ سُورَة يونس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعدُ، فمرحبًا بكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم
التعريف بالسورة
سورة يونس سورة مكية من مقاصد السورة تقرير النبوة بالأدلة ودعوة المكذبين للإيمان مع تهديدهم بالعذاب
سورة يونس سورة مكية وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين وإن استثنى بعضهم بعض الآيات منها والصحيح أنها كلها مكية نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ومن ثم فإنَّ السورة تعنى بما تعنى به السور المكية من تقرير التوحيد وتقرير أمر النبوة وتقرير النشور وهكذا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا عن قضايا الإيمان وعن البعث والنشور وعن إثبات الرسالة والرد على المنكرين لها بل إنك حينما تتأمل أوائل هذه السورة الكريمة تجد ذلك واضحا جليا
فإنَّ الله سبحانه وتعالى قال ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: 2]
فهذا حديث عن الرسالة وبيان أنه لا عجب في أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر وبعد ذلك قال ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3] وهذا فيه حديث عن التوحيد
ثم قال ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ [يونس: 4]
تحليل مقارن وربط بين السور
وهذا حديث عن البعث والنشور فالسورة من بدايتها ذكرت هذه الأصول الثلاثة التي تقدم معنا مرارا أن السور المكية تعتني بها وتتحدث عنها
ثم بعد ذلك قالوا من مقاصد السورة تقرير النبوة بالأدلة ودعوة المكذبين للإيمان مع تهديدهم بالعذاب
مقاصد السورة
من مقاصد سورة يونس عليه السلام تقرير النبوة بالأدلة إذا كانت السور المكية تتحدث عن هذه الأصول الثلاثة التوحيد والرسالة والبعث إلا أن بعض السور تعتني بأصل من هذه الأصول من الأصل الآخر أو من الأصلين الآخرين فمن الأصول المهمة والتي برز الحديث عنها في هذه السورة ما يتعلق بشأن النبوة والرسالة وهذا واضح وجلي من أول السورة إلى ختام السورة الكريمة لذا فإنَّ الله عز وجل ذكر في السورة الكريمة بعض قصص الأنبياء والمرسلين وفيه تهديد المكذبين بهؤلاء الأنبياء والرسل فمن كذب بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فيوشك أن يقع به ما قد وقع بالأمم السابقة حين كذبت الأنبياء والرسل
تقرير النبوة بالأدلة ولذلك نجد في السورة الكريمة الحديث عن النبوة وذكر أقوال المنكرين للنبوة والرد على هذه الأقوال لذلك تجد في هذه السورة الكريمة تعدادا لهذه الأقوال والشبهات التي يثيرها منكر النبوة والرسالة وردت عليها السورة الكريمة أو ردت عليهم السورة ردا واضحا وجليا لذلك تجد في السورة الكريمة مثلًا قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 15 -16]
كذلك جاء في السورة الكريمة ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]
وجاء في السورة ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ [يونس: 20]
الشاهد من ذلك أن السورة الكريمة كما سيأتينا بإذن الله تعالى مفصلا في أثناء حديثنا عن شبهات المنكرين للنبوة وردت عليهم بالرد الشافي والجواب الكافي
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا في المختصر ودعوة المكذبين للإيمان مع تهديدهم بالعذاب فالسورة الكريمة دعت المكذبين إلى الإيمان بل ضربت لهم المثل بقوم يونس عليه السلام حين آمنوا بالله رب العالمين مع أنَّ الرسول لم يكن بين ظهرانيهم وقتئذ بل خرج مغاضبا لكنه مع ذلك لما وقع منهم الإيمان فرج الله عز وجل عنهم وكشف عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ومتعهم إلى حين وهذا فيه فضل الإيمان وأن ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالله رب العالمين كشف الله عنه العذاب وأنجاه وجعله من الممتعين في الدنيا ثم من السعداء في الآخرة بخلاف ما وقع لفرعون حين كذب بموسى عليه السلام وما وقع لقوم نوح حين كذبوا بنوح عليه الصلاة والسلام
والمتأمل في حقيقة الأمر في مقصود هذه السورة الجليلة الكريمة يمكنه أن يقول والعلم عند الله أن المقصود البارز في هذه السورة الكريمة الدعوة إلى الإيمان قبل فوات الأوان وهي بذلك تدعو الناس إلى عدم الافتتان والاغترار بالدنيا فكثير من الناس يصرفون عن الإيمان بسبب افتتانهم بالدنيا لذا فإنَّ السورة الكريمة دعتهم إلى الإيمان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفوت الأوان وكذلك حذرتهم من الافتتان لأن الافتتان بالدنيا صارف عن الإيمان بالله عز وجل وأنت إذا نظرت في السورة الكريمة من أولها إلى آخرها وجدت هذا المقصود واضحا وجليا فيها بفضل الله تبارك وتعالى من ذلك تسمية السورة بسورة يونس عليه السلام فإنَّ تسمية هذه السورة بسورة يونس لافت للنظر وذلك أن قصة يونس عليه السلام ليس لها نصيب من السورة إلا آية واحدة وهي قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يونس: 98] مع أنَّ قصة يونس عليه السلام وردت في سور أخرى بأطول من هذا كما في سورة الصافات مثلًا ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 139 -142] إلى آخر الآيات الكريمة فهذا يلفت الأنظار
ما وجه تسمية هذه السورة بسورة يونس عليه السلام؟
تقدم معنا أن الإنسان يتعرف على مقصود السورة من عدة أوجه منها النظر في اسم السورة والمتأمل في قصة يونس عليه السلام يجد أن هؤلاء ماذا صنعوا قال الله ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ والمعنى أن مخايل العذاب قد أوشكت في النزول عليهم وأن العذاب صار قريبا منهم ونبي الله يونس عليه السلام تركهم وفارقهم ومن ثم فإنَّ هؤلاء ينتظرون نزول العذاب بهم لكنهم تداركوا أمرهم وبادروا بالإيمان فجاءهم هذا الإيمان أو دخل عليهم هذا الإيمان أو دخل الإيمان في قلوبهم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينزل بهم العذاب فكان من لطف الله وكرمه وإحسانه إليهم أن رفع عنهم هذا العذاب ولم ينزل بهم وهذا فيه أن ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ قبل فوات الأوان كشف الله عز وجل عنه عَذَابَ ٱلْخِزْىِ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ومتعه بها ولكي يتضح لك هذا الأمر قارن هذا بقصة فرعون فإنَّ فرعون ذكر الله شأنه في سورة يونس عليه السلام فقال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ أي فرعون ﴿قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 90 -91] تأمل قوله ﴿ آلْآنَ ﴾ يعني أن فرعون أعلن الإيمان ولكن بعد فوات الأوان بعد أن أدركه الغرق وصار الإيمان بعيدا عنه وصار غير نافع له فضرب الله بقوم يونس المثل لمن آمن قبل فوات الأوان وضرب المثل بفرعون لمن آمن بعد فوات الأوان
إذا السورة الكريمة لا نقول أن مقصودها الدعوة إلى الإيمان فحسب فإنَّ هذا موجود في كثير من سور القرآن الكريم ولكن كل سورة تتميز عن الأخرى بخصيصة من الخصائص وإنما هذه السورة مقصودها الدعوة إلى الإيمان قبل الندم قبل فوات الأوان
وهكذا نرى سورة يونس عليه السلام لذلك تكرر في هذه السورة الكريمة ذكر ﴿ آلْآنَ ﴾ يعني تقدم هنا ما قلناه في شأن فرعون ﴿آلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ وأيضا ورد فيها ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: 51] تأمل ﴿آلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فهذا وقت لا ينفع فيه الندم ووقت لا ينفع فيه الإيمان
إذا هذه السورة الكريمة تحدثنا عن هذا المعنى العظيم وكذلك ما ذكر الله في قصة نوح عليه السلام فإنه يدل على أن نوحا عليه السلام قد توكل على الله تمام التوكل وأنه بين لقومه أنه ليس بضائله شيء مما يخططونه له فقال لهم كما قال الله عز وجل ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس: 71] لا تمهلوني ولا تؤخروني
فلذلك كانت المفاصلة في هذا الباب والعلم عند الله تبارك وتعالى ولذلك جاء في خواتيم سورة يونس عليه السلام ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99] وجاء فيها ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 100]
إذا الحديث عن قضية الإيمان وأن الإيمان بمشيئة الله سبحانه وتعالى وأن من وفقهم الله عز وجل للإيمان فإنه يؤمن قبل فوات الأوان ومما يدلك على ذلك أن السورة الكريمة حذرتنا من الافتتان بالدنيا لذلك جاء فيها تعبير وهو تعبير رجاء لقاء الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7 -8]
تأمل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ فقد فتنوا بالدنيا فلا يتوقعون الآخرة ولا يلتفتون إليها فليس لهم أمل ولا خوف ولا رغب ولا رهب ولذلك بعدها قال ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: 11]
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: 15]
تأمل لم يقل قال الكافرون أو قال الذين كفروا ﴿أَنَّمَا﴾ جاء التعبير هنا بذكر ﴿ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ إذا من الذي يفوته الوقت دون أن يؤمن بالله هو الذي لا يرجو لقاء الله سبحانه وتعالى وقد افتتن بالدنيا واغتر بها ولذلك جاء في سورة يونس أيضًا عليه السلام ما يتعلق بشأن مثل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ﴾ [يونس: 24] إلى آخر الآية الكريمة
كذلك جاء في السورة الكريمة ذكر الاستعجال ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] وجاء أيضًا ما تقدم في ذكر قوله سبحانه وتعالى في هذا الباب ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 50] كل هذا يجعلنا نقول أن هذا المقصود بارز جدًا في هذه السورة الكريمة ولك أن تقول أيضًا والعلم عند الله تبارك وتعالى أن هذه السورة الكريمة قد تضمنت معنى عظيما وساميا وتكررت فيها كلمة الحق بكثرة ولذلك تقدم معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ المرء يتعرف على مقاصد السورة من خلال الكلمات التي تكررت فيها فأنت حينما تتأمل سورة من سور القرآن تجد أن هناك مفردة من مفردات القرآن الكريم قد تكررت بكثرة في هذه السورة فهذا التكرر لهذه المفردة ينبئك عن مقصود هذه السورة أو يكون خيطا يجعلك ترمي ببصرك وتصل إلى المقصود من هذه السورة الكريمة أو من تلك
المتأمل في سورة يونس يجد أن كلمة الحق قد تكررت بكثرة في سورة يونس وهذا فيه أن سورة يونس فيها الدعوة إلى الحق وفيها إظهار الحق وفيها أيضًا الرد على الباطل فتأمل في السورة الكريمة هذا المعنى تجد في أول السورة الكريمة ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا﴾ [يونس: 4] ثم قال ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ [يونس: 5] فجاء ذكر الحق أيضًا ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى الحق في مواضع كثيرة من ذلك قول الله سبحانه وتعالى ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32] ثم قال الله عز وجل ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35]
تكررت كلمة الحق في هذه السورة الكريمة بل إن الله لما ذكر رسالة موسى عليه السلام قال ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: 76] لم يقل فلما جاءهم الكتاب التوراة إذا ما قال ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ﴾ للدلالة على أن الأنبياء والمرسلين مشتركون في هذا الأصل وهو أصل العقيدة وهو أصل الإيمان بالله والدعوة إلى التوحيد فقال ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ﴾ [يونس: 76 -77] تأمل تكرر كلمة الحق في هذه السورة الكريمة بل جاء أيضًا قوله ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 81 -82]
وجاء في آخر السورة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108]
خلاصة وتثبيت الفكرة
فأنت إذا تأملت السورة الكريمة من فاتحتها إلى خاتمتها تجد أن هذه الكلمة العظيمة وهي كلمة الحق قد تكررت كثيرًا في هذه السورة الكريمة مما يدلك دلالة واضحة على أنه من مقاصد هذه السورة العظيمة بيان الحق والصدع به ومن ذلك بيان صدق الأنبياء والمرسلين وأن الرسول حق وأن القرآن حق وأن ما عند الله صدق وأنه لا ينبغي للناس أن يتركون الإيمان بالله عز وجل ومما ينبئك عن هذا أيضًا أن الله وصف كتابه في أول هذه السورة بأنه الحكيم فقال ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] فالسورة تدعو إلى ذلك ومن ذلك أيضًا أنك إذا نظرت إلى القصص المذكور في السورة الكريمة إذا نظرت إلى قصص الأنبياء الذين ذكر الله عز وجل شأنهم في هذه السورة الكريمة قصة نوح وقصة موسى وقصة يونس عليهم السلام تجد أن هناك عاملا مشتركا بين الثلاثة وهو الماء فيونس عليه السلام انجاه الله عز وجل من الماء ويونس عليه السلام مع أنَّ الحوت قد التقمه إلا أن الله قدر له النجاة والسلام وإن لم يرد بيان ذلك في سورة يونس لكن هذا معلوم وأما في قصة فرعون فالغرق قد أصابه ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ كذلك في قصة نوح عليه السلام فقد قدر الله عز وجل لقوم نوح الغرق وكذلك لقوم موسى عليه السلام الغرق وأما قوم يونس فمع أن نبي الله يونس قد تركهم وظاهر الأمر أنهم لم يرتضوا صنيعهم بل إنه خرج مغاضبا ومعنى ذلك أنهم سيهلكون إلا أنهم لما آمنوا انتفعوا بذلك الإيمان في ذلك دليل على حكمة الله وعظيم قدرته لئلا يقال أن هذه تقديرات قدرها الله أو أنها تجري هكذا بدون تقدير بمعنى أن هؤلاء فعلوا مع النبي سيهلكون أن هؤلاء فعلوا مع الرسول سيهلكون لأ لما تغير الأمر وآمنوا كشف الله عز وجل عنهم عذاب الخزي فحينئذ لا يسند هذا العذاب ولا يسند هذا الهلاك إلى شيء آخر سوى قدرة الله تعالى بحيث لا يقال أن هذا من الطبائع إذا وقع بين نبي وبين قومه أشياء فإنَّ الأرض تغضب عليه أو فإنَّ السماء تنتصر له ليس كذلك ﴿أَنَّمَا﴾ الأمر كله بتدبير الله سبحانه وتعالى فإذا أمن هؤلاء فإنَّ الله يفرج عنهم حتى وإن كان رسولهم ساخطا عليهم بل إن الله عز وجل يعوضه الخير ويبارك له في دعوته ولذلك قال ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] ولعله من إكرام الله ليونس عليه السلام أن تسمى السورة بسورة يونس لا بسورة قوم يونس مع أنَّ الحديث عن قوم يونس لكن قوم يونس وإن لم يؤمنوا بيونس عليه السلام ابتداء إلا أنهم آمنوا به انتهاء فالبركة التي حلت بهم ببركة دعوة يونس عليه السلام وإن كان الإيمان قد تأخر عن وجوده بين ظهرانيهم وفي هذا درس عظيم للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى وهو أن الداعية إلى الله قد لا يستفيد منه الناس في زمنه أو في حياته أو في وقت من الأوقات ليس معنى ذلك أن دعوته ساقطة أو أن دعوته غير نافعة فقد يقدر الله عز وجل القبول لهذا الداعي ولو بعد وفاته ولو بعد حين ويونس عليه السلام انتفع به قومه بعد ذهابه وبعد خروجه من هذه القرية كما هو معلوم والعلم عند الله تبارك وتعالى
إذا هذا بعض ما يتعلق بسورة يونس عليه السلام أيضًا مما يتعلق بالسورة أن السورة سميت باسم هذا الرسول يونس والسورة التي تتبعها أو تليها في الترتيب المصحفي سورة هود ثم بعد ذلك سورة يوسف وهؤلاء الثلاثة رسل من رسل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فمن العامل المشترك ومن المناسبة الظاهرة بين السور أن أسماء السور أسماء لرسل من رسل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ثم بعد ذلك الرعد ثم إبراهيم عليه السلام
أيضًا سورة يونس افتتحها الله بقوله ﴿الٓر﴾ بالحروف المقطعة وسورة هود ﴿الٓر﴾ وسورة يوسف ﴿الٓر﴾ فهذا أيضًا من المناسبات في افتتاح السور بين هذه وفي أولها حديث عن القرآن لأنه من المقاصد العظيمة أيضًا في هذه السور إثبات أن القرآن حق ومما يدلك على ذلك أنه في أول السورة ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ وفي هذه السورة أيضًا أسلوب التحدي وهو الموجود أيضًا في سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ لذلك تكرر جاء في سورة يونس ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ ورد الله عز وجل عليهم وأيضا في سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ ورد الله سبحانه وتعالى عليهم بل تكررت في سورة هود عليه السلام كما هو معلوم الشاهد من ذلك أن السورة أيضًا من مقاصدها عن القرآن وإثبات أنه حق
إذا نظرنا إلى سورة يونس عليه السلام نجد أنها جاءت بعد سورة براءة بعد سورة التوبة وفي آخر سورة التوبة كما أخذنا في اللقاء السابق الحديث عن حال المنافقين عند نزول سورة من سور القرآن ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 127] وكذلك أيضًا قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124] وجاءت سورة يونس لتبين موقف المشركين من سور القرآن الكريم ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: 2] فسورة براءة تتحدث عن المنافقين وموقفهم من القرآن وسورة يونس تتحدث عن المشركين وموقفهم من القرآن الكريم فهذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الكريمة والعلم عند الله تبارك وتعالى
سورة يونس افتتحها الله عز وجل بالحروف المقطعة وتقدم معنا أن هناك تسعا وعشرين سورة افتتحها الله عز وجل بالحروف المقطعة وقد تقدم الكلام في ذلك مرارا أسأل الله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح
نعم
تلك آيات الكتاب الحكيم
اكان للناس عجبا أن اوحيناها إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ وبشر ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ لهم قدم صدق عند ربهم
قال الكافرون أن هذا لساحر مبين
ألف لام راء
هذه الآيات المتلوة في هذه السورة آيات القرآن المحكم المتقن المشتمل على الحكمة والأحكام
اكان باعثا للناس على التعجب أن أنزلنا الوحي على رجل من جنسهم امرين اياه أن يحذرهم من عذاب الله
وان الذين آمنوا بالله بما يسرهم انى لهم منزلة عالية جزاء على ما قدموه من عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عند ربهم سبحانه
قال الكافرون أن هذا الرجل الذي جاء بهذه الآيات لساحر ظاهر السحر
أن ربكم الله الذي خلق السماوات الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع عند الله من بَعْدِ إِذْنِهِۦ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ
افلا تذكرون
أن ربكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المتعجبون هو الله الذي خلق السماوات على عظمها والأرض على اتساعها في ستة ايام
ثم علا وارتفع على العرش فكيف تعجبون من ارساله رجلا من جنسكم؟ وهو وحده الذي يقضي ويقدر في ملكه الواسع
أنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴿لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ﴾
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ﴾
ثم يعيده بعد موته
ليجزي سبحانه الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات عدل فلا ينقص من حسناتهم ولا يزيد في سيئاتهم
والذين كفروا بالله وبرسوله لهم شراب من ماء متناهي الحرارة
يقطع أمعاءهم ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم بالله وبرسله
وقدر سيره بعدد منازله الثماني والعشرين
والمنزلة هي المسافة التي يقطعها كل يوم وليلة لتعلموا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس بالشمس عدد الأيام وبالقمر عدد الشهور والسنين
وما يصحب ذلك من ظلمة وضياء وقصر أحدهما وطوله
والمخلوقات التي في السماوات والأرض لعلامات دالة على قدرة الله لقوم بامتثال اوأمره واجتناب نواهيه
قال الله سبحانه ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾
﴿الٓر﴾ قالوا سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة وتقدم التعليق عليها حينها
﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ أي هذه الآيات المتلوة في هذه السورة آيات القرآن المحكم المتقن المشتمل على الحكمة والأحكام فقوله سبحانه ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ ما معنى الحكيم؟ قال بعضهم المتقن
إذا القرآن كتاب حكيم أي كتاب محكم متقن
كما قال ﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ﴾ [هود: 1] وهذا من المناسبة الظاهر بين سورة يونس وهود ففي أول هود ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ﴾ وهنا قال ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ فالقرآن كتاب متقن محكم ومن معاني الحكيم أنه ذو الأحكام أي القرآن فيه أحكام شرعها الله سبحانه وتعالى لعباده فالقرآن ذو إحكام وكذلك القرآن الكريم ذو أحكام ومعنى ذو إحكام أنه لا يتطرق إليه الفساد فمن معاني الحكمة المنع ولذلك قالوا أصل مادة الحكمة منه حكمة الدابة لأنَّها تمنع الدابة من الانتقال أو الحركة المرفوضة أو التي هي غير مقبولة فالشاهد من ذلك أن القرآن قيل له الحكيم لأن القرآن الكريم منعه الله من الفساد لا يتطرق إليه عيب كما قال الله ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42] ومن حكمة الله سبحانه ما قدره الله في هذه السورة وما ذكره من أمر قوم يونس عليه السلام ليدل على أن العذاب ليس منتسبا وليس منسوبا إلى الطبيعة أو ليس منسوبا إلى شخص من الأشخاص وإنما هو إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي ينزل عذاب أو يرفعه وهو الحكيم في قدره وفي شرعه سبحانه وتعالى
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ هذا الاستفهام يراد به الإنكار ينكر الله على الكفار تعجبهم من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته يا هؤلاء لماذا تنكرون رسالة الرسول ما العجب في ذلك أن يكون الرسول من جنسكم وأن يكون الرسول من البشر فقال ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ إذا هذا إنكار لهذا العجب أو لهذا التعجب من الناس والمراد بالناس الكفار ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾
لكنه لو قال أكان للكفار ما ساغ بعد ذلك أن يقول ﴿أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ لكن جاءت نسبة إلى رجل منهم لأنه أطلق أو عمم فعبر بالعام المراد به الخصوص فقال ﴿أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾
فقوله ﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ فيه دلالة على أن الإنذار عام لأن المؤمن يحتاج إلى إنذار كما أن الكافر يحتاج إلى الإنذار لكن المؤمن ينتفع بهذا الإنذار وأما الكافر فلا ينتفع به ولذلك قال الله “ إنمّا تنذر ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس: 11]
قال الله ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ قالوا هنا أن لهم منزلة عالية جزاء على ما قدموه من عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
إذا ما معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يعني منزلة عالية ودرجة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى لكن التعبير بالقدم يدل على عمل فهم قدموا شيئًا ونالوا به هذا القدم فالتعبير بقوله ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي لما قدموه من العمل الصالح
﴿قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾
﴿قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا﴾ أي هذا الرسول ﴿ لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ والقراءة الأخرى﴿لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾
إذا هم طعنوا في القرآن وطعنوا في الرسول عليه الصلاة والسلام
ثم بين الله سبحانه وتعالى أنه عز وجل هو الخالق لكل شيء وأنه الرازق وإذا كان الأمر كذلك فإنه لن يترك الخلق هملا وإنما أرسل إليهم رسلا وأنزل عليهم كتبا فقال:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ تأملوا هنا ماذا قالوا في المختصر قالوا إن ربكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المتعجبون
لماذا تتعجبون أن يرسل الله رسولا من البشر؟ أهذا عجيب على قدرة الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ قالوا ثم علا وارتفع على العرش كما ورد عن عدد من السلف تفسير الاستواء بالعلو علوا يليق بكماله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾
﴿يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ﴾ لا أحد يشفع إلا بعد إذن الله سبحانه
﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾ ذلكم الله ربكم ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وفعل هو الله ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾ فمن كان ربا لكم فينبغي أن يعبد وحده لا شريك له فكما أنه الرب وحده فهو الإله المستحق للعبادة وحده عز وجل
قال ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار عليهم أي لماذا لا يتذكرون ولا يتعظون لذلك قالوا هنا أفلا تتعظون بكل هذه البراهين والحجج على وحدانيته فمن كان له أدنى اتعاظ علم ذلك وآمن به لذلك هنا نقول أنه لإنكار الواقع لأن عدم اتعاظهم وعدم تذكرهم واقع والقرآن ينكر عليهم هذا الواقع لماذا لا تتذكرون ولا تتعظون؟ فقال ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ﴾
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ تذكير بالآخرة تأملوا في قوله ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ حديث عن الرسالة ثم قوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ﴾ حديث عن الإلهية والربوبية ثم قول ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ حديث عن البعث
﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ﴾ قالوا هنا بالعدل فلا ينقص من حسناتهم ولا يزيد في سيئاتهم لأنه العدل سبحانه وتعالى الذي لا يظلم أحدا
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ﴾ وذكر العذاب الأليم وهو أعم بعد قوله شراب من حميم وهو خاص فهذا من باب ذكر العام بعد الخاص وإنما نص على الشراب من الحميم لأنه من أكره ألوان العذاب نسأل الله السلامة ﴿وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: 15]
ثم قال ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا﴾ فهذا من دلائل قدرته وهذا القادر وهذا الرحيم واللطيف بعبادة لا يترك عباده دون منهج ودون رسالة
﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾ عبر عن الشمس أو وصف الشمس بالضياء فقال ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً﴾ أي حال كونه ضياء والقمر نورا فما وجه تخصيص الشمس بالضياء والقمر بالنور؟
قالوا لأن في الشمس حرارة وأما القمر فليس كذلك والضياء يجمع بين الإشراق والإحراق
أو يجمع بين النور والحرارة فيقال له ضياء وأما النور فليس كذلك ولذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلاة نور وقال والصبر ضياء فعبر عن الصلاة بأنها نور لأن الصلاة فيها راحة وأما الصبر فإنه يخالف ما عليه طبيعة الإنسان فالإنسان يصبرعلى ما يكره فلذلك قال والصبر ضياء وبعضهم قال لأن القمر يستمد نوره من غيره بخلاف الشمس فقالوا هذا فيه تفريق بين ضوء الشمس ونور القمر
﴿وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ﴾ قالوا وقدر سيره بعدد منازله الثماني والعشرين
قال ﴿لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾ قالوا لتعلموا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس بالشمس عدد الأيام وبالقمر عدد الشهور والسنين فنحن نحسب الشهور بالقمر بالهلال وأما الأيام فإننا نعرف طلوع الشمس وغروب الشمس وهذا يتعلق بالشمس قال الله ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
﴿إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
قالوا هنا إن في تعاقب الليل والنهار على العباد وما يصحب ذلك من ظلمة وضياء وقصر أحدهما وطوله والمخلوقات التي في السماوات والأرض
معنى قوله ﴿وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾
يعني المخلوقات يعني والذي خلق الله ف﴿ مَا ﴾ هنا موصولة
﴿وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ولك أن تقول أن﴿ مَا ﴾ مصدرية يعني هو خلق ﴿وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
نعم
إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وان ارساله أمر معقول لا عجب فيه
﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ ومن فيهما وتدبير الأمر وتقدير الازمان واختلاف الليل والنهار كلها آيات عظيمة دالة على الوهية الله سبحانه
الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا لمن إذن له الله ورضي قوله وفعله
تقدير الله عز وجل لحركة الشمس ولمنازل القمر يساعد على ضبط التاريخ والأيام والسنين
إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأن إرساله أمر معقول لا عجب فيه لذلك أنكر الله عليهم ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾
﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ ومن فيهما وتدبير الأمر وتقدير الأزمان واختلاف الليل والنهار كلها آيات عظيمة دالة على ألوهية الله سبحانه لذلك قال ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ إلى أن قال ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾ فهي دالة على إلهية الله سبحانه ووحدانيته
الشفاعة يوم القيامة لا تكون ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ﴾ الله ورضي قوله وفعله قال الله سبحانه ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ﴾
تقدير الله عز وجل لحركة الشمس ولمنازل القمر يساعد على ضبط التاريخ والأيام والسنين
لذلك قال ﴿لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾ فهذا من حكم ما قدر الله من حركة الشمس وما سير الله من منازل قمر أو ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ﴾ منازل القمر
قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
الحديث عن هؤلاء الكافرين المكذبين بلقاء ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ والمنكرين لرسالة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لكن الله وصفهم بهذا الوصف
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ﴾ ومن جمع هذه الأوصاف كان بعيدا عن الإيمان ففاته الأوان ومضى الزمان دون أن يؤمن بالرحيم الرحمن سبحانه وتعالى
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ قالوا هنا لا يتوقعون لقاء الله فيخافوه أو يطمعوا فيه فالرجاء يأتي بمعان منها التوقع (رجا الشيء) أي توقع وقوعه والإنسان يتوقع الشيء أملا فيه أو خائفا منه فقوله ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ شامل لهذا كله فهم لا يتوقعون لقاء الله ويدخل في ذلك لا يؤمنون بلقاءه ويدخل في ذلك لا يرجون ما عند الله ويدخل في ذلك لا يخافون عذاب الله
﴿وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا﴾ وقع في قلوبهم الرضا والركون إلى الدنيا والطمأنينة بها والفرح بها لماذا لأنهم غفلوا عن الآخرة ولا يتذكرون الآخرة ولا يؤمنون بها ولا يتوقعون حدوثها فأكبر همهم ومبلغ علمهم هي هذه الدنيا
قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ﴾ وقوله عن آياتنا يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية
فهم عن آيات الله الكونية التي تجعلهم يفيقون من غيهم وضلالهم ويعودون إلى رشدهم غافلون وكذلك هم عن آيات الله الشرعية في غفلة فلا يؤمنون بها ولا يصدقون
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ وفي المقابلة
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ﴾ وهذا فيه أن الأولين ليسوا مهتدٍن والأمر كذلك أما هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم﴾ بسبب إيمانهم فمعنى قوله ﴿ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ أي بسبب إيمانهم فالباء سببية وهذا فيه أن الإيمان يقود صاحبه إلى العمل الصالح وإلى الازدياد منه
﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ دَعْوَىٰهُمْ﴾ أي دعاؤهم
﴿فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ﴾ وذلك أن الإنسان حين يسبح الله وينزه الله عز وجل عن النقائص فإنه يستحضر في ذلك صفات الجلال ثم أنه إذا حمد الله عز وجل وأثنى عليه فإنه يستحضر في ذلك صفات الإكرام لذلك ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ فالجلال يستفاد من تسبيح العبد يعني إجلال العبد لله وهو حقيق بذلك سبحانه وتعالى وكذلك استحضار إكرام الله جل وعلا يستحضر عند حمد الله سبحانه والثناء عليه
قال ﴿سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ﴾ قال بعضهم تحية الله قالوا هنا في التفسير وتحية الله لهم وتحية الملائكة وتحية بعضهم لبعض سلام هذه كلها هذه التحيات ﴿أَنَّمَا﴾ هي كما قال الله سبحانه وسمى الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وسيأتينا قول الله ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ﴾ [يونس: 25] فالجنة دار السلام وكذلك قال الله عز وجل ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ﴾ [يونس: 25] وقال ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 23 -24] وقال ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 90 -91] فأهل الجنة يسلم عليهم من الله وهو السلام ويسلم عليهم من الملائكة ويسلم بعضهم على بعض
وهنا قوله سبحانه ﴿دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فيه أن الذكر لا يتركه أهل الجنة
فإنْ قال قائل أوليست الجنة خالية من التكاليف في الأصل؟
فيقال أن تسبيحهم الله وذكرهم لله عز وجل إياه كما يلهمون النفس وهذا فيه أيضًا أن ذكر الله يتلذذ به فلم يحرم أهل الجنة من حمد الله والثناء عليه وتسبيحه لأنه أعظم ما يتلذذون به مع النظر إلى وجه الله الكريم ورضا الله سبحانه عنهم
ثم قال الله ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ﴾ أي كما أنهم يستعجلون فيقول ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ﴾ أي تعجيله بالخير فالتعبير هنا بقوله ﴿ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ﴾والمراد تعجيله ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾وذلك أن بعض المشركين استعجلوا العذاب كما قال الله عز وجل ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
قالوا هنا في المختصر ولو يعجل الله سبحانه استجابة دعاء الناس على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالشر عند الغضب مثلما يستجيب لهم في دعائهم بالخير لهلكوا فالناس يستعجلون أحيانًا
فيدعون على أنفسهم بالشر وبالهلاك لكن ربي سبحانه وتعالى حليم ولطيف بالعباد مع أنهم يستعجلون بهذا العذاب وبهذا الدعاء قال الله ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي بالهلاك
ثم قال ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ولكن الله يمهلهم ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وهذا الأسلوب في هذه الآية الكريمة فيه إيجاز شديد ومن أراد الاستزادة فيه فليرجع إلى كلام الشيخ الدكتور محمد عبدالله دراز في كتابه النبأ العظيم فإنه تحدث عن الآية الكريمة حديثا في الإيجاز بالحذف كيف أن الله عبر في الأول ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ﴾ ثم قال ﴿ٱسْتِعْجَالَهُم﴾
ثم بعد ذلك طوى قضية من القضايا وقال ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
وتأمل قوله ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ فما الذي حملهم على الطغي وما الذي حملهم على الاستعجال وما الذي حملهم على الدعاء على أنفسهم بالشر؟
﴿أَنَّمَا﴾ هو طغيانهم وإنما هو عدم رجائهم في لقاء الله سبحانه وتعالى
ثم قال ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾
يبين الله حال كثير من الناس ممن يجزعون ويتسخطون على قدر الله ويدعون الله في الشدة ولا يتذكرون الله في الرخاء والأصل والقاعدة العامة في ذلك تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة
قال ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ والإسراف هنا المراد به التجاوز في الحد بالكفر والمعاصي وليس الإسراف في فحسب فالإسراف أعم من هذا ولذلك قالوا هنا (زين) للمتجاوزين للحدود بكفرهم فهذا معنى قوله ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾
ثم قال ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟﴾ فربنا أهلك القرون من قبلنا لما ظلموا
﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ أي وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والمعنى أن الله لم يظلمهم وإنما أقام عليهم الحجة ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي القوم المجرمين
﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ﴾ أي صيرناكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ﴿خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ﴾ قالوا هنا خلفا لتلك الأمم المكذبة التي أهلكناها من بعدهم ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ والله يعلم
فقوله ﴿لِنَنظُرَ﴾ أي لينكشف علمه ويظهر ذلك وإلا فالله عليم بمن سيؤمن وبمن سيكون من الكافرين كما هو معلوم لديه سبحانه وتعالى
نعم
لطف الله سبحانه وتعالى بعبادة في عدم إجابة دعائهم على أنفسهم وأولادهم بالشر
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ولهذا نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على النفس والأموال والأهل ﴿إِلَّا﴾ توافقوا ساعة إجابة فيستجاب لكم
فالإنسان يحذر من أن يدعو على نفسه أو أن يدعو على أهله أو أن يدعو على ماله
قالوا بيان حال الإنسان بالدعاء في الضراء والإعراض عند الرخاء والتحذير من الاتصاف بذلك ولذلك قال ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ﴾
هلاك الأمم السابقة كان سببه ارتكاب المعاصي والظلم قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟﴾ فما سبب إهلاكهم؟ الظلم
نعم
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿ايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ لقاء نأتي بقرآن غير هذا أو بدل
قُلْ ﴿مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ﴾ إليه اني اخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ﴾ ادراكم به
فقد لبثت فيكم عمرا من قبله
افلا تعقلون
قال منكر البعث الذين لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا
جئ يا محمد بقرآن غير هذا القرآن المشتمل على سب عبادة الاصنام أو بنسخ أو غيره بنسخ بعضه أو كله بما يوافق اهواءنا
وما بلغتكم اياه
ولو شاء الله ما اعلمكم ما اعلمكم بالقرآن على لساني فقد لبثت فقد مكثت بينكم زمنا طويلا هو اربعون سنة
فلا أحد اظلم ممن اختلق على الله كذبا
فكيف لي أن ابدل القرآن افتراء عليه؟ أن الشأن أن المتجاوزين لحدود الله بالافتراء عليه لا يفوزون مطلوبهم ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ﴾ ﴿هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ﴾ ويعبد المشركون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ الهة مزعومة
ويقولون عن معبوداتهم هؤلاء وسطاء يشفعون لنا عند الله فلا يعذبنا بذنوبنا
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول اتخبرون الله العليم أن له شريكا وهو لا يعلم له شريكا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ تقدس وتنزه عما يقوله المشركون من الباطل والكذب ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
ويقولون لولا أنزل عليهآية من ربه
وإنما يحكم بينهم فيه يوم لولا ذلك لحكم بينهم في الدنيا فيما يختلفون فيه
وذلك بان ينجي وذلك بان ينجي الله المؤمنين
ويهلك الكافرين المكذبين
ويقول المشركون هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلمآية من ربه دالة على صدقه فكن لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول نزول الآيات غيب يختص الله بعلمه
اني معكم ممن ينتظر ذلك
قال الله سبحانه ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ آيات القرآن الواضحة الدالة على توحيد الله
﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ تأمل قوله ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ مع قوله ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ ومع قوله
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ ليدلك هذا على ما تقدم من أنه من مقاصد هذه السورة الكريمة التحذير من الافتتان بالدنيا والدعوة إلى الإيمان قبل فوات الأوان
﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أتوا بشبهة وبطلب يطلبونه من الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا فيما يتعلق بشأن الرسالة وبشأن الوحي
قالوا تريد منا يا محمد أن نؤمن بك وأن نصدقك فماذا عليك أن تصنع؟ ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما علمه ربه ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾ أنا متبع لذلك قال بعدها ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ أنا متبع ولست مبتدعا فأنا لا أخترع ولا أختلق شيئًا وإنما أتبع الوحي
ولماذا طلب هؤلاء الكفار من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن أو أن يبدله؟
لأنهم كانوا يخافون من هذا القرآن ويجدون فيه ما لا يوافق أهواءهم فيجدون في القرآن تسفيه عقولهم والطعن في آلهتهم ومعبوداتهم الباطلة ويجدون في القرآن الوعيد
فهم يريدون منه قرآنا فيه جعل الوعيد وعدا وفيه جعل الحرام حلالا وفيه جعل ذم الشرك والأصنام مدحا إلى غير ذلك مما يطلبونه ومن غير ذلك مما يريدونه فقال ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾ وتأمل هذا الأسلوب القرآني هم طلبوا منه شيئين قالوا ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ طلبوا منه أحد أمرين فجاء الجواب ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾ ولم يأت الرد على قولهم ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ﴾ لأن الذي لا يقدر على التبديل لا يقدر على الإتيان بكتاب آخر من البداية وإذا كان ليس من إمكاناته أن يبدل هذا القرآن فليس من إمكاناته من باب أولى أن يأتي بوحي من تلقاء نفسه ولذلك هنا في المختصر وأحسنوا فيما قالوا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لا يصح أن أغيره أنا ولا أستطيع بالأولى الإتيان بغيره
هذا ليس موجودا في الآية لكنه مفهوم بالأولى
قال الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ﴾ لو شاء الله ﴿إِلَّا﴾ أقرأ القرآن ما تلوته عليكم وتأملوا قولهم هنا ﴿لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أقرأ القرآن عليكم هذا مفعوله (شاء) فهو مقدر وتقدم معنا أن مفعول المشيئة يكون مقدرا في غالب الأحوال فالمعنى لو شاء الله ﴿إِلَّا﴾ أقرأ القرآن ما قرأته عليكم ﴿ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ يعني ولا بلغتكم ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ﴾ إلى أن بلغ أربعين سنة صلى الله عليه وسلم وهو لا يدعي نبوة ولا يدعي رسالة ولا يقول شيئًا من ذلك ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾
فليس لي أن أفتري على الله الكذب فأنا أخاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
ثم قال الله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ وتأمل هنا قدم الضر على النفع
وهذا مناسب لما ذكر قبله لأن الحديث عن افترائهم على الله الكذب وكفرهم وتكذيبهم وعدم رجائهم في لقاء الله وهذا سيلحق بهم الضرر ولا يستطيعون دفع الضر عنه أنفسهم بخلاف ما جاء في آخر السورة ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [يونس: 106] فقدم النفع لأنه في جناب الحديث H0
قال ﴿وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾ من هذه الشبهات الباطلة أنهم اتخذوا الأصنام شفعاء وجعلوها شفيعة تشفع لهم عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فرد الله عليهم ﴿قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من أين لكم أن هؤلاء شفعاء؟ من أين لكم أن الله يقبل هذه الشفاعة؟ من أين لكم أن تصرفوا العبادة بدعوة أنها واسطة بين الله وبين خلقه؟ هذا كلام باطل لا يقبله الله ولا يرضى به ولم يأمر به سبحانه وتعالى وهذا فيه أن الشفاعة على نوعين:
هناك شفاعة منفية وهناك شفاعة مثبتة فالشفاعة المنفية شفاعة هذه الأصنام والأنداد من دون ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ حينما يصرفون لها العبادة تقربا وتزلفا إليها كما قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ﴾ [الزمر: 3] وهناك الشفاعة المثبتة وهي ما تكون في الآخرة من طلب المؤمنين وطلب الملائكة والأنبياء والمرسلين من رب العزة سبحانه أن يدخل عباده المؤمنين ممن وقع منهم معصية لكنهم موحدون من أن يدخلهم الجنة أو أن ينجيهم من النار وما إلى ذلك وهذا يكون بإذن الله سبحانه وتعالى ورضاه وهذا في حق الموحدين دون غيرهم من المشركين
قال الله ﴿سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ كقوله ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: 213] ما المراد بالأمة الواحدة؟ هي الأمة المتفقة على التوحيد وتقدم معنا أنه قد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بين آدم ونوح عليه السلام عشرة قرون كلهم على توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
قال ﴿فَٱخْتَلَفُوا۟﴾ أي فمنهم من بقي على الإيمان ومنهم من كفر إذا ما وجه الاختلاف هنا؟ كانوا على التوحيد ثم بعد ذلك طرأ عليهم الشرك فمنهم من بقي على الإيمان ومنهم من أشرك بالله