مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة التوبة — الجزء 7

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 313 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

وهذه الآية لها مناسبة بالآية السابقة؛ لأنه من أسباب توبة الله على الثلاثة: أنهم صدقوا ولم يكذبوا “ ليس لنا عذر “ قالوها حتى وإن غضب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقتها، وأمر بهجرانهم، لكنهم أرادوا أن يرضوا الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال كعب رضي الله عنه:فوالله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أكون قد كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا “ لأنه لو كذب لكان مع الهالكين، لكنه لما صدق فإنَّ الله سبحانه وتعالى قبل منه.

ثم قال:

﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌ صَـٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

هذا معنى جميل، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟﴾ H0.

﴿وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ﴾ ليس لهم أن يشحوا بأنفسهم ويصونوها عن نفسه صلى الله عليه وسلم، فإنَّ المؤمن يحب رسول الله أكثر من نفسه، بل الواجب عليه أن يطيع الله ورسوله، وأن يبذل النفس والنفيس من أجل ذلك.

قال ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ لا يصيبهم ﴿ظَمَأٌ﴾ عطش ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ ولا تعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعة في سبيل الله ﴿وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًا﴾ ينزلون مكانا يغيظ الكفار ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌ صَـٰلِحٌ﴾.

الجوع يؤجرون عليه، وهذا يدل على فضل الطاعة، وأن التعب الموصل للطاعة له أجر وثواب؛ ولذلك ورد في الحديث: (إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك) يعني على أجر تعبك، ولذلك الإنسان الذي يبذل النفس والنفيس، ويجتهد ويجد له أجر أعظم، لكن لا يتكلف المشقة، ولذلك هناك فرق بين المشقة التي تأتي تبعا للطاعة، وبين المشقة التي يمكن أن تزال ويريد الإنسان ﴿إِلَّا﴾ يزيلها فهذه ليست مطلوبة.

ولذلك إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، فمثلا الإنسان له أن يسافر الحج راكبا قال: “ أنا أريد أن أمشي أن أحج ماشيا حتى أشعر بالتعب “، قال له: هذا ليس مقصودا لذلك فحين إذ لست مطالبا بذلك، إذا أمكنك الركوب فارجع،وهكذا بخلاف التعب الذي يأتي تبعا للطاعة لاينفك عنه كالصيام، ولذلك هذه الآية تأمل ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهذا يقع في الصيام مثلًا، يعني ليس في الجهاد فقط، وإنما في الجهاد وفي غيره من بعض القربات كالصيام.

﴿ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ جوع وهذا يقع للصائم ولذلك الصائم له حظ عظيم (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.

﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

وبدأ بالصغيرة، فحتى لو كانت صغيرة لكنه يبتغى بها وجه الله، فإنَّ الله يقبلها؛ في الحديث: (سبق درهم مائة ألف درهم) ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

ثم قال:

﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾

﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً﴾ يعني: ليخرجوا جميعًا، فهناك جهاد الطلب، وهنا قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً﴾ هذا فيه أن الجهاد في الأصل فرض كفاية، فهناك من يخرج للقتال، وهناك من يكون ليحافظ على البلد قال ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً﴾ فقال هنا: أن يخرجوا للقتال جميعا؛ حتى لا يستأصلوا إذا ظهر عليهم عدوهم، فهناك من يحمي البلد أيضًا.

ولذلك الذي يقيم على حماية البلد كالذي يخرج في الجهاد مجاهدا في سبيل الله سبحانه وتعالى، بل «من جهز غازيًا فقد غزا»، فكُلٌ بحسبه، فيكون هناك أجر للقاعد الذي قعد لمصلحة شرعية، وكذلك للخارج الذي خرج لمصلحة شرعية.

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ يعني فهلا ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ قالوا: فهلا خرج للجهاد فريق منهم وبقي فريق يرافق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتفقه في الدين. هذا فيه ماذا؟ أنه عند الجهاد في سبيل الله ومكث الرسول صلى الله عليه وسلم فهناك من يمكث معه؛ حتى يتلقى عنه العلم، وهناك من يخرج، ولذلك في السرايا ما كان يرسل جميع الصحابة، وإنما كان يرسل بعضا ويترك بعضا، فمنهم من يتعلم منه، ومنهم من يخرج للجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى.

وتأمل قوله سبحانه ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ذكر قوله (نفر) في حق شيئين في حق الجهاد وفي حق طلب العلم، ففيه: أن من نفر في طلب العلم كمن نفر في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى وأنهما بابان عظيمان ولذلك فاضل بينهما العلماء في الجهاد الذي هو فرض كفاية، فبعضهم فضل العلم وبعضهم فضل الجهاد في سبيل الله.

وقوله ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ﴾ هل الذين يتفقهون في الدين هم الذين ينفرون ويخرجون أم هم الذين يمكثون؟ قولان للمفسرين:

فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ “ يتفقهوا في الدين “ إذن فيه إشارة إلى الخروج في طلب العلم.

وعلى المعنى الثاني أنهم ماكثون مع الرسول ليتلقوا عنه العلم، ففيه أيضًا أن العلم يتلقى من بابين يتلقى من البلد الذي يقيم فيه الإنسان، ويتلقى كذلك بالخروج في طلبه، وقد كان من عادتهم أنهم يحصلون ما لدى مشايخهم وعلمائهم في بلادهم، ثم ينطلقون للهجرة بعد ذلك؛ ليأخذوا من كل مكان بنصيب قدر استطاعتهم.

قال الله ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ﴾ وهذا فيه فضل الفقه في الدين، (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) ﴿وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ هذا فيه إشارة إلى هذا القول، وهو أن الخروج من أجل الطلب، فتكون السورة الكريمة بعدما حثت على الجهاد في سبيل الله ﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ﴿ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ حثت في ختامها على الخروج في طلب العلم.

فإذًا هناك خروجان مرغوب فيهما: الخروج في الجهاد، والخروج في طلب العلم، وقوله ﴿وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ﴾ هذا فيه أن الإنسان إذا تعلم عليه أن يعلم، فالإنسان في مرحلة التحمل، ثم بعد ذلك يؤدي ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ لعلهم يحذرون بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، قالوا هنا في التفسير: وكان هذا في السرايا التي كان يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النواحي، ويختار لها طائفة من أصحابه.

من فوائد الآيات:

وجوب تقوى الله والصدق وأنهما سبب للنجاة من الهلاك.

عظم فضل النفقة في سبيل الله.

وجوب التفقه في الدين ومثله مثل الجهاد، وأنه لا قيام للدين إلا بهما.

قال الشيخ حفظه الله:

وجوب تقوى الله والصدق وأنهما سبب للنجاة من الهلاك. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ وقد كانت سبب النجاة لهؤلاء الثلاثة.

عظم فضل النفقة في سبيل الله. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ والقول بعد ذلك ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ إلى آخر الآية.

وجوب التفقه في الدين ومثله مثل الجهاد، وأنه لا قيام للدين إلا بهما. ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.

قال الله سبحانه:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾

لا تزال السورة الكريمة توجه المؤمنين إلى أهمية الجهاد في سبيل الله، لا ينبغي أن يغفلوا عن هذه الشعيرة العظيمة ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم﴾ أي: يجاورونكم، ﴿مِّنَ ٱلْكُفَّارِ﴾ أي: هؤلاء الكفار المحاربين، فقوله ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ﴾ المحاربين وإلا إذا كان هناك بينكم وبينهم عهد، فهذا أمر آخر.

قال ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ﴾ قالوا هنا: لما يسببون من خطر على المؤمنين؛ بسبب قربهم

وهذا فيه أن الإنسان عليه أن يلتفت إلى أقرب الأعداء إليه، فيبدأ بالعدو الداخلي، ثم بالعدو القريب وهكذا، فبعض الناس يغفل عن هذا، ولذلك ينبغي للإنسان أن ينظر إلى عداوة نفسه لنفسه، وأن ينظر إلى عداوته القريبة له، ثم بعد ذلك ما يكون بعيدا شيئًا فشيئا، فقال ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾

قال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ قالوا هنا: وأمرهم كذلك أن يظهروا قوة وشدة من أجل إرهابهم ودفع شرهم

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ كما قال ﴿تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولذلك قلت أن كلمة “ الإرهاب “ كلمة واسعة وفضفاضة، فإذا قصد بها إرهاب الأعداء وإذا قصدها إرهاب أولئك المعتدين والظالمين فهذا من الشريعة، وأما إذا قصد بها إرهاب الآمنين وإرهاب المسالمين ومن ليس محاربا بل بيننا وبينه اتفاقيات ومعاهدات وسلم وسلام فإنَّ هذا لا ينبغي أن يعتدى عليه، وإنما ينبغي أن يُسالَم؛ فإنَّ الإسلام دين السلام وهكذا ينبغي أن تفهم هذه الكلمات في موضعها الصحيح.

قال الله:

﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱠ

على من يعود الضمير في قوله ﴿فَمِنْهُم﴾؟ قالوا هنا: فمن المنافقين، باعتبار أن كثيرًا من السورة يتحدث عنهم، والآيات جاءت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ “ ومنهم “، “ ومنهم “ فناسب هذا أن يكون هذا الضمير كذلك.

﴿فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا﴾ أي: فمن المنافقين من يسأل استهزاء مستهزئا ساخرا ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا﴾ تصديقا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي شك ونفاق ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ﴾ مرضا وخبثا﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ولذلك قال الحسن: “ ما قرأ أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان “، فالمؤمن يزداد عند قراءة القرآن إيمانا، والمنافق يزداد خسرانا، ﴿وَإِنَّهُۥ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [الحاقة: 50] وهذا فيه إثبات زيادة الإيمان ونقصانه.

قال الله:

﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾

﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ أولا ينظرون، أي: أولا ينظر هؤلاء المنافقون ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾.

* وعلى قراءة ﴿أَوَلَا تَرَوۡنَ﴾: المؤمنون ما يقع لهم، ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون بهذه الاختبارات، حينما يدعون إلى الجهاد، فما يكون منهم إلا الفضيحة، وإلا هتك الأستار والأسرار، وما إلى ذلك.

“ أو لا يرون أنهم يختبرون “ قال: أولا ينظر المنافقون معتبرين بابتلاء الله لهم بكشف حالهم وفضح نفاقهم كل سنة ﴿مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾

﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي من سور القرآن ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ قالوا هنا في التفسير فيها ذكر أحوال المنافقين فجعلوا هذه السورة مخصصة ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي سورة من السور التي فيها ذكر أحوال المنافقين، فكأن هذا قيد استفيد من سياق الآيات الكريمة، أو يقال وإذا أنزلت سورة تتحدث عن أخبار المنافقين وأحوالهم أو فيها وعيد وما إلى ذلك ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ هذا فيه أنهم لا يتحملون الوعيد وإنما يصيبهم بالرعد والبرق.

قال الله سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾

وهذا يذكرنا بما جاء في سورة البقرة ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وتقدم أن هذا فيه تشبيه وتصوير لحالة أولئك المنافقين حينما تأتيهم الآيات التي فيها وعيد وفيها ما يتعلق بما لهم من جزاء عند الله سبحانه وتعالى.

قال ﴿ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ هذا فيه أن الجزاء من جنس العمل ﴿ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ أي:عن الهداية ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ صلى الله عليه وسلم فهو من العرب -جنسكم -صلوات الله وتسليماته عليه، فحقيق بكم أن تشكروا الله على هذه النعمة ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ قبلها قال ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: شاق عليه ما يشق عليكم، فهو يريد التيسير لكم وعليكم صلى الله عليه وسلم ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ صلى الله عليه وسلم.

وتأمل هذه الآية في ختام سورة براءة في إشارة إلى أن هذه التوجيهات كلها لا تنافي رحمة الله ولا تنافي شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفيه أيضًا فتح لباب الرحمة والتوبة، فناسب البدء الختام، مع أنَّ البدء والختام في اتجاهين قد يبدو في الظاهر أنهما متقابلان، لكنهما في الحقيقة متكاملان ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ﴾ ومع ذلك قال هنا ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

وبعض العلماء قال ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ على الجميع، ثم قال ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ فخص هذا بالمؤمنين ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟﴾ أعرضوا عنك ولم يؤمنوا بك ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ﴾ يكفيني الله سبحانه وتعالى ﴿حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾.

من فوائد الآيات:

وجوب ابتداء القتال بالأقرب من الكفار إذا اتسعت رقعة الإسلام ودعت إليه الحاجة.

بيان حال المنافقين حين نزول القرآن عليهم وهي الترقب والاضطراب.

بيان رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين وحرصه عليهم.

في الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه؛ ليكون دائمًا في صعود.

قال الشيخ حفظه الله:

وجوب ابتداء القتال بالأقرب من الكفار إذا اتسعت رقعة الإسلام ودعت إليه الحاجة. وهذا في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ولذلك تقدم أنه يرد على من زعم أنه لا قتال إلا ردا للاعتداء، القتال له أحكامه وله حكمه الكثيرة، وهو فوق أن يكون ردا للعدوان فقط، وإنما من مقاصده نشر الإسلام والسلام والخير والبركة في ربوع العالم كله، ولكن ابدأوا بالأقرب فالأقرب، ويراعى في ذلك المصلحة والحاجة.

بيان حال المنافقين حين نزول القرآن عليهم وهي الترقب والاضطراب. ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا﴾ وأيضا ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ عندهم ترقب.

بيان رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين وحرصه عليهم. قال الله ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

في الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه؛ ليكون دائمًا في صعود. قال الله ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ نسأل الله أن يزيدنا إيمانا

* وما ورد يا أيها الإخوة الكرام من أن زيد بن ثابت رضي الله عنه لما افتقد هاتين الآيتين قوله ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ ووجدهما عند خزيمة أو أبي خزيمة الأنصاري رضي الله عنه، ليس معناه أن قوله ﴿جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ لم يكن محفوظا لدى الصحابة، وإنما كانوا يحفظونه؛ بدليل أن زيدا يقول “ فقدت “ وهذا معناه: أنه يحفظه، وأن غيره من الصحابة يحفظه، ولكنه كان لا يكتب في هذا المصحف الذي جمعه بأمر أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلا بعد أن يجده مكتوبا عند بعض الصحابة كتبه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يشهد على ذلك شاهدان.

فحينئذ لما علم أنه عند هذا الصحابي الذي جعل الرسول شهادته بشهادة رجلين، فإنه كتب في موضعه، وليس معناه أنه لم يكن محفوظا لديهم، بل كان القرآن محفوظا ولا يزال، وصدق الله إذ قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾.

يا أيها الإخوة الكرام: بهذا نكون قد فرغنا بفضل الله وتوفيقه من التعليق على تفسير سورة التوبة، ونسأل الله أن يتوب علينا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

دروس مشابهة