سورة التوبة — الجزء 6
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
وبعضهم يقول: أن بقوله ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ دلالة على أنه ﴿مِنْ أَىِّ﴾ موضع منها فإنه تجري تحته الأنهار، وليس فقط من جهة من الجهات، أو من منبع من المنابع، وكأنه لا منبع لها من مكان آخر وإنما منبعها منها، فقال ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ وكأن في ذلك إشارة -والعلم عند الله -إلى أن طريق الصحابة ينبغي أن يكون البداية، بحيث يلزم كل من جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين أن يسلك مسلكهم، وأن يجعلهم قبلة لهم، وهم لا شك تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم.
على كل حال هذه من اللطائف والأسرار التي تحتمل القبول والرد، والتي فيها أخذ ورد، والمقام في ذلك أوسع من هذا الباب، لكن على كل هذا مما يذكر في باب توجيه متشابه النظم القرآني.
لكن الذي ألفت النظر إليه أنه لا ينبغي لأحد وهو يتعامل مع هذا الباب أن يُغْفِلَ قراءة متواترة، فكثير ممن يحرر هذه الأبواب سيتكلم عن آية براءة باعتبار أن القراءة التي فيها ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ ويغفل عن أن فيها قراءة أخرى ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ والذي يلزمه أن يراعي التوجيهين وأن الآية شاملة للمعنيين، ويكون في الآية مزية عظيمة، وكذلك فيها ثناء بالغ على هؤلاء المباركين من أصحاب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
ثم قال الله:
ﱡﭐ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩﱪ ﱫ ﱬﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱠ
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ﴾ عاد الحديث إلى الأعراب؛ فالأعراب منهم أيضًا منافقون إذا الأعراب منهم كما قال الله ﴿ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾
ومن الأعراب قوم آخرون يؤمنون بالله، ومن الأعراب قوم آخرون منافقون فقال هنا ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ﴾ وقوله ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم﴾ كما قالوا هنا في المختصر أي: وممن هم قريبون من المدينة من سكان البادية منافقون ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي: ومن أهل المدينة أيضًا جماعة من أهل النفاق، فالمدينة فيها مجموعة من المنافقين.
وتقدم أن النفاق ﴿أَنَّمَا﴾ يظهر عند قوة الإسلام والمسلمين، والمسلمون في المدينة قويت شوكتهم، وعلت كلمتهم؛ ولذلك وجد بين ظهرانيهم كثير من المنافقين، وأطلع اللهُ عز وجل رسولَه صلى الله عليه وسلم على أحوالهم وشؤونهم، بل وأسمائهم، واتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ليكون صاحب سره صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
قال ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾ ما معنى ﴿مَرَدُوا۟﴾؟
قالوا هنا: أقاموا على النفاق وثبتوا عليه فمعنى ﴿مَرَدُوا۟﴾ يعني: ثبتوا، وصار النفاق ديدنهم، وصاروا لا يفارقونه فقال ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾
وبعض العلماء عاد بقوله ﴿مَرَدُوا۟﴾ من مادة (مرد) ومنه (الأمرد) وهو قالوا: الشيء الأملس، فقالوا كأنهم على ما هم عليه من نفاق لم تلمسهم توبة، ولم تلمس قلوبهم التوبة والرجوع إلى الله، بل استمروا على ما هم عليه من نفاق.
قال ﴿مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ إذا هناك جماعة من المنافقين لم يكن يعلمهم الرسول، فالرسول صلى الله عليه وسلم علم من أعلمه الله به، وخفي عليه بعض الناس، فالرسول صلى الله عليه أطلعه الله على بعض شؤونهم وعلى بعض أشخاصهم.
قال ﴿مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ هذا وعيد شديد قال ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ قالوا هنا: مرة في الدنيا بانكشاف نفاقهم، وقتلهم، وأسرهم، إذا العذاب الأول في الدنيا طيب هذا العذاب ما نوعه؟ قالوا هنا: بانكشاف نفاقهم، وهذا عذاب؛ لأنه فضيحة
ما العذاب في انكشاف النفاق؟ الفضيحة.
قال: “ وقتلهم وأسرهم “، وهذا إذا أظهروا النفاق، ويدخل في ذلك إقامة الحدود عليهم، كما تقدم في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾.
قال: “ ومرة في الآخرة بعذاب القبر ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب عظيم فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ “ فجعلوا المرة الثانية في عذاب القبر.
إذا مرة في الدنيا، ومرة في عذاب القبر، ومرة في الآخرة، وهذا مال إليه عدد من المفسرين، كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما من المفسرين، وقال به جماعة من السلف من الصحابة كعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأيضا من التابعين كمجاهد، فقالوا: أن المراد بهذا العذاب الوسط هو عذاب القبر، وصرح بذلك الثعالبي وغيره أن أكثر الناس على أن العذاب الوسط في الآية هو عذاب القبر، ولذلك استدلوا بهذه الآية الكريمة على إثبات عذاب القبر.
وتقدم معنا أن دعوى ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: “ أنه ليس في القرآن الكريم آية تدل على عذاب القبر “ قول خطأ، وفي القرآن الكريم آيات تدل على هذا الباب، ثم إنه ينبغي للمسلم أن يقبل ما ثبت H0.
* وبعض العلماء جعل العذابين في الدنيا فالمراد عذاب ثم بعد ذلك يكون العذاب في يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.
ﱡﭐ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﱠ
يحدثنا الله عن فريق آخر.
وأنت تتأمل سورة براءة تجد أن رب العزة سبحانه حينما ذكر غزوة تبوك بيَّن أصناف الناس في هذه الغزوة:
فمن هؤلاء من سبق وجاهد وأبلى بلاء حسنا.
ومن الناس من اعتذر بأعذار مقبولة.
ومنهم من اعتذر بأعذار غير مقبولة.
ومنهم من لم يعتذر أصلا، منهم المنافقون، أنواع وأصناف.
فهذا بينته السورة الكريمة، من ذلك قوله ﴿وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالوا أي: “ ومن أهل المدينة قوم آخرون تخلفوا عن الغزو من غير عذر، فأقروا على أنفسهم أنهم لم يكن لهم عذر، ولم يأتوا بأعذار كاذبة مزجوا أعمالهم الصالحة السابقة من القيام بطاعة الله والتمسك بشرعه والجهاد في سبيله بعمل سيء “
تأمل قوله ﴿خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ أي ﴿خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ بصالح.
لذلك قال عدد من العلماء في الآية أسلوب الاحتباك لأن الخلط يستدعي مخلوطا ومخلوطا به، فقوله ﴿خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ يعني خلطوا عملا صالحا بسيء وآخر سيئا بصالح، فمن ذلك أنهم مع جهادهم وطاعتهم لله سبحانه، لكن وقع منهم ما وقع من تخلف في هذه الغزوة.
قال ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا فيه أن الاعتراف بالذنب يقود إلى التوبة الصحيحة، ولذلك جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام ((الندم توبة)) أي من أعظم أركان التوبة الندم، فلذلك قال ﴿ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وقد قالوا: أن عسى من الله محققة.
قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ثم قال الله:
ﱡﭐ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﱠ
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ من أموال من؟
من العلماء من قال ﴿مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ تعود على هؤلاء الآخرين الذين ﴿ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ وهذا فيه: أن الصدقة تطفئ الخطيئة، كما جاء بذلك الحديث عنه عليه الصلاة والسلام ((الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) فمن مكفرات السيئات الصدقة؛ فلذلك قال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ مما وقع منهم من خلط وتخليط، فهذا فيه إشارة إلى أن الصدقة سبب في تكفير الذنوب، وفي تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب.
ومنهم من قال بل قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾أي: من الصحابة عمومًا وليست خاصة بهذا الفريق، وبهذا استدل جماهير العلماء وأكثر العلماء بهذه الآية الكريمة على وجوب الزكاة؛ لذلك فهذه الآية يذكرها جماهير الفقهاء حينما يتحدثون عن باب الزكاة كدليل من الكتاب العزيز على وجوب الزكاة، ويجعلون هذه الصدقة في الزكاة.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ وتأمل قوله ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ هكذا بالرفع ولم يقل (تُطَهِّرْهُمۡ) فلم يجعلها في جواب (خذ)، وإنما قال ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾؛
فيحتمل -والله أعلم -أن قوله ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ صفة للصدقة، ويكون المعنى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً﴾ مطهرة ومزكية فهذه الصدقة مطهرة ومزكية، ففيه وصف لهذه الصدقة بأنها صدقة مطهرة، وبأنها صدقة مزكية.
ومن أهل العلم من قال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ جعل الخطاب في قوله ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أنت يا رسول الله، فيكون المعنى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً﴾ مطهرًا ومزكيًا بهذه الصدقة لهم، فيكون حالا، قوله سبحانه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: مطهرًا أنت يا رسول الله لهم، ومزكيًا لهم.
على القول الأول ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ فإنَّ التاء هنا للصدقة تعود على الصدقة (تطهرهم هي)، أي: تطهرهم الصدقة.
وأما على القول الثاني: تطهرهم أنت يا رسول الله، فتكون حالا تطهرهم وتزكيهم بها، وهذا فيه فضل الصدقة، وأن الصدقة طهرة، وأن الصدقة زكاة، ولذلك الصدقة من أبواب النماء والزيادة، فمن أراد الزيادة فعليه بالصدقة، والله سبحانه وتعالى قال ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾.
قال ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ادع لهم، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، فكان يدعو لمن يأتيه بالصدقة، كما ثبت عنه وقال: “ اللهم صلِّ على آل أبي أوفى “.
قال ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صلاتك سكن لهم ورحمة وطمأنينة ومن المعلوم أن أهل العلم حينما ذكروا ذلك قالوا: أن هذه الزكاة واجبة في وجود الرسول وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، ومن زعم أن الزكاة خاصة به صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: “ لا نعطي الزكاة إلا للرسول “؛ استدلالًا بهذه الآية ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ قالوا: “ هذا خاص بالرسول والرسول مات صلى الله عليه وسلم فنحن لن نعطيها لأبي بكر ولا لغيره “، فهذا كلام غير صحيح؛ لأن هذا فيه فضل الصدقة التي يعطونها للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن لهم بهذا المثوبة من الله سبحانه وتعالى وبركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم
ولا ينفي ذلك أن الزكاة واجبة على المستحقين في كل عصر ومصر، بدليل النصوص الكثيرة والمتواترة والمتضافرة على الزكاة، وأن الزكاة حق، ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإنَّ الزكاة حق الله، والله لو منعوني عقالا -وفي لفظ “ عناق “ -كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه)) وهذا من فقهه رضي الله عنه.
ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذا بن جبل رضي الله عنه، كان فيما أمره أن يبلغهم إياه: “ أن الله قد افترض عليهم زكاة من أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم “.
* وفي قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ دلالة على أن الزكاة تتعلق بالمال، ولذلك ذهب جمهور الفقهاء -خلافا للأحناف -إلى وجوب الزكاة في مال الصبي الغني، أو اليتيم الغني، فلو أن صبيا لديه مال وبلغ نصابا فإن حال عليه الحول فإنه يجب في هذا المال الزكاة، مما يلزم فيه حولان الحول.
الشاهد من ذلك لم؟ لأن هذا متعلق بالمال، لا يقال أنه صبي غير مكلف فلا تجب عليه الزكاة، نقول الزكاة فيها جانبان جانب تكليفي وجانب وضعي.
ما معنى وضعي؟ يعني الشرع ربط شيئًا بشيء، فإذا وجد المال من إنسان غني، وحال الحول، وبلغ المال نصابا، مع استيفاء بقية الشروط، وهو مسلم من المسلمين، وجبت الزكاة في ماله، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
ﱡﭐ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﱠ
فالله فتح لهم البابين باب التوبة وباب الصدقات فذكر البابين هنا فقال ﴿يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ﴾
يتسلمها عنهم سبحانه وتعالى يرضيهم فيها، ولذلك تقدم أن الله عدَّ القبول هنا ب﴿عَنۡ﴾ ولم يعده ب (من) وفرق بين المعنيين، كما تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في بعض المناسبات قال ﴿وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾
ثم قال:
ﱡﭐ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﱠ
﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟﴾ أمر بالعمل، كما تقدم معنا أيضًا قبل ذلك ﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ وهنا قال ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
ﱡﭐ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﱠ
﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ﴾ أي وآخرون مرجؤون لحكم، الله فحكم الله ينتظر فيهم، قالوا: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك قوم آخرون لم يكن لهم عذر، فهؤلاء مؤخرون لقضاء الله وحكمه فيهم، يحكم فيهم بما يشاء ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وتأمل التعبير القرآني ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فجعل هنا مقابلة بين التعذيب وبين التوبة، فاستفيد من ذلك أن التوبة واجبة، وأن من لم يتب استحق العذاب؛ لأنّّ الله قال ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فهذا فيه: أن من لم يتب فهو معذب، ويدل على ذلك قوله ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾.
ولذلك قالوا: الناس على قسمين، إما تائب، وإما ظالم؛ لأنّّ الله قال ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ وقال ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ فقابل الله أيضًا بين التوبة وبين التعذيب، وفيه: أن من تاب الله عليه فقد رحمه؛ لأن هذا في مقابلة التعذيب، فمن تاب الله عز وجل عليه فقد رحمه، وأنجاه من العذاب.
قال ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
هنا في التفسير جعلوا قوله ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ﴾ جعلوه في الثلاثة الذين خلفوا، والذين سيرد ذكرهم بعد ذلك في قوله ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ باعتبار أنهم خلفوا حتى يقضي الله في أمرهم وذلك أن قوله ﴿خُلِّفُوا۟﴾ يعني في حكم الله بأن يحكم الله عز وجل فيهم، انتظر الرسول حكم الله عز وجل فيهم، فقالوا: “ وهؤلاء هم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية رضي الله عنهم “ وبذا قال كثير من المفسرين.
وبعضهم لم يخصص الآية بهؤلاء الثلاثة، وإنما جعل هذا فريقا، أو جماعة من الجماعات الذين كانوا في غزوة تبوك، ثم جاء بعد ذلك ذكر الثلاثة، كما سيأتي بعد ذلك بإذن الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات:
فضل المسارعة إلى الإيمان والهجرة في سبيل الله ونصرة الدين واتباع طريق السلف الصالح.
استئثار الله عز وجل بعلم، فلا يعلم أحد ما في القلوب إلا الله.
الرجاء لأهل المعاصي من المؤمنين بتوبة الله عليهم ومغفرته لهم إن تابوا وأصلحوا عملهم.
وجوب الزكاة، وبيان فضلها وأثرها في تنمية المال وتطهير النفوس من البخل وغيره من الآفات.
قال الشيخ حفظه الله:
فضل المسارعة إلى الإيمان والهجرة في سبيل الله ونصرة الدين واتباع طريق السلف الصالح. فضل المسارعة ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ﴾ فهذا يدل على فضل الاستباق في فعل الخيرات والسبق إليه، وكذلك الهجرة بقوله ﴿مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ﴾ والنصرة من قوله ﴿وَٱلْأَنصَارِ﴾ واتباع طريق السلف الصالح من قوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾.
استئثار الله عز وجل بعلم، فلا يعلم أحد ما في القلوب إلا الله. قال الله ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾.
الرجاء لأهل المعاصي من المؤمنين بتوبة الله عليهم ومغفرته لهم إن تابوا وأصلحوا عملهم. ﴿وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾
وجوب الزكاة، وبيان فضلها وأثرها في تنمية المال وتطهير النفوس من البخل وغيره من الآفات. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ وقولهم هنا: “ وتطهير أنفسنا من البخل “، فهذا مما تتطهر به النفس بهذه الزكاة؛ فإنها تطهر النفس من الشح والبخل ومن الحسد والحقد، فيستفيد منها الغني الذي بذل، ويستفيد منها الفقير الذي يأخذ الزكاة، فالزكاة مصلحة للفريقين غنيهم وفقيرهم.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱠ
﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: ومن المنافقين أيضًا جماعة ابتنوا مسجدا لغير طاعة الله.
وهناك قراءة أخرى ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمراد: المنافقون الذين ﴿ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وتأمل هذا مسجد، لكن لم يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه أن الأعمال ﴿أَنَّمَا﴾ تعظم بحسن النيات، فرُبَّ عمل كان ظاهره كبيرا ولكنه ليس بذاك؛ بسبب سوء النية التي فيه، فالأعمال ﴿أَنَّمَا﴾ تعظم والأماكن تعظم والأزمنة تعظم بما تحويه من نوايا وغايات ومقاصد نبيلة.
فقال الله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ فالمسجد من حيث هو مرغب فيه وفي إقامته وبناءه وتشييده والصلاة فيه، لكن إذا قصد به هذه المقاصد الفاسدة، فحينئذ لا يكون مؤديا للغرض الذي من أجله تبنى المساجد، فلا يكون في حقيقة الأمر مسجدا، وإن زعم أنه مسجد، فقال ﴿ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: للإضرار بالمسلمين
﴿وَكُفۡرٗا﴾ لإظهار الكفر بتقوية أهل النفاق ﴿وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يكون سببًا في التفريق بين المؤمنين، وقد ورد في ذلك: أن أبا عامر -الراهب أو الفاسق كما يقولون -خطط في ذلك، وأراد أن يبني هذا المسجد؛ ليكون معقلا للنفاق والكفار ولمن يعارض الرسول ويحارب الرسول صلى الله عليه وسلم.
ورغبوا في أن يصلي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه إذا عاد من تبوك، لكن الله أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ فهم يريدون أن يتخذوا من مقام الرسول فيه ومن صلاة الرسول فيه، أنه مكان خير ومكان بركة ومكان طاعة؛ فقد صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.
﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهكذا كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ فهناك مصلحون مفسدون، مصلحون في الظاهر مفسدون في الحقيقة، فليس بالدعوى، وإنما بالحقائق، فهذا يقول: هذه القناة ﴿أَنَّمَا﴾ هي لنشر الخير والبر والإحسان والتقوى والإيمان والسنة، وهي في الحقيقة لنشر الفساد والضلال والبدعة، فحينئذ لا يغتر بشأنها، كذلك يقال: هذا المسجد لنشر الخير والحق والهدى، ولا يكون كذلك، فالعبرة بالحقائق.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ﴾ أي: اتخذوه للإعداد والانتظار ﴿لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ﴾ بناء المسجد، فهم بذلك يخططون ليكون لهم مكان، هذا المكان مكان ظاهر، وهو هذا المسجد.
قال ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ ما قصدنا إلا الرفق بالمسلم، نحن لا نريد تفريق المسلمين؛ لأن بناء المسجد هم يقصدون من وراءه تفريق المسلمين، وأن يدخل بعضهم عندهم فيتأثر بهم ويستفيد منهم ويكون مثلهم فيما بعد من النفاق، ونسأل الله السلامة.
وتأمل قوله ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ لتتذكر ما سبق بيانه مرارا من أن المنافقين موصوفون بالحلف الكاذب كثيرًا. قال ﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾.
مسجد هذه صفته لا تستجب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي لدعوة المنافقين لك للصلاة فيه
ﱡﭐ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱠ
شتان بين هذا المسجد الضرار الذي قصد به ما قصد به من هذه المقاصد الفاسدة، وبين مسجد ﴿أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾
قال ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي: من أول يوم بني فيه وشيد فيه ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وقد ورد في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في شأن مسجد قباء، الذي أسس أول ما أسس على التقوى، هذا أولى أن تصلي فيه؛ فقد أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة النبوية، فاعتنى الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء هذا المسجد المبارك، فبني ﴿عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ﴾، وعلى نشر الخير، والدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى.
وقوله بعد ذلك ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟﴾ فيه الثناء على أهل مسجد قباء، ولذلك ورد أنهم كانوا يتطهرون، وكانوا يستنجون بالماء، فأنزل الله عز وجل هذه الآية بالثناء عليهم في الاستنجاء، وفيه فضل أو أهمية الاستنجاء، وفضل الاستنجاء بالماء.
ويجوز الاستجمار بالحجارة، لكن هذه الرواية تدل على أن الاستنجاء بالماء أفضل
قال الله سبحانه ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ﴾ استدل بعض العلماء بقوله ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ على أن هذا كان دليلا لمن جعل التاريخ بالتأريخ الهجري بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لأن قوله ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من أول يوم أعز الله عز وجل فيه الإسلام والمسلمين، بأن صار لهم مكان مخصص للصلاة بهذه الطريقة، وصاروا في بلد يأمنون فيه في المدينة، فقالوا ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يدل على أن هذه السنة هي السنة الأولى، فجعلوا هذه السنة بداية التاريخ، قالوا وبهذه الآية استدل بعض الصحابة رضي الله عنهم، وكانت سببًا في أن يجعلوا التأريخ من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولذلك جاء في حديث سهل رضي الله عنه ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة صلوات الله وتسليماته عليه، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن “ المسجد الذي أسس على التقوى لمسجدي هذا “ وأشار إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، ففيه أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
* وحينئذ يقع إشكال؟ كيف هذا مع أنَّ الآية الكريمة تتحدث عن مسجد قباء، بدليل سبب النزول في حقهم وفي شأنهم!
وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة من أشهرها: أن مسجد قباء هو المقصود بهذه الآية الكريمة وسبب النزول لهذه الآية الكريمة في حق قباء، ولكن إذا كان قباء قد أسس على التقوى، فمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بذلك، فلما H0.
وهذا فيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسيره له فقه عظيم، فأحيانا يفسر بالمثال، أو يفسر بما هو أولى، أو يفسر بما هو أوسع دائرة، أو بما هو أضيق، أو ما أشبه ذلك، مما عليه أمثلة متعددة، ولذلك مما يحسن أن يدرك في ذلك منهج النبي صلى الله عليه وسلم، وطريقته في تفسير القرآن صلوات الله وتسليماته عليه.
﴿يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ﴾ كما قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
قال:
ﱡﭐ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﱠ
شتان بين من أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ ﴿عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ﴾ ومن أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ ﴿عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾
قالوا هنا في التفسير: أيستوي من أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ ﴿عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ﴾ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ورضوان الله بالتوسع في أعمال البر، مع من بنى مسجدا للإضرار بالمسلمين وتقوية الكفر والتفريق بين المؤمنين؟ لا يستويان فالأول بنيانه قوي متماسك لا يخشى عليه من السقوط، ولذلك اسمه مؤسس على التقوى، أما الآخر قال الله عز وجل ﴿أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ أي: على شفير حفرة فتهدم وسقط.
وأنت إذا تأملت الآية الكريمة تجد أن هذه المقارنة جاءت بهذه الطريقة، ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ كان المتوقع أن يقال: “ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ أممن أسس بنيانه على كفر وخسران؟ “، فتأتي المقارنة بين التقوى والكفر، وبين الرضوان والسخط والغضب، لكن الله ذكر التقوى والرضوان في جهة، وذكر عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ في جهة؛ لأنه إذا كان هذا البنيان عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فالبنيان الذي يقابله هو البنيان الثابت فاستفيد من ذلك أن ﴿عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ﴾ وهو ثابت غير ساقط قوي وأن قوله ﴿عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ فهذا بسبب أنه قائم على غير تقوى الله سبحانه وتعالى، فلك أن تقول أنه من أسلوب الاحتباك، ولك أن تقول أن هذا فيه مجاز عن ذلك، وهذا فيه مجاز عن ذلك، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال ﴿فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
* لا يخفى عليكم يا أيها الإخوة الكرام أن بعض الناس حينما حدث حادث سبتمبر في سنة ألفين وواحد من الميلاد، وكان في التاسع من سبتمبر في الحادي عشر من سبتمبر، فبعض الناس استدلوا بهذه الآية الكريمة على أن القرآن قد أخبر بهذا الحدث، بدعوى أن سورة براءة (التوبة) هي السورة التاسعة وأنها في الجزء الحادي عشر، وهذا يناسب الحادي عشر يوم الحادي عشر، والتاسع يناسب الشهر التاسع سبتمبر، وهذا الكلام لا يصلح بحال من الأحوال، وهذا مما يذكرونه في باب الأعداد وربطها بالقرآن الكريم مما فيه تكلف وتعسف؛
لأن الآية تتكلم عن البنيان الذي أسس عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ بصفة عامة، وليست خاصة بزمان ولا بمكان، وإن خصت فهي تخص بالمسجد الذي أسس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل الضرار والكفر والتفريط، كما تدل عليه الآيات السابقة.
الأمر الآخر أن هذا فيه تكلف كبير جدًا، ثم إن العدد المعتبر عندنا هو العدُّ الهجري العربي، وليس الميلادي هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: أن الجزء الحادي عشر هذه التجزئة لم تكن معروفة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، هذه التجزئة للقرآن بهذه الطريقة غير معروفة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿أَنَّمَا﴾ كانوا يحزبون القرآن سورا، وليس بهذه هذه الطريقة، فهذا الكلام كلام محدث وغريب.
* وقريب من ذلك ما رأيت من ذكر بعضهم قوله سبحانه وتعالى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ في سورة المدثر، واستفاد من ذلك فيروس كورونا ألفين وتسعة عشر، واستدل به على ذلك، فهذا من العبث، كلما وجدوا رقما يوافق حدثا من الأحداث ربطوا بينه وبينه.
﴿أَنَّمَا﴾ نبهت على ذلك، وإن لم يكن من صلب التفسير؛ لبيان أن في هذا خللا، وينبغي الالتفات إليه، وعدم الانسياق إليه؛ لأن بعض الناس في وقتها أشاعوا ذلك، إشاعات كبيرة، وقالوا: “ ها هو القرآن قد نطق بذلك ودل على ذلك “ ومع أن هذا الأمر ليس في كتاب الله سبحانه وتعالى.
قال الله:
ﱡﭐ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﱠ
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَـٰنُهُمُ﴾ أي: مسجدهم الذي بنوه ضررا، شكًا، ونفاقا ثابتا في قلوبهم، فقوله ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَـٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةً﴾ يعني: هو سبب شك، وسبب نفاق في قلوبهم ﴿إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: حتى تتقطع فإنَّ (لا) تكون هنا بمعنى (حتى) ولذلك هناك قراءة أخرى “ إلى أن تقطع قلوبهم “
هناك قراءة (إلا) و (إلى):
فيقال أن (إلا) بمعنى (إلى) كما في القراءة الأخرى، يعني: حتى تتقطع قلوبهم بالموت أو القتل بالسيف “ والله عليم حكيم “
وبعض العلماء قال في قوله ﴿إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني إلا إذا تابوا إلى الله، فجعلها على الاستثناء على بابها، يعني: فإذا تقطعت القلوب بالتوبة تاب الله سبحانه وتعالى عليهم.
ثم قال الله:
ﱡﭐ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﱠ
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾ ولذلك فالجنة سلعة الله، وقد جاء H1.
﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾ ترون أن سورة براءة من أولها إلى آخرها حديث عن الولاء والبراء والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، فهنا جاء الثناء على المجاهدين في سبيله ﴿يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ﴾، هذا فيه: أن الجهاد في سبيل الله، وأن القتال في سبيل الله مثنى عليه وممدوح في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن زعم أن هذه الكتب ليس فيها ذلك فهو مخالف لهذه الآية الكريمة.
وقوله ﴿فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ﴾ لأن بعضهم يزعم أن الإنجيل ليس فيه شيء من ذلك، والآية تقول ﴿فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ﴾ فهذا مشروع كما لا يخفى، وله ضوابطه وقواعده، وهنا رتب الآية فقال ﴿فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ﴾ فقدم التوراة على الإنجيل، ثم الإنجيل على القرآن، مع أنَّ القرآن هو المهيمن، ولكنه قدمه باعتباره الزمان؛ فالتوراة نزلت ابتداءً، ثم الإنجيل، ثم القرآن،فباعتبار الزمان قدمت التوراة، ثم الإنجيل، ثم القرآن، أي: الزمان في النزول.
ثم قال ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ﴾ لا أحد أوفى بعهده من الله، فهذا السؤال معناه النفي، لا أحد أوفى بعهده من الله ﴿فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ هذا فيه ثناء وبشارة عظيمة لمن أخذ بهذا العهد والميثاق، واشترى من الله سبحانه وتعالى، أو قبل هذه البيعة فباع نفسه وماله لله عز وجل ﴿فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
من فوائد الآيات:
محبة الله ثابتة للمتطهرين من الأنجاس البدنية والروحية.
لا يستوي من عمل عملا قصد به وجه الله؛ فهذا العمل هو الذي سيبقى ويسعد به صاحبه، مع من قصد بعمله نصرة الكفر ومحاربة المسلمين؛ وهذا العمل هو الذي سيفنى ويشقى به صاحبه.
مشروعية الجهاد والحض عليه كانت في الشرائع التي قبل الإسلام أيضًا.
كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها.
قال الشيخ حفظه الله:
محبة الله ثابتة للمتطهرين من الأنجاس البدنية والروحية. قال الله ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ﴾
لا يستوي من عمل عملا قصد به وجه الله؛ فهذا العمل هو الذي سيبقى ويسعد به صاحبه، مع من قصد بعمله نصرة الكفر ومحاربة المسلمين؛ وهذا العمل هو الذي سيفنى ويشقى به صاحبه. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ نسأل الله السلامة.
مشروعية الجهاد والحض عليه كانت في الشرائع التي قبل الإسلام أيضًا. لذلك قال ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ﴾ فموجود في الشرائع السابقة في التوراة والإنجيل
كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها. يعني من علامة حرمة الشيء أنه يفرق بين المؤمنين، فهذا يدل على أنه شيء منهي عنه، إذا فرق بين المؤمنين مع وجود إيمانهم، ليس لأن بعضهم عصى الله لأن هناك أوامر تأتي فيمتثلها بعض الناس ويتركها بعض الناس لكن ما يكون سبب الخلاف والاختلاف فهذا منهي عنه ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في ذلك ﴿وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فجعله من أسباب أن هذا المسجد أسس عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ أنه أنشأ تفريقا بين المؤمنين.
قال الله سبحانه وتعالى:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱠ
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى أنه ﴿ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم﴾، وبين الله عز وجل البشارة العظيمة التي تلحقهم، وأن هؤلاء هم الفائزون فوزا عظيما، بيَّن لنا أوصاف هؤلاء الذين ينالون هذا الجزاء فقال ﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ﴾.
إذا من أوصاف هؤلاء الفائزين أنهم التائبون العابدون، وقدم التوبة وهذا يدل على فضلها وأهميتها، كما قالوا: أول الطريق وأوسطه ومنتهاه، فالإنسان منذ البداية يحتاج إلى توبة، وفي وسط الطريق يحتاج إلى توبة، وفي آخر الطريق يحتاج إلى توبة، ولذلك أمر الله بها الجميع ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وذلك أن الإنسان لا يخلو من قصور ومن تقصير وتفريط في جنب الله، وكل ذلك يستوجب عليه أن يكثر من التوبة لله سبحانه وتعالى، ولذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من ذلك، ويُعَدُّ له في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة وهو يقول ((اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)) صلوات الله وتسليماته عليه.
قال ﴿ٱلْعَـٰبِدُونَ﴾ عابدون لربهم سبحانه وتعالى ﴿ٱلْحَـٰمِدُونَ﴾ الحمد ﴿ٱلسَّـٰٓئِحُونَ﴾ قالوا هنا: الصائمون ففسروا قوله ﴿ٱلسَّـٰٓئِحُونَ﴾ بالصائمين، وهذا أحد، بل هو من الأقوال المشهورة، ونسبه بعضهم كالشوكاني للجمهور.
فبعضهم يقول: أن جمهور المفسرين يقولون أن السائحين هم الصائمون.
وبعضهم قال: بل السائحون الذين يسيحون في الأرض في الجهاد في سبيل الله أو في طلب العلم ولذلك بعضهم فسر قوله ﴿ٱلسَّـٰٓئِحُونَ﴾ بطلاب العلم وهذا ورد عن عكرمة قال: السائحون طلبة العلم، وبعضهم قال: المجاهدون في سبيل الله؛ ورجحوا ذلك بأن السياق يدل على هذا، فإنَّ السياق أكثر الآيات في سورة براءة حديث عن الجهاد.
وبعضهم قال هي أعم من هذا وذاك، فهي السياحة أي الخروج من البلد ابتغاء مرضات الله سفرا للطاعة، فيدخل في ذلك طلب العلم، ويدخل في ذلك السفر للجهاد، ويدخل في ذلك السفر للحج، وما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة التي يتقرب العبد بها إلى الله سبحانه في سفره، فتكون الآية شملت في ذلك العبادات التي يؤديها العبد في الحضر وفي السفر.
وبعض العلماء كابن القيم اختار وقال: “ التحقيق أنها سياحة القلب “ فجعل السياحة في الأصل سياحة القلب في ذكر الله ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه، قال: “ ويترتب عليها ما ذكر من الأفعال فيدخل في ذلك كل الأفعال “ وهذا لا تعارض ولا منافاة بينه وبين غيره من الأقوال؛ لأن المجاهد ما خرج في سبيل الله، ولا طالب العلم خرج ابتغاء مرضات الله، ولا الحاج خرج ابتغاء مرضات الله، إلا لأن قلبه متعلق بالله، مشتاق إلى طاعة الله سبحانه وتعالى.
قال الله بعدها ﴿ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ فوصفهم بأنهم الراكعون الساجدون، ويدخل في ذلك أنهم المصلون لكنه ذكر أعظم أركان، أو من أعظم أركان الصلاة الركوع والسجود.
﴿ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ هنا أدخل الواو بين ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ،
تقدم أن بعضهم يقول: أنها وأو الثمانية؛ لأننا إذا عددنا الكلمات قبلها: ﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ هذه سبعة، ثم قال (والناهون عن المنكر) هذه الثامنة، فقالوا هي وأو الثمانية، واستدلوا بهذه الآية على هذه الواو، كما تقدم معنا في سورة التحريم ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾
وبعض العلماء قال: وأو الثمانية ضعيفة، القول بها قول ضعيف، كما قال ابن هشام وغيره، وقالوا: ﴿أَنَّمَا﴾ تذكر الواو لدلالة السياق عليها؛ فهنا لما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبينهما اقتران، فمن أمر بالمعروف فقد نهى عن المنكر، ومن نهى عن المنكر فقد أمر بالمعروف، وبينهما اقتران فناسب أن يشترك في الواو فقال ﴿ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ وهناك لما قال ﴿ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ بينهما أيضًا تلازم، بمعنى أن المرأة لا تجمع بين الثيوب والبكارة، فلا تكون المرأة ثيبا وبكرا في آن واحد، وإنما إما أنها ثيب، وإما أنها بكر، فلذلك قال ﴿ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ على كل تقدم تفصيل ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في هذا الباب، والعلم عند الله.
قال ﴿وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ﱡﭐ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱠ
ليس للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين معه ﴿أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ﴾ ولو كانوا أقرب الأقارب لهم، ولو كانوا قريبين جدًا منهم، ﴿مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ أي اتضح لهم ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ ومتى يتبين ذلك؟ إذا ماتوا على الشرك.
وأيضا استدل بذلك على أنه لا يجوز الاستغفار للمشرك، فلا يستغفر للمشرك وقت شركه، ولا يستغفر له إذا مات على شركه، وإنما يجوز الدعاء له في الحياة بالهداية، فيدعى له بالهداية لكن لا يستغفر له.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال في حق أبي طالب بعد وفاته: “ أما والله لأستغفرن له ما لم أنهى عنه “ فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ حينما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول لا إله إلا الله، وقال كلمة أشهد لك بها عند الله، وكذلك أنزل الله قوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ فهذا فيه: أن من مات على الشرك لا يجوز الاستغفار له، وكذلك المشرك عمومًا لا يستغفر له، وإنما يدعى له بالهداية ولا يستغفر له.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾
* ولأهل العلم كلام كثير وطويل في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وما ورد في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، حينما حضرته الوفاة، وأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية، كما جاء في الصحيحين، ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وقال: “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا عم لا إله إلا الله كلمة أشهد -وفي لفظ أحاج -لك بها عند الله “، فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: “ يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ “ فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر ما كلمهم به على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فH0.
وجه الإشكال في ذلك: أن أبا طالب مات متقدما، مات في مكة، ولذلك لقب العام الذي مات فيه بعام الحزن؛ لوفاته مع وفاة خديجة رضي الله عنها، وكان هذا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل عقبه حدث الإسراء، وما إلى ذلك، كما هو معلوم ومعروف في السيرة، وسورة براءة من أواخر سور القرآن نزولا والآية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها نزلت في أبي طالب، فكيف تكون نزلت في أبي طالب؟ وهذا وقع في مكة. والسورة من أواخر ما نزل بالمدينة، يعني أن هذا بعده بسنوات.
فبعض العلماء يقول إذا هذه آية مكية في سورة مدنية فيستثني هذه الآية من مدنية سورة براء.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بتكرر النزول، فيقول أن هذه الآية نزلت قبل ذلك، ونزلت في هذه السورة في سورة براءة.
وبعضهم يقول بل السورة أخبرت عن الحكم الذي وقع لأبي طالب، ولا يلزم أن يكون الحكم قد استفيد من هذه الآية، وإنما الآية التي نزلت في حق أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ولذلك جاء في بعض الروايات نزل ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ونزل قوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ﴾ وفي بعض الروايات وأنزل الله بعد ذلك ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فيكون الإخبار أن هذه الآية تخبر عن مثل شأن أبي طالب، ولا يلزم أنها نزلت عقب وفاته، كما ذكره الحافظ ابن حجر، وللعلماء في ذلك تحريرات معروفة في بحث الحديث الوارد في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام في شأن دعوة عمه أبي طالب إلى الإيمان بالله عز وجل.
قال:
ﱡﭐ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠ
قوله ﴿إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ ما هذه الموعدة التي وعدها إياه؟ قالوا هنا: (إلا) بسبب وعده إياه ليطلبنها له، وهذا حينما قال له ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ فيمكن أن ندخل ذلك في تفسير القرآن بالقرآن، فإذا قرأ قارئ ﴿إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ من أين يعرف هذه الموعدة؟ جاءت في قوله ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾.
قال ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾:
حينما علم بوحي من الله أنه سيموت كافرا.
أو أن النصيحة لن تنفعه.
أو أنه مات على الكفر أصلا بأن مات على الكفر، حينئذ امتنع الخليل إبراهيم عليه السلام عن الاستغفار له.
﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾ كثير التضرع إلى الله وهذا أحد المعاني المشهورة في معنى ﴿لَأَوَّٰهٌ﴾
قال:
ﱡﭐ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﱠ
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا﴾ قالوا: أي ليحكم على قوم بالضلال، بعد أن وفقهم للهداية، حتى يبين لهم المحرمات، وهذا فيه: أن الله سبحانه وتعالى يقيم الحجج على العباد، وأنه سبحانه وتعالى يبين الشرائع، ولا يترك العباد في عبث، ولا يتركهم هملًا.
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ وفيه: أن الإنسان يحاسب إذا علم، فإذا علم لزمه أن يعمل بمقتضى ما علم.
قال ﴿حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ أي: فإنَّ ارتكبوا ما حرم عليهم بعد بيان تحريمه حكم عليهم بالضلال.
فإنْ قال قائل وما المناسبة بين هذه الآية والآيات السابقة؟ المناسبة ظاهرة أن ما وقع من استغفار إبراهيم عليه السلام ليس بضائره؛ لأنه كان عن اجتهاد منه، ولم يكن قد حرم عليه ذلك، أو منع منه، وكذلك ما وقع من استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان باجتهاد منه، ولم يكن قد نهي عنه -عليه الصلاة والسلام -فحينئذ لا يقال أنه وقع في مخالفة، ﴿أَنَّمَا﴾ يقع في مخالفة وفي حرمة من علم حرمة الشيء، فحينئذ عليه أن يستقيم وأن يترك ما حرم الله، وأن يفعل ما أمر الله سبحانه وتعالى به.
قال الله:
ﱡﭐ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙﲚ ﲛ ﲜﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﱠ
ثم قال الله:
ﱡﭐ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﱠ
﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ أي: والله ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾، وهذا معنًى سامٍ وعظيمٌ، أن يقسم الرب جل وعلا؛ لأن اللام تنبئ عن هذا القسم، كما قالوا مرارا أنها موطئة لقسم مقدر، كما عليه الكثيرون.
﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ قالوا هنا في التفسير: إذ أذن للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، فكأنهم فسروا قوله﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ بما سبق في قوله ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾.
﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾، ومن شرف المهاجرين والأنصار أن يقترنوا وأن يُذكروا بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
﴿وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾ والمراد بساعة العسرة: غزوة تبوك؛ لما كان فيها من شدة كما تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في وصف غزوة تبوك، وما كان فيها من جهد، وشدة حر، وقلة ذات اليد، وقوة الأعداء.
قال الله سبحانه ﴿فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ قالوا هنا في المختصر: “ ولقد تاب على المهاجرين وعلى الأنصار الذين لم يتخلفوا عنه “ تأمل قولهم: “ الذين لم يتخلفوا عنه “ من أين استفدنا هذا الكلام؟ لماذا قالوا هنا في التفسير: “ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ “؟ لأنّّ الله قال ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ﴾ ومعنى اتبعوه: أنهم لم يتخلفوا عنه، وأيضا لقوله ﴿مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ فقوله: (كاد يزيغ) يعني: اقترب أن يقع الزيغ، لكنه لم يقع، فهذا معناه أن قلوبهم لم تزغ ولم تمل ولم يتركوا الغزو، فاستفيد من ذلك: أن الثناء على هؤلاء، على الذين جاهدوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه: ثناء على كل من جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكل من جاهد مع رسول الله في غزوة تبوك داخل في قوله ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾.
ثم ألحق الله بهم من المتخلفين الذين خلفوا الثلاثة فقال ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ﴾ أي تاب الله عز وجل عليهم أيضًا ﴿مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ هذا فيه أن الزيغ يكون بدؤه من القلب فالإنسان يزيغ قلبه فحينئذ يزيغ بدنه وتزيغ جوارحه
وفيه: أن المثبت من ثبته الله، وهؤلاء هم الأصحاب الكرام، ومع ذلك كادت تزيغ قلوب فريق منهم، فكيف بغيرهم؟ وهذا فيه: أن الإنسان قد يعرض له ما يفتنه عن إقامة حد الله، عن الجهاد في سبيل الله، عن امتثال أمر الله، عن ترك النهي الذي نهى الله عز وجل عنه، فلذلك وجب على المرء دوما أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات، نسأل الله أن يثبتنا على دينه.
قال ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ قالوا هنا: “ ثم وفقهم الله للثبات “، فجعلوا هنا: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: وفقهم للثبات، ولذلك قالوا: أن توبة الله على معنيين فتوبة الله على معنيين
المعنى الأول الإذن فالله يتوب على العبد بأن يأذن له بالتوبة لأن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ لم يأذن للعبد بالتوبة ما وفق العبد للتوبة فالأول إذن الله وتوفيقه للعبد.
ثم إذا تاب العبد إلى الله قبله الله فتوبة الله نوعان إذن الله وتوفيقه للعبد وقبوله من العبد تلك التوبة نسأل الله أن يتوب علينا وأن يقبلنا.
من فوائد الآيات:
بطلان الاحتجاج على جواز الاستغفار للمشركين بفعل إبراهيم عليه السلام.
أن الذنوب والمعاصي هي سبب المصائب، والخذلان، وعدم التوفيق.
أن الله هو مالك الملك، وهو ولينا، ولا ولي ولا نصير لنا من دونه.
بيان فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الناس.
قال الشيخ حفظه الله:
بطلان الاحتجاج على جواز الاستغفار للمشركين بفعل إبراهيم عليه السلام. ولذلك قال ﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾ وهذا في وجه المناسبة؛ لأنه قد يقول قائل: ما صلة هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بعد قول ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾؟ إذا قال قائل لماذا يحرم على النبي وعلى المؤمنين ﴿أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ﴾ ألم يجز ذلك لإبراهيم؟
فيقال أن إبراهيم ﴿أَنَّمَا﴾ فعل ذلك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتبين له أن أباه من أصحاب الجحيم ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾.
أن الذنوب والمعاصي هي سبب المصائب، والخذلان، وعدم التوفيق. وثقل ﴿مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، نسأل الله السلامة.
أن الله هو مالك الملك، وهو ولينا، ولا ولي ولا نصير لنا من دونه. ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
وأيضا في قوله: الذنوب والمعاصي سبب المصائب وعدم التوفيق، وذكر ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ﴾ قد يستفاد منه هذا؛ لأنه إذا ارتكب ذنب صار من الضالين بعد إقامة الحجة عليه.
بيان فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الناس. ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱠ
قوله ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ﴾ مع على الآية السابقة ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾، ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟﴾ فهذا فيه تسجيل التوبة عليهم، وهذا أجل خبر أخبر به هؤلاء الثلاثة بعد إسلامهم، وهو قبول توبتهم، وأن الله سبحانه وتعالى قد قبل توبتهم، وغفر لهم.
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟﴾ قوله ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ﴾ هذا مبهم جاء بيانه في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيضرب هذا مثالا للمبهمات؛ فأحيانا تأتي الكلمة مبهمة في القرآن، ثم يأتي بيانها، إما في موضع آخر في القرآن، أو في السنة، أو في آثار الصحابة، ونحو ذلك.
فالثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم أجمعين، كما يدل على ذلك رواية الشيخين في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وقصة توبته، وهي ثابتة في البخاري ومسلم، وهي قصة جليلة وعظيمة، وتحوي فوائد عظيمة حقيق بنا أن نقرأها، أو أن نتمعن فيها، فيمكنكم الرجوع إليها في تفسير هذه الآية الكريمة من صحيح الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تبارك وتعالى.
قال ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟﴾ وقوله ﴿خُلِّفُوا۟﴾ قالوا هنا: خلفوا عن التوبة، وأخر قبول توبتهم بعد تخلفهم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فما معنى قوله ﴿خُلِّفُوا۟﴾؟ أي خلفوا عن التوبة، خُلِّفَ الحكم فيهم، بمعنى أنه تأخر الحكم فيهم؛ لأن الرسول قبل أعذار من اعتذر إليه، فقد جاءه المخلفون يعتذرون إليه، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل الرسول منهم الأعذار.
وأما هؤلاء فصدقوا، ولم يجدوا ما يعتذرون به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرجأ الرسول الحكم فيهم، ولذلك كما قلت في الآية السابقة ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ﴾ قالوا: أنهم الثلاثة فتكون هذه الآية قد فسرت الآية هناك، وهي قوله ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ﴾.
ولذلك جاء في رواية كعب بن مالك رضي الله عنه قال: جاء المخلفون حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم من السفر من تبوك، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علأنيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم المغضب صلى الله عليه وسلم ثم قال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: “ بلى إني -واسمع ما قال -إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لأن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه -وإني لأرجو فيه عفو الله -لا، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك “، فH0.
وهي قصة جليلة وعظيمة.
ولذلك أيضًا في آخر الرواية قال رضي الله عنه “ وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا عن الغزو ﴿أَنَّمَا﴾ هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه “؛ لأن بعض الناس لما فسر جاء ليفسر قوله ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟﴾ قال: تخلفوا، يعني: أن الله أرجأ حكمهم؛ ولذلك هجرهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المدة إلى أن جاءهم الفرج بفضل الله سبحانه وتعالى، وتاب ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ عليهم.
قال هنا ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ قالوا هنا: فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس بهجرانهم، وفيه: مشروعية هجر أهل المعصية، وهذا له أيضًا ضوابطه وقواعده، قال: وأصابهم حزن وغم على ذلك، حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها، وضاقت صدورهم بما حصل لهم من الوحشة، وعلموا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ فهم صدقوا في التوبة، فتاب الله عز وجل عليهم.
قال ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ﴾ ما معنى (وظنوا) هنا؟ أيقنوا وعلموا، إذا الظن هنا بمعنى العلم واليقين.
قال ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟﴾ فهو تاب عليهم وأذن لهم ووفقهم ليتوبوا إليه فقبلهم سبحانه وتعالى
﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
ثم قال:
ﱡﭐ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ