سورة التوبة — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
ويدخل في ذلك إقامة الحدود عليهم، إذا وقعوا فيما يستحقون عليه إقامة حد؛ لأنهم يعاملون معاملة المسلم الذي وقع في حد، فحينئذ يطبق عليه ذلك، والعلم عند الله تعالى.
﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ اشدد على الفريقين؛ لعلهم يرتدعون ويتوبون إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
ثم قال:
﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﱠ
﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟﴾ تقدم معنا أنه من الأوصاف التي يتصف بها المنافقون: الحلف الكاذب، وهذا كثير؛ فهم يحلفون كثيرًا ويكذبون في حلفهم.
﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟﴾ أي: ما قالوا ما بلغك عنهم من السب لك، والعيب لدينك؛ وذلك لأنه قد ورد سبب نزول لهذه الآية الكريمة، حينما H0.
فقال ﴿وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ﴾ وقال هنا ﴿بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ﴾؛ لأن إسلامهم كان في الظاهر، ولم يدخل الإيمان قلوبهم؛ فلذلك عبر بالإسلام، فقال ﴿وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ﴾ أي: ما أظهروه من إسلام.
﴿وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟﴾ أي: هموا بما لم يظفروا به من الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذن هم خططوا ودبروا، وحاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاءه، لكنهم لم يظفروا بمرادهم.
وتأمل التعبير القرآني قال ﴿وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟﴾ لم يقل: وهموا بما لم يفعلوا؛ لأنهم هموا، وفعلوا، لكنهم لم يظفروا، إذا الآية الكريمة لم تنف الفعل، وإنما نفت الظفر، والنيل، وتحقيق المراد، وهذا معنى ﴿وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟﴾ لم يظفروا بما أرادوا لأن الله حافظ نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾
﴿وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ﴾، ﴿وَمَا نَقَمُوٓاْ﴾ ما أنكروا شيئًا، ﴿إِلَّآ﴾ ظاهر ذلك أنهم سيأتون بشيء يسوغ لهم صنيعهم، أو يرخص لهم، ويجعلهم في احتجاج، أو يجعلهم مقبولين فيما يدعون، لكن الله قال ﴿إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ﴾ ومعلوم أن من أغناه الله ورسوله من فضله، لا ينبغي له أن ينقم، أو أن ينكر، بل عليه أن يقبل، وعليه أن يتواضع وينكسر ويستجيب؛ ولذلك يقولون هذا الاستثناء استثناء تهكمي، وكأنه تأكيد الشيء بما يشبه الضد، ما يشبه ضده، كما قال ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ ﵝالبُرُوج الآية ﵘﵜ فكأن هذا مسوغ للنقمة مع أنه في الحقيقة غير مسوغ بالمرة، بل إنه يبين أنهم في ضلال مبين، فكان ينبغي عليهم إذ ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أن يشكروا نعمة الله عليهم، وأن يقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فقال ﴿وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ﴾ وذلك بأن تفضل الله عليهم بإغنائهم من الغنائم التي من بها على نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يعطيهم منها، فلماذا ينقمون إذن؟
قال ﴿فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، ﴿فَإِن يَتُوبُوا۟﴾ فتح باب التوبة لهم، وتقدم أنه من مقاصد السورة: الدعوة إلى التوبة.
وتأمل التعبير ﴿فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، ﴿يَكُ﴾ جواب الشرط، لم يقل: “ فإنَّ يتوبوا فهو خير لهم “
﴿أَنَّمَا﴾ يكون خيرا لهم إذا تابوا، فهذا معلق على ذلك، فإن لم يتوبوا فلا خير فيهم.
قال ﴿لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ فتوعدهم الله بالعذابين: العاجل والآجل في الدنيا والآخرة، قالوا: في الدنيا بالقتل والأسر، بأن يظهر الله أمرهم ويهتك أستارهم.
قال ﴿فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ بالعذاب الموجع في الآخرة بالنار، نسأل الله السلامة.
﴿وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ لأنهم لا يهتمون، أو لا يراعون حق الله، ولا ينظرون إلى الآخرة لذلك قال ﴿وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ فشأنهم واهتمامهم بالأرض، فقال ﴿وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يتولاهم فينقذهم من العذاب، ولا ناصر يدفع عنهم العذاب.
ثم قال:
﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾
أيضًا “ ومنهم “ تكرر معنا هذا الأسلوب في السورة الكريمة ومنهم، ومنهم
هنا قال ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ﴾ من هؤلاء المنافقين من عاهد الله ﴿لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ حين كان فقيرا عاجزا ليس معه، كان يطلب الغنى، ويدعي أنه إذا أعطي ومن عليه فإنه سينفق ويتصدق وسيكون من الصالحين.
﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾
﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ﴾ أعطاهم سبحانه وتعالى من فضله ﴿بَخِلُوا۟ بِهِۦ﴾ وتقدم أنه من صفات المنافقين البخل؛ ولذلك في السورة الكريمة ما يدلنا على أن البخل من صفات المنافقين، من ذلك قوله “ ويقبضون أيديهم “ فهم منافقون يبخلون، وهنا قال ﴿بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾
﴿فَأَعۡقَبَهُمۡ﴾ يعني: جعل عاقبتهم نفاقا ثابتا في قلوبهم إلى يوم القيامة، وهذا فيه: أن المعصية تجر إلى معصية، وإلى معصية أكبر، فهم قد وقعوا في هذه المعصية بالكذب، أو بخلف الوعد، فترتب على ذلك أن يتصفوا بالنفاق، وأن يدوم عندهم النفاق، وأن يداوموا عليه، نسأل الله السلامة.
﴿إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ﴾ يعني إلى يوم القيامة؛ عقابا لهم على إخلافهم لعهد الله وعلى كذبهم.
قال ﴿بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ وتأمل التعبير ﴿وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ ما قال: “ وبما كذبوا “، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾، فتقدم معنا أن التعبير ب “ كانوا يفعلون كذا “ تدل على أنَّ هذا الفعل من الأفعال التي هي صفة راسخة في الشخص، فقوله ﴿وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ يعني أن الكذب داخل في كينونتهم وفي شخصيتهم.
وقوله ﴿يَكۡذِبُونَ﴾ يدل على تجدد هذا الكذب منهم.
* هذه الآيات الكريمة وردت روايات أنها نزلت في شأن ثعلبة بن حاطب رضي الله عنه، وهذا باطل ولا يصح، وهو صحابي جليل بريء من ذلك كل البراءة، فلا يصح ما نسب له من أنه وقع منه ذلك، وإنما الآية في شأن المنافقين بصفة عامة، فمن هؤلاء المنافقين من يفعل كذا وكذا، أما هذه الرواية التي وردت في سبب نزول هذه الآيات فإنها لا تصح، وقد صرح العلماء بعدم صحتها كالقرطبي وابن حزم والذهبي وغيرهم من أهل العلم، وكذلك ضعفوا الرواية أو ضعفها علماء الحديث الهيثمي وابن حجر وغيرهما من أهل العلم.
قال الله:
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾
لم الكذب؟ ولم خلف الوعد؟ ولم النفاق؟
﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
أيضًا من صفات المنافقين: أنهم يلمزون المتطوعين من المؤمنين في الصدقات، تقدم أنهم يلمزون رسول الله صلى الله عليه وسلم “ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ “ هذا عن لمزهم في الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما عن لمزهم ﴿ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾، فإنَّ المؤمنين كانوا لا يسلمون منه، فالمنافقون يجمعون بين الأمرين: بين البخل، وبين الكلام في المتصدق، وهذا ضرر إلى ضرر، وبلاء إلى بلاء.
فالإنسان قد لا يفعل الخير، لكن إذا رأى من يفعل الخير فليحمده على ذلك، أو ليدعو له، أو ليسكت عنه، أما أن يصيبه بالأذى! ما فعل خيرا، ولا سكت عمن يفعل الخير!، هكذا كان المنافقون، ولا يزالون، ونسأل الله السلامة.
فقال ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ وذلك كما جاء في حديث أبي مسعود رضي الله عنه، حينما جاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء آخر بأكثر منه، فقالوا: “ إن الله عن صدقة هذا لغني، وما تصدق فلان إلا رياء “، فالذي يعطى كثيرًا مراء، والذي يعطى القليل وهذا ما في وسعه، يقولون: “ إن الله غني عن صدقته “
فقال الله ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ أي: المتطوعين من المؤمنين ببذل الصدقات اليسيرة على قدر جهدهم.
﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يسخرون من هؤلاء ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾ قوله ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هو الخبر على القول المرجح؛ فالآية ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ ما الجزاء؟ ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾
وقوله ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يمكن أن يقال -والعلم عند الله -: إنها معطوفة على المتطوعين، يعني: الذين يلمزون المتطوعين، ويلمزون الذين ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لئلا يتوهم -والعلم عند الله -إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن قوله ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ معطوف على قوله ﴿مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ فقد يتوهم أن الذين ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فريق غير المؤمنين، وليس الأمر كذلك، فهم مؤمنون قطعًا بلا شك، والمقام مقام ثناء، المعنى ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾ الجزاء ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾.
والآية تدل على القاعدة العامة المتكررة، والتي نعرفها، ومرت معنا كثيرًا: الجزاء من جنس العمل ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
من فوائد الآيات:
وجوب جهاد الكفار والمنافقين، فجهاد الكفار باليد، وسائر أنواع الأسلحة الحربية، وجهاد المنافقين بالحجة واللسان.
المنافقون من شر الناس؛ لأنهم غادرون، يقابلون الإحسان بالإساءة.
في الآيات دلالة على أن نقض العهد، وإخلاف الوعد يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.
في الآيات ثناء على قوة البدن والعمل، وأنها تقوم مقام المال، وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة والتنويه بشأن العامل.
قال الشيخ حفظه الله:
وجوب جهاد الكفار والمنافقين، فجهاد الكفار باليد، وسائر أنواع الأسلحة الحربية، وجهاد المنافقين بالحجة واللسان. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
المنافقون من شر الناس؛ لأنهم غادرون، يقابلون الإحسان بالإساءة. ﴿وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ﴾، ولذلك بعض العلماء قالوا: إن هذا يؤخذ منه المثل المشهور (اتق شر من أحسنت إليه) وهذا في غالب الأحيان، لكن هناك من يشكر ولا يسيء، فإذا أحسن شكر، وكان من الشاكرين، وهذا الذي ينبغي للإنسان أن يشكر من أحسن إليه، (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، وفي لفظ “ من لم يشكر الناس “.
في الآيات دلالة على أن نقض العهد، وإخلاف الوعد يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه. لذلك قال بما ﴿بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ ويشهد بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وإذا كان الحديث في شأن النفاق العملي، نفاق دون نفاق، فإنَّ هذا لا يمنع أن المنافقين نفاقا عقديا يتصفون بذلك في أعلى درجة، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
في الآيات ثناء على قوة البدن والعمل، وأنها تقوم مقام المال، وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة والتنويه بشأن العامل. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ فأنت قد تفيد غيرك بالمال، وقد تفيد غيرك ببدنك، وبنصيحتك، وبالإعانة له، وما إلى ذلك، (تعين صانعًا)، وفي لفظ (ضائعًا أو تصنع لأخرق)، هذه أيضًا صدقة من الصدقات، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال الله:
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾
قالوا هنا: أي: اطلب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول المغفرة لهم أو لا تطلبها لهم.
النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بظاهر الآية الكريمة فقال: (إن الله خيَّرني بين الأمرين)، فاختار الرسول صلى الله عليه وسلم الاستغفار لهم، وهذا من عظيم رحمته صلى الله عليه وسلم، فإنَّ المقام كما يقولون مقام تسوية.
ولذلك جاء في الآية الأخرى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ ﵝالمنافقون الآية ﵕﵜ إذا هذا فيه دعوة لهم للذهاب إلى رسول الله للاستغفار، لكن لما كان دأبهم الإعراض وعدم الاعتناء بهذا مع كفرهم ونفاقهم قال ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ ﵝالمنافقون الآية ﵖﵜ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم اختار الاستغفار، فكان يختار ذلك، بل إنه قال: (وسأزيد على السبعين)، مع أنَّ العلماء يقولون إن ذكر السبعين هنا للتكثير، والمعنى: مهما كان عدد استغفارك فإنه ليس بنافعهم، لِمَ؟ لأنهم ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾
لكنه صلى الله عليه وسلم من كرمه، وحلمه، وعفوه، وصفحه كان يفعل ذلك، أو فعل ذلك صلى الله عليه وسلم، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مع عبد الله بن أبي بن سلول، وكذلك صلى عليه -عليه الصلاة والسلام -، وحينئذ أراد عمر رضي الله عنه أن ينهاه عن ذلك، وقال: أتصلي يا رسول الله عليه وقد فعل كذا وكذا؟ فقال: إن الله قد خيرني.
ثم إن الله عز وجل أنزل قوله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ﴾ ﵝالتّوبة الآية ﵔﵘﵜ
ولعله ليس بغائب عنكم وجه ذكر قوله “ ولا تصلي على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا “ بعد ذلك، بعد هذه الآية ﴿ٱستغفر لهم أولا تستغفر لهم﴾ لأن الصلاة استغفار، فهو إذ يصلي عليه، فمعناه: أنه يستغفر لهم، وإذ ينهى عن الصلاة عليه فمعناه: أنه ينهى عن الاستغفار عليه أو الاستغفار له.
ولذلك فإنَّ الله عز وجل قال -كما سيأتينا بعد ذلك في السورة نفسها ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾
إذا وردت آيات ظاهرها التخيير، فأخذ النبي بالظاهر وهو التخيير، حتى جاء الحكم الفصل القاطع بأنه لا يستغفر لهم، وليس له أن يستغفر لهم، فحينئذ امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولذلك قال في شأن عمه أبي طالب: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك)، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الله: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ وهذا فيه: أن من مات على الكفر فهو غير مغفور له وأنه من أهل النار، وأما الجنة فإنما يدخلها مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ.
ولذلك لما سألت أمنا عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان، وعن فعله الخير من صلة، وعتاقة، وصدقة، فقال لها: (إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) كما في صحيح مسلم.
قال الله:
﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱠ
﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ﴾ من ﴿ٱلمخلّفون﴾؟ المراد بهم: المنافقون الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.
لكن الله جل وعلا قال ﴿ٱلمخلّفون﴾ يعني أن الله خلفهم، فليسوا أهلا للقتال في سبيل الله، كما قال ﴿فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ﴾
فالتعبير هنا بقوله ﴿ٱلمخلّفون﴾ دلالة على أنهم حينما تخلفوا، فهذا لأنهم ليسوا أهلا للخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: بعد رسول الله، خلافه: وراءه، بأن مكثوا في المدينة ولم يتركوها
أو أن خلاف بمعنى: مخالفين رسول الله، فلذلك جاء التعبير بقوله ﴿خلف﴾، فتضمن معنيين:
خلاف رسول الله يعني: خلفه وبعده، فمكثوا في المكان وهو المدينة ولم يخرجوا للجهاد.
والمعنى الثاني: أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
﴿وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وذكر هنا الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله؛ للدلالة على أن هذا شرف لم يستحقوه ولم ينالوه.
﴿وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ﴾ قالوا مثبطين للمؤمنين ﴿لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ﴾، وتقدم معنا أن هذا كان في غزوة تبوك، وكان السفر بعيدا والحر شديدا، فأرادوا أن ينفروا المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله، وعن السير مع رسول الله صلى الله عليه.
ﵣوقالوا لا تنفروا في ٱلحرّ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ﴾ أين حر الدنيا من حر الآخرة؟ أين حر الدنيا من حر جهنم؟ ولذلك فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها بنفسين: نفس في الصيف ونفس في الشتاء، فهو أشد ما تجدون من الزمهرير - يعني في الشتاء - وأشد ما تجدون من الحر - يعني في الصيف) فالمعنى من ذلك: أن هذا الذي نراه من حر الدنيا ﴿أَنَّمَا﴾ هو نفس، “ اشتكت النار إلى ربها: يا رب أكل بعضي بعضا “، فانظر رحمك الله إلى رحمة الله بنا، أين حر الدنيا من عذاب الآخرة؟ ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ﴾.
﴿فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
﴿فليضحكوا﴾ لأنهم حين تخلفوا واعتذروا رأوا أنهم باعتذارهم قد ضحكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ضحكوا على الصحابة إذ خرج هؤلاء الصحابة في هذه الشدة والعسرة، وهم مكثوا في المدينة، رأوا أنهم في حالة راحة ودعة، فكان منهم الضحك.
﴿فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًا﴾ على ما اقترفوه، حينما يرون عذابهم في الآخرة ﴿فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
ثم حكم الله في شأنهم، في شأن هؤلاء المتخلفين والمخلفين في غزوة تبوك، من هؤلاء المنافقين
﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾
﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ﴾ يعني فإنَّ أعادك الله وردك الله ﴿طَآئِفَةٌ مِّنْهُم﴾ أي: إلى فريق من هؤلاء المنافقين الذين ثبت نفاقهم، ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ﴾ ردك الله.
وأنتم ترون أن الفعل “ رجع “ تعدي بنفسه وهذا أفصح، فالفعل رجع يتعدى بنفسه، فلا نحتاج إلى أن نقول: فإنَّ “ أرجعك الله “، بل تقول رجعه فرجعه تتعدى بنفسه، دون تعدية بالهمزة، وإن كانت الهمزة فيها لغة.
قال ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ طلبوا منك الإذن في غزوة أخرى ﵣفقل لّن تخرجوا معي أبدٗا ولن تقتلوا معي عدوًّا ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾ ٖ ﴿فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾ هذا فيه: أنه يعاقب الإنسان بسبب تخليه عن الطاعة من البداية، وبسبب تخلفه عنها، كما قال ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﵝالأنعام الآية ﵐﵑﵑﵜ فالإنسان إذا دعي فلم يستجب يوشك ﴿إِلَّا﴾ يدعى مرة أخرى، وألا يستجاب له وقت الشدة، وقت الحاجة.
قال الله عز وجل ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾ أي: فاقعدوا، فاقعدوا مرات أخرى.
﴿فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾ ما معنى الخالفين هنا؟ قالوا: مع المتخلفين من المرضى والنساء والصبيان، كونوا معهم، مثلهم، أنتم لم تريدوا شجاعة ولا نصرة لدين الله سبحانه وتعالى، وخشيتم على أنفسكم من الفتنة، أو من الحر، أو ما أشبه ذلك مما ادعيتموه ﴿فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ على هؤلاء المنافقين نفاقا عقديا ممن ظهر لك أمره، واستبان شأنه ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ لأنه مات على الكفر، وهذا فيه أنه لا يصلى على كافر، ﴿أَنَّمَا﴾ الصلاة تكون على المؤمن والمسلم.
وبعض الناس للأسف الشديد في هذه الأزمان وقع في خلل وخبط، حينما يصلون على بعض هؤلاء الكافرين، بدعوى أنهم شاركوا في القتال أو ما أشبه ذلك، فالصلاة ﴿أَنَّمَا﴾ تكون على المؤمن الذي آمن بالله واليوم الآخر.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ﴾ قالوا: ولا تقف على قبره للدعاء له بالمغفرة، وهذا فيه: أنه يشرع للإنسان أن يقف على قبر الميت، وأن يدعو له المغفرة، كما كان من صنيع النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قوله إذا دفن الميت: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل).
﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ هذا هو التعليل، أي: بسبب كفرهم بالله ورسوله.
﴿وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ استمروا على الكفر والفسق فماتوا عليه.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾ لا تغتر بالمال والأولاد، فهذه زينة مؤقتة، وهذه شهوات ذاهبة والله عز وجل ﴿أَنَّمَا﴾ أعطاهم إياها ابتلاء لا إنعاما وإكراما.
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ أي: وأن تخرج أرواحهم من أجسادهم وهم على كفرهم، نسأل الله السلامة.
﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَـٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ﴾
﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ إذا أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من سور القرآن تأمر بالإيمان والجهاد ﴿أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَـٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ﴾.
﴿ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ لم يقل: استأذنوا الرسول، ﴿أَنَّمَا﴾ قال “ استأذنك “ فهذا فيه التفات.
﴿ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ أصحاب الغنى واليسار منهم ﴿وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ﴾ اتركنا نتخلف مع أصحاب الأعذار كالضعفاء والزمنة، فعندهم تكاسل وتقاعس، وهذا دأبهم ونسأل الله السلامة.
من فوائد الآيات:
الكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرا.
الآيات تدل على قصر نظر الإنسان، فهو ينظر غالبًا إلى الحال والواقع الذي هو فيه، ولا ينظر إلى المستقبل وما يتمخض عنه من أحداث.
التهاون بالطاعة إذا حضر وقتها سبب لعقوبة الله وتثبيطه للعبد عن فعلها وفضلها.
في الآيات دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين وزيارة قبورهم والدعاء لهم بعد موتهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في المؤمنين.
قال الشيخ حفظه الله:
الكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرا. ولذلك قال الله ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾
الآيات تدل على قصر نظر الإنسان، فهو ينظر غالبًا إلى الحال والواقع الذي هو فيه، ولا ينظر إلى المستقبل وما يتمخض عنه من أحداث. فهنا قال ﴿وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ﴾ ينظرون إلى العجلة، إلى الدنيا، إلى رغد العيش الحال، ولا يلتفتون إلى الآخرة ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ﴾.
التهاون بالطاعة إذا حضر وقتها سبب لعقوبة الله وتثبيطه للعبد عن فعلها وفضلها. لذلك لما تخلفوا قال الله ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا﴾. وتقدم معنا قوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟﴾ ﵝآل عِمۡرَان الآية ﵕﵕﵑﵜ. وقال ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ﵝالمَائـِدَة الآية ﵙﵔﵜ قد تجر المعصية إلى معصية أخرى، نسأل الله السلامة.
في الآيات دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين وزيارة قبورهم والدعاء لهم بعد موتهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في المؤمنين. فقال ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ معناه صل على المؤمنين، ولا تصل على الكافرين، وكذلك ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ﴾ قم على قبور المؤمنين، وادع لهم، واستغفر لهم.
قال الله سبحانه:
﴿رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾
﴿رَضُواْ﴾ أي: رضي هؤلاء المنافقون لأنفسهم بالذلة والمهانة، حين رضوا أن يتخلفوا مع أصحاب الأعذار فهذا معنى ﴿مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾
ومما يحتاج إلى تأمل أنه قد جيء بهذا الجمع ﴿مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾، وجيء أيضًا ﴿مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ﴾.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ﵝالتَّوۡبَة الآية ﵗﵘﵜ تجدون أن الله سبحانه وتعالى كرر في سورة براءة وصف المنافقين بعدم الفقه، وهذا لا شك فيه، فإنَّ المنافق لا فقه عنده أو قليل الفقه، ولو كان يعي ويتفقه لآمن بالله حقًا وبرسوله صدقا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فهؤلاء رضوا بالدون وبأن يكونوا مع ذوي الأعذار، ولم تتهيأ نفوسهم للمعالي ولشرف الجهاد ﴿فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا﴾ أعده الله عز وجل للمجاهدين، نسأل الله الكريم من واسع فضله.
قال:
﴿لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾
قال ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ﴾ لم يبين لنا هذا هذه الخيرات أهي في الدنيا أم في الآخرة، وهذا يدل على عمومها، فقوله “ وأولئك لهم الخيران “ أي: في الدنيا والآخرة.
ولذلك قالوا هنا: “ وكان جزاؤهم عند الله حصول المنافع الدنيوية لهم كالنصر والغنائم، وحصول المنافع الأخروية ومنها دخول الجنة وحصول الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب “، فكل ذلك داخل في قوله ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠ
لما ذكر الله حال المنافقين ممن كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ذكر الله حال الأعراب؛ فالأعراب أيضًا انقسموا، منهم المؤمن ومنهم المنافق، فهؤلاء المعذرون من الأعراب جاءوا معتذرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأعراب: ساكنوا البادية، وأمر الجهاد عندهم ينبغي أن يكون أيسر؛ لأن هذا السفر البعيد هم متعودون عليه لذلك قالوا: “ إن أهل الوبر أقدر على الحل والارتحال “، فإذا امتنعوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا أيضًا لنفاقهم.
فقال ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ﴾، والقراءة أخرى ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ﴾.
﴿ٱلۡمُعَذِّرُونَ﴾ هنا فيها قولان، فالآية فيها احتمالان:
﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ أي: المعتذرون، وهذا فيه أنهم اعتذروا وكانوا معذورين، فمعنى ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ﴾ أي: أن هؤلاء جاءوا معتذرين، وهم ذوو أعذار؛ ولذلك قال بعدها ﴿وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ فلم يعتذروا ولم يلتفتوا فكأن الله قسم الناس:
منهم من اعتذر من هؤلاء الاعراب، ومنهم من قعد ولم يلتفت إلى هذا.
أو أن المقام هنا مقام ذم وذكر للمقصرين، سواء منهم من جاء معتذرا بغير عذر حقيقي، ومن أعرض ابتداء، فقالوا ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ أي: المقصرون من الأعراب، فجاء التعبير هنا بقوله ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ ليشمل المعنيين.
قال ﴿وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ أي: تخلف قوم آخرون لم يعتذروا أصلا عن الخروج.
﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لم يقل: سيصيبهم عذاب أليم كما قال ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ فإنَّ الذي كذب الله ورسوله كافر، فهذا لتسجيل الكفر عليه.
ثم قال:
﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
ينفي الله الحرج عن المعذورين، إذا هناك فرق كبير بين معذور وغير معذور، فالله جل وعلا أحب إليه المعذرة، لا أحد أحب إليه المعذرة من الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يقبل من العباد العذر ويخفف عنهم
فقال ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ﴾ قالوا هنا: “ على النساء والصبيان “ فهؤلاء ضعفاء؛ ولذلك لا يجب الجهاد على النساء، والآيات تدل على هذا في التعبير عنهم بالخالفين، وأيضا بأنهن ضعفاء، أو بأنهن من الضعفاء فيدخل فيه النساء والصبيان، وهذا ما دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حينما قالت أمنا عائشة “ أفلا نجاهد “؟ فقال: “ جهادكن الحج “
قال ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ لأن الجهاد -أعني الجهاد في غزوة تبوك -كان يحتاج إلى نفقة، فالسفر بعيد ويحتاج إلى زاد وإلى راحلة، ﴿إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ بشرط إذا أخلصوا لله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا هذا هو الضابط أن يكون الإنسان مخلصا راغبا في نصر دين الله سبحانه وتعالى.
﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أي: ليس على هؤلاء المحسنين من أصحاب هذه الأعذار.
﴿مِن سَبِيلٖۚ﴾ أي: من طريق العقاب عليهم، واستفيد من الآية الكريمة ﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أن المحسن إلى غيره لا ضمان عليه؛ لأنه لما أحسن إلى غيره كان مقدما في هذا الباب، فحينئذ لا يلام ولا يعاتب ﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يريدون الجهاد، لكن ليس لديهم الراحلة، ليس لديهم ما يركبون عليه حتى يصلوا إلى موضع الجهاد.
﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يطلبون ما تحملهم عليه من الدواب ﴿قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ﴾ شتان بين هؤلاء المعتذرين من المنافقين، وبين من تخلف بلا اعتذار أصلا، وبين هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين كانوا يرغبون كل الرغبة في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكم لهذه الدموع من أجر وثواب عند الكريم الوهاب، ورب دمعة غلبت وفاقت أولئك بأموالهم وجاههم وسلطانهم وما معهم في الدنيا؛ ولذلك جاء.
قال الله سبحانه:
﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ﴾
﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾ ليس على هؤلاء حرج ولا إثم ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ﴾ أي: الطريق بالعقوبة والمؤاخذة ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾ معهم ما يملكون به الزاد والراحلة والقدرة ﴿رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
من فوائد الآيات:
المجاهدون سيحصلون الخيرات في الدنيا، وإن فاتهم هذا فلهم الفوز بالجنة والنجاة من العذاب في الآخرة.
الأصل أن المحسن إلى الناس تكرما منه لا يؤاخذ إن وقع منه تقصير في إحسانه إليهم.
أن من نوى الخير واقترن بنيته الجازمة سعي فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر فإنه ينزل منزلة الفاعل له.
الإسلام دين عدل ومنطق؛ لذلك أوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء، ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس.
قال الشيخ حفظه الله:
المجاهدون سيحصلون الخيرات في الدنيا، وإن فاتهم هذا فلهم الفوز بالجنة والنجاة من العذاب في الآخرة. قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
الأصل أن المحسن إلى الناس تكرما منه لا يؤاخذ إن وقع منه تقصير في إحسانه إليهم. قال الله ﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
أن من نوى الخير واقترن بنيته الجازمة سعي فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر فإنه ينزل منزلة الفاعل له. ولذلك قال الله ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ﴾ هنا الآيات نفت عنهم الحرج، لكن جاء في السنة التصريح بثبوت الأجر، فيستفاد هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهناك فرق بين من نوى الخير، وبين من نوى وسعى في تحصيله، فمن نوى له أجر النية، وأما من سعى في التحصيل وحيل بينه وبين الوصول إلى منتهى الفعل، فله الأجر التام بفضل الله سبحانه وتعالى، وهذا من كرم الله وإحسانه لعباده.
الإسلام دين عدل ومنطق؛ لذلك أوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء، ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس. فقال ﴿۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ٩٣﴾.
قال الله سبحانه:
﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﱡ ﱠ
تأملوا يا أيها الإخوة الكرام، السورة الكريمة هتكت أستار المنافقين وفضحتهم، وبينت ماذا ينبغي للمؤمنين تجاههم، وماذا سيكون من شأن المنافقين حين يعود المؤمنون من جهادهم؛ فلذلك السورة أخبرت عن أمور مستقبلية وماذا على المؤمنين أن يسلكوه معهم.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ سيقدمون لكم الأعذار ويقولون لكم: اعذرونا ﴿قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن أصدقكم فيما أخبرتمونا به منها ﴿قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أعلمنا الله شيئًا مما في نفوسكم وأعلمنا بنفاقكم.
﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ﴾ ﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ﴾، هل ستتوبون وترجعون إلى الله سبحانه أم تستمرون ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من نفاق؟ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ هذا أمر مستقبلي، سيقع منهم ذلك.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ﴾ يأتون إليكم بالأعذار الباطلة، ويؤكدون الاعتذارات، لم؟ ﴿لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ﴾ أي: لتكفوا عن لومهم وتوبيخهم، هذا معنى ﴿لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ﴾.
﴿فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ﴾ كفوا عنهم يكفيهم ما أنزل الله عز وجل فيهم، يكفيهم أن الله أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بحقيقة أمرهم، يكفيهم وعيد الله عز وجل لهم، يكفيهم ما فاتهم من ثواب، ما فاتهم مما ظفر به المؤمنون وحصله أهل الإيمان من الخيرات التي قال الله فيها ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ﴾ الفوز بالجنة، والنجاة من العذاب في الآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ هؤلاء نجس وأصحاب عقائد خبيثة.
وتأملوا ما تقدم معنا في شأن المشركين ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقال هنا ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ وهذا فيه أن المنافق يحذر منه، ويتقى، أنه يلوث عقيدة الإنسان ويحمل الإنسان على الغي والضلال.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
تأملوا هنا في الآيات السابقة ﴿قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لكن لما ذكر الله حلفهم، لم يقل: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ﴾ فلا تعرضوا عنهم. قال ﴿فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ﴾ وقال ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
لما ذكر الله الحلف، لم يأمر المؤمنين بتكذيبهم؛ لأن المؤمنين يعملون مع الحلف بالظاهر والله يتولى السرائر، وهذا من إحسان الله سبحانه وتعالى وتعليمه عباده المؤمنين ماذا يسلكون مع أولئك الذين يحلفون بالله.
قال الله عز وجل ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ قالوا هنا: فإن ترضوا عنهم فقد خالفتم ربكم فإنه لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ.
والمعنى: إذا كان الله لا يرضى عنهم فكيف ترضون عنهم؟، لا ينبغي لأحد أن يرضى عمن سخط الله عز وجل عنه.
قال الله سبحانه:
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾
﴿ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ ليس المراد جميع الأعراب، وإنما الأعراب إن كفروا؛ ولذلك أحسنوا هنا في المختصر إذ قالوا: أهل البادية، فالأعراب: سكان البادية، أهل البادية، إن كفروا أو نافقوا كان كفرهم أشد من كفر غيرهم من أهل الحضر.
إذا التقدير هنا: الأعراب إن كفروا أو نافقوا كانوا أشد من غيرهم من أهل الحضر ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾.
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ ذلك لأنهم جاهلون، ولأنهم بعيدون عن السنة وبعيدون عن موضعها ومكأنها، والسماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك يكونون أشد في الكفر والنفاق، ولأنهم أيضًا يجبلون على الغلظة والقسوة والجفاء فقال ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
﴿وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ﴾ فريق منهم ﴿مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ﴾ يعتقد أن ما ينفق غرامة وخسران لا يعود عليه بالخير، ﴿أَنَّمَا﴾ هي غرامة يغرمها، وقد يفعلها رياء أو تقية.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ﴾ ينتظر أن ينزل بالمؤمنين شر حتى يتخلص من المؤمنين، وحتى يتخلص من رسوله الأمين، صلى الله عليه وسلم.
قال ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾ وهذا أن الجزاء من جنس العمل ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾ تدور عليهم الدوائر بالمصائب وبما لا تحمد عقباه ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ﴾ هناك فريق آخر من الأعراب وهم المؤمنون؛ ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن قوله ﴿ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ ليست عامة، وإنما هذا في حال كفرهم ونفاقهم ﴿وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ﴾ عنده عقيدة سليمة وعنده عمل صحيح.
﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ﴾ يعتقد عند إنفاقه أنه يتقرب بذلك عند الله سبحانه وتعالى، وأنه ينال بذلك دعاء الرسول له صلى الله عليه وسلم واستغفاره له، فهو يطمع في استغفار الرسول له، كما قال الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. فالرسول يثني عليهم ويدعو لهم؛ ولذلك قال: “ اللهم صلِّ على آل أبي أوفى “، حينما أتاه بصدقته.
قال ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ أي: هذه الصدقات والنفقات قربة مقبولة يتقبلها الله سبحانه وتعالى ﴿سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ نسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا.
من فوائد الآيات:
ميدان العمل والتكاليف خير شاهد على إظهار كذب المنافقين من صدقهم.
أهل البادية إن كفروا فهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر لتأثير البيئة.
الحض على النفقة في سبيل الله مع إخلاص النية وعظم أجر من فعل ذلك.
فضيلة العلم وأن فاقده أقرب إلى الخطأ.
قال الشيخ حفظه الله:
ميدان العمل والتكاليف خير شاهد على إظهار كذب المنافقين من صدقهم. ولذلك قال ﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ﴾ وسيأتينا ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ فالعمل يوضح حقيقة الإنسان، فالإنسان يدعي ما يدعي، ولكن البينة على المدعي، فحينما يدعي الإنسان ادعاء، أين عمله؟ فالعمل يوضح الحقيقة.
أهل البادية إن كفروا فهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر لتأثير البيئة. قال هنا ﴿ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾؛ ولذلك H0
الحض على النفقة في سبيل الله مع إخلاص النية وعظم أجر من فعل ذلك. ولذلك قال الله سبحانه ﴿أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
فضيلة العلم وأن فاقده أقرب إلى الخطأ. هذا في قوله ﴿ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ هم بعيدون عن سماع الوحي، ومن كان بعيدا عن سماع الوحي فإنه أدعى ﴿إِلَّا﴾ يستجيب للوحي؛ ولذلك كلما كان الإنسان قريبا من العلماء ومن طلاب العلم استفاد منهم؛ ولذلك يستفيد الإنسان من رؤية العالم ومن مجالسته، وكان بعضهم إذا شعر بقسوة قلبه جالس العالم، فإذا جالسه رق قلبه، وخشع فؤاده، واستقام على طاعة الله سبحانه، وعمل بطاعة الله عز وجل، نسأل الله العلم النافع والعمل الصالح
ونقف عند هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فنواصل القراءة في كتاب مختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة التوبة:
قال الله سبحانه:
﴿وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى أن الأعراب ينقسمون إلى منافقين ومؤمنين، وأثنى الله سبحانه وتعالى على المؤمنين منهم، هؤلاء الذين يؤمنون بالله وباليوم الآخر، ويتخذون ما ينفقون قربات عند الله ويلتمسون صلوات الرسول ودعواته لهم صلى الله عليه وسلم.
فبعد أن ذكر الله هذا الفريق ثنَّا الله عز وجل بذكر السابقين مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ بِإِحْسَٰنٍ ليكون في هذا دلالة على أن المؤمنين أعظم من أن يحصروا في الأعراب أو في جماعة من الأعراب، بل هناك من هم أعلى قدرا وأعظم منزلة، وهم السابقون الأولون، فقال ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾.
﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾ هل معنى الآية الكريمة أن المهاجرين والأنصار على قسمين فمنهم سابقون أولون ومنهم دون ذلك فالآية تقول ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ﴾
فهل نقول أن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض فيكون المعنى هناك مهاجرون سبقوا وهناك مهاجرون تأخروا فليسوا على مرتبة واحدة؟
أم أن نقول أن (من) هنا بيانية ويكون معنى ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ﴾ ما جنس هؤلاء السابقين الأولين؟ ﴿مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ فيكون المعنى على ذلك: أن كل المهاجرين والأنصار داخلون في معنى السابقين الأولين.
رجح عدد من المفسرين القول الثاني وهو أن قوله ﴿مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾، ﴿مِنَ﴾ فيه بيانية، لبيان جنس هؤلاء السابقين الأولين، فتكون الآية فيها إثبات الثناء على المهاجرين كلهم، وعلى الأنصار كلهم من قوله ﴿مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾ وعلى ذلك فقوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ أي من جاء بعدهم فتكون الآية قد أثنت ابتداءً على المهاجرين كلهم وعلى الأنصار جميعهم، ثم ذكرت الذين اتبعوهم بإحسان.
وأما القول الآخر وهو أن ﴿مِنَ﴾ تبعيضية فيكون معنى ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ﴾ ثناء على هؤلاء الذين سبقوا مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ بِإِحْسَٰنٍ فعطف على هؤلاء السابقين بقية الذين اتبعوهم بإحسان.
إما أن نقول عطف عليهم -أعني على السابقين الأولين -عطف عليهم الأنصار، وعطف عليهم الذين اتبعوهم بإحسان، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها تبعيض من المهاجرين وحدهم، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ فيكون جاء بعد ذلك والذين اتبعوهم بإحسان، فعلى هذا القول يكون المهاجرون على قسمين: هناك سابق، وهناك لاحق، كما يفيده قوله سبحانه ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما وقع من خالد شيء في حق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه H1.
وبناء على هذا القول فقوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ يدخل فيهم بقية الصحابة ممن تأخر في الهجرة أو ممن تأخر إسلامه أو أسلم الفتح أو بعده فتكون الآية على كل حال قد شملت أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم أجمعين
ولذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة وبالآية التي مضى ذكرها ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟﴾ في سورة الحديد استدلوا بذلك على أن الصحابة كلهم عدول وعلى أن الصحابة كلهم مآلهم إلى الجنة وأنهم من أهل الجنة؛ قالوا لأنّّ الله قال في حق الجميع ﴿وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهنا قال ﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾.
وأيا ما كان الأمر فالآية بلا شك فيها بيان فضل الصحابة رضي الله عنهم، وأن لهم قدرا عظيما عند الرب العظيم سبحانه وتعالى، كيف وقد سجل الله عز وجل رضاه عنهم ووعدهم بهذه الجنان! نسأل الله الكريم من فضله.
﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ تقدم معنا قبل ذلك ما يتعلق بالمهاجرين والأنصار في سورة الحشر﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ﴾ وكذلك تقدم معنا ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والأنصار هذه تسمية شرعية سماهم رب العزة سبحانه وتعالى.
* وقد استدل بعض العلماء بتقدم ذكر المهاجرين على الأنصار في هذه الآية وغيرها من الآيات على أن الهجرة أعظم وعلى أن المهاجرين أفضل من الأنصار وذلك لأنّّ الله قال ﴿مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾ وقال كما سيأتينا ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾ فقدم المهاجرين في الذكر على الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، ولذلك في ثناء الله على المهاجرين قال ﴿وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ فمع ثنائه عليهم بالهجرة، أثنى عليهم كذلك بالنصرة؛ ولذلك H0. لكنه يريد أن فيكون له فضل الهجرة صلوات الله وتسليماته عليه.
قال الله عز وجل ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ هذا فيه فضل من اتبع الصحبة الكرام من التابعين، وأتباع التابعين، وأتباع أتباع التابعين، إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى من قرون، شريطة أن يكون المُتَّبِعُ محسنا في اتباعه؛ لذلك قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ فقيد هذا الاتباع بأن يكون بإحسان.
إذا أردت أن تلحق بالصحابة الكرام رضي الله عنهم، فعليك بأن تتبعهم بإحسان، وقد استدل بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة؛ لأن الله أثنى من اتبعهم فقال ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ فهذا يعني أنه يتعين على الأمة أن تتبع أصحاب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد قال بعضهم في قوله تعالى ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ قالوا: “ ومن أساء إليهم لم يتبعهم بإحسان “ فمن معنى ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ اتبعوهم بثناء عليهم بأن أثنوا عليهم، وترضوا عنهم، ولم يسبوهم، ولم يشتموهم، ولم يذموهم، فهذا فيه: أن من سب الصحابة وتسخط عليهم وطعن فيهم وقدحهم فإنه ليس داخلا في قوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾.
وقد قال الله سبحانه وتعالى بعدما أثنى على المهاجرين والأنصار في سورة الحشر قال ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها ((أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم)) فهؤلاء الذين يسبون الصحابة رضي الله عنهم لا شك في بطلان صنيعهم. نسأل الله السلامة والعافية.
قال ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ سجل الله رضاه عنهم وهذا أعظم ما يعطاه العبد، أن يرضى الله عن العبد؛ فإذا رضي عنه أدخله جنته، وأكرمه بواسع فضله، ومتعه بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى.
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ قالوا هنا في التفسير: “ رضي الله عنهم فقبل طاعتهم، ورضوا عنه لما أعطاهم من ثوابه العظيم “ فرضا الله سبحانه وتعالى يقتضي قبول أعمالهم، ورضا الله صفة من صفات الله على الوجه الذي يليق بالله سبحانه وتعالى.
قال ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
قراءة أكثر القراء من القراء العشرة يقرأون الآية هكذا ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ بدون (من).
وقرأ ابن كثير المكي ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ بإثبات (من) كما هو في غير هذه الآية؛
فتعرفون أن هذا الأسلوب في القرآن الكريم ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ متكرر في كتاب الله ولكنه في المواضع كلها جاء بذكر (من) ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ إلا في هذا الموضع ففي هذا الموضع قراءة بدون إثبات (من) وهي قراءة الأكثرين وأيضا قراءة الجمهور من القراء وأما القراءة بإثبات (من) ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ وهي قراءة ابن كثير المكي، وهذا موجود في مصحف أهل مكة، ونقصد بذلك المصاحف التي دونت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولذلك من فقه عثمان رضي الله عنه واللجنة التي أعدها لهذا العمل العظيم من نسخ المصاحف في هذا الوقت العظيم الذي وقع فيه هذا الحدث الجليل فإنه رضي الله عنه في مثل هذا المقام سجل في بعض المصاحف بإثبات (من) وفي بعضها بدون إثبات (من) فيقرأ القارئ بهذا ويقرأ القارئ الآخر بذلك فقرأ أهل مكة بقراءة ابن كثير بإثبات (من) وقرأ غيرهم كمصحف أهل المدينة وأهل الشام، مثلًا بدون إثبات (من) وهذه قراءة متواترة وهذا من حسن صنيعه رضي الله عنه عنه.
وهنا في قوله ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ للمفسرين تحذيرات وتحليلات وتحريرات واكتشاف لبعض الأسرار بما يفتح الله على بعضهم في هذا الباب بأن ذكروا الفرق بين قوله ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ و ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ بما لا يناسب المختصر إلا أن نقول في ذلك شيئًا مختصرا:
من ذلك أن قال بعضهم أن قوله ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ لابتداء الغاية، وأنت إذا نظرت إلى المواضع التي جاءت فيها ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾، فإنها تعم أهل الإيمان، وأهل الإيمان يدخل فيهم بالدرجة الأولى الأنبياء والرسل، فقوله ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ أعم فناسب أن يأتي معها (من) التي هي للابتداء؛ لأنَّها تشمل الأنبياء والمرسلين واتباع الأنبياء والمرسلين وما إلى ذلك وأما آيتنا هذه فهي آية خاصة، ابتدأت بذكر الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم، فلما كان الأمر كذلك لم تذكر معها (من) لأن (من) لابتداء الغاية، وهذا من بداية الأنبياء المرسلين ففي الآيات الأخرى جاء ذلك وجاءت هنا بقوله ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ بدون (من)
* لكن أيضًا جاءت القراءة الأخرى وهي (من)، وكأنهم باتباعهم صاروا مع السابقين، ولأنهم لا يخالفون منهج الأنبياء والمرسلين، فالصحابة مقتدون بالنبي الأمين، والنبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بالأنبياء والمرسلين كما قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ فجمع في القراءة المعنيان أن هذا أجر خاص بهم، وأنه لا ينفك عن الأجور السابقة، والله تعالى أعلم.
وبعض العلماء التمس لذلك أوجه أخرى فبعضهم يقول: “ تجري من “ كما تقدم تأتي لابتداء الغاية يعني من بدايتها، وأما ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا﴾ فإنه لا يلزم أن تكون من بدايتها وكأنها تجري تحتها هي.