مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة التوبة — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 310 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَهُمْ كَـٰرِهُونَ﴾ فالمنافقون يكرهون ذلك، فهم يميلون إلى الباطل، ويكرهون ظهور الحق.

ﱡﭐ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱠ

﴿وَمِنْهُمْ﴾ وهذا كما تقدم تجدوه في السورة كثيرًا. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يخبر الله سبحانه وتعالى عن أوصافهم وأحوالهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ﴾ أي: من المنافقين من يعتذر بالأعذار المختلقة، فيقول للرسول: ﴿ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ﴾.

وقد جاء في حديث جابر رضي الله عنه عند ابن أبي حاتم -وهو حسن -أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لجد ابن قيس: ((هل لك في جلاد بني الأصفر في أن تحارب الروم، وتقاتل معنا)) فقال: وطلب من الرسول أن يعذره، قال: ((إني رجل أحب النساء)) -يخشى على نفسه من نساء بني الأصفر -فيعتذر، ولا يريد الخروج للجهاد؛ من أجل ﴿إِلَّا﴾ يرى نساء بني الأصفر فيقع منه ما يقع من فتنة.

فقال ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟﴾ وهل أنتم إذا بقيتم هنا وتخلفتم عن الجهاد ستسلمون من الفتنة؟ وقعتم في فتنة أكبر.

وهذا ما قرروه هنا في التفسير: ﴿إِلَّا﴾ قد وقعوا في فتنة أعظم مما زعموا، وهي فتنة النفاق، وفتنة التخلف بهذا الاعتذار الكاذب.

﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ﴾ محدقة بالكافرين ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ نسأل الله السلامة.

ثم قال:

ﱡﭐ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱠ

﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ المراد بالحسنة: الشيء المحبوب من المطر، ومن العطاء، ومن النصر، ومن الظفر، وما أشبه ذلك، والأقرب هنا أن المراد به: الغنيمة والظفر.

﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ بنصر، وتمكين، وظفر، وغنيمة تسؤهم. هذا شيء يسوءهم، يكرهون انتصاركم.

﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ شيء مكروه ﴿يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: قد احتطنا، نحن احتطنا ولم نخرج معهم، فنحن العقلاء، ونحن الحازمون في الأمر.

﴿وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ لأنهم سلموا من القتل، ومن الأسر، وسلموا من الأذى كما يدعون، فكيف يكون الجواب عليهم؟

ﱡﭐ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﱠ

علم الله المؤمنين جوابا شافيا كافيا، كيف نرد على هؤلاء المنافقين؟، حين يدعون لأنفسهم العقل والحكمة: نحن لم نخرج معكم لأننا كنا نعلم أنكم ستهزمون أو ستصابون بالأذى وبكذا، وبكذا..

فكيف يجيب المؤمنون؟ المؤمنون يجيبون بجوابين شافيين كافيين:

الأول منهما: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ نحن أخذنا بالأسباب، ونعلم أن الأمور مقدرة، ونحن قد استجبنا لأمر الله، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فعقيدتنا ﴿لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ﴾.

ومن جمال هذا التعبير الجليل ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ ولم يقل: قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ علينا، مع أنَّ المقام مقام إصابة ﴿لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ﴾ فهي وإن بدت مصيبة، فهي في الحقيقة نعمة فكم في البلاء من نعمة، وكم في المنع من عطاء.

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا﴾ هو مولانا يتولى أمورنا وشؤوننا ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ فنحن نأخذ بالأسباب، ونتوكل على الله سبحانه، وهو نعم الوكيل، وكفى بالله وكيلا سبحانه وتعالى، ونعم المولى ونعم النصير.

وتأمل ﴿هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ﴾ لم يقل: هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون، وإنما تلذذا بذكر اسمه العظيم. ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.

ﱡﭐ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﱠ

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيضًا لهم، أجب عليهم، رد عليهم بهذا الجواب الثاني الشافي:

ماذا سيكون؟ نحن إذا استجبنا وخرجنا للجهاد فنحن بين أمرين: بين أن ننتصر فننال النصر، وبين أن نقتل فننال شرف الشهادة، ففي كل الأحوال نحن في خير.

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهؤلاء المنافقين، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم: هل تنتظرون أن يقع لنا إلا النصر أو الشهادة وماذا في الأمرين؟ كلاهما خير.

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾ ما المراد بالحسنيين؟ النصر أو الشهادة.

﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ نحن أيضًا ننتظر ما الذي سيقع بكم ﴿أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ﴾ يهلككم ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ يجعل الله تعذيبكم على أيدينا ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ انتظروا ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ منتظرون.

وقوله ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ قالوا هنا: بقتلكم وأسركم إذا أذن لنا بقتالكم؛ لأنه قد يقول قائل: الأصل أن يتعامل مع الناس بالظاهر فكيف يقع قتال لهم؟ فيقال: في حالة إذا، أو إذا أظهروا النفاق

لذلك بعض المفسرين يقول: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ إذا أظهرتم النفاق، فحينئذ يكون هذا من قبيل جهاد المنافقين الذين أظهروا نفاقهم.

ﱡﭐ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﱠ

لا فائدة من نفقاتكم؛ فإنها أعمال تذهب سدى؛ لأنَّها لم تقم على الإيمان والتقوى، وإنما على الكفر، والصد عن سبيل الله، والرياء، فقال ﴿قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مختارين أو مكرهين.

﴿لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ خارجين عن طاعة الله، ولا يخفى عليكم أن النفاق المتحدث عنه هو النفاق الاعتقادي؛ صاحبه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهذا لا شك محبط للعمل؛ لأن صاحبه لم يدخل في دين الله حقًا، وصدقا.

ﱡﭐ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﱠ

قال ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ﴾ فهذا مبطل للأعمال ﴿وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ﴾هذا هو الأمر الثاني.

﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَـٰرِهُونَ﴾ ليسوا راضين، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ﴾

فقال ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَـٰرِهُونَ﴾ فهم لا يرجون ثوابا في صلاة، ولا يرجون ثوابا في إنفاق فلا يتقبل منهم هذا العمل الذي يعملونه، ونسأل الله السلامة.

من فوائد الآيات:

دأب المنافقين السعي إلى إلحاق الأذى بالمسلمين، عن طريق الدسائس والتجسس.

التخلف عن الجهاد مفسدة كبرى، وفتنة عظمي محققة، وهي معصية لله، ومعصية لرسوله صلى الله عليه وسلم.

في الآيات تعليم للمسلمين ﴿إِلَّا﴾ يحزنوا لما يصيبهم؛ لئلا يهنوا وتذهب قوتهم، وأن يرضوا بما قدر الله لهم ويرجوا رضا ربهم؛ لأنهم واثقون بأن الله يريد نصر دينه.

من علامات ضعف الإيمان وقلة التقوى: التكاسل في أداء الصلاة، والإنفاق عن غير رضا ورجاء للثواب.

قال الشيخ حفظه الله:

دأب المنافقين السعي إلى إلحاق الأذى بالمسلمين، عن طريق الدسائس والتجسس. ﴿لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ﴾.

التخلف عن الجهاد مفسدة كبرى، وفتنة عظمي محققة، وهي معصية لله، ومعصية للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال الله ﴿أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟﴾.

في الآيات تعليم للمسلمين ﴿إِلَّا﴾ يحزنوا لما يصيبهم؛ لئلا يهنوا وتذهب قوتهم؛ لأنهم واثقون بأن الله يريد نصر دينه. وذلك في قوله ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾.

من علامات ضعف الإيمان وقلة التقوى: التكاسل في أداء الصلاة، والإنفاق من غير رضا ورجاء للثواب. لذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَـٰرِهُونَ﴾.

قال الله سبحانه:

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱠ

فلا تعجبك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول أموالهم ولا أولادهم، فهذه الأموال والأولاد لا تنفعهم، كما قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 10]

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾هم في الدنيا يتعززون ويتقوون بهذا، ويقولون: نحن أكثر أموالا ونحن أعز نفرا، وأصحابا، وأولادا، لكن هذا لا ينفعهم عند الله

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذه الأموال، وهؤلاء الأولاد عذاب عليهم؛ لأنهم يتعبون في تحصيلها، فيريدون إسعاد أولادهم، فيجمعون الأموال بكسب، وشغف وهمة وبذل، مع أنَّ هذا لا ينفعهم في الآخرة، فيعذبون في الدنيا بتعب، وفي الآخرة بالعذاب.

قال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾:

قال بعضهم أي: ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ إعطاءهم ليعذبهم بها، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ تمتيعهم بها ليعذبهم؛ لأن قوله ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾تعليل، فقالوا: المفعول ﴿ يُرِيدُ ﴾مقدر.

وبعضهم جعل اللام بمعنى: أن فقال ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ تعذيبهم، فأقام اللام مقام أن، وجعلها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر، تكون مفعولا للإرادة، وهذا قليل.

لكن الكثيرين يقدرون مفعولا: ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ إعطاءه

﴿لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ تخرج أرواحهم وهم كافرون، نسأل الله السلامة.

ﱡﭐ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱠ

﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ من صفات المنافقين كثرة الحلف الكاذب ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ في حقيقة الأمر ليسوا منكم.

﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ هم قوم يخافون أن يحل بهم ما حل بالمشركين، من القتل، والسبي، فيظهرون الإسلام تقية، فالمنافقون يظهرون الإسلام تقية، خوفا على أنفسهم، وطلبا للعصمة؛ عصمة المال، والنفس، كما بين الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الأمر.

قال الله:

ﱡﭐ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ

لو يجد هؤلاء المنافقون ملجأ من حصن يحفظون فيه أنفسهم ﴿أَوْ مَغَـٰرَٰتٍ﴾ يجدون كهوفا في الجبال يختبئون بها، المغارات: السراديب كما يقال: المكان الذي يغور فيه الإنسان أي: يغيب ويستتر.

قال ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ سربا في الأرض، وقالوا هنا: أو يجدون نفقا يدخلون فيه لالتجأوا إليه.

﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: وهم مسرعون، فمن صفة المنافقين أيضًا الجبن، فالمنافق يجمع بين الجبن والكذب

ثم قال:

ﱡﭐ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱠ

﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ فالواحد منهم لماز، يتسم باللمز والهمز، يعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ أي: يعيبك في قسمة الصدقات.

﴿فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ يتذمرون وينكرون، لماذا لم يعطنا أو لم أعطى غيرنا أفضل منا أو أكثر؟ مع أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم معروف، ومشهور، ومقطوع بعدله وإنصافه صلى الله عليه وسلم.

ﱡﭐ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﱠ

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ أين الجواب؟ الجواب مقدر، أي: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾ لكان خيرا لهم؛ ولذلك في التفسير قالوا في آخر الكلام: لكان خيرا لهم من أن يعيبوك، هذا جواب (لو).

﴿وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾ تأمل لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله؛ لأن الحسب والكفاية كما تقدم خاصة بالله، ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾.

ولعلكم تتذكرون ما تقدم في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64] وما قرره المفسرون في العطف في قوله ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهنا قال في باب الحسب والكفاية ﴿وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾

تأمل عطف الرسول في جانب الإيتاء، الله ورسوله ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ﴾ ثم قال ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾ سبحانه وتعالى.

قالوا هنا في المختصر: ولما عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمتها، بين لهم مصارفها ومستحقيها تبرئة لرسوله، فهذا وجه المناسبة.

ﱡﭐ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﱠ

ما وجه الصلة بين قوله ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الآية وما قبلها؟

لما عاب المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا يُعطى قوما ولا يعطينا؟ فالجواب: لأن هؤلاء مستحقون وأنتم غير مستحقين، إذا فمن المستحق؟ جاء بيان هؤلاء المستحقين، فقال ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾

والمراد بالصدقات هنا: الزكوات، فالصدقة هنا: الزكاة، أي: الصدقة الواجبة؛ ولذلك قال في آخر الآية ﴿فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾فرضها الله فريضة، فهي واجبة وأما باب الصدقة التطوعية فبابها أوسع، والحديث هنا عن الزكاة الواجبة.

﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾وتأمل الفرق بين ما جاء هنا في شأن الزكاة، وبين ما جاء في شأن الغنيمة، في شأن الأنفال، الغنائم في قوله ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] لم يقل هنا: ((﴿أَنَّمَا﴾ الصدقات لله))؛ لأن أمر الزكاة مختلف؛ ولذلك الرسول قال في شأن هذه الصدقة: ((﴿أَنَّمَا﴾ هي أوساخ الناس، طهرة للناس))؛ ولذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأكل من الصدقة، صلى الله عليه وسلم.

﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ هذه ثمانية أصناف تصرف إليهم الزكاة، لا تصرف الزكاة إلى غيرهم، فمن أراد أن يخرج زكاة ما له، أن يخرج الصدقة الواجبة، فليخرجها إلى هؤلاء الأصناف.

* وهل يجب عليه استيعاب هذه الأصناف؟

المرجح من أقوال الفقهاء -والعلم عند الله -أن ذلك ليس بلازم، إذا لا يلزم أن تستوعب الزكاة جميع الأصناف، وإن قال بذلك بعض العلماء.

﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ هنا عطف المساكين على الفقراء، فهل هناك فرق بين الفقير والمسكين؟

قالوا هنا في التفسير: ﴿أَنَّمَا﴾ الزكوات الواجبة يجب أن تصرف للفقراء، وهم المحتاجون الذين لديهم مال من مهنة، أو وظيفة، لكنه لا يكفيهم، إذا فسروا الفقير بأنه: الذي له عمل، أو كسب، لكنه لا يكفيه ولا يتنبه لحالهم.

﴿ وَالْمَسَاكِينِ﴾ من المساكين الذين لا يكادون يملكون شيئًا، هذا فيه أن الفقير أحسن حالا من المسكين وأن المسكين حاله أشد، إلى هذا ذهب فريق من العلماء

ومنهم من عكس، فقال: بل الفقير حاله أشد، وهو الذي ليس معه شيء، والمسكين معه، لكن ليس معه ما يكفيه، واستدلوا على ذلك بأمر السفينة في قصة الخضر وموسى عليهما السلام ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79] قالوا: هذا فيه أن هؤلاء كانت لهم سفينة ومع ذلك وصفهم الله بالمسكنة.

وقال الآخرون: لا يلزم أنهم كانوا يملكونها، فهنا ليست اللام للتمليك، وإنما ربما كانت مختصة بهم، كأن يؤجروها مثلًا، كأنهم كانوا يؤجرونها من مالكها.

* على كل حال المسألة فيها أخذ ورد وخلاصة القول أن الفقراء والمساكين ممن تصرف لهم الزكاة؛ لأن ما معهم لا يكفيهم، وإذا ذكر الفقر وحده أو المسكنة وحدها شملت الاثنين، فإذا ذكر في نص الفقراء وحدهم أو المساكين، فإنَّ هذا يعم الفقير والمسكين.

قال ﴿وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ قال: وللسعاة الذين يرسلهم الإمام لجمعها، فهم العاملون على جمع تلك الزكوات من قبيل ولي الأمر فهؤلاء يعطون من تلك الزكاة، ممن يجعلهم سعاة يجمعون تلك الصدقات.

قال ﴿وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: الكفار الذين يتألفون بها ليسلموا، كافر يعطى من الزكاة؛ تأليفا له؛ ليدخل في الإسلام.

وأيضا يدخل في المؤلفة أو لضعفة الإيمان؛ ليقوى إيمانهم، رجل دخل في الإيمان، لكن إيمانه ضعيف فيعطى؛ ليقوى إيمانه، أو لمن يدفع بها شره؛ شخص يسيء للإسلام والمسلمين فلدفع شأنه يعطى من هذا.

قال ﴿وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾ أي: تصرف الزكاة أيضًا ﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾ أي: في الأرقاء؛ ليعتقوا بها فتصرف الزكاة في عتق الرقاب وتحريرها.

﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾ أي: المدينين في غير إسراف ولا معصية، إن لم يجدوا وفاء لما عليه من دين، هذا معنى الغارم: المدين الذي لا يجد قضاء ولا سدادا.

﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فسَّروه هنا بالجهاد، وتصرف في تجهيز المجاهدين في سبيل الله.

﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: المسافر الذي انقطعت نفقته.

فهذه هي الأصناف الثمانية، وتلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أن رب العزة قال ﴿لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ فأدخل اللام، فهذا فيه معنى التمليك، وأنك إذا أعطيت الزكاة للفقير ملكته إياها، فالفقير يأخذ المال يتصرف هو فيه، فأنت لا تتصرف في المال الذي تعطيه للفقير إلا بإذن منه، فتكون وكيلا عنه، وإلا فالأصل أن تعطيه المال وهو الذي يتصرف فيه، وكذلك الأمر في المسكين والعاملين عليها وفي المؤلفة قلوبهم.

لكن بعد ذلك قال ﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾ فلما ذكر الرقاب قال ﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾؛ لأنك قد لا تعطي المال للعبد وإنما تعطيه لسيده فلا إشكال ولا حرج.

وكذلك ﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾، فأنت قد لا تعطي المال للمدين تعطيه للدائن لا حرج، فلو أن شخصا أخرج زكاة ماله في قضاء دين لشخص مستحق لإعطائه الزكاة دون أن يسلم المال للمدين، وإنما أعطاه للدائن مثلًا، فهذا لا حرج فيه ولا بأس، لكن يعلم أنه سيسقط الدين عن المدين.

وقوله ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ اختلف المفسرون في معنى ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾:

وهنا فسَّروه بالجهاد في تجهيز المجاهدين في سبيل الله وهو أقرب؛ لأن هذا هو المشهور في استعماله في سبيل الله في القرآن، فإذا حملناه على المعنى الأغلب في كتاب الله حمل عليه، لا سيما وأن الآية وردت في سورة براءة، وسورة براءة حديثها عن الجهاد في سبيل الله، وتقدم فيها ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ بمعنى الجهاد أيضًا في سبيل الله.

ومن أهل العلم من جعل ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾: في صنوف الخير، وفي أبواب الطاعات، فقال ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ في أبواب الخير، وعكر على ذلك بأنه لو كان الأمر كذلك ما كانت هناك حاجة لذكر ثمانية أصناف، فالله لما عدد ثمانية أصناف دل على أن كل صنف مستقل، ولا يقال من قبيل عطف عام على خاص، فإنه بعد ذلك قاله ﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ فهل يكون بعد ذلك خاص بعد عام وقبله؟، هذا بعيد.

وبعض العلماء جعل ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ تشمل الجهاد بأنواعه، فيدخل في ذلك ما إذا احتاجت الدعوة لباب من الأبواب، كأن يكون مثلًا في بلد غير إسلامي من بلاد الكفر، وفيه مركز من المراكز الإسلامية، يحتاجون مثلًا لبناء مسجد، وليس هناك مسجد في هذا المكان، أو يحتاجون لتعليم الناس، وهذا أمر يحتاجون إليه بل يضطرون إليه، وليس لهم مصرف آخر غير الزكاة، فحينئذ يعطون من هذه الزكاة، بخلاف ما إذا كان هذا في بلاد الإسلام والمساجد منتشرة، وأبواب الدعوة كثيرة فيكون هذا من باب الصدقات لا من باب الزكوات

على كل حال هذه مسألة معروفة في الفقه وفيها الخلاف المشهور قال ﴿فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

ﱡﭐ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﱠ

﴿وَمِنْهُمُ﴾ تأمل ﴿وَمِنْهُمُ﴾ من هؤلاء المنافقين الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، والله قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57].

قال الله ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: يسمع من كل أحد ويصدقه، ما معنى ﴿أُذُنٌ﴾؟ يعني يقولون: الرسول يسمع من كل أحد ويصدقه، لا يميز، هكذا يدعون ويزعمون. فرد الله عز وجل ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمع إلا الخير، الرسول يميز، ولكنه من رحمته ولطفه، يسمع ممن يتكلم معه، ثم إنه يميز هذا ويعرف من الذي يسمع كلامه، ومن الذي لا يسمع كلامه، من الذي يستجاب له، ومن الذي لا يستجاب له.

﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾ فهو يؤمن بالله، يصدق به ويقر له سبحانه وتعالى، يقر لله عز وجل بالتوحيد

﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ صلى الله عليه وسلم، فهو أيضًا يصدق ما يخبر به المؤمنون، بأن الأصل في المؤمن أنه صادق فيما يخبر به.

﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ﴾ فهو يرحمهم صلى الله عليه وسلم ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

من فوائد الآيات:

قد تكون الأموال والأولاد سببًا للعذاب في الدنيا، وقد تكون سببًا للعذاب في الآخرة؛ فليتعامل العبد معهما بما يرضي مولاه فتتحقق بهما النجاة.

توزيع الزكاة موكول الاجتهاد وولاة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال.

إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق برسالته كفر يترتب عليه العقاب الشديد.

ينبغي للعبد أن يكون أذن خير لا أذن شر، يستمع ما فيه الصلاح والخير، ويعرض ترفعا وإباء عن سماع الشر والفساد.

قال الشيخ حفظه الله:

الأموال والأولاد قد تكون سببًا للعذاب في الدنيا، وقد تكون سببًا للعذاب في الآخرة. قال ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾

توزيع الزكاة موكول إلى الاجتهاد وولاة الأمر يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهذا إذا جمعوا الصدقات فإنهم ينظرون فيما يقدمون وفيما يؤخرون، أما إذا كان الإنسان يدفع الزكاة بنفسه، فإنه ينظر إلى هذه الأصناف ويعطي منها ما استطاع، وما كان أمامه متيسرا.

قالوا: إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق برسالته كفر يترتب عليه العقاب الشديد. فإيذاء الرسول كفر وقد توعد الله من يؤذي الرسول، فقال ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وفي الآية الأخرى قال الله ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ فهذا في شأن أولئك الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم

ينبغي للعبد أن يكون أذن خير لا أذن شر، يستمع ما فيه الصلاح والخير، ويعرض ترفعا وإباء عن سماع الشر والفساد، وهذا من باب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ﴾.

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱠ

قال الله سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ أي: يحلف هؤلاء المنافقون أنهم لم يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يرضوكم، لترضوا عنهم.

قال الله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ والله ورسوله أحق بالإرضاء، بأن يؤمنوا حقًا وصدقا.

﴿إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ وهنا قال ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فجاء بهذا الضمير المفرد الهاء، ولم يقل: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن﴾ يرضوهما؛

فقال بعض العلماء: لأن إرضاء الرسول إرضاء لله سبحانه، فمن أرضى الرسول، فقد أرضى ربه عز وجل، فصار الرضا في الحقيقة متفقا غير مختلف.

وقال بعضهم: بل يعود هذا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾.

ﱡﭐ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ

ألم يعلم هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ﴾.

ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱠ

تقدم أن سورة التوبة السورة الفاضحة، فضحت المنافقين، حتى أنهم خافوا أن تذكرهم بأسمائهم، وأن تنص عليهم ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ على من؟

بعضهم قال: على المنافقين ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم﴾ أي: تنبئ المنافقين بما في قلوب المنافقين فتتفق الضمائر.

ومنهم من قال: ﴿أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المؤمنين ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم﴾ تنبئ المؤمنين ﴿بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾: بما في قلوب المنافقين.

ورجح الأول بأن اتحاد الضمائر أولى من تفريقها، على كل فالمعنى متضح، فهم في حذر، وخوف، وهلع.

فقال الله﴿قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ وهذا الأمر ما المراد به؟ المراد به: التهديد ﴿قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟﴾ هذا فيه تهديد، كقوله ﴿ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40].

ﱡﭐ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﱠ

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾ عن ماذا؟ عن هذا الاستهزاء الذي وقع منهم، ولئن سألتهم عما قالوا من الطعن وسب المؤمنين بعد إخبار الله لك؛ وذلك أن جماعة من المنافقين استهزأوا بمجموعة من القراء من أصحاب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، وقالوا: ((ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونا، وأجبن عند اللقاء، وأكذب حديثا أو ألسنة))، فطعنوا في بعض الصحابة، وهم يقصدون بذلك الطعن في الدين.

فقال ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ كان هذا على سبيل الهزل لا الجد، فقال الله ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.

ﱡﭐ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﱠ

﴿لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ فهذا يدل على أن الاستهزاء بآيات الله كفر بالله العظيم.

وتأمل قوله ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ فعطف الرسول والآيات عليه سبحانه وتعالى، ومعروف أن الاستهزاء بالله كفر لا يقبل بحال من الأحوال، وإنما جيء هنا بقوله ﴿أَبِٱللَّهِ﴾ في الصدارة ليعلم أن الله لا يرضى أبدًا بالاستهزاء بآياته ولا برسوله، وأن من استهزأ برسوله أو بآياته فقد استهزأ به عز وجل ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.

﴿لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ أي: لا تعتذروا بهذه الأعذار الكاذبة، قولكم: “ نخوض ونلعب “ غير مقبول منكم، فالاستهزاء بآيات الله كفر.

﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾ وقوله ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾

قالوا هنا: فقد أظهرتم الكفر باستهزائكم بعد أن كنتم تضمرونه.

﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ أظهرتم ما في صدوركم وقلوبكم حينما جهرتم بهذا الاستهزاء، فهو ينبئ عما في داخلكم.

ولذلك قال هنا ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، لم يقل: “ بعد الإيمان “، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ المضاف إليكم؛ لأنه إيمان غير حقيقي، وإنما هو إيمان مدعى، لكن استفاد العلماء من ذلك أيضًا أن المؤمن إذا وقع منه استهزاء بآيات الله فهذا كفر بالله أيضًا

* فلذلك لا يقال إن قوله ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ ليس من أجل الاستهزاء، ولكن من أجل أنهم في الأصل على الكفر، وإنما هذا إظهار كفر موجود.

* يقال وأيضا فيه أن من استهزأ بآيات الله فقد وقع في الكفر. نسأل الله السلامة.

﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ ولذلك بعضهم قال: هذا في شأن ضعاف الإيمان؛ لأنّّ الله قال ﴿ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ فأثبت لهم إيمانا

قال ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾، ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ﴾ قالوا: إن نتجاوز عن فريق منكم؛ لتركه النفاق، وتوبته منه وإخلاصه لله، ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾؛ بإصرارهم على النفاق وعدم توبتهم.

ثم بين الله عز وجل صفات المنافقين رجالا ونساء فقال:

ﱡﭐ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﱠ

﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ﴾ وهذا في مقابلة صفات المؤمنين التي ستأتي بإذن الله في قوله ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ [التوبة: 71].

هنا قال ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ فتقدم أنه من صفات المنافقين البخل، يقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيله﴿ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ هناك من صفات المؤمنين ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾وهنا ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ فلا يذكرون الله ولا يقيمون الصلاة وإذا أقاموها كانوا كسالى، فهذا في مقابلته ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾

﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: تركوا الله أن يطيعوه فتركهم الله من توفيقه، ما معنى ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ﴾؟ يعني: تركوا طاعة الله.

﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ ما معنى ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾؟ أي: عاملهم عمل الناسي لهم، وهو ليس بناس لهم سبحانه.

فيقال ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عاملهم كالمنسي.

أو فنسيهم من الخير والتوفيق.

أو ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ يعني: تركهم في العذاب.

* وتقدم هذا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ النسيان بمعنى: الذهول والغفلة محال على الله كما قال الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] وأما النسيان المثبت له في بعض الآيات كهذه الآية ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فالمعنى تركهم في العذاب كالمنسي، أو ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تركهم من التوفيق والخير؛ لعدم صلاحيتهم له.

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ بهذا الأسلوب الذي يفيد معنى الحصر والقصر، بمعنى: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ الكاملون في الفسق الذين فسقهم أتم؛ لأن العاصي يقع في فسق، يقع منه فسق دون فسق، لكن الذي فسوقه أكبر وأخطر هو المنافق.

ﱡﭐ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳﲴ ﲵ ﲶﲷ ﲸ ﲹﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﱠ

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ نسأل الله السلامة.

﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ طردهم من رحمته ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ مستمر.

من فوائد الآيات:

قبائح المنافقين كثيرة ومنها: الإقدام على الأيمان الكاذبة، ومعاداة الله ورسوله، والاستهزاء بالقرآن والنبي، والمؤمنين، والتخوف من نزول سورة في القرآن تفضح شأنهم، واعتذارهم بأنهم هازلون لاعبون هو إقرار بالذنب، بل هو عذر أقبح من الذنب.

لا يقبل الهزل في الدين وأحكامه، ويعد الخوض بالباطل في كتاب الله، ورسله، وصفاته كفرا.

النفاق مرض عضال متأصل في البشر، وأصحاب ذلك المرض متشابهون في كل عصر وزمان، في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم، وإمساكهم عن الإنفاق في سبيل الله للجهاد، وفيما يجب عليهم من حق.

الجزاء من جنس العمل، فالذي يترك أوامر الله ويأتي نواهيه يتركه الله، يتركه من رحمته.

قال الشيخ حفظه الله:

قبائح المنافقين كثيرة ومنها: الإقدام على الأيمان الكاذبة، ومعاداة الله ورسوله، والاستهزاء بالقرآن والنبي، والمؤمنين، والتخوف من نزول سورة في القرآن تفضح شأنهم، واعتذارهم بأنهم هازلون لاعبون، ومنها الإقدام على الأيمان الكاذبة ومعاداة الله ورسوله، والاستهزاء بالقرآن إلى آخره. كل هذا دلت عليه هذه الآيات المباركة ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾، ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾، ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ وأيضا ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. فهذه صفاتهم، وهذه أفعالهم، وحتى ما اعتذروا به إقرار بالذنب، بل هو عذر أقبح من الذنب.

لا يقبل الهزل في الدين وأحكامه، ويعد الخوض بالباطل في كتاب الله، ورسله، وصفاته كفرا؛ لذلك قال الله سبحانه ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ وهذا فيه أن من استهزأ بالقرآن فهذا كفر بالله العظيم، أن من استهزأ بالرسول عليه الصلاة والسلام فهذا كفر بالله العظيم.

النفاق مرض عضال متأصل في البشر، أصحاب ذلك المرض متشابهون في كل عصر وزمان، في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، إلى آخره في قوله ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

الجزاء من جنس العمل، فالذي يترك أوامر الله ويأتي نواهيه يتركه الله، يتركه من رحمته ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.

نسأل الله السلامة، ونسأله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، ونعوذ بالله من النفاق، هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله، وسلم تسليما كثيرًا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة التوبة

ﭧﭐﭨﭐ

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱠ

هذه الآية الكريمة لها صلة وثيقة وجلية بالآية التي سبقتها، ويؤذن بهذه المناسبة والصلة وجود الكاف التي تدل على التشبيه، وهذا معناه أن بين الآيتين اتصالا بين مشبه ومشبه به، فالله عز وجل قال في الآية السابقة ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾

ثم قال ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فهنا شبه شيئًا بشيء، فما هذا المشبه به؟ وما هذا المشبه؟

المشبه به هو: من سبق، وهو قوله ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ إذا يشبه ﴿ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ﴾ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الذين وقع منهم ذلك في الأمم السابقة.

لكن قوله ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تشبيه ماذا بماذا؟

إما أن يقال إنه تشبيه عمل بعمل، وإما أن يقال إنه تشبيه جزاء بجزاء، إذا شبه الله عمل المنافقين والمنافقات والكفار بعمل الذين من قبلهم، ممن ﴿كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وأكثر أموالا وأولادا، لكنهم وقعوا في فتن الشبهات والشهوات، كما وقع أولئك من الأمم السابقة في الشبهات والشهوات، وقع المنافقون، والمنافقات، والكفار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

ويمكن أن يكون التشبيه في الجزاء، أي: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ﴾ ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ إلى آخر الآية الكريمة وهذا أيضًا وعد الله عز وجل به من سبق من الأمم المكذبة في السابق؛ لذلك حينما تقرأون كتب التفسير تجدون تقديرات متعددة للعلماء.

فمثلا هنا في التفسير قالوا: ((أنتم يا معشر المنافقين في الكفر والاستهزاء مثل الأمم المكذبة من قبلكم))، فهم جعلوا ﴿كَٱلَّذِينَ﴾ خبرا لمبتدأ، أي: أنتم كالذين من قبلكم، وهذا لا ينافي التشبيه، فقوله “ أنتم “ ينبئ عن الآية السابقة كما هو معلوم، لكنهم جعلوا وجه الشبه في ذلك ماذا؟ في الكفر والاستهزاء.

من أهل العلم من قال ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ “ فعلتم كالذين من قبلكم “، أو “ وفعلتم كفعل الذين من قبلكم “، فيكون هذا فيه تشبيه للفعل بالفعل،

ومنهم من قال وعدهم كالذين من قبلكم، أي: كما وعد الذين من قبلكم

ومنهم من جعله متعلقا بقوله ﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ كما لعن الذين من قبلهم وكما عذب الذين من قبلهم،

على كل هناك أوجه كثيرة وإعرابات متعددة في الآية الكريمة، حاصل القول فيها يقال أن التشبيه في هذا المقام قائم على أمرين:

إما أنه من باب تشبيه العمل بالعمل، أو تشبيه الجزاء بالجزاء، وبينهما تلازم؛ لأن الجزاء من جنس العمل فالكافر إذا شابه الكافر، كان جزاؤه كجزائه وكان عقابه كعقابه.

قال الله ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾

وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الآية هنا في قوله ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تعود على المنافقين، كما هو ظاهر، وكما قالوا هنا في التفسير: ((أنتم يا معشر المنافقين))، فيكون في الآية هنا التفات على هذا؛ لأنه قال ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ﴾ وهو يتحدث عنهم، ثم خاطبهم فقال ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المنافقون.

وبعضهم يقول هو لعموم الأمة؛ من باب التحذير؛ لأن في الأمة من يتابع هؤلاء، فحينئذ يكون في الآية تحذير من أن نتابع هؤلاء من الأمم السابقة، الذين وقع منهم ما وقع من كفر، وتكذيب، واستهزاء.

قال الله ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة: 1)

هنا فائدة جليلة في أول الآية أيضًا لا نريد أن نتجاوزها وهي: أن الله سبحانه ذم أولئك المنافقين والمنافقات، والكفار، ومن صار على منوالهم، حينما شابهوا الأمم السابقة في ما كانوا عليه من معصية، ومخالفة وهذا فيه: أنه من الصفات التي تذم في الإنسان: أن يتشبه بالكفار، وأن يتشبه بالمخالفين، والمعاندين، وأهل المعاصي.

ولذلك إذا طبقنا المقارنة بين قوله ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية، وبين ما ذكر الله في صفات المؤمنين، فنجد تقابلا عجيبا،

فإنَّ الله سبحانه لما وصف المؤمنين كما سيأتينا بعد قليل قال ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ هذا في مقابلة قوله في شأن المنافقين والمنافقات ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ﴾ إذا صفة في مقابلة صفة

ثم قال في حق المؤمنين والمؤمنات ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ وقوله ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ في مقابلة قوله ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ لأن إقامة الصلاة ذكر لله، والله قال ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ ﵝطه الآية ﵔﵑﵜ فلما نسوا أنفسهم لم يذكروا الله، ولم يصلوا، وأما المؤمنون قال ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾.

وقال هنا ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ والزكاة فيها إحسان إلى الغير، وهذا يقابل قوله في شأن المنافقين والمنافقات ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾.

ثم قال في شأن المؤمنين والمؤمنات ﴿وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ فأين هذا في صفات المنافقين؟

قال بعض العلماء هذا في مقابلة قوله ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ أي: شابهتم أو فعلتم كالذين قبلكم، أو أنتم كالذين من قبلكم أي: أيضًا أنتم تتشبهون بالكفار، لا تقتدون بالأنبياء والمرسلين، فالمؤمنون، والمؤمنات دأبهم أنهم يطيعون الله ورسوله، وأما المنافقون، والمنافقات، والكفار فدأبهم تقليد الكفار، وترك طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ثم قال الله ﴿فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَـٰقِهِمْ﴾ أي: بنصيبهم المقدر لهم من ذلك، ﴿فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَـٰقِكُمْ﴾ أي: بنصيبكم ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَـٰدًا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَـٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَـٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَـٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ إذا جمعتم بين وصفين ذميمين؛

أما الأول: فهو الاستمتاع، والمراد به: الاستمتاع بالشهوات دون زاجر، أو رادع، بمعنى أن الشهوة تملكه وتأثره، فيعصي الله جل وعلا من أجلها، فهذا معنى الاستمتاع، إذا فاستمتعوا ﴿فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَـٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ﴾ المراد به: الاستمتاع بالشهوات، وهذا فيه فتنة الشهوات

وقوله ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ هذا فيه فتنة الشبهات، الخوض بترك الحق، والابتعاد عن الحق، ونشر العقيدة الفاسدة الباطلة، هذا من الخوض في آيات الله سبحانه.

فالمعنى: أن الأمم السابقة منهم من جمع بين فتن الشهوات والشبهات، وأنتم شابهتموهم في ذلك، فسرتم على منوالهم، وقلدتموهم في ذلك، فقال ﴿خضتم كٱلّذي خاضوٓا﴾.

وتقدم معنا مرارا أنه قد وردت آيات في القرآن الكريم تدلنا على اتقاء فتن الشهوات والشبهات، وتدعونا إلى التمسك بالكتاب والسنة والتقوى؛ ولذلك أمرنا بالصبر واليقين، وأثنى الله فقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ﵝالسّجدة الآية ﵔﵒﵜ

قالوا: لأن الصبر يتقي به الإنسان فتن الشهوات؛ لأن الشهوة لكي تتقى، ولكي يحذر الإنسان منها من إغوائها للإنسان، أو من إضلاله بها، فإنَّ عليه أن يصبر، صبر عن المعصية وإحجام عنها.

وأما الشبهات والشكوك التي ترد على الإنسان، فإنَّ الذي يطردها ويصرفها عن الإنسان اليقين.

فإذا رزق الإنسان الصبر واليقين، فهو مفلح؛ ولذلك قالوا: تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين ولذلك قال الله في سورة العصر ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ ﵝالعصر من الآية ﵒ إلى الآية ﵓﵜ فإنه عند التواصي بالحق يسلم الناس من فتن الشبهات، وعند التواصي بالصبر يسلم الناس من فتن الشهوات

فقال ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ ما معنى ﴿كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾؟

قال بعضهم أي: كالفريق الذين خاضوا، فكالذي معناها: كالفريق الذي خاض، ويكون معنى “ الذي “ هنا: الذين، فمعنى ﴿خضتم كٱلّذي خاضوٓا﴾ يعني: خضتم كالذين خاضوا، ويكون المعنى: وخضتم كالفريق الذي خاض، وقال هنا ﴿خاضوٓا﴾ لأن الذي بمعنى “ الذين “

والقول الثاني: أن معنى قوله ﴿وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ أي: خضتم كالخوض الذي خاضوا، فيكون المعنى: وخضتم كالخوض الذي خاضوا، فخوضكم مثل خوضهم؛ ولذلك ربنا قال في قوم ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﵝالدّخان الآية ﵙﵜ وقلنا هناك في تفسير سورة الدخان، ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ﴾ هذا فيه فتن الشبهات، التشكك، ﴿يلعبون﴾ ﵝالدّخان الآية ﵙﵜ فيه فتن الشهوات، فقوله ﴿فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﵝالدّخان الآية ﵙﵜ معناه أنهم مفتونون بفتن الشهوات والشبهات.

وهذا فيه: أن من أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنَّ الله يسلمه من فتن الشهوات والشبهات أما إذا قلد الكفار، وقلد المنافقين، وصار على منوالهم، ووافق أهواءهم فإنه يفتن في دينه وفي أمره، ونسأل الله السلامة والعافية

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ بطلت أعمالهم لفسادها في الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾.

ثم قال:

ﱡﭐ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ ﱴ ﱵ ﱶﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﱠ

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ تقرير وتحذير، يقررهم رب العباد ويحذرهم، ﴿إِلَّا﴾ يعلمون ويتذكرون ما أتى من قبلهم من هلاك ومن عذاب؟

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ألم تأتهم تلك الأخبار؟ فقد جاءتهم؛ ولذلك ذكر من هؤلاء، أو ذكر من الأنبياء والمرسلين من كان هؤلاء يعرفون أخبارهم، أو كانوا قريبين منهم في المكان، فكان نبأهم واضحا لديهم، وخبرهم جليا غير مستتر.

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: خبر ما فعلته الأمم المكذبة، وما فعل بها من عقاب.

﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ﴾ والمراد بالمؤتفكات كما مر معنا مرارا: قرى قوم لوط عليه السلام، ﴿وَقِيلَ﴾ لها مؤتفكات؛ لأنَّها انقلبت ﴿فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ ﵝالحجر الآية ﵔﵗﵜ وأصل الإفك يدل على معنى القلب ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ﵝالذّاريات الآية ﵙﵜ

قال ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: اتتهم رسلهم بالبينات فكذبوا، فأهلكوا، فعاقبهم الله ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

وأيضا ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ بمعنى: أقيمت عليهم الحجة، فالله ما ظلمهم، بل إن الله أقام عليهم الحجة

ثم قال الله سبحانه وتعالى:

ﱡﭐ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒﲓ ﲔ ﲕ ﲖﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﱠ

هذا في مقابلة المنافقين والمنافقات، فأتبع الله ذلك بالحديث عن المؤمنين والمؤمنات، جعلنا الله منهم بمنه، وكرمه.

وتأمل التعبير القرآني هنا، قال ﴿ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ وهناك في المنافقين قال ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ﴾ أي: بعضهم من بعض، ما دام الغرض الذي يأملونه مشتركا بينهم فإذا اختلفت الأغراض، وقع بينهم ما يقع من تشتت،وتفرق ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ ﵝالحَشۡر الآية ﵔﵑﵜ فالمنافقون يجتمعون، لكن عند اتفاقهم في غرض واحد.

لكن لما ذكر الله المؤمنين قال ﴿ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فنص على الولاية، وهذا فيه دلالة على دوامها، وإن تناءت بهم الديار، وإن كان لكل منهم مكانه، وشأنه، فالمؤمن ولي المؤمن يحبه، ويناصره وإن لم يستفد منه شيئًا من أمور الدنيا.

ثم قال الله ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ تقدم أن هذا في مقابلته ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ﴾ في حق المنافقين.

قال هنا أيضًا في المؤمنين ﴿وَيُقِيمُونَ﴾ وهذا في مقابل ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.

﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ وهذا في مقابل ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾.

﴿وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ قالوا: وهذا في مقابلة ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: تشبهوا، أي: أنهم تشبهوا بالذين من قبلهم، شابهوهم، وقلدوهم، ولم يطيعوا الله، ففيه: أنه هناك فرق كبير وبون شاسع بين من يطيع الله ورسوله، وبين من يتشبه بالكافرين ويوافقهم.

قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ وهناك قال في حق المنافقين قال الله عز وجل ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾.

هناك طرد من رحمة الله، وهنا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ فهذا في مقابلة ذاك

ثم قال ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ولم يقل “ أن الله غفور رحيم “؛ لأن المقام هنا مقام ذكر الولاية بين المؤمنين بعضهم مع بعض، أو بعضهم لبعض فقال ﴿ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والله يعز أولياءه، فهذا مناسب لقوله ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فهو يرحمهم مع عزته، وهو يضع الشيء في موضعه، وهو حكيم سبحانه وتعالى، فهو العزيز، وهو الحكيم عز وجل.

ثم قال:

ﱡﭐ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﱠ

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار، لم يقل: وعدهم الله، فالحديث عن المؤمنين والمؤمنات، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾؛ للدلالة على أنهم استحقوا هذا الأجر والثواب؛ لأنهم مؤمنون، ولأنهن مؤمنات، فمن أراد أن يحصل على هذا الثواب فعليه بالإيمان

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ قالوا هنا: من تحت قصورها، تجري الأنهار من تحت قصورها.

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها دائمًا، لا يموتون فيها، ولا ينقطع نعيمهم، فأهل الجنة إذا دخلوا الجنة أقاموا في الجنة، ولا يموتون، كما هو معلوم “ خلود فلا موت “. ﴿وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ﴾ أي: في جنات إقامة، وهذا معنى “ عدن “، ﵣوَرِضۡوَٰنٞ ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أَكۡبَرُ أي: أكبر من الجنات، وأكبر من هذا النعيم.

قال بعضهم: لأن رضا الله صفة من صفاته، ولأن الجنة خلق من خلقه، وصفة الله أعظم من خلقه بلا شك.

وأيضا قوله ﴿رِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ قال بعضهم: التنوين للتقليل، يعني ورضوان من الله ولو كان يسيرا، أعظم وأكبر من كل نعيم، من دخول الجنات، والمساكن، وما إلى ذلك. ولذلك يقول الله عز وجل لهم: “ أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا “، فهذا أعظم ما يؤتون ويعطون من النعيم، مع التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى.

واستفاد من ذلك بعض العلماء: أن الرضا عن الله من أعظم الأعمال، من أجل أعمال القلوب، قالوا: لأنه إذا كان ثواب الله أعظم والله قال ﵣوَرِضۡوَٰنٞ ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أَكۡبَرُﵢ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، وهذا معناه: أن من رضي عن الله رضي الله عنه، فمن أفضل الأعمال التي يعملها العبد بقلبه، أن يكون راضيا بالله وعن الله؛ لذلك عبر بعضهم عن الرضا عن الله بأنه ذروة سنام أعمال القلوب، كما أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام أعمال الجوارح، والعلم عند الله تعالى.

من فوائد الآيات:

سبب العذاب بين الكفار والمنافقين واحد في كل العصور، وهو إيثار الدنيا على الآخرة، والاستمتاع بها، وتكذيب الأنبياء، والمكر، والخديعة، والغدر بهم.

إهلاك الأمم والأقوام الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الأنبياء فيه عظة وعبرة للمعتبر من العقلاء.

أهل الإيمان رجال ونساء أمة واحدة، مترابطة، متعاونة، متناصرة قلوبهم، متحدة في التواد، والتحاب والتعاطف.

رضا رب الأرض والسماوات أكبر من نعيم الجنات؛ لأن السعادة الروحانية أفضل من الجسمانية.

قال الشيخ حفظه الله:

سبب العذاب بين الكفار والمنافقين واحد في كل العصور، وهو إيثار الدنيا على الآخرة، والاستمتاع بها، وتكذيب الأنبياء، والمكر، والخديعة، والغدر بهم. ولذلك قال ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَـٰدًا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَـٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَـٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَـٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟﴾ فهناك تشابه في هذا، وتقدم أن هذا فيه جمع للفتن بنوعيها: فتن الشهوات والشبهات، الشهوات في الاستمتاع، والشبهات في الخوض.

إهلاك الأمم والأقوام الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الأنبياء فيه عظة وعبرة للمعتبر من العقلاء. لذلك قال ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كان عليهم أن يعتبروا، أن يتعظوا

أهل الإيمان رجال ونساء أمة واحدة، مترابطة، متعاونة، متناصرة قلوبهم، متحدة في التواد، والتحاب والتعاطف. لذلك قال ﴿ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾

رضا رب الأرض والسماوات أكبر من نعيم الجنات؛ لأن السعادة الروحانية أفضل من الجسمانية.

ﵣوَرِضۡوَٰنٞ ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أَكۡبَرُﵢ نسأل الله أن يرضى عنا.

قال الله سبحانه:

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇﱈ ﱉ ﱊﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱠ

وهذه تكررت هنا في سورة براءة التوبة، وفي سورة التحريم

قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ يرد هنا السؤال كيف تكون مجاهدة الكفار وكيف تكون مجاهدة المنافقين؟

قالوا هنا في المختصر: جاهد الكفار بقتالهم بالسيف.

إذا مجاهدة الكفر بقتالهم بالسيف، ولكننا نخصص فنقول جاهد الكفار المحاربين، فإذا المراد بهم: المحارب.

وأما ما يتعلق بالفتح أو بالطلب، فهذا له ضوابطه وقواعده، كما تقدم بيانه في موضعه أيضًا، من دعوتهم إلى الإسلام، وما إلى ذلك، ولكنه تقدم أن الكفار على أنواع، فلذلك قالوا: جاهدوا الكفار المحاربين، والمنافقين، واغلظ عليهم؛ لأن غير المحاربين ممن بيننا وبينهم عهد، أو أمان، أو ذمة فإننا نفي لهم، ولا نخلف الوعد والعهد.

طيب وكيف تكون مجاهدة المنافقين؟

قالوا هنا: وجاهد المنافقين باللسان، والحجة، إذا مجاهدة المنافقين باللسان، والحجة، لم؟

لأن لنا الظاهر والله يتولى السرائر، وهذا المنافق إذا لم يظهر لنا نفاقه، فإننا نعامله معاملة المسلم ولذلك لا نقتله؛ ولذلك بعض المفسرين يقولون: ﴿وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ جاهد المنافقين باللسان، والحجة إلا إذا أظهروا النفاق، فإذا أظهروا النفاق فحينئذ يقاتلون أيضًا بالسيف والسلاح.

وأما عند عدم إظهار النفاق فإنَّ مجاهدتهم تكون بالحجة، ورد شبهاتهم، وبتقريعهم، ووعظهم، وما إلى ذلك.

دروس مشابهة