مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الليل

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 74 من 103 · 11 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة الليل - مَكيّة -

مقاصد السورة

(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ)

بيان أحوال الخلق في الإيمان والإنفاق وحال كل فريق.

تعليق الشيخ حفظه الله

نعم سورة الليل، سورة الليل بعد أن ذكر الله سورة الشمس أتانا على هذا الترتيب المصحفي سورة كريمة تسمى بسورة الليل، سورة الليل وأولها ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ والليل آية عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى ونعمة فالليل آية ونعمة ومن دلائل قدرته وإنعامه سبحانه على خلقه، قالوا من مقاصد السورة بعد أن بينوا أنها مكية وهي كذلك باتفاق نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا من مقاصد السورة بيان أحوال الخلق في الإيمان والإنفاق وحال كل فريق ) هذه السورة تبين أحوال الخلق وإن شئت فقل إنَّ السورة كلها تقوم على بيان أقسام الناس فالسورة حديث عن أحوال الناس وأقسامهم ولذلك ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ مختلف ومتفرق (فأما ) وبعد ذلك (وأما)( وأيضاً قال ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾ وقال ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى﴾ وقبل ذلك قال ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ﴾ وقال في الفريق الآخر ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْرَىٰ﴾ فالسورة قائمة على اختلاف الناس، وأنَّ الناس مختلفون في جانب الإيمان في جانب الإنفاق في جانب الآخرة من النعيم والعذاب وكأن هذا أُشير إليه بذكر الليل في أول الآيات ثم النهار والذكر والأنثى ولذلك هناك تناسب واضح جداً بين المقسم به والمقسم عليه كما سيأتي التنبيه عليه بعد قليل بإذن الله تبارك وتعالى.

تحليل مقارن وربط بين السور

افتتح الله سبحانه وتعالى هذه السورة الكريمة بالقسم فمن أوجه المناسبة بين سورة الشمس وسورة الليل أن السورتين قد افتتحهما الله عز وجل بالقسم وإذا قررنا أن سورة البلد افتتاحها أيضًا بالقسم فهذا أيضًا من المناسبة بين السور الثلاث وإذا ضممنا إلى هذه السور الثلاث سورة الفجر فإنَّه أيضًا افتتاح بالقسم قال هنا ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ والصلة بين الشمس والليل صلة واضحة فهناك قال ( والشمس وضحاها و....)وهنا قال( والليل إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ) فينشأ مع الليل القمر أو يظهر مع الليل القمر ويظهر مع النهار الشمس قال الله سبحانه ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ أقسم الله بالليل إذا غطَّى ما بين السماء والأرض بظلمته وأقسم بالنهار إذا تكشف وظهر وأقسم بخلقه النوعين الذكر والأنثى تأمل ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾ على أن ما هنا موصولة، أي والذي خلق الذكر والأنثى : فيكون قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾ فيه قولان، قول بأن ما موصولة أي والذي خلق الذكر والأنثى فيكون هذا من الأقسام بالله أو كما قالوا هنا (وأقسم بخلقه النوعين الذكر والأأنثى) فيكون وما مصدرية أي والليل ﴿إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ وخلق الذكر والأنثى فيكون هذا من الأقسام بخلق الذكر والأنثى، وأياً ما كان الأمر فأنت إذا تأملت في هذه الأقسام تجد أن الليل في مقابلة النهار وأن الذكر في مقابلة الأنثى ولذلك جاء المقسم عليه ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ أي كما أن الليل يختلف عن النهار والذكر يختلف عن الأنثى فسعي الناس مختلف، وهكذا في أقسام القرآن تكون هناك مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه أعني جواب القسم وقد تكون ظاهرة قريبة وقد تكون خفية تحتاج إلى تدقيق نظر وكبير تأمل وتتبع، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ أي إن سعي الناس لمختلف ومتفرق ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ جاء التفصيل ما أقسام الناس ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ﴾ هذا قسم فائز (وأما من بخل واستغنى /...العسرى)وهذا القسم الخاسر، وقوله ﴿أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ أعطى أي أحسن إلى الخلق واتقى عظم أمر الله سبحانه ولذلك قال بعضهم : إنَّ العبد مطلوب منه تعظيم أمر الله والإحسان إلى خلق الله فمن عظم أمر الله وأحسن إلى خلق الله كان سعيداً وتعظيم الأمر يتحقق بتقوى الله والإحسان يتحقق بالجود والإحسان ولذلك قال ( فَأَمَّا ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ وَٱتَّقَىٰ ) وأيضاً التقوى فيها التقوى فيها إخلاص، والإعطاء فيه إحسان وقد قالوا إن عنوان السعادة : الإخلاص والإحسان ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ : ما معنى الحسنى قال بعضهم: بلا إله إلا الله وقال بعضهم الحسنى الجنة، يعني صدق بالآخرة وقال بعضهم : بما وعده الله به من الخلف ما معنى الخَلَف؟ وهو ما ذكره الله في قوله ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ وكما جاء في حديث النبي المتفق عليه «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا»

فهم فسروا هنا ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي وصدق بالخلف أن الله سيعوضه وفي ذلك تصديق بالآخرة وتصديق بالجنة، فهذا مما قيل في تفسير الآية ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ﴾ : أي فسنسهل عليه العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله ولم يقل فسنيسر أليسرى له وإنما فسنيسره لليسرى ييسر لعمل الطاعة فكأنه يميل إليها يذهب إليها يتجه إليها وكل ميسر لما خلق له، فلذلك لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: فيم العمل؟ قال: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له»، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ فسنيسره لليسرى فهو أعطى واتقى فيسره الله سبحانه وتعالى ﴿وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾ وهذا في المقابل عنده بخل وعنده ضن على الخلق واستغنى فلم يعظم أمر الله ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْرَىٰ﴾ ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ﴾ يحتمل أن قوله ( وما يغني) أن ما نافية : أي لا ﴿يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُۥٓ﴾، إذا تردى في جهنم هلك ودخل النار وسقط فيها، أو أن قوله وما : استفهام؛ يعني ماذا ﴿يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ﴾

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾ يعني بيان الحق ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْءَاخِرَةَ وَٱلْأُولَىٰ﴾ فالله مالك الآخرة والأولى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾ أوجب الله على نفسه تفضلاً وتكرماً فهو يبين الطريق للخلق كما قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ فهذا معنى قوله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾

﴿فَأَنذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم ناراً تلظى ومن أنذرنا وخوفنا أحسن إلينا وهو الله سبحانه وتعالى ﴿نَارًا تَلَظَّىٰ﴾ نسأل الله السلامة ( نارًا تتوقد إن أنتم عصيتم الله عز وجل وكفرتم به ﴿لَا يَصْلَىٰهَآ إِلَّا ٱلْأَشْقَى﴾ الأشقى هنا يعني لا يقاسي حر هذه النار إلا الأشقى وهو الكافر الذي كذب وتولى ( فإنْ قال قائل هذه الآيات تدل على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنّّ الله قال ﴿لَا يَصْلَىٰهَآ إِلَّا ٱلْأَشْقَى﴾ ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ وهذا هو الكافر ولذلك استدل بهذه الآيات بعض أهل البدع وقالوا لا يدخل النار إلا الكفار وأما عصاة الموحدين مهما وقعوا في المعصية فهم في الجنة لا يعذبون وهذا ليس كذلك وردت آيات تدل على وعيد العصاة بالنار لكن يقال معنى ﴿لَا يَصْلَىٰهَآ إِلَّا ٱلْأَشْقَى﴾ ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ يعني لا يصلاها مخلداً فيها لذلك قال ﴿لَا يَصْلَىٰهَآ﴾ ما قال لا يدخلها وإنما يقاسي حرها ويخلد فيها إِلَّا ٱلْأَشْقَى ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى﴾ في مقابلة الأشقى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى﴾ ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ﴾ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ﴾ ﴿إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ وهذا فيه دلالة على الإخلاص أنفق مخلصاً، وقد نقل عدد من المفسرين الإجماع على أن هذه الآيات يراد بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفيها ثناء عليه وأنه الأتقى فهو أعلى درجة لذلك هو أفضل الأمة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو محقق للإخلاص وهذا فيه ثناء عليه وقد قال الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾

﴿إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ ولسوف يرضى بما يعطيه الله من الجزاء الجزيل نسأل الله أن يرضى عنا وأن يرضينا.

من فوائد الآيات :

1-كل ميسر لما خلق له فمنهم مطيع ومنهم عاصٍ :: وهذا قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له» وقُرأت هذه الآيات ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾.....) ولذلك يقال للإنسان اعمل فأنت مطالب بما أُمرت به؟ وليس لك أن تسأل عما أُخفي عليك فأنت لا تعلم المستقبل ولا تعلم ماذا لك في الآخرة لكنك تعلم بماذا أمرك الله فالمطلوب منك أن تمتثل ما أمر الله عز وجل به وما نهاك عنه فإنك تجتنبه ثم إن الواحد فينا يأخذ بالأسباب في الأمور الدنيوية من الأكل والشراب وما إلى ذلك فكذلك الأعمال الصالحة أسباب على الإنسان أن يأخذ بها وأن يستعين بالله وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة الليل لننتقل إلى تفسير سورة الضحى.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة