مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي الدرس الخامس والثلاثون

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 226 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فنواصل القراءة في منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها، كنا قد وقفنا عند المشترك، وعرفنا المشترك، وفرقنا بين المشترك المعنوي والمشترك اللفظي، وهو ما يسمى بـ "المتواطئ".

وذكرنا كذلك ما يتعلق بالوجوه والنظائر؛ وقلنا إن باب الوجوه والنظائر أوسع دائرةً من باب المشترك، فمنه ما هو من المشترك ومنه ما ليس من قبيل المشترك، فربما كان الوجه أو كانت الوجوه بسبب الاختلاف بين الحقيقة والمجاز أو بين العام والخاص وما إلى ذلك.

قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

قُرْءٌ وَوَيْلٌ نِدُّ وَالْمَوْلَى جَرَى

تَوَّابُ الْغَيُّ مُضَارِعٌ وَرَا

الشرح

ذكر لنا هنا بعض المشتركات، ودرجت عادة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في هذه المنظومة في بعض الأحوال أن يستغني عن التعريف بالمثال، فيذكر المثال الذي يغنيه عن تعريف المشترك، فضرب بعض الأمثلة لهذا المشترك، منها: "القُرء"؛ وذلك أن القُرء يستعمل بمعنى الحيض وبمعنى الطهر، فالقرء يأتي بمعنى الحيض وبمعنى الطهر؛ ولذلك في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾1 اختلفوا في المراد بالقروء هنا، فمنهم من قال إن القروء هي الحيضات أي ثلاث حيضات، ومنهم من قال إن القروء الأطهار أي ثلاثة أطهار؛ ولذلك جاء في حديث النبي

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «

دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ

» (أخرجه أبو داود والنسائي)؛ يعني أيام حيضاتك.

وذلك أن أصل مادة "القرء" تدل على معنى الجمع، قرء الشيء أو قرء الماء في الحوض أي جمعه، فالحيض تجمع لهذا الدم، هذا هو أصل المادة، والجمع يدل على شيء من الظهور، فيظهر حيضها بنزول الدم منها؛ فهذا من المشترك.

والقاعدة العامة عندنا أن المشترك نأخذ بأحد معنييه إذا وجدت قرينة تُنبئ عن ذلك، فالقرينة هي التي تحدد المعنى المقصود من معاني المشترك؛ إذًا إذا وجد مشترك وله أكثر من معنى ماذا نصنع؟ نبحث عن القرينة، فالقرينة تدلنا على تعيين المعنى المقصود من المشترك، هل المراد الحيض أو المراد الأطهار، ثم بعد ذلك، قد يكون هذا المشترك مما تتعدد معانيه ويمكن حمل اللفظ على المعاني كلها في هذا الموضع من المواضع القرآنية.

فوقع خلاف بين العلماء: هل يجوز حمل المشترك على معانيه؟ فمنهم من منع وقالوا: لا يجوز حمل المشترك على معنييه أو جملة معانيه، مجموع معانيه، بل لا بد من تعيين معنًى واحد.

وذهب آخرون إلى أن ذلك جائز ما لم يكن هناك ما يمنع كالتناقض، بمعنى إذا حملنا على هذا المعنى، وهذا المعنى يناقض المعنى الآخر، فكيف نحمله على معنيين متناقضين؟ فقالوا: المشترك إذا صح حمله على المعاني التي ورد فيها أو لها فيجوز حمله على جميع هذه المعاني.

ومن أمثلته كلمة "عسعس" وكلمة "قسورة"، فقسورة تطلق على القناص وتطلق على الأسد ويصح أن يُقال في قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ2 فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ﴾ أي فرت من أسد، أو فرت من القناص الذي يرميها، يمكن حمل الآية على المعنيين، وكذلك ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾3؛ يعني إذا أقبل وإذا أدبر، فيكون قد أقسم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالليل إذا أقبل وبالليل إذا أدبر وكلا المعنيين دل عليه الكتاب العزيز، ففي القرآن ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾4 وهذا عند دخوله، عند إقباله، وفي القرآن ﴿كَلَّا وَٱلْقَمَرِ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾5 هذا عند إدباره، فإذًا في القرآن ما دل على المعنيين، فجاز حمله على المعنيين.

لكن قد يمتنع حمله على المعنيين كما في هذه الآية: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ لذلك تعين ترجيح أحد المعنيين، يعني لا يقول القائل تتربص المرأة ثلاث حيضات وثلاث أطهار، كيف تتربص ؟ إما ترجيح أطهار وإما ترجيح حيضات، هذا فرق بين ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن الخلاف قوي وبين ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا تعتد بهذا وذاك، خلاف قوي معناه إن كلا القولين له وجاهة، لكن في النهاية لا بد من ترجيح أحد القولين على الآخر كما سبق بيانه في دروس التفسير قبل ذلك.

طالب

: كأنه يرجح أن الكلمة الواحدة قد يقصد بها المعنيان معًا، إنه في قسورة يقصد بها المعنيين معًا، إنه يفسر فيقول مثلًا: هذا المقصود وهذا المقصود، إذا كانت تحتمل مثل قسورة وعسعس وهكذا.

الشيخ

: لا بأس ويكون هذا من إيجاز اللغة، ولذلك المشترك يدخل في إيجاز اللغة، ما معنى إيجاز اللغة؟ يعني أن اللفظة تحتمل أكثر من معنى فتندرج فيها عدة معانٍ، لكن مع ذلك نقول: المشترك خلاف الأصل، وأظن ما تكلمنا عن مسألة وجوده أصلاً هم اختلفوا في وجوده، هناك من نفى وجوده أصلاً، يعني هناك من نفى وجود المشترك في اللغة قال: لا وجود للمشترك، والأقرب أن المشترك موجود لكنه قليل.

والذين قالوا لا وجود للمشترك قالوا: لأن المشترك يؤدي إلى التعمية، والقرآن منزه عن أن يكون فيه شيء من ذلك، فرد الآخرون قالوا: هذا محله حيث لا توجد قرينة أما مع وجود القرينة فلا تعمية.

ثم إن دلالات الألفاظ على المعاني على درجات متفاوتة، فهناك النص وهناك الظاهر إلى غير ذلك، فكذلك يكون من ضمنها المشترك، فنقول: لا بأس بهذا لكن لا يكون هذا الديدن، لا يكون هذا الديدن ولذلك حينئذٍ لا يقول يختار المشترك لأنه لن يجد أمثلته كثيرًا أصلاً؛ ولذلك إذا جئنا لنعدد المشتركات سنجدها محصورةً قليلةً معدودةً ليست كثيرةً، وإنما ما تقوله أنت هو اختيار العموم وليس المشترك، ما الفرق؟ ما الفرق بين العام والمشترك من يجيب؟

طالب:

.....

الشيخ:

نعم، العام حقيقة واحدة لكن تحتها أفراد مختلفة جنس واحد، أليس اللفظ المستغرق أو ما يصلح له دفعةً واحدةً من غير حصر؟ يعني حينما نقول: "الطلاب" دخل فيه محمد وإبراهيم وعلي وزيد وعبيد من الطلاب، ليس هناك واحد منهم يختلف عن الآخر في حقيقته، لكن حينما قلت: حيض وطهر، هذا النوع مختلف، هذا يختلف عن هذا؛ فلذلك الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ دخول أكثر من شيء أدخله عن طريق العام لا عن طريق المشترك في أغلب أحواله.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — البقرة: 228 ↩
  2. آية: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ — المدثر: 50-51 ↩
  3. آية: ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ — التكوير: 17 ↩
  4. آية: ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ — الليل: 1 ↩
  5. آية: ﴿كَلَّا وَٱلْقَمَرِ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾ — المدثر: 32-34 ↩

دروس مشابهة