منظومة الزمزمي الدرس الرابع والثلاثون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فنواصل التعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في أصول التفسير وعلوم القرآن الكريم، وتوقفنا عند النوع الرابع من الأنواع المتعلقة بالألفاظ أو التي ترجع إلى الألفاظ، وهي سبعة، فالنوع الرابع منها "المشترك".
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمُشتَرَكُ
قُرْءٌ وَوَيْلٌ نِدٌّ وَالْمَوْلَى جَرَى
تَوَّابٌ الْغَيُّ مُضَارِعٌ وَرَا
الشرح
ذكر هنا المشترك، فمن الأنواع التي ينبغي لطالب العلم ودارس علوم القرآن وأصول التفسير أن يكون على دراية بها؛ المشترك؛ والمشترك إذا أُطلق فالمراد به عند العلماء المشترك اللفظي؛ لأن المشترك على نوعين:
هناك مشترك لفظي.
وهناك مشترك معنوي.
لكنه إذا أُطلق فإنه ينصرف إلى المشترك اللفظي، فما المشترك اللفظي؟ عرّف بعضهم المشترك اللفظي، فقالوا: هو ما اتفق لفظه واختلف معناه، ولك أن تزيد فتقول: بحسب وضعٍ واحدٍ، وسأبين لِمَ هذه الزيادة.
منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ المشترك: اللفظ الدال على معنيين مختلفين فأكثر على السواء من جهة أهل اللغة.
وقد عرّفه السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "المزهر في علوم اللغة" فقال: هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر، دلالةً على السواء عند أهل تلك اللغة، ما معنى هذا الكلام؟ المشترك ما اتفق لفظه واختلف معناه، أو لفظٌ دالٌ على معنيين مختلفين؛ إذًا المشترك اللفظي الاختلاف فيه يتعلق بالمعنى لا باللفظ، فاللفظ واحدٌ، لكن اللفظ الواحد له أكثر من معنًى، وهذه المعاني معانٍ مختلفةٌ.
فمثلًا: إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ كلمة "القُرء"، القرء قالوا في اللغة: يُطلق على الحيض ويُطلق على الطهر؛ إذًا أنت إذا قلت القرء فقد تريد به الطهر وقد تريد به الحيض، الطهر والحيض هل هما معنيان متفقان أم مختلفان؟ مختلفان، بحسب وضع واحدٍ؛ بمعنى أنك حينما قلت "قرء" فإنه حقيقةٌ في الحيض وحقيقةٌ أيضًا في الطهر، بخلاف ما لو كان إطلاقه على أحد المعنيين حقيقةً وإطلاقه على المعنى الآخر مجازًا فليس هذا بمشتركٍ؛ ولذلك قلتُ: الأولى أن نقيّد هذا فنقول: بحسب وضع واحدٍ، ما معنى هذا؟
في قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾1؛ ما المراد بالظلمات؟ قالوا: المراد بالظلمات الكفر والضلالة والمعاصي وما إلى ذلك، وما المراد بالنور؟ الإيمان والتوحيد.
لكن هل إطلاق الضلالة على الكفر حقيقةٌ أم مجازٌ؟ مجازٌ، ونقصد بالمجاز عندما يثبت المجاز وهم الجمهور، وكذلك حينما نقول "النور" إطلاقه على الإيمان مجازٌ عند الجماهير؛ بمعنى أن اللغويين حينما قالوا كلمة "الظلمات" قصدوا الظلمة المعروفة التي هي في مقابل النور، وقصدوا بـ "النور" النور المعروف، هذا هو الحقيقة في المعنى، فلا نقول إن كلمة الظلمات مشتركةٌ بين الظلمة الحسية وبين ظلمة القلب وهو الكفر؛ لا نقول ذلك، ليس من المشترك، ﴿أَنَّمَا﴾ المشترك بأن تكون الكلمة قد أُطلقت في اللغة بحسب الوضع نفسه؛ لأننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في المجاز إنه يكون وضعٌ آخر متأخرٌ عن وضع الحقيقة، فإذا استُعمل فيما وضع له أولًا: فهو حقيقةٌ، أو فيما وضع له ثانيًا: فهو مجازٌ.
أما هنا من حيث الوضع الأول والكلمة جاءت لأكثر من معنًى، مثل كلمة "عين"؛ أنت حينما تسمع كلمة عينٍ يحتمل أن المراد بالعين "العين الباصرة"، ويحتمل أن المراد بالعين "عين الماء" العين الجارية، أو أن العين "الجاسوس"؛ هذه إطلاقاتٌ، فهذا معنى قولهم: بحسب وضع واحدٍ، اللفظان، اللفظ الذي جاء لأكثر من معنًى، أو لمعنيين مختلفين فأكثر على السواء؛ يعني ما أحدهما أرجح من الآخر، بحيث نقول إن هذا حقيقةٌ وهذا مجازٌ؛ هذا هو الذي يُقال له المشترك.
وإنما يترجح أحد المعنيين بقرينة السياق، فنقول حينما تقول: "رأيت عينًا جاريةً" فسنقول إن المراد عين الماء، هذه اسمها قرينة السياق؛ ولذلك قرينة السياق تحدد معنى المشترك، هل هذا أو ذاك؟ هي التي تبين لنا المراد من هذا أو ذاك؛ هذا هو المشترك اللفظي.
أما المشترك المعنوي:
فهو اللفظ الواحد الذي يدل على حقائق مختلفةٍ، ماذا نقصد بحقائق؟ "ما صَدَقَات" مختلفةٌ، كما يقولون: "ما صَدَقَات" مختلفةٌ مع كونها متفقةً في المعنى الكلي، ما معنى هذا؟ عندي لفظٌ واحدٌ، هذا اللفظ يدل على ماهياتٍ مختلفةٍ، أكثر من شخصٍ مختلفٍ، لكن اختلافه ليس في اللفظ وليس في المعنى الخاص، وإنما في أن هذا يتميز عن هذا بماهيةٍ مختلفةٍ وإن اشتركوا في المعنى الكلي؛ ولذلك بعضهم لا يسميه بالمشترك المعنوي وإنما يسميه المناطقة "بالمتواطئ".
ما معنى هذا الكلام؟ حينما نقول: "الإنسان"؛ الإنسان يُطلق على محمدٍ وعلى عليٍ وعلى إبراهيم وعلى زيدٍ وعلى عُبيد؛ إذًا محمدٌ وزيدٌ وعُبيدٌ وعليٌ وإبراهيم متفقون ولا مختلفون؟ مختلفون في الماهية في الحقيقة، محمدٌ يختلف عن إبراهيم عن عليٍ عن زيدٍ في ذاته، لكن من حيث المعنى الكلي وهو "الإنسانية" لا يختلف أحدهم عن الآخر، فهم مشتركون في المعنى الكلي وإن اختلفوا في الأنواع؛ النوع وهو الذي يسمونه بالجنس والنوع، أن الجنس واحدٌ ولكن تختلف فيه الأنواع.
لذلك الذي يدرس المنطق يعرف هذا؛ أن المتواطئ يكون هناك اتفاقٌ في الجنس مع اختلافٍ في الأنواع؛ يعني الآن محمد، إبراهيم، علي، زيد، عُبيد؛ هذه أنواعٌ، ما جنسها؟ الإنسان، فالآن يختلف محمدٌ عن عليٍ عن إبراهيم عن زيدٍ، لكنهم لا يختلفون عن بعضٍ في الإنسانية، فهذا يسمى بالمتواطئ، ولا يسمى بالمشترك؛ لأن المشترك هناك المعاني مختلفةٌ، الأجناس نفسها مختلفةٌ؛ جنس العين الباصرة غير جنس الجاسوس غير جنس العين الجارية، هذه أجناسٌ مختلفةٌ، كلٌ في بابٍ مستقلٍ عن الآخر.
طالب
: ....
الشيخ
: نعم، نفس الكلام؛ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ "ماءٌ" تحته الماء العذب، الماء المالح، "حيوانٌ" -أعزكم الله-تحته كذا وكذا، "شجرٌ" تحته شجرة كذا وشجرة كذا، لكن كله من صنف الشجر، فإذا كان صنفًا واحدًا في النهاية يجمعها معنًى كليٌ يقولون إنها متواطئ.
فهو لفظٌ يدل على معانٍ متعددةٍ باعتبار أنها أنواعٌ مختلفةٌ لكنها تجتمع في المعنى الكلي؛ إذًا لدي الآن بالنسبة للمشترك والمتواطئ أو المشترك المعنوي.
كلامنا الآن عن ماذا؟ عن المشترك اللفظي، لذلك عبّر بـ "القرء"، قال: "
قرءٌ
"؛ لأن القرء يطلق على الحيض والطهر، والحيض غير الطهر، إذًا هذا يدخل في المشترك اللفظي.
العلماء اختلفوا في وجود المشترك، أهو موجودٌ أو غير موجودٍ؟ فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ غير موجودٍ، والأكثرون على وجود المشترك، لكنه خلاف الأصل؛ إذًا هل المشترك موجودٌ أو غير موجودٍ؟ الجماهير قالوا إنه موجودٌ، لكنه خلاف الأصل، يعني الأصل عدم الاشتراك، بل إن كثيرًا من الأصوليين نصوا على قاعدةٍ، قالوا: إذا تعارضت اللفظ بين حملها على الاشتراك أو على المجاز حُملت على المجاز، وهذا غريبٌ في البداية؛ الأصل أن تُحمل على الحقيقة والمشترك حقيقةٌ، والمجاز غير حقيقةٍ، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة لا على المجاز، لكن لماذا قالوا؟ يعني عندنا لفظٌ اختلفنا هل يُحمل على المجاز أم يُحمل على المشترك؟
قالوا: لا، نحمله على المجاز. لِمَ؟ قالوا لأن المجاز أكثر في اللغة من المشترك، فحمله على الأكثر أقوى؛ يعني المجاز موجودٌ بكثرةٍ وموجودٌ في أبوابٍ كثيرةٍ لكن المشترك محدودٌ، فإذا اختلفنا في لفظٍ هل هو مشتركٌ أم هو حقيقةٌ في شيءٍ ومجازٌ في شيءٍ؛ وأقرب مثالٍ له ما كنا نتكلم عنه في درس الفقه منذ قليل في كلمة "النكاح"، فحينما يقولون: هل النكاح حقيقةٌ في العقد مجازٌ في الوطء أم هو حقيقةٌ في الوطء مجازٌ في العقد أم هو مشتركٌ؟ سيرجح كثيرون أنه حقيقةٌ في أحدهما مجازٌ في الآخر ولا يميلون إلى أنه مشتركٌ بينهما لقلته في اللغة.
طبعًا هذا الكلام أقرب إلى أصول الفقه لكن هذه إشاراتٌ لها، ولكن موضوعه في دراسة أصول الفقه بتوسعٍ بإذن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ماذا بعد؟ ما الكلمات الدالة عليه؟ بعض الأمثلة، هو هنا ما عرف المشترك لكنه ذكر بعض أمثلة المشترك.
الشيخ محمد سأل سؤالًا وهو مهمٌ جدًا في الحقيقة، ولا مانع من ذكره لأهميته وهو: هل معنى ذلك أن "الوجوه" التي يذكرها العلماء -علماء علوم القرآن-في باب "الوجوه والنظائر" هي المشترك؟ وإذا كانت هي المشترك فهل هي المشترك اللفظي أم هي المشترك المعنوي؟
الظاهر أن الوجوه والنظائر قسمٌ مستقلٌ؛ لأن ماهيته -أعني تعريفه-يختلف عن تعريف المشترك اللفظي والمتواطئ، ولا يمنع أن تكون بعض الوجوه نشأت بسبب أنها من المشترك اللفظي أو المشترك المعنوي، لكن ليس كل الوجوه الواردة في علم الوجوه والنظائر تندرج تحت القسمين، كيف هذا الكلام؟ يعني حينما نجد بعض العلماء يقولون: ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ﴾2 أو تأتي كلمة الأرض في قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ﴾3 مثلًا؛ يختلفون في الأرض، يقول بعضهم: "أرض الجنة"، وآخر: "أرض الشام"، وآخر: "عموم الأرض"؛ هذه يمكن أن نقول إن الأرض مشتركٌ معنويٌ؛ لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أرض الشام أو أرض مصر، أي أرضٍ من الأراضي، ففي النهاية هي أرضٌ؛ إذًا هذا داخلٌ في المتواطئ في المشترك المعنوي كلها تجتمع فيها هذه.
وقال رجلٌ، يأتون فيفسرون "الرجل"، فبعضهم يقول: الرجل فلانٌ، والآخر يقول: الرجل فلانٌ، والآخر يقول فلانٌ، وكلهم رجالٌ؛ هذا داخلٌ في المشترك المعنوي، وإذا جاء في كلمةٍ تدخل في المشترك اللفظي مثل "عسعس"؛ هل هي أقبل أو أدبر؟ هذا مشتركٌ لفظيٌ، على أن الوجوه والنظائر تتكلم في الآيات المتعددة وليس في الآية نفسها؛ لذلك لا تتكلم عما تعدد معناه في موضعٍ واحدٍ؛ الوجوه والنظائر آيةٌ وردت هنا ووردت هنا ووردت هنا، وجاءت الكلمة هنا بمعنىً وجاءت الكلمة في الموضع الآخر بمعنًى آخر، لا يتكلمون عنها في الموضع نفسه غالبًا.
لكنهم وهم يتكلمون في باب الوجوه والنظائر يتوسعون، فهم يقصدون به الألفاظ القرآنية أو الكلمات القرآنية التي تعددت وتكررت واختلفت معانيها بحسب سياقاتها، كلمةٌ تكررت فلما تكررت في القرآن جاءت بأكثر من معنًى، مثل كلمة "الفتنة": ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ﴾4 قالوا: يُعذَّبون، وطب ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾5 قالوا: صرف الناس عن الدين، هذا هو المراد، ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾6 بعضهم يقول: حتى لا يكون شركٌ، وبعضهم قال بأقوالٍ أخرى.
إذًا فُسرت الفتنة بالشرك بالقتل، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾7 يعني إضلاله، بمعنى الإضلال وبمعنى العذاب، حتى أن بعضهم أوصل كلمة الفتنة إلى خمسة عشر معنًى؛ هذه اسمها وجوهٌ.
تلاحظون أنهم في باب الوجوه يتوسعون، لا يتكلمون عن المشترك الذي هو أتى لمعنيين بحسب وضعٍ واحدٍ، يعني مثلًا يقولون: "الظلمات" تأتي في القرآن على وجوهٍ؛ تأتي بمعنى الكفر، وتأتي بمعنى الظلمات التي هي الظلمات الحسية، ويأتي بآيةٍ فيها الظلمات الحسية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾8 فيقول: الظلمات الحسية، ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ أي ظلمات الكفر؛ مع أنَّ ظلمات الكفر هذا مجازٌ وليس حقيقةً، لكنهم يدخلونها في الوجوه وإن كانت ليست بداخلةٍ في باب المشترك.
إذًا هم في باب الوجوه والنظائر يقصدون لفظةً قرآنيةً جاءت لأكثر من معنًى بغض النظر عن أن هذا المعنى معها من المتواطئ أو من المشترك أو من الحقيقة والمجاز أو من التخصيص والعام؛ يعني كلمةٌ جاءت "المحصنات" بمعنى المتزوجات، وجاءت بمعنى العفيفات، والمتزوجات جزءٌ من العفيفات وهكذا، ثم إن القيد يأتي من القرآن لا من العربية، فالقيد في الوجوه والنظائر قيدٌ قرآنيٌ؛ يعني الذي قيّد الكلمة بمعنىً معينٍ ليست اللغة العربية فقط ﴿أَنَّمَا﴾ العرف القرآني؛ يعني كلمة "المحصنة" في اللغة العربية لها معنًى عامٌ، الإحصان معناه المنع، لكن منعت نفسها إما بالعفاف، منعت نفسها بالزواج، منعت فرجها عما حرم الله لها، فهي أعم إذًا السياق، ولذلك ممكن في الوجوه يكون السبب فيه "سبب النزول" أو قرينة السياق، ليست اللغة العربية فقط بل عُرف استعمالها في القرآن الكريم؛ هذه مسألةٌ دقيقةٌ لا أدري هل وضحت الآن أم لا؟ لعلها تحتاج إلى أكثر اتساعٍ.
لذلك كنت كتبت مقالًا -يمكن كنت أرسلته لكم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾-بعنوان: "المسكوت عنه عند العلماء في علم الوجوه والنظائر"؛ لأن أغلب من تكلم في الوجوه والنظائر لم يحدد هذا الفرق فوقع اللبس، فالسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى له كتاب "معترك الأقران في مشتركات القرآن"، سماها بالمشترك وجاء ابن عقيلة استدرك عليه قال: هذا ليس بالمشترك لا يدخل في الحال المشترك؛ لأنه أحيانًا يكون عامًا وخاصًا، مطلقًا ومقيدًا، يعني أحيانًا تأتي الكلمة ولا يراد بها إلا معنًى خاصٌ من المعاني التي وردت، كما قلتُ مثلًا مثل كلمة "المحصنات" ممكن تأتي بمعنى المتزوجات وبمعنى الحرائر، فأين هذا مما يذكره في المشترك؟!
ولذلك أخطأ بعض من تكلم في هذا الباب فصنف مصنفٌ -أستاذ النحو العربي في العراق-ألف كتابًا كاملًا يزيد عن أربعمائة ورقةٍ أو ما قارب سماه "لا وجوهَ ولا نظائرَ في كتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"، ورمى علماء الوجوه والنظائر بأنهم جهلةٌ وأنهم حرفوا دلالات النصوص وأنهم أوقعوا الناس في الحيرة، ما الذي جرى؟ ما الخطأ الذي عنده؟ إنه أتى بتعريف المشترك وطبقه على الوجوه والنظائر وقال: هذا ليس بمشتركٍ، هذا ليس بمشتركٍ، فقلتُ ﴿أَنَّمَا﴾ أُتِيَ من قِبَل أنه لم يعرف اصطلاح العلماء في الوجوه والنظائر، وأن من جاء بعده كالسيوطي وقع في الفخ أو في الإشكالية هنا لأنه سماها بالمشتركات مع أنه لم يسمها مشتركًا لفظيًا ﴿أَنَّمَا﴾ قال في "مشتركات القرآن الكريم".
والحق أن العلماء السابقين لم يقصدوا أبدًا بالوجوه والنظائر المشترك اللفظي، ثم إن تعريفهم للمشترك اللفظي تعريفٌ أصوليٌ وهذا تأخر عن تصنيف بعضهم في الوجوه والنظائر؛ لأن عندنا كتبًا صُنفت في الوجوه والنظائر أسبق -أو في الأشباه والنظائر-فمقاتل بن سليمان له كتابٌ في "الأشباه والنظائر" وهو متوفى سنة مائة وخمسين من الهجرة، يعني قبل ما يوضع أصلًا مصطلحٌ اسمه مصطلح "المشترك اللفظي"، فكيف ترميهم بمصطلحٍ وقع بعدهم؟ يعني هم ما اصطلحوا عليه وأنت تأتي بشيءٍ وتحاكمهم إليه وهم لم يقولوا به، فكان هذا من العبث والخلل حقيقةً في هذا الباب.
لذلك أضبطُ المسألة تحرير معنَى الوجوه والنظائر وأنه يختلف عن معنَى المشترك، لكن الإشكالية التي وقعت أن بعضهم تساهل في التعامل مع الوجوه والنظائر، وهذا صرح به ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نفسه؛ ولذلك في الحقيقة كثيرٌ ممن يقرأ في كتب الوجوه والنظائر قد يخفى عليه الأمر فلا ينتفع بها لكثرة المعاني، لأنني حينما أقول كلمةً فيها خمسة عشر معنًى؛ ما الذي يستفيده طالب العلم؟ بخلاف لو جمعتَ له المعاني كلها في معنيين أو في ثلاثةٍ فكان هذا أخصر والزيادة ليست مطلوبةً إلا للضرورة؛ يعني أنت لما تقول لي: المراد بها الضلالة والمعصية والكفر، إذًا ما هي كلها داخلةٌ في باب المعصية، لماذا تعدد الأقوال حتى تجعل "الهدى" وردت في القرآن على سبعة وعشرين معنًى؟ لماذا تقول سبعة وعشرين معنًى وتقول الهدى بمعنى الوحي بمعنى القرآن بمعنى الذكر، وكلها بمعنىً قريب.
على كلٍ؛ نفصل القول في شيءٍ من ذلك بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ — إبراهيم: 1 ↩
- آية: ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ — يس: 13 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ﴾ — الأنبياء: 105 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ — الذاريات: 13 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ — البقرة: 217 ↩
- آية: ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — البقرة: 193 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — المائدة: 41 ↩
- آية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ — الأنعام: 1 ↩