مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الغاشية لفضيلة الشيخ

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 79 من 376 · 59 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة تفسير سورة الغاشية واقترانها بالأعلى في الجمعة والعيدين
  2. أسلوب التشويق في هل أتاك وتفسير الغاشية
  3. توجيه قوله تعالى عاملة ناصبة وترجيح شيخ الإسلام
  4. عذاب أهل النار وطعامهم من الضريع
  5. نعيم أهل الجنة ودلائل القدرة في الإبل والسماء
  6. حتمية الحساب وخاتمة السورة مع أسئلة الحاضرين
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة تفسير سورة الغاشية واقترانها بالأعلى في الجمعة والعيدين

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين2، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فننتقل الليلة إن شاء الله تعالى إلى تفسير سورة الغاشية بعد أن انتهينا من تفسير سورة الأعلى سورة الغاشية وسورة الغاشية مكية باتفاق المفسرين. وقد نقل الإجماع على ذلك عدد منهم كابن الجوزي وغيره

فهي سورة نزلت على النبي ﷺ قبل هجرته من مكة إلى المدينة النبوية ونرى أن في السورة الكريمة ذكرًا للبعث والنشور وحال أهل الجنة وحال أهل النار. وهذا أمر متكرر في السور المكية كما لا يخفى قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾3 (الغاشية: 1)

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾4 (الغاشية: 2-7)

﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ لست عليهم بمسيطر ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾

﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَكْبَرَ﴾ ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾. وقد كان نبينا محمدٌ ﷺ يُكْثِرُ من أن يقرأ بهذه السورة مع أختها (سورة الأعلى) في صلاة الجمعة والعيدين في صلاة الجمعة. فكان ﷺ في صلاة الجمعة يقرأ بالأعلى والغاشية في كثير من أمره «صلى الله عليه وسلم»

بل كما ثبت أيضًا أنه. إذا اجتمع العيد والجمعة قرأ بهما في العيد وفي الجمعة فأيضًا كان ﷺ يصلي في صلاة العيدين بالأعلى والغاشية فإذا اجتمع في يوم العيدان

﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن هل هنا بمعنى قد أي: قد أتاك حديث الغاشية قد جاءك خبر الغاشية

فهل على ذلك بمعنى قد جاءك خبر الغاشية وضعف بعض المفسرين هذا القول وقال بل قوله ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ استفهام القصد به التشويق. يعني: ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ فهذا فيه تشويق لما سيأتي. ولذلك كأن الجواب ما أتاني يا رب

فما حديثها فيأتي الجواب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة ناصبة كما أنَّك تقول لشخص من الأشخاص هل بلغك خبر كذا فتقول له ما بلغني فما الخبر فيكون هذا أسلوب تشويق قال الله ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ هل جاءك خبر الغاشية

. فإنَّ لم يجئك فها هو فاسمعه وتعلَّمه وبلغه ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ وهذا يستفاد منه

المعلم يعلم طلابه عن طريق السؤال وعن طريق أسلوب التشويق والعرض بأن يطرح سؤالًا ثم يجيب عليه فيكون في ذلك تشويق للمعلومات وكذلك ترسيخ لها في قلوبهم قال الله ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ أي: خبرها ونباؤها الغاشية ما المراد بالغاشية

أسلوب التشويق في هل أتاك وتفسير الغاشية

الغاشية فيها قولان لأهل العلم، أما القول الأول فقالوا: إن المراد بالغاشية يوم القيامة، ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ يعني: هل جاءك خبر يوم القيامة وما فيها من أهوال

وسُمِّيَت بالغاشية أي: سُمِّيَت القيامة بالغاشية لأنَّها تغشى الناس بأهوالها كما قال الله: ﴿يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾5 (العنكبوت: 55) فيوم القيامة يغشى الناس بشدائده وبأهواله ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾6 (الحج: 2) وأما القول الثاني فقالوا: إن المراد بالغاشية النار ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ الغاشية هي النار كما قال سبحانه ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ7 غَوَاشٍ﴾ (الأعراف: 41) فقالوا: إن النار وقال. أيضًا ﴿وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾8 (إبراهيم: 50)

فالنار تغطيهم وتدهمهم. أسأل الله السلامة. فقالوا المراد بالغاشية النار والقول الأول أقوى وأظهر. وذلك أنَّ الآيات التي جاءت بعد ليست مخصوصة بأهل النار وإنَّما فيها ذكر للفريقين فيها ذكر لحال أهل النار وحال أهل الجنة ففيها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾

وفيها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ لسعيها راضية فالغاشية هي يوم القيامة ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ هل أتاك خبر يوم القيامة فكأن النبي ﷺ يقول ما أتاني

فما هذا الخبر فأجيب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة ناصبة ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ خاشعة أي: ذليلة فالخشوع هنا بمعنى الذل

والخشوع يكون محمودًا. إذا كان باختيار العبد فالعبد يخشع لربه اختيارًا وتعبدًا، فيذلّ لجلاله ويَنْقَادُ لأمره

لكن هذه الوجوه وجوه خاشعة ذليلة حقيرة ﴿خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ﴾9 (الشورى: 45). نسأل الله السلامة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ من هؤلاء؟ هم الكفار

لكن أهل العلم قد اختلفوا في المقصود بهم. فقال بعضهم: المراد بها: الأحبار والقسوس والرهبان الذين يتعبدون في الصوامع والبيع هؤلاء هم المقصودون

وقال آخرون: بل المراد بها: أهل البدع والأهواء وما إلى ذلك ووجه الأمر في ذلك ما جاء بعد في قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ عاملة ناصبة عاملة ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت وناصبة ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت

هل هذه صفات لهذه الوجوه في الدنيا أم أنها صفات لهذه الوجوه في الآخرة هذا هو وجه الخلاف ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة ناصبة. إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد بقوله عاملة ناصبة أي: في الدنيا

توجيه قوله تعالى عاملة ناصبة وترجيح شيخ الإسلام

هذه الوجوه تعمل وتكد وتكدح في الدنيا وهي. كذلك تخشع في الدنيا وهي. كذلك تتعب في الدنيا ومع ذلك تصلى نارًا حامية. إذن من هؤلاء؟ هم الأخسرون أعمالًا. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾10 (الكهف: 103-104) نسأل الله السلامة. إذن قوله عاملة ناصبة.

عاملة تتعب وتكدح وتجد في العمل وتخشع ومع ذلك تصلى نارًا حامية. إذن هؤلاء هم الذين يجتهدون في العبادة في الدنيا إلا أن عبادتهم باطلة ذاهبة. ومن ذلك هؤلاء الرهبان وغيرهم ممن يتعبدون بالله على ضلال فحينئذ يعبدون ما يعبدون ويتعبون. ثم إن أعمالهم تذهب هباء منثورًا

وألحق بهم بعض العلماء أهل البدع والأهواء ممن يجدون في العبادة إلا أنهم مخالفون لسنة النبي ﷺ فقد قال ﷺ في أمر الخوارج

«يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرؤون القرآن لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» فهم مجتهدون في العبادة لكنهم سيئو العقيدة كما صح في الحديث: «لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ!»

فقالوا: إن قوله عاملة ناصبة يدخل فيها هؤلاء ويدخل في ذلك من يرائي الناس ممن يعجب بعمله أو يرائي الناس يعمل ويتعب لكن عمله لا من أجل الله وإنَّما من أجله من أجل الناس فهؤلاء يصلون نارًا حامية. نسأل الله السلامة. وأما على القول الثاني

وهو أن المراد بذلك ما يقع في الآخرة لا في الدنيا فقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ أي: في الآخرة عاملة ناصبة أي: في الآخرة ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ الأمر فيها واضح

فيكون قوله خاشعة وكذلك قوله عاملة ناصبة كل ذلك مما يقع في الآخرة لا مما وقع في الدنيا وعلى ذلك فمعنى قوله خاشعة ذليلة حقيرة حينما ترى نفسها في العذاب

وكذلك عاملة ناصبة متعبة. وذلك بسبب حملها للأغلال والسلاسل ﴿إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. نسأل الله السلامة فهذه السلاسل وهذه القيود وتلك الأغلال يحملها هؤلاء فلذلك هم في عمل دؤوب وفي مشقة فكما قال الله. أيضًا سأرهقه صعودا

فإنَّهم يتكبدون المشاق في نار جهنم كما أنهم لم يعملوا لله في الدنيا فإنَّ الله يعاقبهم بالعمل في الآخرة هذا العمل الشاق الذي هو عذاب

وعليه فيكون الأمر في الآخرة لا في الدنيا وتكون الآية أو الآيات في الكفار عمومًا وليست خاصة بالعباد منهم لأنَّ هؤلاء الكفار منهم من يعبد. ومنهم من لا يعبد بل يشتغلون بأمور المعصية فيكون قد جمع بين الكفر والفجور أو الفسق كما لا يخفى

وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ أَقْرَبُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَقَوْلُهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ أي: في الآخرة لا في الدنيا هذا أقرب ما وجه قربه أن الله قال وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ

فتكون الآيات هكذا وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ هكذا والأصل عدم التقديم والتأخير وأن تبقى الآيات على ما هي عليه فيكون في ذلك ذكر. لما يعملونه ويتعبونه في الآخرة، والله تعالى أعلم. هذا من جهة

ومن جهة ثانية إذا نظرنا إلى الجهة المقابلة وهي وجوه أهل الجنة وقال الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ نعمتها تكون في الآخرة لأنَّ نعومة الوجه في الدنيا لا يتعلق بها مدحٌ أو ذمّ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ لسعيها راضية ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ فكل هذا يتعلق بماذا

المقابلة لحال الكفار في الآخرة بحال الأبرار في الآخرة فيكون هذا وذاك يتعلق بأمور الآخرة لا بأمور الدنيا.، والله تعالى أعلم.وأيضًا

فالمذكور في مواضع أخرى من القرآن الكريم حينما تذكر الوجوه في مثل هذا الموضوع. تكون الأوصاف المذكورة لحالها في الآخرة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ﴾11 (عبس: 38-42) وقال. أيضًا

في الدنيا يعملون ويتعبون ويخشعون فستكون الآيات منصبة على طائفة مخصوصة وهم الكفار الذين يتعبون في العبادة طيب وماذا نقول في الكفار الفساق الذين جمعوا بين الزنا وشرب الخمور وترك الإيمان بالله عز وجل لا يدخلون في الآيات

لذلك رجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

هذه الآيات صفة لحالهم في الآخرة أو أوصاف لأحوالهم في الآخرة بسبعة أوجه ذكرها وهي مذكورة في مجموع الفتاوى له رحمة الله تعالى رحمة واسعة فعلى ذلك قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾

عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾ (الغاشية: 1-7) كلها في هذا الذي يحدث لها في الآخرة

كما في المقابل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ لسعيها راضية ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. فهذا. أيضًا في الآخرة

ولا يمنع هذا أن نعرف أن العبد عليه أن يصحح معتقده فعلية أن يعنى أول ما يعنى بتصحيح معتقده؛ إذ العبد إذا أكثر من العبادة

قال الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ ما خشعت في الدنيا فتخشع هناك ما ذلت لله عز وجل في الدنيا فتذل مذلة المهانة في الآخرة والعبد الذي يخشع لربه جل وعلا في الدنيا هو في حقيقة الأمر رفيع القدم

لأنه بفضل الله سبحانه وتعالى لم يذل إلا لربه وكما قال هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ *** فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ! أو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى

فالإنسان إذا هرب من الرق الذي خُلق له إذًا هرب من العبودية التي خلق لها إذًا به يتجه إلى عبودية غير الله سبحانه وتعالى فهؤلاء. لما خشعوا لله وذلوا لله ارتفعوا بذلك وصاروا أعزاء بفضل الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾

وقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾. وذلك أنَّ الخشوع يظهر في أعينهم ووجوههم فيلمح ذلك في سماتهم وفي وجوههم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة ناصبة. فقد جمعوا بين العذاب وبين العمل الشاق ومن المعروف أنَّه إذًا شدد على شخص فمع العقوبة التي يعاقب عليها يطالب بأعمال شاقة. وهذا عمل في نار جهنم. نسأل الله السلامة عاملة ناصبة

هكذا ناصبة من النصب وهو التعب تتعب من هذا العمل وقوله: عاملة عاملة ناصبة أي: أصحابها عاملة ناصبة فمن المعروف أنَّ الوجوه ليست هي وحدها التي تعمل أو ليس هذا هو المقصود ﴿أَنَّمَا﴾ المقصود أصحاب الوجوه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة أي: أصحابها عاملة ناصبة

تصلى نارًا حامية كما أنَّ الصلي ليس للوجه فحسب وإنَّما للوجه وعموم الجسد كما هو معروف ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة ناصبة قال الله ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عاملة ناصبة

قال بعضهم: هذه كلها أخبار فالوجوه خاشعة. فهذا خبر عاملة خبر ناصبة ثالث تصلى نارًا حامية رابع ومنهم من قال بل خبر الوجوه تصلى نارًا حامية. وهذا فيه نظر كما تقدم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً

تصلى أي: تقاسي حر نار تنضجه. فالمراد بالصلي الاحتراق والدخول ومقاساة الحر

عذاب أهل النار وطعامهم من الضريع

وكما قال بعض العلماء: إن من شُوي من ظاهره لا يقال له: صلي وإنَّما الصلي أن يغمس الشخص في نار جهنم. فيقال له: صلي لأنه غمس في هذه النار سلمنا الله وإياكم تصل والقراءة الأخرى تصل نارًا حامية تصل أي: هذه الوجوه تصل نارًا حامية أو تصل أي: هذه الوجوه نارًا حامية

حامية شديدة الحرارة

﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ فهم يقاسون حر نار جهنم وتشتعل فيهم النيران ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. نسأل الله السلامة وقال الله ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ يسقون من عين شديدة الحرارة فالآنية أي: شديدة الحرارة البالغة المنتهى في التأجج

في شدة الحرارة ومنه قوله سبحانه ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴾12 (الرحمن: 44) آم أي: شديد الحرارة ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾13 (الغاشية: 5) ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ فهم يدخلون في النار ويشربون من نار يشربون من ماء حميم وقال الله. أيضًا ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾

﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ والضريع قال بعضهم: هو السم ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا﴾ السم وقال بعض العلماء: الضريع نبت كالشوك تأكله الدواب. إذا كان رطبًا فإذا يبس عافته ولم تأكله لأنه يصير لها سمًّا

وقالوا إنه يقال له: الشبرق نبات يُقال له الشبرق الإبل تأكله وهو رطب فإذا يبس امتنعت الإبل وتحامته لأنَّها. إذا أكلته أضرها وربما ماتت بسببه

فقالوا هو ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصير يابسًا يقال له: شبرق فإذا صار يابسًا يقال له: ضريع قال الله ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ من هذا النبات الذي تأبى الدواب أن تأكله وتأبى الإبل أن تأكله. وقد ذكروا أنَّ الإبل بفضل الله جل وعلا

﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾ وبعضهم يطلق على الضريع أو على الشبرق ضريعا حتى وإن لم ييبس كذا قال بعضهم: لذلك. قالوا: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ نأكل الشبرق أو الضريع، إننا نسمن عليه ونشبع عليه فقال الله ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾. يعني: ليس كهذا الشبرق أو إن إبلنا تسمن عليه وتشبع عليه فقال الله عز وجل: ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾. يعني: ليس كما تزعمون أن إبلكم تنتفع بذلك لكن ليس هناك دليل على أن الآية ﴿أَنَّمَا﴾ نزلت بسبب ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هي أقوال ساقها بعض المفسرين والعلم عند الله تعالى ليس لهم طعام

إلا من ضريع ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾. وهنا قال الله ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾14 (الحاقة: 35-36) وعندنا. كذلك طعام الزقوم فكيف الجمع. يعني: هنا قال الله ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ وهناك ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ﴾

من غسلين، فكيف الجمع في ذلك؟ قال بعض العلماء: كما ذكره ابن قتيبة وغيره. قالوا: إن أهل النار على أقسام وهم في دركات؛ فبعضهم لا يأكل إلا من الضريع

وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنَ الْغِسْلِينَ وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنَ الزَّقُّمِ «أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ». يعني: تكون أقساماً فمنهم من لا يأكل لا يطعم إلا الضريع. نسأل الله السلامة والنجاة من النار قال الله عز وجل ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾

والشبرق هذا ﴿أَنَّمَا﴾ تأكله الإبل ولا نعرف أنَّ الإنسان يأكله. وقد قالوا إنه شوك فهو شوك لا يتحمى أن يؤكى فكيف إذًا صار يابسًا وتعافته الدواب وتعافته الدواب

فكيف إذا كان ضريعا في نار جهنم وأمر الآخرة لا يقاس عليه أمر الدنيا أو أمر الآخرة يختلف عن أمر الدنيا كما لا يخفى قال الله ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾

هذا الضريع ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾ كما ذكرت فبعض العلماء. قالوا: إن ذكر هذا رد على زعمهم أن الإبل تربُّ وتَشْكَرُ وتَسْمَنُ على هذا الشبرق قال الله ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾ لا يكون سببًا في أن يكونوا أصحاب سمانة أو أصحاب قوة أو أن يشبعهم ويغني عنهم جوعهم

أو أن يغني عنهم جوعهم. وقد ذكر بعض العلماء أنَّهم حينما يدخلون النار ويقاسون حرها فإنَّهم يميلون إلى الطعام لا من أجل التلذذ ولكن من أجل حاجة تستدعي منهم ذلك يميلون إلى طلب الطعام لا من أجل تلذُّث. ولكن لضرورتهم إلى ذلك فإذا ذاقوا الطعام احتاجوا إلى الشراب

فهؤلاء الذين كانوا في الدنيا يتمتعون ويلهثون وراء شهواتها لكنهم كفروا بالله العظيم هكذا يكون مثواهم في الآخرة وربنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾15 (محمد: 12) والنار مثوى لهم. ثم إن الله جل وعلا بعد أن ذكر طرفًا مما يجري لهؤلاء في نار جهنم أعني الكفار، ذكر طرفًا مما يتعلق بأهل الجنة وأخّرهم في الذكر ليختم بهم الأمر فيكون هذا نعم الختام

إذ ختم بهم الذكر. وقد تاقت النفوس إلى ذكرهم فبعد أن يذكر حال الكفار الناس يتوقون ويميلون إلى التعرف على حال أهل الجنة ولم يأت بواو العاطفة. يعني: لم يقل ووجوه يومئذ ناعمة

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ﴾ ووجوه ﴿أَنَّمَا﴾ جاء هنا وجوه مباشرةً لبيان تباين ما بين الفريقين أي: هؤلاء في اتجاه وهؤلاء في اتجاه فلا جامع بينهم هذه وجوه وهذه وجوه. فهذا وجه. وهذا وجه ولكن شتان ما بين الوجهين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾

لسعيها راضية ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾. نسأل الله الكريم من فضله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ ناعمة أي: ذات بهجة وذات منظر حسن

والوجه، والإنسان إذا نَعِم. وكان صاحب نعيم فإنَّ ذلك يظهر في ملامح الوجه. وهذا. أيضًا يتضح في أمر الدنيا فالشخص الذي عمل كثيرًا وتعب

في حياته ترى التعب يظهر على وجهه حتى أنك تراه فتقول له ما لأراك مرهقًا متعبًا يظهر هذا في وجهه. وأما الْمُرَفَّهُ المعروف بيسر الأمور له وقضاء حوائجه ترى هذا في ملامح وجهه. أيضًا تقول: إن وجهه لم يصبه شيء من أذى ولا من هم ولا من كرب أو غم

فربنا يقول ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ لما رأت ولمَّا تنعمت وأعظم ذلك رؤية ملك الملوك سبحانه وتعالى قال الله عز وجل: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾16 (المطففين: 24) وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾17 (القيامة: 22-23)

ولم لا تنعم وهي ترى النعيم في الجنان

لسعيها راضية لسعيها راضية ومن عجيب أن بعض الناس ممن يقومون بحلق اللحى وربما وضعوا على ما يُسمَّى بـ صالوناتهم هذه الآية

فتراه مكتوبًا عند بعضهم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ ويقصد بذلك فعل أمر هو معصية لرسول الله ﷺ فهذا من العجب أن يُستدل بهذه الآية على ارتكاب محذور شرعي. وهذا. أيضًا كهذا الآخر الذي يسقي الناس عصيرًا فيكتب ﴿وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (الإنسان: 21) وما إلى ذلك، وهذا في غير موضعه كما لا يخفى على المسلمين أن يتقوا الله عز وجل وأن يتقوا هذه الأمور فآيات القرآن لها قدرها ولها منزلتها وتوضع المواضع اللائقة بها قال الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ لسعيها راضية

﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ لسعيها راضية لسعيها لسعي هذه الوجوه. والمراد سعي أصحابها فأيضًا عبر بالوجه وقصد الشخص لأنَّ الوجه ينبئ عن الشخص لسعيها راضية

أي: هي راضية لسعيها بسبب سعيها فسعيها سبب لها الرضا. وهذا فيه أنَّ: العبد يحصل على النعيم بسبب وهو العمل الصالح صحيح أنَّه لا يدخل الجنة أحد

إلا برحمة الله سبحانه إلا أن الأعمال أسباب كما دلت على ذلك النصوص الشرعية ﴿وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾18 (الأعراف: 43) قال لسعيها راضية

راضية من أجل سعيها التي سعت وهو سعي مشكور. وكان سعيكم مَشْكُورًا قال الله راضية بالجزاء ترضى بالجزاء لأنَّ الله يعطي بزيادة فالله جل وعلا عطاؤه عظيم ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فهي راضية رضيت بالله ورضيت عن الله ورضيت بثواب الله سبحانه عز وجل

﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ هذه الوجوه وأصحابها في جنةٍ عالية وعالية تشمل الأمرين عالية في المكان وعالية في المكانة فهم في الجنة العالية مكانًا وهم في الجنة العالية مكانةً فالجنة عالية القدر عالية المكانة

﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ لا تسمع مَنْ الذي يخاطب بذلك لا تسمع

أي: لا تسمع. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السامع لا تسمع. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان الذي يتلو الآيات والذي سيكون من أهل الجنة بإذن الله ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ أو لا تسمع هذه الوجوه. والمراد بالوجوه من الأشخاص لا تسمع هذه الأشخاص في الجنة لاغية ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ وهناك قراءة أخرى ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ وأيضًا لا يسمع فيها لاغٍة ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ لا يسمع فيها لاغٍة ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾

نعيم أهل الجنة ودلائل القدرة في الإبل والسماء

لا تسمع في الجنة كلامًا فيه لغو أو لا تسمع فيها نفسًا لاغٍة لا ترى في الجنة نفسًا لاغٍة كل نفس تشتغل بالخير من تسبيح وذكر وتنعم بما منَّ الله عز وجل وأكرم فكما قال الله ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (يونس: 10)

وكذلك فهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس كما جاء في الأحاديث فهم بفضل الله سبحانه وتعالى يتنعمون في الجنة ويذكرون الله سبحانه وتعالى قال الله ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًا﴾19 (مريم: 62). يعني: ما يسمعون فيها اللغو، ﴿أَنَّمَا﴾ يسمعون السلام والسلام ليس من اللغو

لذلك قالوا: إن إلا استثناء منقطع استثناء منقطع. يعني: لا يسمعون فيها اللغو، ﴿أَنَّمَا﴾ يسمعون فيها التسليم تسليم من الملائكة تسليم من أصحاب اليمين تسليم من رب العالمين سلام قولًا

وقال: ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾20 (الرعد: 23-24) ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾: ﴿فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾21 (الواقعة: 91) قال سبحانه ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ فأهل الجنة لا يتكلمون إلا بما فيه حكمة. ولذلك يأتي آية ويسأل. ويقول أنا أحب في الدنيا بعض الأمور مثلًا ويذكر. يعني: يذكر بعض الأشياء يلغو ويلهو ويتكلم بالنكات وما إلى ذلك مما يسميه الناس. فيقول: هل أنا ممكن أفعل هذا. أيضًا في الجنة فيقال له: إن كان ذلك من اللفظ فأنت بفضل الله سبحانه وتعالى لا تميل إليه لأنه ليس في الجنة لغو أهل الجنة لا يجدون لغوًا فيها ولا يقولون لغوًا ولا يسمعون لغوًا بفضل الله سبحانه وتعالى ﴿أَنَّمَا﴾ هم مشتغلون بالخير قال الله ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾

﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾

﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ فيها عين. والمراد بالعين هنا عيون فهي اسم جنس فالجنة فيها عيون فقوله: سبحانه ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. يعني: فيها عيون جارية تجري بفضل الله سبحانه وتعالى وهناك أنهار في الجنة ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾

كما قال الله وقال ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ (محمد: 15) ولذلك قال الله أيضًا: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾22 (الحجر: 45)

إذًا ليست عينًا واحدة ﴿أَنَّمَا﴾ هي عيون وكما قال ابن القيم «أنهارها من غير أخدود جرت، سبحان ممسكها عن الفيضان» فما تحتاج إلى أخاديد ﴿أَنَّمَا﴾ هي تجري بفضل الله سبحانه وتعالى بدون أخدود سبحان ممسكها عن الفيضان قال الله ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وقارن. هناك ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾. وهنا ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ شتان شتان بين من يسقى من العين الآنية شديدة الحرارة التي تمزق وتقطع الأمعاء، وسُقوا ماءً حميمًا

وقال: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ﴾23 (الكهف: 29) فإذا شوى الوجوه فكيف. إذًا شرب وسقي ودخل البطون. نسأل الله السلامة أما هنا قال ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾

﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ نعم إنها الراحة بكل معانيها فالإنسان يطعم ويشرب

وبعد الطعمة أو بعد الطعام والشراب. إذا كان لديه وقت من سعة فإنَّه يميل إلى الراحة فحينئذ يتذكر السرير صح أو لا. يعني: أنت ما يكون محتاج للطعام والشراب تأكل وتشرب وتجري تتحرق لكن يكون عندك وقت وفسحة ماذا تصنع

تأكل وتشرب ثم. ثم تستريح تنام. ولذلك تجد في الجنة يذكر الطعام والشراب يقول متكئين فيها على الأرائك هذا دليل على تمام الراحة هنا قد مباشرةً ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ فيها سرر مرفوعة. فهذا دليل على تمام الراحة شراب وطعام وراحة بفضل الله عز وجل

﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ هذه السرر مرفوعة مُعَدَّة حاضرة له ليست بغائبة لا تحتاج إلى استدعاء ﴿أَنَّمَا﴾ هي مرفوعة. وقد نصبت لهم معدة لهم بفضل الله عز وجل والسرر جمع سرير قال ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وأكواب موضوعة

﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ وأكواب موضوعة قال بعضهم. أيضًا. يعني: موضوعة حاضرة موجودة عندهم ليست لبعيدة فحيثما أراد الشراب وجد ذلك الكوب عنده نعم أذّن لَمّا يتفضل

الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فقال الله تعالى ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وأكواب موضوعة فهذه الأكواب قريبة وحاضرة عندهم ليست ببعيدة ففي أي: وقت أرادوا الشرب وجدوا هذه الأكواب

وقال بعضهم: موضوعة أي: متوسطة ليست بكبيرة عن الحاجة ولا صغيرة عن الحاجة كما في قوله قدروها تقديرًا والأول أشهر قال ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ والنمارق جمع نمرقة أو نمرقة بالفتح والضم

المراد بها: الوسيدة أو الوسادة فقوله: ونمارق مصفوفة أي: ووسائل مصفوفة هذه الوسائد مصفوفة أي: مجتمعة بعضها إلى بعض

والوسادة المخدة فإذا أراد أن يتكئ وجد هنا مخدة. وهنا مخدة. وهنا وسادة. وهنا وسادة أماكن ومن المعروف أنَّ المكان كلما زادت مكانته تجد أن الوسائد تكثر لكثرة الاسترواح بها هنا وهناك فقال الله ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ والزرابي هي البسط

مبثوثة منتشرة هنا بساط. وهنا بساط. وهنا بساط. وهنا بساط منتشرة ومتفرقة وقال بعضهم: يقال لها: الطنافس التي لها خمل جميل. فهذا. يعني: النوم في تمام النعيم سرر وفرش ووسائد وشراب كل ذلك خير يجدونه ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾. نسأل الله الكريم من فضله

كما قال هناك في سورة الرحمن ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ هذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإنعامه على عباده قال وزرابي مبثوثة. ثم قال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾24 (الغاشية: 17-18) ﴿وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾

أي: لما ينكر هؤلاء البعث والنشور ولمَّا يكذبون بالقرآن الكريم والنبي الكريم محمد ﷺ أجهلوا فلا ﴿يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ هذه الإبل كيف خلقت والإبل فيها آيات عظيمة

وفي هذه الأيام القريبة تظهر أمور كثيرة جدًّا فيما يتعلق بخلق الإبل وأن فيها آيات عظيمة بفضل الله سبحانه وتعالى والجمل يتحمل ما لا يتحمله غيره

وقالوا إنه في الصحراء يبصر ما لا يبصره غيره وكذلك الخف الذي أعطاه الله إياه ليخوض في هذه الأماكن ويصبر على العطش وكذلك سخره الله لنا فربما اقتاده الصبي دون أن يصيبه بسوء

تجد صبيًّا عنده عشر سنوات أو أقل يُسيِّر هذا الجمل مع ضخامته ومع قوته ومسخر له فمَنْ الذي سخره لنا وذلله ومَنْ الذي جعله يتحمل العطش ويعطى هذه القدم إنه الله سبحانه وتعالى ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾

رفعت بلا عمد من غير عمد ترونها كما قال الله سبحانه وتعالى وأيضًا فالسماء محكمة ما ترى فيها من فطور لا ترى فيها تشقق. فالله جل وعلا رفع السماء وسواها وأحكم صنعها ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ بعض العلماء قال ما وجه ذكر الإبل مع السماء

هذه سماء قال وإلى الجبال وإلى الأرض فما وجه ذكر الإبل لذلك بعض المفسرين فسر الإبل بالسحب

. فقال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ﴾ المراد بالإبل السحب السحاب وقالوا إن السحاب يطلق عليه إبل وذكروا بعض الشواهد الشعرية من أن السحاب يشبه بماذا بالإبل. ولكن هذا فيه نظر لأن المعروف من لغة العرب أن الإبل هي الحيوانات أو الجمل هو الحيوان المعروف أن الإبل هي المعروفة لديهم وليست السحب

وَأَمَّا إِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ ذِكْرِ الْإِبْلِ مَعَ السَّمَاءِ فَيُقَالُ إِنَّ اللَّهَ لَفَتَ أَنْظَارَ الْعَرَبَ لِمَا يَرَوْنَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا هم العرب شايفين دومًا يرون الإبل التي يركبونها ويرون السماء التي فوقهم والأرض التي تحتهم والجبال التي عن جوانبهم

فذكرهم الله عز وجل بما ينظرون إليه دومًا ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ أي: وأنتم تركبونها ﴿وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ وأنتم تنظرون إليها ﴿وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾

فهذه الجبال نصبها الله عز وجل ومدها وجعلها أوتادًا بفضل الله سبحانه ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ جعلها ممهدة وجعلها مهادًا وقوله: ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾

لا ينافي كروية الأرض عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: به لأنَّ الأمر من. حيث هي حينما تكون كبيرة فكل جزء منها سطح. يعني: الآن نحن نمشي على سطح حتى وان كانت من حيث هي كروية لأنَّ كل جزء في الكرة

يكون سطحًا لاتساعها فقوله: ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ يدل على اتساعها وعلى كونها ممهدة ذلولًا كما قال الله ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ على كل فهذه فيها كلام كثير لكن حتى ندرك نهاية السورة إن شاء الله قال ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ﴾: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾25 (الغاشية: 21-22)

مع هذا ومع إعراضهم فالرسول ﷺ يذكرهم عساهم أن يتوب هؤلاء إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قال ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ مهمتك التذكير لست عليهم بمسيطر لست عليهم بمسلط كما قال: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾26 (ق: 45)

﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَكْبَرَ﴾ قال عدد من أهل العلم إلا هنا استثناء منقطع. يعني: لكن من تولى وكفر

﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَكْبَرَ﴾ وقال بعضهم: بل إن استثناء متصل متعلق بقوله ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ فذكر ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾ أي: من تولى وكفر فمثل هذا يعرض عنه على نحو قوله فذكر إن نفعت الذكر على أحد الأقوال فيها. وقد تقدم بيان ذلك في الدرس الماضي

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ لست عليهم بمسيطر ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾

﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَكْبَرَ﴾ وبعضهم يقول إن هذه الآيات منسوخة بالجهاد لأنه يسلط عليهم ويقاتلهم وقال بعضهم: ﴿أَنَّمَا﴾ المراد المسيطر. يعني: في الهداية لا تملك هدايتهم. وأما أمر الجهاد. فهذا جاء وقته فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ فيكون ذلك من قبيل منسئ إلى مَن قبيل منسوخ

قال ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَكْبَرَ﴾ وهو عذاب النار ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ إن التي تدل على تأكيد هذا الأمر

إِنَّ إِلَيْنَا وَحْدَنَا مَرْجِعَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا لَا عَلَى غَيْرِنَا حِسَابَهُمْ

وجاء هنا بثمَّ مع أنَّه وقت الرجوع يجري الحساب. ولكن لبيان أن رتبة الحساب أشدّ فهم راجعون ثم يحاسبون وإذا حسبوا فيكون بعدها الثواب والعقاب ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، فهذه السورة المباركة ذكرت بيوم القيامة وما يقع في يوم القيامة من انقسام الناس

إلى أشقياء وسعداء إلى ﴿فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ ذكرت بعض ما يجري لأهل النار وما يجري لأهل الجنة وذكرت الناس بقدرة الله على كل شيء وأن الله جل وعلا خالق الخلق قادر على البعث والنشور وأن الناس مردهم إلى الله وأن في الآخرة حسابًا. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الجنة وأن ينجينا من النار

أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

في أخ يسأل يقول السلام عليكم ورحمة الله أحبكم في الله أحبك الله الذي أحببتنا فيه يقول سمى الله يحيى عليه السلام في كتابه وقال النبي ﷺ في ح أصل ما قال خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن أراد تحري اتباع النبي ﷺ فبمَ يسمي؟ يحيى أم عبد الله؟ وجزاكم الله خيرًا ماذا ترون

يقول لنا: الله الذي سمى يحيى والنبي ﷺ قال: «أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» يقال الأمر في ذلك واسع سمي أيهما شئت سمي عبد الله أو عبد الرحمن أو يحيى ﴿إِلَّا﴾ ترى أن النبي ﷺ سمى إبراهيم

حتمية الحساب وخاتمة السورة مع أسئلة الحاضرين

سمى إبراهيم. فهذا وما سمى عبد الرحمن هل تعرفون من أولادنا سمى نسموه عبد الرحمن لا نعرف صحيح عندنا عبد الله والقاسم ونحو ذلك على خلاف من أهل العلم في التفاصيل لكن ما في عبد الرحمن بالإجماع فالأمر في ذلك واسع. فإنَّ شاء الله أن يسمي يحيى سمى وإن شاء الله أن يسمي عبد الله سمى وإن شاء الله أن يسمي بأحدهما وأن يكني بالآخر

أخي يسأل يقول ما حكم قراءة القرآن للمَيِّت وهل يجوز أن نصلي عنه وكذلك حكم الصيام له أما حكم قراءة القرآن للمَيِّت فمسألة خلافية بين أهل العلم والأظهر أنه لا يقرأ له

لأنَّ النبي ﷺ قال : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، وذكر ثلاثًا ثم جاءت نصوص أخرى فيها ذكر لبعض الأمور كالحج حج عن أبيك واعتمر وما إلى ذلك والأصل أنَّ الإنسان ليس له إلا ما سعى

وأن هذا موقوف عند النص فما ورد به النص ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ به وما لم يرد به نص توقفنا نعم فالذي جاء في ذلك الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو له والحج والعمرة والصيام على خلاف

فمثل هذا يصنع. وأما سوى ذلك فلا يصنع هذا هو الأحوط، والله تعالى أعلم. ولا نعلم أن السلف كانوا يصنعون ذلك ولكن المسألة فيها خلاف فمن أخذ بالقول الثاني استدل بأن هذا داخل في عموم الأعمال الصالحة وإذا كان الدعاء ينفع فقراءة القرآن من باب أولى لكن الأول أقرب.، والله تعالى أعلم. لكن لا ينكر على من خالف في ذلك فالمسألة في ذلك قريبة

أما بالنسبة للصلاة فلا يصح في ذلك حديث فيما أعلم فعلى ذلك لا يُصلَّى عن الميت وإنَّما الذي يصلي هو الإنسان نفسه والصلاة لا تقبل فيها الوكالة إلا في حالة واحدة تكون الصلاة فيها تبعًا لشيء آخر. وذلك كما لو كان في الحج فالإنسان إذًا حج عن آخر فإنَّه يصلي ركعتي الطواف

وهو في الأصل حج عن آخر، فركعتا الطواف دخلتا في الحج للثاني لكن هذه لأنَّها ليست أصالة وإنَّما هي تبع للنسك.، والله تعالى أعلم.أما مسألة الصيام فهل يصام عن المَيِّت. أيضًا هذه مسألة خلافية فيها ثلاثة أقوال منهم من يمنع بإطلاق. ويقول ليس إلا الإطعام لكن لا يصام عنه ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: يصام عن المَيِّت إذا كان الصيام صيام نذر. يعني: إذا كان صيام نذر بمعنى المَيِّت كان عليه صيام نذر ولم يُوفِ بالنذر هذا يصام عنه أما صيام الفريضة لا يصام عنه والقول الثالث أنه يصام عنه سواء أكان الصيام صيام نذر أم كان صيام فرض

طبعاً إن ورد في الحديث «من مات وعليه الصيام صام عنه وليه.» وهذا في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها ورد في بعض الروايات: من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه فقالوا. إذن الذي يُصام عنه صيام النذر فقط لكن يقال إذا كان صيام النذر يقضى وصيام النذر نادر. يعني: ممكن واحد لغاية ما يموت ما ينذرش يصوم ولا يوم

المسألة الخلافية والذي يظهر لي والله أعلم أنه لا بأس بالصيام عن المَيِّت،

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك السلام عليكم ورحمة الله

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 10 ↩
  3. آية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الغاشية 1 ↩
  4. آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الغاشية 2-7 ↩
  5. آية: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 55 ↩
  6. آية: ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 2 ↩
  7. آية: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 41 ↩
  8. آية: ﴿وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 50 ↩
  9. آية: ﴿خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 45 ↩
  10. آية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 103-104 ↩
  11. آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ۝ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ۝ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ۝ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ۝ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 38-42 ↩
  12. آية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 44 ↩
  13. آية: ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الغاشية 5 ↩
  14. آية: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 35-36 ↩
  15. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 12 ↩
  16. آية: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 24 ↩
  17. آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ۝ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 22-23 ↩
  18. آية: ﴿وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 43 ↩
  19. آية: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 62 ↩
  20. آية: ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ۝ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 23-24 ↩
  21. آية: ﴿فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 91 ↩
  22. آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 45 ↩
  23. آية: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 29 ↩
  24. آية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الغاشية 17-18 ↩
  25. آية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الغاشية 21-22 ↩
  26. آية: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 45 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 21

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة