سورة الزخرف — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام، في هذا عظةٌ للمشركين عظةٌ لهم في إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يؤاخذهم، وعلى أن يهلكهم، لكنّه يمهلهم لعلّهم يرجعون إليه .
ثمّ ذكر الله موقفًا من المواقف الدّالّة على أنّ الدّنيا تغرّ النّاس، وأن الافتتان بها يحمل النّاس على الكفر بالله ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ ربّ النّاس، فقال.
﴿حمٓ﴾ (الزخرف: 1) والتّعبير هنا، والعلم عند الله ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ﴾ (الزخرف: 51) دون أن يقال: ونادى فرعون قومه، فالنّداء يتعدّى بنفسه، لكن قال ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ﴾ (الزخرف: 51) يفيد هذا كما قرّر بعضهم : إنّه لا يلزم أن يكون نداءً مباشرًا من فرعون، وإنّما هو نداءٌ وصل إلى أماكنهم، وهذا معناه أنّه نداءٌ تكرّر فقد أرسل حاشيته، وأرسل جنوده في البلاد، وأرسله في أواسط النّاس، وعندهم، وفي بيوتهم؛ ليبلّغوهم هذه القاعدة العامّة ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3).
ليبلّغوهم هذه الرّسالة الخبيثة من فرعون ﴿يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ﴾ (الزخرف: 51) يقرّرهم بذلك ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) وكأّنّه يقول : إذًا اتّبعوني، ولا تتّبعوا موسى.
إذًا يا فرعون، ما الّذي يجعل هؤلاء يتبعونك ويتركون اتّباع موسى؟
السّبب أنّك غنيٌّ، أنّ معك مالًا، أنّ معك سلطانًا هكذا ينظرون إلى الدّنيا، هكذا ينظرون إلى أمر الدّين ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّ فِى ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الزخرف: 6).
قوله ﴿أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: 52)
1-إذا كانت على المقابلة فيكون المعنى : أفلا تبصرون، أم تبصرون ، لكن جاء هنا ﴿أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: 52) كأنّ المعنى : إذا قرّرتم أنّني ﴿خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ فأنتم مبصرون، إذًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ ستكونون مبصرين؟ إذا اعتقدتم أنّني أي أنّ فرعون أفضل من موسى ’..!!.
2-أو أن يقال : ( أم ) هنا بمعنى ( بل )، بل ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني ضعيفٌ.
﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: 52): لا يحسن في الكلام، أو لا يوصل الكلام المطلوب بوضوحٍ وجلاءٍ بسبب لثغةٍ في لسانه، لكنّه مع ذلك كان يبلّغ الدّعوة بفضل الله ؛ ولذلك لـمّا قال ﴿وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ (القصص: 34) [ سورة القصص :34 ]. ليس معناه : إنّه مسلوب الفصاحة، بل لديه منها، لكنّه أراد أن يعاضده في هذا، والعلم عند الله.
تأمّلوا ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 10)
يعني : هلّا لولا هنا بمعنى هلّا ﴿وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: 11) إن كان موسى صادقًا، ويزعم إنّه رسول الله، فأين الأسورة؟ أين الأساور، والقراءة الأخرى (أساورةٌ من ذهبٍ).
﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (الزخرف: 12) يسيرون معه، يقولون : افسحوا الطّريق لهذا الرّسول الّذي جاء من عند الله؟.
إنّها المناصب الفارغة، هكذا ينظر فرعون إلى الرّجل حتّى يعتدّ به، وحتّى يكون له قدرٌ وهذا يذكّرنا بقوله ﴿لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 13) إنّها الدّنيا الّتي تربط الخلف بالسّلف حينما يتبعونها ويغفلون عن الآخرة.
﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: 14)
الاستخفاف : أن يستخفّ شخصٌ آخر بأن يحمله على الغواية؛ لذلك قالوا ( فأغرى فرعون قومه فأطاعوه ) إغراء ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: 60) ولذلك ربّنا نهى الرّسول فقال ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: 60) [ سورة الروم :60 ].
ولعلّك بهذا تلحظ أيّها الأخ الكريم، العلاقة الوثيقة بين هذه الآية وبين ما سبق من أمر الله للرّسول ﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15).
لأنّ الّذي يمنعك من أن تستخفّ أن تكون مستمسكًا بالدّين الّذي أنت عليه، ثمّ قال : ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ﴾ (الزخرف: 16).
هنا معنى ( فاسقين ) أي : مشركين فالفسق هنا : الفسق الأكبر؛ ولذلك فالفسق فسقان :
ب- والفسق أيضًا : قد يأتي بمعنى الفسق الأصغر الّذي لا يخرج من الملّة.
ولذلك السّؤال الّذي أوجّهه إليكم؛ لنذكر بعض الأدلّة الدّالّة على أنّ الفسق نوعان :
فسقٌ أكبر، وفسقٌ أصغر فأين هذا في أدلّة الكتاب والسّنة؟
قال الله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (الزخرف: 17)
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) أي : أغضبونا ﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 19) إذًا ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) بمعنى أغضبونا؛ لأنّ الأسف قد يأتي بمعنى الحزن، لكن لا يقال ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) يعني : أحزنونا!! هذا لا يراد، ولا يقصد بحقّ الله إلّا عند من تأوّل الآية فقالوا : يعني لـمّا أحزنوا أولياء الله.!!.
وأمّا القول الصّحيح المعتدّ به في الآية، والعلم عند الله أنّ معنى ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) يعني : أغضبونا، ويكون في هذا إثبات الغضب لله على وجهٍ يليق به فهو يغضب غضبًا لا كالبشر﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) [ سورة الشورى :11 ].
﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) فيه أنّ السّلف سلفان : سلف خيرٍ، وسلف شرٍّ.
قال ﴿أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (الزخرف: 21) هنا ذكر الشّارحون كلامًا جليلًا يبيّن لنا ما يتعلّق بالآية الكريمة فقالوا ( ولـمّا حسب المشركون أنّ عيسى الّذي عبده النّصارى داخلٌ في عموم قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ (الأنبياء: 98) [ سورة الأنبياء :98 ].
وهذا وقع من ابن الزّبعرى حينما أراد أن يبيّن بزعمه أنّ القرآن ليس حقًا، وربّ العزّة قال : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ (الأنبياء: 98) فقال للنّبيّ ‘ هذه عامّة ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) نعم، عامّةٌ، قال : إذًا يدخل فيها عيسى، فالنّصارى تعبّد عيسى، إذًا معنى ذلك ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23) إذًا عيسى حطب جهنّم..!! فإذا كان عيسى في جهنّم فما المانع أن نكون، وأن تكون الآلهة الّتي يعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ في جهنّم.
ولذلك قالوا ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) يعني هذا من باب الجدل، لا من باب الوصول إلى الحقّ، ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25) يعني : يحبّون الجدل فهم مجبولون على الخصومة، وهذا استدلالٌ خاطئٌ؛ لأنّ الله قال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26) ولم يقل : إنّكم ومن تعبدون، فما لغير العالم، أو لغير العاقل؛ فعيسى غير داخلٍ أصلًا في الآية، إنّما المعنى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26) من الأصنام، والأحجار، وتلك الآلهة المزعومة ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) حطب جهنّم، أمّا عيسى ليس داخلًا في الآية ابتداءً، ثمّ إنّ الله قال بعدها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: 101) [ سورة الأنبياء :101 ]. وعيسى ممّن سبقت لهم من الله الحسنى.
الشّاهد : أنّ هذا هو الجدال بالباطل، وهذا فيه أنّ من أوّل من شغّب على القرآن، وآثار الشّبهات في فهم القرآن المشركون على عهد النبي ﷺ أنّ من أوّل من أثار الشّبهات المشركين على عهد النبي ﷺ.
قال الله ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25) وتأمّل قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27)
قالوا ( يضجّون ).
قال الله ﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27) ويصخبون في الخصومة؛ أي : أنّهم حينما سمعوا ابن الزّبعرى ضحكوا، وصفّقوا وقالوا : إذًا انتصرنا على محمّدٍ ‘ وهيهات كلامهم باطلٌ، وحجّتهم داحضةٌ.
وألفت النّظر هنا إلى أمرٍ مهمٍّ وهو أنّ قوله ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28) غير يصدون فهنا جاءت القراءة ﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27) لذلك قالوا : يصدّون يعني : يضجّون، أو قالوا أيضًا : ( يصخبون في الخصومة ).
ومنه قوله ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الأنفال: 35) [ سورة الأنفال :35 ]. فهذا المراد به الضّجيج، وإلّا فهناك قراءةٌ أخرى متواترةٌ أيضًا ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: 57) وتكون القراءة بالضّمّ؛ إمّا معناها :-.
بمعنى : الكسر (يصدون) فتكون القراءتان بمعنى واحدٍ.
أو أن تكون القراءة الأخرى ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: 57) يعني : يعرضون، أو يصدّون غيرهم عن صراط الله المستقيم، وبهذا تتكامل المعاني، وهذا من دلائل فضل القراءات؛ لأنّ القراءة مع القراءة بمثابة الآية مع الآية وهو من جمال ما يفهم من القرآن الكريم أن ينظر الإنسان في القراءات المتعدّدة المتواترة.
وهذا من إيجاز القرآن الكريم الّذي يحوي معاني كثيرةً بفضل الله سبحانه وتوفيقه؛ ولذلك قلت وما زلت أقول مرارًا أنّ من أراد أن يفسّر القرآن تفسيرًا صحيحًا لا ينبغي له أبدًا أن يغضّ الطّرف عن القراءات المتواترة، صحيحٌ إنّه لا يلزمه أن يتكلّم في التّفسير عمّا يتعلّق بالأصول من الإمالة، والتّقليل، والمدّ، والإدغام، والفتح وما إلى ذلك من أحكامٍ معروفةٍ إنّما يتعلّق بالمعاني فهذا مهمٌّ في تفسير القرآن، ولعلكم تلاحظون أنّنا نعرض له حينما تأتي مناسبةٌ.
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29)
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 30) قالوا هنا في التّفسير : ( ولو نشاء إهلاككم يا بني آدم لأهلكناكم وجعلنا بدلكم ملائكة ).
إذًا ما معنى (من) في قوله ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31) لأنّه قد يسأل سائلٌ ويقول : هل معناه أنّ الله يحوّلنا إلى ملائكة؟ ليس هذا هو المراد، إذًا ما معنى ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32) يعني : لجعلنا بدلكم، وهذا يدلّ على فائدة، وأهمّيّة فهم حروف المعاني.
فـ (مـن) تأتي بمعنى (بدل) كما في قوله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة: 38) [ سورة التوبة :38 ].يعني أرضيتم بالحياة الدّنيا بدل الآخرة؟.
من فوائد الآيات
نكث العهود من صفات الكفّار : ﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (الزخرف: 33)
الفاسق خفيف العقل يستخفّه من أراد استخفافًا : ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: 14)
غضب الله يوجب الخسران : ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾ (الزخرف: 34) فوقع الانتقام؛ لأنّ الله غضب عليهم، نسأل الله أن يرضى عنّا سبحانه وبحمده.
أهل الضّلال يسعون إلى تحريف دلالات النّصّ القرآنيّ حسب أهوائهم : ولذلك قال الله ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 35).
قال الله سبحانه ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36)
هذا تتمّةٌ للآيات السّابقة من ذكر عيسى ’، وقد اختاروا في الشّرح هنا أنّ الضّمير في قوله ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 37) يعود على عيسى ’ فيكون المعنى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 37) أي : عيسى لعلامةٌ من علامات السّاعة الكبرى حين ينزل آخر الزّمان، وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ عن رسول الله ‘ تدلّ على هذا المعنى، وأنّ نزول عيسى بن مريم ’ علامةٌ من علامات السّاعة الكبرى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾ (الزخرف: 38).
﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (الزخرف: 39).
وتأمّلوا ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزخرف: 40) وقبلها ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ (الزخرف: 41)
وهناك ﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15) تواصلٌ بين الأنبياء والمرسلين؛ لتقرير أنّهم على المنهج القويم المستقيم، فكيف نعدل عنه، وكيف ننصرف عنه؟.
ثمّ قال الله ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾ (الزخرف: 42) ولذلك وقع الاختلاف والخلاف في أمر عيسى ’ ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) ولم يقل : فويلٌ لهم لهذه الأحزاب، وإنّما قال : ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 44) الّذين لم يعدلوا في حقّ عيسى ’ فرفعوه، وجعلوه إلهًا، أو ابناً للإله ومعاذ الله أن يتّخذ الله ولدًا.
﴿وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (الزخرف: 45)
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزخرف: 46) يعني : هل ينتظرون، وتقدّم في غير ما مرّةٍ أن ينظرون إذا تعدّت بنفسها فهي بمعنى الانتظار، فمعنى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزخرف: 46) يعني : هل ينتظرون، يعني لماذا؟ ما الّذي ينتظرونه، لا ينتظرون إلّا السّاعة فتكون هل بمعنى (لا ): لا ينتظرون ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ (الزخرف: 47) فجأةً.
﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 48) يعني لا ينتفعون بالخلّة، لا ينتفعون بالصّداقات، ولا تنفعهم الشّفاعات، وإنّما الّذين ينتفعون بذلك هم الأتقياء، وهذه الآية آيةً عظيمةً جليلةً تدلّ على فضل الصّداقة الحقّة، وعلى فضل الصّحبة الطّيّبة.
﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 48) فكلّ مودّةٍ تزول إلّا المودّة الّتي قامت على تقوى الله، نسأل الله أن يجعلنا من المتّقين.
قال الله ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 49)
هنا قالوا : ( ويقول الله لهم يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ) يعني هنا تقديرٌ كأنّ المعنى ويقول الله لهم ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 49) ما صفات هؤلاء العباد جعلنا الله منهم بمنّه، وكرمه؟ ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ (الزخرف: 50).
قالوا : يعني تسرّون، وذلك أنّ السّرور يظهر على بشرة صاحبه، فالإنسان كما قال الله ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ (المطففين: 24) [ سورة المطففين :24 ].
فالإنسان إذا كان مسرورًا ظهر ذلك على وجهه، أو على علامات وجهه؛ فلذلك قالوا ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51)
﴿أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: 52)
وإذا كان سيطاف عليهم بصحافٍ إذًا فيها أكلٌ، لكن لم يذكر الأكل، لكنّ هذا فهم؛ قال ﴿فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (الزخرف: 53).
وهنا قال عن الدّنيا ﴿لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 13) زال زخرف الدّنيا وذهب، وهي الصّحّاف من ذهبٍ تأتي يوم القيامة للدّلالة على أنّ الدّنيا تزول، وأنّ النّعيم المقيم هو نعيم الآخرة فناسب هذا أن يذكر الله طرفًا عن جزاء أهل الجنّة.
قال ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54)
وهذه عامّةٌ، فكلّ ﴿مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ﴾ يجده أهل الجنّة في الجنّة ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الزخرف: 55) تأمّل قال ﴿فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْءَاخِرِينَ﴾ (الزخرف: 56) ويقال لهم أيضًا ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الزخرف: 55).
وهذا من تمام النّعيم.
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: 57) عرفنا أنّ الباء هنا باء السّببيّة يعني أورثتموها بسبب عملكم، وإلّا فإنّ الفضل كلّه لله ؛ ولذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين ما جاء عن النبي ﷺ " لن يدخل أحدٌ منكم الجنّة بعمله، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله منه برحمةٍ. فالله يدخل العباد في الجنّة برحمته، ومن أسباب رحمته العمل الصّالح الّذي يعمله الإنسان ﴿وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف: 58) نسأل الله الكريم من فضله!.
من فوائد الآيات
نزول عيسى من علامات السّاعة الكبرى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الزخرف: 59)
انقطاع خلّة الفسّاق يوم القيامة، ودوام خلّة المتّقين : ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 48)
بشارة الله للمؤمنين، وتطمينه لهم عمّا خلّفوا وراءهم من الدّنيا، وعمّا يستقبلونه في الآخرة : وذلك في قوله ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 49).
قال الشيخ حفظه الله
﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةً فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (الزخرف: 60) قالوا : ( ولمّا ذكر الله جزاء المتّقين ذكر جزاء من هم ضدّهم وهم المجرمون ) وهذا تقدّم إنّه بيان المناسبة، وأنّ القرآن مثاني يذكر صفات المتّقين، ثمّ يذكر صفات المجرمين، يذكر حال أهل الجنّة، وحال أهل النّار، فهنا جاء قوله ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةً فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (الزخرف: 60) وتقدّم أيّها الكرام أنّ كلمة الإجرام جاءت في القرآن الكريم مستعملةً مع الكفّار فهذه عادة القرآن في إطلاق كلمة المجرمين، ويدلّ على هذا هنا من السّياق أنّ الله حكم عليهم بقوله ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: 61) وهذا إنّما هو في أهل الكفر، نسأل الله السّلامة!.
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 62)
﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الزخرف: 63) يعني لا يخفّف عنهم بحيث يكون خفيفًا، أو ينقطع فترةً ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: 64) آيسون من رحمة اللّه قد أبلسوا، ويقع من إبلاسهم الحزن الشّديد.
ومن فسّره من أهل العلم بالسّكوت؛ فلأنّ الحزين حزنًا شديدًا لا يجد أكثر من أن يسكت من شدّة ما هو فيه؛ فإنَّ نطقوا فبماذا ينطقون قال الله :﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (الزخرف: 65).
:﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الزخرف: 66) ولكن قبلها قال :﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) وهو خازن النّار كما دلّ على ذلك سنة رسول الله ‘، لذلك مالك من أسماء الملائكة الّتي دلّنا عليها، أو سمّاه الله في القرآن، ودلّنا على ذلك أيضًا سنّة الرّسول ‘.
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الزخرف: 66) هذا نداءٌ من النّداءات الّتي يناديها أهل النّار للملائكة، وقد تقدّم معنا في سورة غافرٍ ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 49) [ سورة غافر :49 ]. وهنا مطلبهم :﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 49) يعني ليمتنا ربّك فنستريح، يطلبون الموت وهم في الدّنيا كانوا يحبّون الحياة ولو كانت رخيصةً قال الله ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ (طه: 74) [ سورة طه :74 ].
فهم لا يموتون فيه ولا يستريحون، ولا يحيون حياةً كريمةً؛ لذلك يقولون ﴿يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الزخرف: 68) وهي إجابةٌ تدلّ على شدّة ما هم فيه، وأنّهم باقون في العذاب.
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ﴾ (الزخرف: 69)
﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (الزخرف: 33) لا عذر لكم ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (الزخرف: 70) أكثركم للحقّ كارهون، وبعضكم تبع الباطل تقليدًا، فمنهم من كره الحقّ، ومنهم من قلّد ذلك، فصار مع من قلّده.
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الزخرف: 71) الإبرام فسّروه هنا ( بالمكر بالنّبيّ ‘ ) وأصل الإبرام : الفتل المحكم؛ أي أنّهم خطّطوا تخطيطًا صعبًا، وشديدًا للفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والقضاء على دعوته، فإنَّ مكروا بالنّبيّ ‘ وأعدّوا كيداً فإنّا محكمون لهم تدبيرًا يفوق كيدهم.
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (الطارق: 15-16) وأين إبرامهم من إبرام الله، والله قال ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (الطارق: 15-16) [ سورة الطارق :15-16 ]. فأين كيد هؤلاء من كيد الله القويّ المتين، وقد قال الله ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 45) [ سورة القلم :45 ].
قال الله ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 45)
﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 45) أم يظنّون ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ الذي أضمروه في قلوبهم، أو سرّهم الّذي يتناجون به خفيّةً؛ ولذلك إذا سئلنا فقلنا : ما الفرق بين السّرّ والنّجوى؟ فالمراد بالسّرّ هنا ما كان في القلب يعني ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الزخرف: 72) الّذي في قلوبهم بينهم وبين أنفسهم في خلجات صدورهم، ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّ فِى ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الزخرف: 6) ما جرى بينهم، وبين غيرهم عن طريق الحديث السّريّ.
إذا النّجوى حديث غيره، وما أضمره في نفسه يقال له هنا سرٌّ.
قال ﴿لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (الزخرف: 73) هنا بلى، هنا تقديرٌ يعني : بلى إنّا نسمع ذلك كلّه؛ لذلك قدّروه ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ﴾ (الزخرف: 74) أي : والملائكة لديهم يكتبون كلّ ما عملوه.
﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (الزخرف: 75) ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيّها الرّسول، للّذين ينسبون البنات لله، وتأمّلوا جاء ذكر عيسى في آخر السّورة، وجاء في أوائل السّورة ﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15) [ سورة الزخرف :15 ]. وقال ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ﴾ (الزخرف: 16) [ سورة الزخرف :16 ]. وهذا أيضًا من العلاقات، فلـمّا بيّن الله بطلان زعم المشركين أنّ لله بناتٍ جاء في آخر السّورة للرّدّ على أنّ الله ليس له أيضًا أولادٌ ذكورٌ، فلا عيسى ولده، ولا الملائكة بناته، والله ليس له ولدٌ، ثمّ جاء في ختام الآية تقرير هذا ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (الزخرف: 75) قالوا : ( ما كان لله ولدٌ تنزّه عن ذلك وتقدّس فأنا أوّل العابدين لله المنزّهين له ).
هذه الآية من الآيات الّتي ورد فيها كلامٌ طويلٌ، وأقوالٌ، وأوجهٌ كثيرةٌ لأهل التّفسير، هنا اختاروا هنا أنّ معنى (إن) : ما فهي نافية، إذًا ما معنى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (الزخرف: 17) يعني ما كان للرّحمن ولدٌ، (وإن) تأتي بمعنى النّفي.
إذًا القول هنا الّذي اختير أنّ (إن) بمعنى : النّفي؛ فالمعنى ما كان لله من ولدٍ، ما كان لله ﴿وَلَدٌ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ﴾، يعني : أنا أوّل من يسابق في العبادة لله؛ لئلّا يعترض معترضٌ يقول : أليس الأنبياء من قبله قد عبدوا الله ، يقال : معنى ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) يعني : أوّل من يسارع كما تقول : أنا أوّل من سيجتهد، أوّل من يفعل كذا، ولا يلزم أنّك الأوّل؛ وإنّما سبقك إلى ذلك غيرك ممّن جاء قبلك، أو إنّه أوّل العابدين في هذه الأمّة ‘، هذا معنى.
وهناك معنى آخر مشهورٌ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (الزخرف: 17) أي : على سبيل الفرض لو لم يفعل فرضٌ أنّ لله – للرّحمن - ولدًا فإنّ الرّسول أوّل العابدين له، أي : لهذا الولد؛ لأنّ الولد جزءٌ من أبيه، فلو كان للرّحمن ولدٌ لعبده الرّسول ‘، لكنّ الرّسول ينزّه الله عن ذلك، ويقول : لا يمكن أن يكون ذلك وهو أعلم بالله منكم، وأعرف بالله منكم فهذا ممتنعٌ.
وقد جاء في القرآن الكريم ما يكون من قبيل الممتنع، لكنّه يذكر على سبيل الفرض؛ كقوله في حقّ الملائكة ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 29) [ سورة الأنبياء :29 ]. ومن المعروف أنّ الملائكة لا تقول ذلك، ولا تزعم ذلك.
وقال بعضهم : معنى ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) يعني فأنا أوّل الآنفين، يعني : أنا آنف أن يكون لله ولدٌ؛ لأنّ هذا لا يتأتّى؛ لأنّ الولد يكون له صفات أبيه وهذا لا يتأتّى؛ لأنّ من صفات الإله إنّه الحقّ القيّوم الفرد الصّمد الّذي لم يلد، ولم يولد.
على كلّ حالٍ؛ فالآية تثبت وحدانيّة الله، وإنّه الغنيّ الّذي لم يتّخذ صاحبةً، ولا ولدًا، ثمّ قال ﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 19).
بهذا تختم الآيات في أواخر السّورة يأتي هذا الختام مع الآيات الّتي تتبعها كما سنرى بإذن الله.
﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) دعك منهم يا رسول الله، قد قالوا أقوالًا كفريّةً، وقد زعموا مزاعم باطلةً، وقد افتتنوا بالدّنيا فلا تلتفت إليه.
وتأمّل هنا ﴿أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (الزخرف: 21) في الباطل، ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) بالدّنيا، وهذا يدلّ على أنّ العبد ينصرف عن الحقّ من بابين؛ من باب الخوض في الباطل، وهذا يثير عنده الشّبهات، ومن باب الافتتان بالدّنيا، وهذا يثير عنده الشّهوات؛ ولهذا والعلم عند الله، فسورة الزّخرف جمعت بين الأمرين بين الحديث عن الافتتان بالدّنيا من زخارف وهذا يدخل في قوله ﴿بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) وما أثاروا من شبهاتٍ وشكوكٍ، وعدم أخذٍ بالعلم الصّحيح.
وهذا في قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23) وكن على ذكرٍ من هذا الكلام، فإنّه سينفتح لك بابٌ عظيمٌ حينما تقرأ صدر سورة الدّخان؛ لتعلّم الرّابط الوثيق بين سورة الدّخان، وبين سورة الزّخرف بإذن الله عمّا قريبٌ.
قال الله ﴿قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الزخرف: 24) سيأتي لهم العقاب.
﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25) أيضًا هذه من الآيات الّتي يخطئ كثيرٌ من النّاس في فهمهما فمعنى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: 26) قالوا هنا : ( المعبود ) يعني أنّ الله هو المعبود في السّماء بحقٍّ وهو المعبود في الأرض بحقٍّ.
فلا تتوهّم أيّها الأخ الكريم، أنّ قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 27) يفهم منها أنّ هناك إلهين هذا خطأٌ، إنّما المعنى أنّ الله هو الإله في السّماء، وهو أيضًا الإله في الأرض، فمن يعبد ﴿فِى ٱلسَّمَآءِ هُوَ ٱلَّذِى﴾ ينبغي أن يعبد في الأرض وهو الله .
ولا يقولنّ قائلٌ : إنّ كلمة «إله» قد تكرّرت، وإنّ النّكرة إذا تكرّرت فإنّ الثّانية تكون خلاف الأولى، فهذا ليس من هذا الباب هنا؛ لأنّ إلهٌ هنا بمعنى : مألوهٌ، معبودٌ، وهذه الجملة متعلّقةٌ بالّذي هو واحدٌ، لن يتكرّر فكأنّ المعنى (وهو الّذي معبودٌ في السّماء، ومعبودٌ في الأرض).
إذًا ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 28) كلامٌ عن واحدٍ، لا عن اثنين وهو الله ، وهنا جاء ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (الزخرف: 25) فالكلام عن الله وحده ، لا عن اثنين فالإله ليس المقصود به التّكرار هنا، إنّما هو من متعلّق الأولى، وإنّما تكرّر الأمر للدّلالة على إنّه لا يختلف، وعلى أنّ المعبود هنا ينبغي أن يكون المعبود في كلّ مكانٍ بحقٍّ وهو الله فهو المعبود بحقٍّ.
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 29).
بلا إله إلّا الله ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 9)
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 9) عودٌ على بدءٍ، ففي بدايات السورة ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 9) [ سورة الزخرف :9 ]. فعودٌ على بدء ما تقرّر في أوّل السّورة يعود أيضًا تقريره في آخر السّورة.
﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 10)
﴿وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: 11) على ما عطف؟
هنا قالوا ( وعنده علم شكوى رسوله من تكذيب قومه، وقوله فيها يا ربّ ) يعني قوله ﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (الزخرف: 12). أي : وعنده علم قيله، يعني : أنّ الله يعلم وقت السّاعة، ويعلم كذلك قول الرّسول محمّدٍ ‘ حينما تضرّع إلى الله، وشكا قومه ﴿لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 13).
وهذا قول كثيرٍ من المفسّرين أنّ قوله ﴿وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: 11) معطوفٌ على قوله ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: 14) علم ﴿وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ (الزخرف: 15)
والقراءة الأخرى (وقيله) قالوا : لأنّ علم السّاعة، السّاعة وإن كانت مجرورةٌ فهي في موضع النّصب، أي : علمه السّاعة، وعلمه قيله ‘.
وقال بعضهم في قوله ﴿وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: 11) لإنّها للقسم، أي : أنّ الله يقسم بقول الرّسول يا ربّ، وهذا من تكريم الله للرّسول فجعلوه على القسم، وهناك أقوالٌ أخرى، لكنّ الشّاهد هنا في هذا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نختم السّورة الكريمة أنّ الرّسول تضرّع إلى الله بقوله ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ﴾ (الزخرف: 16).
وأكثر الأدعية الّتي وردت بربّ في القرآن الكريم لا تجد فيها (يا) النّداء، إنّما تجد ربّ، ربّنا، لكن يا ربّي جاءت في موضعين في حقّ الرّسول ‘ في قوله في سورة الفرقان ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (الزخرف: 17) وهذه الآية ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 10) لأنّ المقام ليس مقام دعاءٍ، مقام الدّعاء يكون فيه تضرّعٌ إلى الله ، وشعورٌ بالقرب من الله فيقول العبد ربّنا.
المقام هنا مقام شكوى، ومقام اعتذارٍ، ومقام تحسّرٍ فيناسبه طول الكلام، يا ربّ، وهو يتوجّع، وهو يتحسّر ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (الزخرف: 18) هنا جاءت القاعدة السّابقة اسم الإشارة هنا هؤلاء عاد إلى غير مذكور، لكنّه معروفٌ فهم المشركون ﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 19) اصفح عنهم يا رسول الله، أعرض عنهم ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20) والسّلام هنا سلام متاركةٍ يعني اتركهم، فالله سيؤاخذهم ﴿أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (الزخرف: 21) بهذا تختم هذه السّورة الجليلة الكريمة
من فوائد الآيات
كراهة الحقّ خطرٌ عظيمٌ : ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (الزخرف: 70)
مكر الكافرين يعود عليهم ولو بعد حينٍ : ولذلك قال الله ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الزخرف: 71)
كلّما ازداد علم العبد بربّه ازداد ثقةً بربّه، وتسليمًا لشرعه : وهذا صحيحٌ؛ لهذا المؤمن ينقاد، ولا يكره الحقّ.
اختصاص الله بعلم وقت السّاعة : كما قال﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (الزخرف: 12) أي : عنده وحده وبحمده وننتقل إلى سورة الدّخان، ونسأل الله التّوفيق والسّداد.