مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة آل عمران — الجزء 6

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 269 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

• يجب ﴿إِلَّا﴾ يرتبط الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه بأحد من البشر مهما علا قدره ومقامه: وذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ (آل عمران: 144) الآية الكريمة.

• أعمار الناس وآجالهم ثابتة عند الله تعالى، لا يزيدها الحرص على الحياة، ولا ينقصها الإقدام والشجاعة: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: 145)

• تختلف مقاصد الناس ونياتهم، فمنهم من يريد ثواب الله، ومنهم من يريد الدنيا، وكل سيُجازَى على نيَّته وعمله: ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا﴾ (آل عمران: 145).

في هذه الآيات قوله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 146) وبعد قال ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 148) وقبل ذلك قال في الصفحة التي قبلها ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (آل عمران: 140) فتأملوا رحمكم الله ما الذي يحبه الله؟ وما الذي لا يحبه؟ ومن الذي لا يحبهم الله؟ ومن الذين لا يحبهم الله؟ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحبنا وأن يجعلنا أهلا لمحبته لنا.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 149)

هذه السورة الجليلة سورة آل عمران كما تقدم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام تبين لنا طريق الثبات أمام الفتن كلها، وأمام الأعداء على اختلاف أصنافهم، فذكر الله فيها كيف تكون المحاجة لأهل الكتاب؟ وكيف يكون الرد على شبهاتهم ومزاعمهم؟ ثم ذكر الله -سبحانه وتعالى -فيها أيضًا كيفية التعامل مع أهل الشرك، وكيف أنّ المسلم لا ينبغي له أن يغتر بما عليه أهل الكفر من نعيم الدنيا ومن إقبال عليها، ثم حذرنا الله أيضًا من الانقياد وراء أهل الكتاب من الذين كفروا بالله سبحانه، لذلك تقدم في الآيات السابقة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 100) وهنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 149) فذكر الأصناف كلها وذكر ما يكون عن طريق المحاجة اللسانية، وما يكون في ساحات المعارك والقتال، ذكر هذا وذاك في هذه السورة الجديدة سورة آل عمران ﴿إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 149) فذكروا أنّ المراد بهم قالوا في المختصر {من اليهود والنصارى والمشركين} باعتبار أنّ الثلاثة قد تحدثت عنهم السورة الكريمة وإن كان الحديث القريب كان حديثاً عن المشركين، فالحديث في بدر وفي أحد: ﴿أَنَّمَا﴾ قتال بين المؤمنين والمشركين كما هو معلوم، قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ﴾

﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (آل عمران: 151)

﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟﴾ (آل عمران: 151) أي: بسبب شركهم بالله فقوله {بما}: الباء سببية ﴿بِمَآ أَشْرَكُوا۟﴾ (آل عمران: 151) بشركهم فما مصدرية ﴿بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (آل عمران: 151).

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ﴾ (آل عمران: 152) قالوا: يعني أنجزكم الله ما وعدكم به من النصر على أعدائكم يوم أحد، حتى إن بعضهم ورد عنه أنّه قال: ما رأينا نصراً مثل ما وقع في أحد يقصد بذلك أول الأمر، فقد كان النصر حليفهم من كل وجه، وكانت القوة للمسلمين على الكافرين، ولذلك قال الله سبحانه ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ﴾ (آل عمران: 152) ما معنى تحسونهم؟ يقولون هنا في التفسير {حين كنتم تقتلونهم قتلاً شديداً} لذلك قالوا ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152) هو قتلهم قتلاً شديداً {تستأصلونهم}، وتقدرون عليهم قدرة واضحة، ثم قال الله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 152) والمؤمن يحب النصرة يحب التمكين نسأل الله سبحانه أن يمكن لدينه {آمين}، قال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (آل عمران: 152) وتأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 152) مع أنّ هذا لم يقع إلا من قلة -إلا من عدد قليل -من الصحابة الكرام -رضي الله تبارك وتعالى عنهم -لكن الله لما واجههم واجه الجميع فقال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (آل عمران: 152) حتى يلقنهم ويعتبر المعتبر وفي ذلك أيضًا سترٌ على المخطئ وأنه واحد منهم سيغفر له لكن عليه أن ينتبه، وأن يعلم أنه سيتسبب في إلحاق الهزيمة والضر بالجميع. قال: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (آل عمران: 152)يعني: جبنتم فالفشل يفسر بالجبن ﴿إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا﴾ (آل عمران: 152) هكذا بوضوح وجلاء ولذلك تقدم أنّ ابن مسعود تعجَّب من هذا وما كان يتوقع أن أحداً يريد الدنيا لأنّهم حينما دخلوا في الإسلام تركوا كل شيء وأقبلوا على الله، وأقبلوا على طاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم -؛ لكن الله قال ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ تأمل ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (آل عمران: 152) بعد أن كانت الدائرة لكم، وبعد أن أيدكم عليهم لكن سبحان الله هو الذي صرفكم عنهم وكف أيديكم عنهم لم؟ وقادر على كل شيء ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152) ليكون هذا ابتلاء لكم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ (آل عمران: 152) وهذا معنى جليل ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ (آل عمران: 152) سبحان الله جليلاً من الله سبحانه وتعالى، بهذا الأسلوب المؤكد والذي فيه قسم أي: والله لقد عفا عنكم سبحانه وتعالى، ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152) سبحانه.

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 153)

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ (آل عمران: 153) انظروا إذ تُبْعِدون أو حين كنتم تُبعِدون في الأرض ما معنى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 153) تبعدون في الأرض، تجرون، تفرون حينما جاء خالد بن الوليد -رضي الله عنه -ووقتها كان على الشرك حينما وقع ما وقع من الرماة وبدأت الدائرة تدور على المسلمين فصار منهم من يفر هارباً ما الذي جرى؟ تحولت الدفة، وتحول الأمر بعد أن كانت النصرة صارت الهزيمة ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ﴾ (آل عمران: 153) لا يلتفت بعضكم إلى بعض، الكثير يجري إلا قلة ممن وقفوا بجوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يحمونه ويحافظون عليه صلوات الله وتسليماته عليه، ﴿وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ﴾ (آل عمران: 153) قالوا في المختصر يعني: {والرسول يدعوكم من خلفكم بينكم وبين المشركين قائلًا: إليَّ عبادَ الله، إليَّ عبادَ الله} لا تتقفقوا لماذا هذا؟ قال الله سبحانه ﴿فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 153) فاجتمع عليهم أكثر من غم: غم فوات الغنيمة وغم القتل الذي وقع لكثير منهم، وغم الهزيمة التي أصابتهم، وغم اشاعة قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -لكن من المعاني اللطيفة في الآية: أنّ الله قال ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ﴾ (آل عمران: 153) فجعل هذا الغم سببًا في زوال الحزن.

وحينئذ يقال كيف ذلك؟ فالغم يجلب الحزن، وليس يفوت الحزن؟

قالوا: من رحمة الله سبحانه وتعالى بزوال الغم الأكبر؛ فإذا زال الغم الأكبر هان على الإنسان الغم الأقل، فلما أُشِيع أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد قُتِل ورأوا بأنفسهم قتل أقاربهم وقتل أحبابهم، ورأوا ما رأوا من الهزائم وذهاب الغنائم، ثم لما علموا يقيناً أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت هان عليهم كل شيء؛ فحينئذٍ كان الهم الأكبر سببًا في زواله كان سببًا في زوال ما دونه من الغم وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعبادة. نعم.

• من دلائل فضل الصحابة أن الله يعقب بالمغفرة بعد ذكر خطئهم.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• التحذير من طاعة الكفار والسير في أهوائهم، فعاقبة ذلك الخسران في الدنيا والآخرة: قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 149)

• إلقاء الرعب في قلوب أعداء الله صورة من صور نصر الله لأوليائه المؤمنين: ولذلك ثبت H0.

• من أعظم أسباب الهزيمة في المعركة التعلق بالدنيا والطمع في مغانمها قال ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا﴾ (آل عمران: 152) ومخالفة أمر قائد الجيش: ولذا قال ﴿وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 152)

• من دلائل فضل الصحابة أن الله يعقب بالمغفرة بعد ذكر خطئهم: ولذلك قال ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ (آل عمران: 152) وسيأتينا أيضًا ﴿وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155)

قال الشيخ حفظه الله

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154)

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ (آل عمران: 154) من كرم الله سبحانه وإحسانه على أهل الإيمان أو لأهل الإيمان أنّه -سبحانه وتعالى -أنزل عليهم سكينة النوم وآمنة النوم فناموا مع وقوع الهزيمة بهم وعليهم، وهذا من إحسان الله ولطفه؛ لأنّ الإنسان لا ينام إلا إذا كان في أمان؛ أما أن ينام وهو يشعر بالهلع والخوف والفزع، وباقتحام العدو عليه فهذا لا يتأتى، ومعروفٌ أنّ الذعر والخوف يمنع النوم ومع ذلك فمن إحسان الله إليهم أن ألقى عليهم آمنة نعاساً فناموا وهم في هذا الوسط حتى إن أحدهم يحمل السلاح فيقع منه، ثم يغشي فيقوم ويحمله ويقع منه كما حدث بذلك طلحة -رضي الله تبارك وتعالى عنه وثبت عنه، فهذا من إحسان الله ولطفه بهم، وهذا في الهزيمة فكما وقع لهم ذلك في بدر وقع كذلك هنا في أحد، فهناك قال الله ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ (الأنفال: 11) [الأنفال: 11] وهنا قال ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ (آل عمران: 154) والحديث هنا عن غزوة أحد بخلاف ما في سورة الأنفال فهو في غزوة بدر. وهنا قال ابن مسعود -رضي الله عنه – {النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان} لذلك هناك فرق بين نوعي النعاس، فإذا وقع النعاس في القتال فهذا لطف من الله -سبحانه وتعالى -، تكون غفوة حتى يثبت الله الإنسان. وربما رأى رؤيا تزكي نفسه وتقوية وتثبته فيقوم وهو نشيط بفضل الله سبحانه وتعالى، وهنا جاء التعبير القرآني أيضًا ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154) أمناً أو أمنة وقد قال بعض أهل العلم: هناك فرق بين الأمن والأمنة؛ فالآمنة تكون في ساعة الخوف؛ أما الأمن فلا يقتضي ذلك. فحينما يقال ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154) يعني أنت في أثناء خوفك سيأتيك التأمين، ﴿أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ (آل عمران: 154) تأمل لم يقل يغشاكم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ (آل عمران: 154) وهي الطائفة المخلصة؛ وأما من وجد في الصف من أهل النفاق لم يُلقَى عليه النُعاس؛ وإنما بدأ يخطط ويدبر ويفكر، ما الذي يقع؟ ما الذي يدور إنّ الدائرة دارت علينا لماذا لم نرجع مع عبدالله بن أُبَيّ؟ لماذا لم نسمع كلامه؟ ما الذي جعلنا نبقى هنا؟

قال ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ (آل عمران: 154) غمَّت عليهم هذه النفس، ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ (آل عمران: 154) وأيضاً من معاني أهمتهم أنفسهم ما ذكروه هنا في المختصر {لا هَمَّ لهم إلا سلامة أنفسهم، فهم في قلق وخوف} ﴿يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران: 154) وتقدَّم أنّ الجاهلية لم ترد في القرآن الكريم إلا مذمومة، وتقدم مثل ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، قال الله سبحانه ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾ (آل عمران: 154) مَنْ الذين يقولون؟ الذي عليه جماهير المفسرين: أنّ القائلين هم المنافقون، هم الطائفة الثانية التي قال الله فيها ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ (آل عمران: 154) كان من قولهم أنّهم قالوا ﴿هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾ (آل عمران: 154) قالوا هنا في التفسير: {يقول هؤلاء المنافقون لجهلهم بالله: ليس لنا من رأيٍ في أمر الخروج إلى القتال، ولو كان لنا ما خرجنا،} خرجنا مكرهين خرجنا مضطرين خرجنا مكرهين، لا راغبين ولو ﴿كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا﴾ كنا لنخرج مع محمد -صلى الله عليه وسلم –

والمعنى الثاني: أنهم يقولون حينئذ للمؤمنين ويقولون للرسول ﴿هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾ (آل عمران: 154) ما رأيكم؟ أنتم الآن لم تسمعوا كلامنا وخرجتم بعد ذلك راجعونا، بعد ذلك خذوا بقراراتنا، وهكذا المنافق دوماً حينما يصاب المسلمون بأي أذى أو بأي ضرر: يقول بعد ذلك راجعني، اسمع كلامي، اجعل الراية إليّ اجعل المشورة بيدي.

وعلى كل حال، فهذا الاستفهام يكون حقيقياً على بابه، ولا حاجة إلى دعوى أنّه مجازي وهو الأرجح في سهمه وإلا فالكلام فيه عند المفسرين طويل والله أعلم.

﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ (آل عمران: 154) {﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾} علَّم الله رسوله ماذا يقولون: ﴿إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154) هو الذي أمرني بالخروج، هو الذي دعاني إلى ذلك، وهو الذي دلني على ذلك، فأنا أتحرك بوحي من الله سبحانه وتعالى. ﴿يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا﴾ (آل عمران: 154) ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ ها هنا هكذا يزعمون! أنّ الأمر لو كان بأيديهم ما قتلوا هنا؛ فأجابهم الله: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154) أي: ﴿لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ بعيدين عن القتل والموت لخرج من كتب الله عليه القتل منكم إلى حيث يكون قتلهم فكل شيء بقدر، فيفر الإنسان من مكان إلى مكان وسيأتيه الموت ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان كان ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: 78) قال الله: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154) فهو يبتلينا وهو عليم، ولذلك الآية تدل على هذا المعنى أنّ قوله {حتى نعلم} ونحو ذلك من آيات، هذا لا ينافي علم الله السابق لذا قال ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾ (آل عمران: 155) جمع المؤمنين مع الكافرين ﴿إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟﴾ (آل عمران: 155) أي: حملهم الشيطان على الزلل بسبب بعض ما اكتسبوه من المعاصي، وهذا فيه أنّ السيئة تدفع إلى سيئة مثلها، وأنّ الإنسان يعاقب بمعصية بسبب معصية سبقته، لذلك قال ﴿تَوَلَّوۡاْ﴾ ما سبب التولي؟ قال ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (آل عمران: 155) ولذلك قال الله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ (المائدة: 49) فنسأل الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155)

ثم قال الله موجهاً عباده: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (آل عمران: 156)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (آل عمران: 156) نهيٌ لأهل الإيمان أن يشابهوا الكفار، فالكفار لا يؤمنون بالقدر، لا يعتقدون به، لذلك يقولون: ﴿وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 156) {ليجعل الله ذلك}: على ما يعود الضمير ذلك قالوا {جعل الله هذا الاعتقاد في قلوبهم ليزدادوا ندامة وحزنًا في قلوبهم} جعل الله هذا الاعتقاد -وهو اعتقاد أنّ الذي جعلهم يموتون أنهم خرجوا، ولو أنهم مامكثوا في هذا المكان ما كانوا ليفتنوا وغفل هؤلاء أو جهل هؤلاء ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾ إذا قدَّر الموت على العبد فإنّه سيأتيه ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان كان، قال ﴿وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (آل عمران: 156)

﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (آل عمران: 157) أي: ليغفرنّ الله عز وجل لكم مغفرة عظيمة يعني قتل في سبيل الله وموت على مرضات الله لا ضرر فيه ولا إشكال، فهو خير وطريق للمغفرة الرحمة بفضل الله سبحانه وتعالى.

• من أعظم المنازل وأكرمها عند الله تعالى منازل الشهداء في سبيله.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• الجهل بالله تعالى وصفاته يُورث سوء الاعتقاد وفساد الأعمال: ولذلك ذكر الله قول هذه الطائفة وقال في حقهم ﴿يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران: 154)

• آجال العباد مضروبة محدودة، لا يُعجِّلها الإقدام والشجاعة، ولايؤخرها الجبن والحرص: ولذلك قال الله ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154)

• من سُنَّة الله تعالى الجارية ابتلاء عباده؛ ليميز الخبيث من الطيب: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾ (آل عمران: 154)

• من أعظم المنازل وأكرمها عند الله تعالى منازل الشهداء في سبيله: قال ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (آل عمران: 157)

قال الشيخ حفظه الله

﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (آل عمران: 158) فالجميع راجع إلى الله سبحانه وتعالى، فليست القضية أن تموت ولكن القضية على أي شيء يكون موتك، فإنَّ كان الموت على طاعة الله فهذا موت طيب؛ وإلا فإنها الحسرة والندامة نسأل الله السلامة ثم قال

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159)

وهذه آية جليلة شريفة حوت كثيراً من الفضائل وبينت مناقب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وما أفاضه الله عز وجل به عليه من الرحمة والرفق واللين، قال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 159) الباء سببية، لذلك قالوا هنا في التفسير (فبسبب رحمة من الله عظيمة) قولهم “ عظيمة “ استفيد هذا من التنكير في قوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 159) يعني فبرحمة عظيمة. وكثير من المفسرين يقولون (ما) أيضًا دلت على هذا، فإنما يقولون: إنها صلة للدلالة أيضًا على عظمة هذه الرحمة. ولكن الظاهر والعلم عند الله: أن دخول ماء هنا في قوله فبما له معنى ومن معانيه الجليلة هنا أنّه أغنى عن معنى آخر، وهو ليس إلا برحمة من الله. فقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 159) كأنه يساوي: ما وقع ذلك إلا برحمة من الله، فدل ذلك على إفادة معنى الحصر بدخول ما هنا، ولذلك فهي مع دخولها في الكلام ليست مزيدة؛ بل بالعكس: إنها أفادت معنى جليل: وهو أنّ ما وقع من الرسول -صلى الله عليه وسلم -من لين ورفق في المعاملة ليس إلا رحمة من الله سبحانه وتعالى، ولذلك الذي عليه عدد من أهل التحقيق:: أنّه لا يقال في كلمة من كلمات القرآن أنها صلة وهي التي يقولون عنها إنها زائدة. يعني: إنها لم تأت بمعنى جديد؛ وإنما هي التأكيد فكثير أو عدد من المحققين يرفضون ذلك ويقولون: بل إن كل حرف من كتاب الله سبحانه له دلالة زائدة وفائدة جديدة لكن علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل ولهم في ذلك كلام محرر ومعروف.

قال الله ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159) قال الله ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: 159) فالرسول -صلى الله عليه وسلم -موصوف باللين، صلوات الله وتسليماته عليه، ولا ينافي ذلك ما يقع من قسوة على من يستحق القسوة؛ فإنّ هذا لا ينافي اللين الذي هو الأصل ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159) وقوله ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا﴾ (آل عمران: 159) قالوا: أي في الكلام، وذلك لأن الله بعدها قال {غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ} لذلك قالوا هنا {فبما رحمة}: {فبسبب رحمة من الله عظيمة كان خلقك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي سهلاً مع أصحابك، ولو كنت شديداً في قولك وفعلك قاسي القلب لتفرقوا عنك} إذاً {الفظ} أي: في القول والفعل وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ ﴿مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وَشَأوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ، واستفيد من ذلك أنّ الإنسان إذا كان فظاً غليظ القلب انفض الناس من حوله، وإذا كان: قاله الله للرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ فكيف بغيره ومن يبلغ مبلغه في القدر والمنزلة صلوات الله وتسليماته عليه، قال ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ عُلِمَ من ذلك أنّه لم يكن فظاً ولم يكن غليظ القلب، ولذلك جاء في وصفه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -في التوراة {ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق} كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في البخاري،

قال {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَأوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ} هذه ثلاثة أوامر فاعف عنهم يا رسول الله واستغفر لهم ربك سبحانه وتعالى. وشاورهم في الأمر، تأمل مع أنه يستغفر لهم، وهو أعلى منهم قدراً وأعظم منزلة إلا أن الله يأمره بمشاورتهم، وهذا يعني أنّ الإنسان إذا شاور غيره، فلا يعني ذلك أنه يقلل من شأن نفسه، كلا بل إنّه بذلك يرفع من نفسه ويقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم -في هذا الأمر، فالله يأمر رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم -بمشاورة أصحابه، فقال {وَشَأوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ} صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك كان الرسول عليه وسلم يقبل مشورة أصحابه، وكان يستشيرهم -صلى الله عليه وسلم -وكان يستشير أمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين كما وقع في مشورته لأم سلمة -رضي الله تبارك وتعالى -عنها إلى غير ذلك مما هو معلوم في سنة رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم -ومعلوم أن المشورة: ﴿أَنَّمَا﴾ تكون حيث لا يوجد النص؛ وأما إذا وُجِد النص فإنّ النص لا شك نحن مأمورون بالأخذ به، وحينئذ لا مجال لهذه الشورى التي يُقصَد منها قبول النص أو عدم قبوله؛ بل إنّ الواجب المتحتم هو قبول ذلك النص؛ أما حيث لا يوجد النص فحينئذ يأتي الاجتهاد وتكون الشورى حينئذٍ، ولذلك بعض الناس لا يفهم حقيقة الشورى ولا مواضع الشورى فيخلط بين الشورى التي أقرها الإسلام وبين ما يأتي بها غير أهل الإسلام من قوانين ليست في شرعنا، قال ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ فيه أنّ الإنسان إذا عزم فعليه أن يتبع العزم بالمُضِّيِّ قُدماً وحينئذٍ يتحول العزم إلى فعل بفضل الله كما قال الله ﴿فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾

ثم قال: {﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾}

﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ هذا معنى واضح وجلي ﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} وتأمل لم يقل: وإن يخذلكم فأنتم المغلوبون وهذا هو المعنى: إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ، وإن يخذلكم فأنتم مغلوبون، لكن مع ذلك ترفق الله بهم حتى يتأملوا: فقال {فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} ومحال أن يوجد من ينصرهم بعد الله، أو ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}

﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ {ما معنى أن يَغُلَّ؟ قالوا هنا في التفسير {أن يخون بأخذ شيء من الغنيمة} لأنّ الغلول معناه في الأصل أخذ شيء من الغنيمة، فهي الغلول سرقة خاصة، أو أخذ أو غصب شيء من الغنائم خاصة في الجهاد يقال له غلول {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ {ولذلك ورد في بعض الروايات سبب النزول: أنّ بعضهم حين فُقِدَ شيء من الغنائم قالوا لعل رسول الله أخذه أو لعله غله صلى الله عليه وسلم وبأبي هو وأمي، فالله قال {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ {والقراءة الأخرى وهي متواترة أيضًا {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ {ما كان لنبي أن يغل: تحتمل معنيين: -.

أمَّا المعنى الأول: وما كان لنبي أن يُرْمَى بالغلول، يعني هذا ما يليق! كيف يليق أن يرمِي تابع رسول الله؟ أقصد بتابع يعني من تابع نبيه ممن هو في عهده -صلى الله عليه وسلم -وليس بمصطلح معروف كيف أو كيف يوجد هذا التابع الذي يرمي سيده أو يرمي نبي الله ورسول الله بأنّه قد غل؟ هذا لا يتأتى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ﴾ يعني: أن يُرمَى بذلك.

والمعنى الثاني: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ﴾ أي: أن يغله لا ينبغي، ما ينبغي أن يقع هذا؛ فإنَّ وقع هذا فهي جرأة عظيمة وكبيرة وجريرة، يعني أن من وقع في ذلك فقد وقع في معصية عظيمة؛ لأنه خالف وخان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

وعلى المعنى الأخير الذي ذكرته ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ يعني: أن يسرقه سارق، معنى ذلك أنه إن وقع فهي مخالفة كبيرة فيكون المراد بهذا النفي: النهي، يكون المراد بالنفي.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾

﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أسلوب عجيب وعظيم، فيه بيان عدم المساواة ولذلك بعضهم يسميه بالتشبيه السلبي، يعني هو ليس تشبيه: في جانب الإيجاب؛ ﴿أَنَّمَا﴾ في بيان عدم المشابهة وعدم المساواة، كيف يستوي هذا مع ذاك؟ ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ﴾ كمن باء بسخط مع سخط من الله لا يستويان، وتأمل التعبير! ذكر الرضوان في مقابلة السخط وهذا من الطباق مقابلة ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ فمقابلة الجملة بالجملة هذا طباق {﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ رضوإن الله} والاتباع: في مقابلة باء فهذا الذي اتبع يسير خلفه وهذا الذي باء رجع القهقرة لمخالفته أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يسير خلفه وهذا الذي باء رجع القهقرة لمخالفته أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وهذا صار تجاه رضوإن الله، وهذا لحق به سخط الله، نسأل الله السلامة {ومأواه جهنم وبئس المصير}

قال الله بعدها: {﴿هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾}

يحتمل قوله {هُمۡ دَرَجَٰتٌ} أي: من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله يعني الجميع درجات مجازاً وإنما ذكرت الدرجات من باب التفاؤل ومن باب التغليب؛ وإلا فهؤلاء في دركات {هُمۡ دَرَجَٰتٌ} يعني: الصنفان، وبعضهم يقول: هم درجات صنف المؤمنين {هُمۡ دَرَجَٰتٌ} يعني متفاوتون في الدرجات، ﴿وَقِيلَ﴾: بل المراد بهم صنف الذين هم في سخط من الله سبحانه وتعالى، قال {وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ}.

{لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَأيَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ}

فكيف يتهم بأنه خان؟ وبأنه يغل! وقد منّ الله به علينا صلى الله عليه وسلم. وتقدم نظير هذه الآية الكريمة، تقدم معنا قريباً قول الله سبحانه وتعالى في سورة الجمعة قبل ذلك {﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَة وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وتقدم معنا أيضًا في البقرة {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَة وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} وتقدم أنّ معنى الحكمة: السنة؛ لأنَّها جاءت مقترنة بالقرآن {بالكتاب}، فإذا ذكر الحكمة مع الكتاب فقد قال كثيرون: الكتاب هو القرآن والحكمة هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -﴿وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ تقدم أنّ {إن} هنا هي المخففة من الثقيلة لوجود اللام الفارقة ولدلالة السياق على ذلك أي: {وإنهم كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ لفي ضلال مبين} فهذا يدل على عمقهم في الضلال والله استنقذهم من الضلال بمجيء الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -ونريد منكم أن تذكروا لنا مثالاً في مثل هذا أي في التي تكون مخففة من الثقيلة، وتقدم نظائر لها فلنذكر موضعين من المواضع التي سبق بيانها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾. وأيضاً نريد منكم أن تذكروا لنا مثالا من النماذج الدالة على رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولينه في المعاملة بالصحب الكرام رضي الله عنهم

ثم قال الله سبحانه ﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

أولما -عندما -أصابتكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون مصيبة حين هُزِمتم في أحد قال: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} أي أصبتم من عدوكم ضعفيها:قالوا:: -لأنهم قتلوا من المسلمين في غزوة أحد قتلوا سبعين؛ وأما في غزوة بدر فقد قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين فالمسلمون قد أصابوا مثليها في السابق أي: في بدر ﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ {﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ هَذَا} قالوا هنا في التفسير: {من أين أصابنا هذا ونحن مؤمنون، ونبي الله فينا؟!} فهذا الاستفهام “ قال بعضهم: على سبيل الاستبعاد {أنى هذا} كيف جرى هذا؟ ووقع منا؟ كيف يصل بنا إلى هذا الأمر؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فبين الله هنا أنّ من أسباب الضعف ومن أسباب وقوع الهزيمة:: النفس تدعو إلى ذلك، وتكلمنا عن هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وفي مقصود السورة: في بيان وسائل الثبات على دين الله، وفي العوائق التي تعوق المرء والتي تحول بينه وبين الثبات منها: -نفسه التي ربما أمرته ودعته إلى معصية الله نسأل الله السلامة والعافية.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• النصر الحقيقي من الله تعالى، فهو القوي الذي لا يُحارَب، والعزيز الذي لا يُغالَب: قال الله سبحانه ﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ﴾

• لا تستوي في الدنيا حال من اتبع هدى الله وعمل به وحال من أعرض وكذب به، كما لا تستوي منازلهم في الآخرة: قال الله سبحانه {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} هذا معنى لطيف جداً. ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ﴾ يعني: أنت اتبع رضوإن الله، بمعنى: أنك تنظر إلى مواقع رضى الله فتتبعها، لا تحيد عنها، ولذلك يكون شعارك في هذه الحياة: أنا ألتمس رضى الله كما قال الكليم موسى عليه السلام {وعجلت إليك ربي لترضى} فما يرضيك يا ربي يرضيني وما يرضيك يا ربي يجعلني أتحرك ويجعلني أسير خلفه لا أخالفه؛ بل اتبعه في كل شيء.

• ما ينزل بالعبد من البلاء والمحن هو بسبب ذنوبه، وقد يكون ابتلاءً ورَفْع درجات، والله يعفو ويتجاوز عن كثير منها: وهذا في قوله سبحانه {﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ هَذَا قُلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ولذا ورد عن بعض السلف {ما نزل بلاء إلا بذنب} ما نزل بلاء إلا بذنب، وهنا مسألة: قد يقول قائل: وهذا معناه أن كل ابتلاء بسبب ذنب يقال هذا هو الغالب، لكن ليس بلازم، لذلك احترزوا هنا في المختصر وأحسنوا، حين قالوا {ما ينزل بالعبد من البلاء هو بسبب ذنوبه} هذا هو الغالب والأصل {وقد يكون ابتلاء ورفع درجة} قد لا يكون بسبب ذنب؛ وإنما يكون بسبب آخر، ولذلك تقدم أنّ للابتلاء حكماً فمن ذلك: الابتلاء يكون من أجل التمحيص، ويكون من أجل تكفير الذنوب، بسبب الذنوب، وقد يكون رفعة الدرجات.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه: ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 166)

﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 166) يبين الله --سبحانه وتعالى --أنّ ما حدث من قتل وجراح يوم أحد حينما التقى الفريقان: فريق أهل الإيمان وفريق أهل الكفر فهو بإذن الله سبحانه. ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟﴾ وهنا قوله --سبحانه وتعالى --﴿وَلِيَعۡلَمَ﴾ تقدم مراراً أنّ إضافة العلم إلى الله في مثل هذه الآيات معناها: ليظهر هذا ولينكشف؛ لأنّ الله -سبحانه وتعالى -لا يحاسب عباده على سابق علمه. وإنما يحاسبهم على ما يظهر منهم، أي: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليظهر علمه، وليكون واضحاً للناس أن المؤمن ممتثل. وأنّ المنافق متخاذل، ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟﴾ (آل عمران: 167) ثم ذكر الله -سبحانه وتعالى -لنا ما وقع من المنافقين: قال ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟﴾ (آل عمران: 167) طُلِبَ منهم أن يخرجوا للجهاد في سبيل الله، أو للدفع: ليدفع الضر عن أهل الإيمان وقالوا هنا في التفسير: {أو ادفعوا بتكثيركم سواد المسلمين} وذلك أنّ المسلم حينما يكون بجوار إخوإنه فإنه يكثِّر سوادهم ويكون عوناً لهم، ولذلك كان الفرار والتولي يوم الزحف من الكبائر العظيمة، كما قال -صلى الله عليه وسلم -اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: 15)، والله قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: 15) [الأنفال: 15]؛ لأنّ هذا الشخص الذي يتولى فإنّه يُضعِفُ المسلمين، ووجوده بينهم؛ ولو كان ضعيفاً يكثِّر سوادهم؛ وأهل النفاق شأنهم ودأبهم التخزيل للمسلمين وعدم نصرتهم ﴿قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ﴾ (آل عمران: 167) هكذا يعتذرون! نحن نظن أنكم لن تقاتلوا ولن يقع قتال، فلو نعلم أنّ الموضع موضع قتال فإنّنا كنا سنتبعكم ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ﴾ (آل عمران: 167) وهذا يدل على أنّ الإيمان ينقص ولا يزال ينقص حتى يخرج صاحبه من الإيمان، ويوقعه في الكفر، ولذلك قالوا: إنّ العبد قد تجتمع فيه شعبتان شعبة إيمان وشعبة نفاق أو كفر. والإيمان يزيد وينقص. والإنسان لا يزال يتفاضل في الإيمان، ولا يزال أيضًا ينقص إيمانه بمعصيته، قال الله عز وجل ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران: 167) فهذا ذم لأهل النفاق.

﴿ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 168) هكذا عندهم ضعف يقين في الله، وسوء ظن بالله -سبحانه وتعالى -ولذلك حذرنا الله عز وجل من أن نكون مثل هؤلاء كما مر معنا في قوله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 156) فالمؤمن بقدر الله مستريح البال قرير العين؛ وأما من لم يفهم كذلك فإنَّ الأمور تتشتت عليه، قال الله سبحانه ﴿قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 168) حين يأتيكم الموت لا تستطيعون دفعه، ولا تقولون أنكم ناجون في بيوتكم وفي بلدكم؛ وإنكم لم للجهاد ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: 78) [النساء: 78]

قال الله سبحانه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169)

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169) وما يضيركم لو متم، ما في ذلك من ضرر، ولذلك هناك بعد أن قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ﴾} جاء بعدها قوله ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ١٥٨ ﴾ بيان أنّ من مات على الطاعة فإنّ هذه موتة لا قدح فيها ولا مذمة كذلك جاء هنا الحديث عن من استشهد في سبيل الله فهو إن عاش حياة كريمة؛ وإن مات ميتة شريفة، وله الأجر العظيم والثواب الكبير من الله سبحانه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169) أي: لهم حياة أخرى، حياة تختلف عن هذه الحياة الدنيوية. وهي حياة يُنَعَّمون فيها كما دل على ذلك هذه الآيات، ودل على ذلك سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -قال ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: 170) قالوا هنا في المختصر {بل هم أحياء حياة خاصة عند ربهم في دار كرامته، يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعلمه إلا الله، قد غمرتهم السعادة وشملتهم الفرحة بما مَنَّ عليهم من فضله ويأملون وينتظرون أن يلحق بهم إخوإنهم} وهذا معنى قوله -سبحانه وتعالى -﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ (آل عمران: 170) يعني: أنهم يأملون ويفرحون بمجيء الأجيال التي ستأتي بعدهم لتلحق بهم ولتكون،

قال ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 171) هذه من صفات أهل الإيمان ومن صفات أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم -.

• فضل الصحابة وبيان علو منزلتهم في الدنيا والآخرة؛ لما بذلوه من أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى.

قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• من سنن الله تعالى أن يبتلي عباده؛ ليتميز المؤمن الحق من المنافق، وليُعلم الصادق من الكاذب: وذلك في قوله سبحانه ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟﴾.

• عِظَم منزلة الجهاد والشهادة في سبيل الله وثواب أهله عند الله تعالى حيث ينزلهم الله تعالى بأعلى المنازل: قال الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169) وقوله {عند ربهم} دلالة على علو منزلتهم.

• فضل الصحابة وبيان علو منزلتهم في الدنيا والآخرة؛ لما بذلوه من أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى: لذلك قال الله ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 172)

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله ﴿فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 174) فمنَّ الله -سبحانه وتعالى -على الصحب الكرام حينما خرجوا إلى حمراء الأسد فلم يحدث قتال ولا حرب، بل منَّ الله -سبحانه وتعالى -عليهم وأعطاهم من واسع فضله فغنموا ورجعوا بنصر وتمكين قال: ﴿فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ (آل عمران: 174) ورجعوا بأعظم من ذلك وهو ثواب الله -سبحانه وتعالى -﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 174)

﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175)

ما معنى ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ﴾ (آل عمران: 175) قال كثيرون من أهل التفسير: أن يخوفكم أولياءه، فقوله ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175) هنا في موضع المفعول الثاني، ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ﴾ (آل عمران: 175) فالشيطان يخوف العباد بأوليائه بأعوإنه وأنصاره، ولذلك من جنود إبليس: التخويف، إلقاء الرعب وإلقاء الخوف فيخوف المؤمن والله قال: ﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ (البقرة: 268) فهذا أيضًا مما يجري من الشيطان، قال الله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175) ولذلك الخوف الشرعي: الخوف الذي هو عبادة -لا ينبغي أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى -وأن يعتمد العبد على الله، وأن يعلم أنّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.

﴿وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

لا يحزنك {ولا يُوقِعْك في الحزن -﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول -الذين يسارعون في الكفر مرتدين على أعقابهم من أهل النفاق} ثم بين الله أنّهم لن يضروا الله شيئًا فكفرهم يعود عليهم، وليس بضار الله -عز وجل -شيء. ثم قال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ أي: نصيباً في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 176)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 177) استبدلوا الكفر بالإيمان ﴿لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا﴾ (آل عمران: 177) قال الله ﴿وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا﴾ (آل عمران: 144) وفي الآية التي قبلها {لن يضر الله شيئًا} هذا فيه أنّ العبد حينما يستقيم فإنما يستقيم لنفسه، وحينما يسيء فإنما يسيء على نفسه ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (الجاثية: 15) [فصلت: 46] ـ، وقال ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (الإسراء: 7).

قال الله -سبحانه وتعالى -﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) قالوا هنا في المختصر أي {ولا يظنن الذين كفروا بربهم، وعاندوا شرعه، أن إمهالهم وإطالة عمرهم على ما هم عليه من كفرٍ خيرٌ لأنفسهم، ليس الأمر كما ظنوا} قالوا {أن إمهالهم وإطالة عمرهم} وهذا معنى {‌نُمۡلِي} الإملاء: الإمهال، وأيضاً {يتخذوا ما ينفقون مغرما ويتربص بكم الدوائر} هذا من دأب أهل النفاق، فقال هنا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ (آل عمران: 180) أما أوجب الله عز وجل عليهم إخراجه من الحقوق، ومن الواجبات والزكوات هو خيراً لهم! يعني لا ﴿يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾ ليس هذا بخير ﴿لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ لماذا؟ لأنهم سيحاسبون على ذلك ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 180) ولذلك جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في الصحيح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم -بين {من أتاه الله بمال فلم يؤد زكاته يرسل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه ويأخذ بهزمتيه ويقول له أنا مالك أنا كنزك} ثم قرأ هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 180) فيكون هذا المال وبالاً عليه يوم القيامة؛ لأنّه منع حق الله عز وجل فيه.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) فيه من متاع من أجل أنّه يحبهم كلا فهم ليسوا أهلاً لمحبته؛ بل هم أعداؤه ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ (آل عمران: 178) ليزداد إثمهم، وهذا كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (الأنعام: 44) [الأنعام: 44]، وكما قال الله أيضًا ولا قال الله ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ (المؤمنون: 55) [المؤمنون: 55 -56] ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178)

﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 179)

ما معنى ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ (آل عمران: 179) أي: ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من اختلاط في الصفوف، هناك المؤمن وهناك الكافر، أو هناك المؤمن وهناك المنافق؛ لا بد من تمييز الصف ولذلك قال الله ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 141) وهذا من حكم الابتلاء وفضائله وسننه، أنّ الابتلاء مُمَّحِّص، وأنّ الابتلاء يُمَّيِّز فيستبين به المحق من المبطل ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ﴾ (آل عمران: 179) أي: وما كان من حكمة الله أن يطلعكم على الغيب ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ (آل عمران: 179) ﴿يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ فيطلعه على بعض الغيب. إذاً الغيب يعلمه بعض الرسل، أو يعلمه الرسل بالقدر الذي أراد الله سبحانه كما قال الله ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا﴾ (الجن: 26) [الجن: 26 -27] وهذا معنى ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ (آل عمران: 179)فيطلعه على بعض الغيب فأطلع الله نبيه -صلى الله عليه وسلم -على أسماء المنافقين، فكان -صلى الله عليه وسلم -يعلم أسماء المنافقين، ومع ذلك فإنّه كان يعامل الناس بحسب الظواهر ويكل سرائرهم إلى الله سبحانه، ويقول: {لا يتحدث الناس أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم -يقتل أصحابه} قال الله ﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 179)

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: 180) من صفات المنافقين البخل، ولذلك هنا ذكر الله عز وجل بخلهم فهم حريصون على الكنز وحريصون على الأموال، ولذلك كما قال الله ولا ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَـٰرِهُونَ﴾ (التوبة: 54) [التوبة: 54] الأصل أنهم لا يحبون الإنفاق، ولا يُقبِلون عليه؛ فإنَّ أنفقوا عن كُفرٍ، وأيضاً يتخذون ما ينفقون مغرماً ﴿يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ﴾ (التوبة: 98) هذا من دأب النفاق فقال هنا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ (آل عمران: 180) مما أوجب الله عز وجل عليهم إخراجه من الحقوق، ومن الواجبات والزكوات. هو خيراً لهم يعني ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾ (آل عمران: 180) ليس هذا بخير لهم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ (آل عمران: 180) لماذا؟ لأنهم سيحاسبون على ذلك ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 180) ولذلك جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في الصحيح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم -بيّنَ {من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته أرسل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه ويأخذ بلهزمتيه ويقول له: أنا مالك أنا كنزك} ثم قرأ هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 180) فيكون هذا المال عليه يوم القيامة لأنه منع حق الله عز وجل فيه. نعم.

• البخيل الذي يمنع فضل الله عليه ﴿أَنَّمَا﴾ يضر نفسه بحرمانها المتاجرة مع الله الكريم الوهاب، وتعريضها للعقوبة يوم القيامة.

قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• ينبغي للمؤمن ﴿إِلَّا﴾ يلتفت إلى تخويف الشيطان له بأعوإنه وأنصاره من الكافرين، فإنَّ الأمر كله لله تعالى: لذلك قال ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175) ولذلك على المؤمن أن يتوكل على الله -سبحانه وتعالى -وأن يعتمد عليه، وأن يقول كما قال الصحب الكرام ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة