منظومة الزمزمي (الدرس الثالث)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
:
فهذا هو الدرس الثالث في شرح "منظومة الزمزمي في أصول التفسير"، وقد توقفنا في الدرس السابق عند تعريف العلماء لـ "علوم القرآن الكريم"، والفرق بين "علوم القرآن الكريم" و "أصول التفسير".
تقدم أن "علوم القرآن الكريم" لم يقم بتعريفه بعض العلماء الذين اعتنوا بالحديث عنه، كَالزركشي والسيوطي وغيرهما؛ وذلك لأن علوم القرآن علومٌ كثيرة، بل إن شئت فقل: كثيرةٌ جدًا؛ فلذلك بعضهم يلجأ في التعريف إلى التقريب، فيقول: علوم القرآن علمٌ ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من جهات مختلفة، ثم يسرد بعض هذه الجهات، فيقول: من حيث نزول القرآن الكريم والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والمحكم والمتشابه، وما إلى ذلك.
فيقول: علوم القرآن علم ذو مباحث متعلقة بالقرآن الكريم من حيث النزول والجمع والترتيب وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وما إلى ذلك.
بعض العلماء حاول أن يُقرب المسألة شيئًا ما، فنظروا في هذه العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم وجدوا أنها في أغلب الأمر لا تخرج عن نوع من خمسة أنواع:
إما أن يكون هذا العلم متعلقًا بنزول القرآن.
وإما أن يكون متعلقًا بأداء القرآن وقراءته.
وإما أن يكون متعلقًا بتوثيق القرآن وكتابته.
وإما أن يكون متعلقًا بتفسير القرآن.
وإما أن يكون متعلقًا بلغة القرآن.
مرة أخرى، أقول: بعض العلماء نظر إلى هذه العلوم الموجودة في علوم القرآن وهي علوم كثيرة، كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن بعضهم أوصل هذه العلوم لمائتي نوع وإلى زيادة عن مائة نوع وما إلى ذلك، فأرادوا أن يجمعوها فضموا المتشابه إلى شبيهه كل نظير إلى نظيره، فقالوا حينما ننظر نجد أن علوم القرآن منها ما يتعلق بالنزول، ومنها ما يتعلق بالأداء، ومنها ما يتعلق بالتوثيق والكتابة، ومنها ما يتعلق بالتفسير، ومنها ما يتعلق باللغة؛ يعني بلغة القرآن الكريم، مع بعض المقدمات؛ يعني بقية علوم القرآن لها مقدمات، كيف ذلك؟
أولًا : نزول القرآن الكريم؛
حينما تفتح كتب علوم القرآن تجد فيها حديثًا عن ماذا؟ نزول القرآن، وكيف نزل القرآن على النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ويتكلمون كذلك عن أول ما نزل وآخر ما نزل وعن أسباب النزول وعما نزل صيفًا وشتاءً وليلًا ونهارًا، وما نزل أولًا وما نزل آخرًا إلى غير ذلك، كل هذا متعلق بباب النزول.
ثانيًا علم الأداء؛
إذًا يمكن تسميته علم النزول ما يتعلق بعلوم التنزيل ما يتعلق بنزول القرآن تنزيل القرآن.
الأداء؛ تجد في كتب علوم القرآن حديثًا عن قراءة القرآن، عن التجويد، عن القراءات، كل هذا يتعلق بالأداء، أداء القرآن الكريم، فيدخل فيما يتعلق بقراءته ويدخل كذلك في كيفية تلقي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للقرآن، كيف أُدي القرآن وحفظه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حفظ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للقرآن، حفاظ الوحي من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ تجد هذا، القراءات قضية التواتر وما إلى ذلك كل هذا يأتي في باب الأداء.
ثالثًا: هناك شق يتعلق بالكتابة والتوثيق
؛ كما يُسمى بـ "علم التدوين"، كتابة القرآن، كيف كتب على عهد النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ كيف جُمع في عهد أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؟ كيف جُمع في عهد عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؟ الشبهات المثارة حول جمع القرآن، وفي جمع القرآن تأتي قضية الترتيب، هل هو مرتب؟ وهل ترتيبه توقيفي ترتيب الآيات كذلك والسور أم أن هناك فرقًا؟ ونحو ذلك.
رابعًا: شق يتعلق بالتفسير
؛ تفسير القرآن، يدخل في تفسير القرآن بالقرآن، كيف فسر النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ القرآن، تفسير الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ للقرآن، تفسير التابعين للقرآن، التفسير بالأثر والتفسير بالرأي، قواعد التفسير، أسباب اختلاف المفسرين، مناهج المفسرين، كل هذا يتعلق بالتفسير.
خامسًا: لغة القرآن الكريم؛
يُتحدث فيها عن لغة القرآن، غرائب القرآن، الكلمات الغريبة، غرائب القرآن، الغريب، غريب القرآن؛ هذا علم من علوم القرآن، الحديث عن الوجوه والنظائر، الكلمة التي تتكرر وتأتي بأكثر من معنى، كذلك المشترك اللفظي الذي هو قريب من ذلك، كذلك يأتي في هذا المترادف، دراسة المترادف، هل هناك كلمة بمعنى كلمة في القرآن؟ جاء تأتي بمعنى "أتى" و"أعطى" بمعنى "أتى" أم هناك فرق؟ مسألة المترادف، قضية المعرب، هل في القرآن ألفاظ غير عربية "المعرب"؟ وما إلى ذلك.
ويدخل في شق التفسير أحكام القرآن، الذي هو الشق الرابع أحكام القرآن تدخل؛ لأن أحكام القرآن داخلة في تفسير القرآن، فندخل فيها أيضًا الاستنباطات وعلم الاستنباط، ندخل فيها أحكام القرآن، طرق أحكام القرآن مثل العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والحقيقة والمجاز عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بها فهذا داخل في أحكام القرآن.
في اللغة أيضًا يدخل أسلوب القرآن، فيدخل في أسلوب القرآن بلاغة القرآن، فيدخل في ذلك علم المعاني وعلم البيان والبديع وما إلى ذلك، فيدخل في القرآن هذا أسلوب احتراس مثلًا، يدخل في الحديث عن هذا العلم ما يتعلق بالتشبيه ما يتعلق كذلك بتقديم المسند المسند إليه تقدَّم هنا كذا، تأخر هنا كذا، ذُكر كذا، حذف كذا، الحذف والذكر.
هذا مجمل ما يُبحث في علوم القرآن ومعه بعض المقدمات، مقدمات عن ماذا؟ تعريف القرآن، تعريف علوم القرآن، أسماء القرآن، خصائص القرآن، فضائل القرآن، وما إلى ذلك.
بهذا يمكن أن يُعرف علوم القرآن بتعريف تقريبي أنه: "علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وأداؤه وتدوينه وتفسيره ولغته وما يتعلق بذلك"؛ لكي تدخل المقدمات أيضًا.
إذًا: علم يتعلق بالقرآن أو علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث ماذا؟ نزولُه ولا نُزولِه؟ من حيث نزولُه، وأداؤه وتدوينه أو توثيقه وتفسيره ولغته وما يتعلق بذلك أو تتمات لذلك، هذا يعني كتقريب، كتقريب لذلك، علمًا بأن بعض هذه العلوم تتداخل، يعني يمكن بعض علوم القرآن يدخل في أكثر من باب؛ يعني مثلًا: التجويد ذو علاقة بمسألة رسم المصحف، الرسم متعلق بالتدوين، والتجويد جانب قرائي أداء، لكن بينهما علاقة، كذلك القراءات، فأحيانًا يمكن العلم الواحد يؤخذ من أكثر من زاوية وأكثر من جهة، هذه مسألة تقريبية.
على كلٍّ المقصود من ذلك: تقريب المسألة وما الذي يُدرس في علوم القرآن الكريم؛
وينتج من ذلك أن ما يُدرس في علوم القرآن على نوعين:
منه ما لا يمكن أن يُدرس إلا فيه.
ومنه ما هو مشترك مع غيره.
أليس كذلك؟ أنت الآن حينما تأتي لتدرس في علوم القرآن؛ العلوم التي ذكرناها الآن؛ هل هذه العلوم لا تُدرس إلا في علوم القرآن أم يمكن أن تُدرس في علم آخر؟
منها أشياء علوم تدرس فيه وفي غيره، وهناك ما لا يدرس إلا فيه.
علوم تدرس في القرآن الكريم فقط
، مثل مثلًا: ما يتعلق بأسماء السور؛ هذا أين نجده غير في علوم القرآن؟ أسماء السور والسور توقيفية أم اجتهادية وبماذا سميت هذه السورة؟ هذا موجود في علوم القرآن.
علم يتعلق مثلًا بعد الآي، إن عد الآي عدد السورة عدد آيات كل سورة أين نجده؟ رسم المصحف المتعلق برسم المصحف أساسًا، بعض الأحكام التجويدية التي هي خاصة بالقرآن الكريم أو من خصائص القرآن الكريم؛ هذا خاص بعلوم القرآن.
لكن هناك علوم مشتركة،
وأشهرها أو أعظمها أمران:
ما يتعلق بالعلوم العربية.
وما يتعلق بالعلوم الشرعية.
وذلك لأن القرآن الكريم نصٌ عربي، وما دام أنه نص عربي فسيدرس من جهة عربيته أيضًا، وأهل العربية سيدرسون القرآن؛ لأنهم يدرسون العربية، والقرآن أعظم ما يدرسون، لكن المفسرون سيدرسون القرآن؛ لأنه مقصود لهم أن يدرسوا القرآن، فدرسوا اللغة تبعًا للتفسير، والآخرون درسوا القرآن؛ لأنهم يدرسون اللغة؛ ولذلك تجد بحوث البلاغة، مباحث البلاغة موجودة في كتب علوم القرآن، وموجودة في كتب اللغة العربية، يعني لو فتحت كتب البلاغة تجد فيها الخبر والإنشاء، وتقديم المسند وتأخيره، وحذف المسند وحذف المسند إليه، موجود التشبيه والاستعارة والكناية وما إلى ذلك، هذا تجده موجودًا في كتب البلاغة.
وكذلك تجد مسائل النحو تجد في القرآن في علوم القرآن إعراب القرآن، وتجد في علوم القرآن ما يتعلق أيضًا بأسلوب القرآن الجانب البلاغي الذي هو الإعجاز البلاغي وما يتعلق ببلاغة القرآن وأسلوبه.
كذلك الأحكام الشرعية؛ علماء أصول الفقه يدرسون العام والخاص كما درسنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، العام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول والمجمل والمبين وما إلى ذلك، وعلماء علوم القرآن يدرسون هذا الكلام، تجد في كتب علوم القرآن العام والخاص والمطلق والمقيد تجد هذا أيضًا، لماذا؟ لأن القرآن كتاب تشريع، علماء الأصول يهتمون بالتشريع وبدلالات الألفاظ وأدلة الأحكام.
وعلماء علوم القرآن يتحدثون عن القرآن والقرآن فيه العام والخاص وفيه المطلق والمقيد، لكن ما الفرق بين النظرتين؟
الشيء المنفرد هذا واضح، إن هذا خاص بعلماء علوم القرآن لن تجد هذا إلا في علوم القرآن، يعني أنت لكي تجد كلامًا عن عد الآي، أين تجده؟ أو أسماء السور أو ما إلى ذلك؛ لن تجده إلا في علوم القرآن، والمكي والمدني علوم قرآن.
أما الأبواب الأخرى فالفرق أن نظرة علماء علوم القرآن إلى هذا الباب نظرة إلى القرآن أصالةً، المقصود القرآن النص القرآني، فكل ما يتعلق بالقرآن يذكرونه، تعلق به أحكام أو أسلوب جاءت معه تبعًا.
أما الآخرون فعندهم التأصيل، يتكلمون عن العام والخاص في القرآن وفي السنة، فتكون نظرتهم ليست في القرآن فقط، هم يتعاملون مع النصوص، قعد ونظر في النصوص، كذلك المطلق والمقيد في الكتاب وفي السنة.
كذلك اللغة العربية حينما يتكلم عن البلاغة؛ هل سيكتفي بالقرآن الكريم أم يذكر الشعر أيضًا ويأتي بأبيات شعر دلالة على وجود أسلوب كذا وأسلوب كذا وأسلوب كذا؟ سيأتي بهذا؛ لأنه لم يقصد القرآن فقط في دراسته.
ولذلك يقول كثير من أهل العلم إن علماء الأصول سبقوا علماء علوم القرآن في الحديث عن هذه التأصيلات، مثل: العام والخاص، والمطلق والمقيد، مع أنها متقدمة في الذكر، لكن علماء الأصول اعتنوا بها، وعلماء علوم القرآن كثير منهم قلد الأصوليين فيما ساروا عليه؛ ولذلك لا تزال الكتابة بحاجة إلى مثل هذه الأبواب، الآن صار هناك كتابات بفضل الله، فهناك بعض رسائل علمية موجودة في العام والخاص في القرآن فقط، العام والخاص في القرآن الكريم، المطلق والمقيد في القرآن الكريم، ولا يزال الباب مفتوحًا لمثل ذلك، بأن تكون مسألة مختلفة عن دراسة الأصوليين، بأن يدرس بعض المسائل من أجل ماذا؟
لأن الأصولي يهتم بما يترتب عليه حكم، أما من ينظر في القرآن الكريم فالمسألة أوسع عنده، يعني سيتكلم عن الأخبار كما يتكلم عن الأحكام، يعني مثلًا في قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾1، والآية الثانية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾2، فيقول قول: هذا عام، وهذا خاص.
إذًا آية غافر خصصت آية الشورى، الأصولي لن يتكلم عن هذا الكلام أصلًا؛ لأن الملائكة استغفرت للمؤمنين أو هذا ليس حكمًا يترتب عليه حكم عنده، يعني لن يعتني بمثل هذا الاعتناء؛ لأنه لن يترتب عليه حرام وحلال أو واجب ومستحب أو مكروه، لن يقول ذلك، فهذا الفرق بين النظرتين والله تعالى أعلم.
كذلك بلاغة القرآن؛ لأن كثيرًا ممن دخل في هذا الباب دخل وهو عالة على البلاغيين بنظرتهم إلى البلاغة فماذا حدث؟ يدرس القرآن على المعلومات السابقة، فلا يذوق بلاغة القرآن المتألقة،
وقد قرر بعض المختصين بدراسة بلاغة القرآن الكريم أن بلاغة القرآن على نوعين:
بلاغة في القرآن هي موجودة في غير القرآن لكن القرآن فاقها
، يعني هذا الأسلوب موجود في غيرها، لكن التميز جاء من أين؟ إن القرآن فاق غيره، يعني هذا الأسلوب موجود، وليكن في لغة العرب حذف، وأيضًا كذلك في القرآن حذف، في لغة العرب أسلوب مثلًا وليكن من الأساليب تقديم وتأخير، موجود في أساليب العرب تقديم وتأخير، هذا موجود، لكن القرآن تميز وفاق.
وهناك بلاغة في القرآن الكريم هي بلاغة انفرد بها القرآن لا توجد في غيره أصلًا
، وهي الحقيقة بأن تسمى البلاغة القرآنية؛ يعني أسلوب بليغ ليس موجودًا إلا في القرآن أصلًا، مثل مثلًا: وليكن كما ذكر بعضهم أسلوب الاحتباك، هذا غير مشهور في كلام الناس، ولا موجود في كلام العرب، بعض الفقهاء بدأوا يأخذون من القرآن في كلامهم، لكن أساسه من القرآن الكريم، الذي هو أسلوب الاحتباك الذي هو ماذا؟ أجمل من الحذف، الذي سماه الزركشي بـ "الحذف المقابلي".
ما الحذف المقابلي؟ أن يذكر شيء ويحذف معه شيء، ويذكر شيء آخر ويحذف منه شيء، فما ذُكر يدل على المحذوف هناك، وما حذف هناك يدل عليه المذكور أولًا، الحذف المقابلي؛ ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾3، لم يقل: "فئة تقاتل في سبيل الله وفئة تقاتل في سبيل الطاغوت"، لم يقل ذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ، ولم يقل: " فئة مؤمنة وأخرى كافرة" لا، جاء تعبير ثانٍ ؛ يعني فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، تقاتل في سبيل الطاغوت، حدث احتباك، حبك أن جملة هنا أو كلمة هنا استُفيدت من الأخرى وهكذا.
ولذلك لما ذكره الزركشي، وغيره قالوا: إن هذا لا يكاد يوجد إلا في القرآن الكريم، وكذا ذكر السيوطي في "الإتقان"، ومع ذلك هذا الأسلوب عجيب يعني موجود في القرآن بكثرة، كنت أتعجب، كنت أظن يعني مثلًا : هذا مثال مشهور لدينا دائمًا كنا ندرسه ونقوله ونقرأه في الكتب، كنت أظن يعني مثالين ثلاثة أربعة، فإذا بي أجد أن البقاعي في "نظم الدرر" وهو مولع بمثل هذه الأساليب ذكر ما يقارب مائة وستين مثالًا للاحتباك، يعني من تتبعه في الكتاب مائة وستين مثالًا، وصنف كتابًا فيه "الإدراك لأسلوب الاحتباك"، لكن الكتاب مخطوط، لكنه موجود في أثناء كتابه يعني "نظم الدرر" آيات كثيرة تجد فيها هذا الأسلوب.
مثلًا في قوله: ﴿۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾4 هذا من الأمثلة المشهورة، لم يقل: "أفمن يعلم أن مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق كمن لا يعلم"، ولم يقل: "أفمن يبصر"، لا، "أفمن يعلم وهو مبصر كمن لا يعلم وهو أعمى"، وهكذا آيات كثيرة في مثل ذلك، هذا أسلوب من الأساليب.
مثلًا في أسلوب العرب أنه مثلًا يمكن أن تحذف جملة، أنت يمكن أن تقول كلامًا وتحذف جملة، الجملة تُفهم من خلال السياق، القرآن يمكن أن يحذف جملة خلف جملة خلف جملة ويبقى المعنى تامًا جدًا بدون أي خلل، هذا لا يكاد يوجد في غير القرآن الكريم إلى غير ذلك من الأساليب، ليس هذا المقام مقام تأصيل في ذلك، مقصودي أن بلاغة القرآن فيها انفرادات تتميز عن غيره، فلو أن البلاغيين أخذوا الأساس من البلاغة دون أن يلتفتوا إلى القرآن الكريم ليأخذوا منه؛ ماذا سيحدث؟ يحدث الخلل، وهذا الخلل الذي يقع العكس أن يأتي المفسر فيقلد البلاغي فيكون ماشيًا خلفه، ويقلد الأصولي فيكون ماشيًا خلفه، هو يستفيد منه ولكن لا يتوقف عنده -والله تعالى أعلم-.
ومن تأمل ذلك علم أنه لو مكث حياته كلها ليُلم بعلوم القرآن ما استطاع، ولا استطاع أن يُلم بجزء منه، وإذا كان ابن سراقة كما ذكر عنه السيوطي يتكلم عن إعجاز القرآن قال: "والعلماء مع كثرة تصانيفهم ما بلغوا عشر معشاره"؛ يعني كل الذين تكلموا في إعجاز القرآن؛ وإعجاز بياني، وإعجاز لغوي، وإعجاز قصصي، وإعجاز تشريعي، وإعجاز علمي بتفصيله وبشروطه وبضوابطه؛ كل هذا ما بلغوا عشر معشاره، وهذا يفتح كثيرًا من الآفاق.
ولذلك من المناهج والشيء بالشيء يُذكر حتى وإن كان هذا خارجًا شيئًا ما لكن لعله يكون حافزًا لكم على الطلب والاعتناء بدراسة العلم، وأنه ما زال العلم أو ما زال هذا العلم يحتاج منا إلى جهود حقيقية، خلاص ما الذي سنأتي به، لأن هذا مما يؤدي إلى التقاعس، هناك منهج يسميه العلماء بالمنهج البيني، ما المنهج البيني؟ أن تدرس علمًا وتتقن هذا العلم وتنقله إلى علم آخر، فلا شك أنك إذا صنعت ذلك أفدت كثيرًا، يعني ماذا؟
شخص عنده دراية بعلم معين هو بعلمه هذا يقوم بنقله لتخصص آخر، وهذا يظهر على بعض المتخصصين في باب حينما يدخلون في تخصص آخر تجده يأتي بأشياء الأول لا يدركها؛ لأنه عنده دراية بذاك، وضربوا مثالًا لذلك بعبد القاهر الجرجاني، عبد القاهر حينما يتكلمون في إعجاز القرآن تجدهم يقولون: "والعلماء عالة على عبد القاهر في كتاباته"، وإنه من أفضل من ألف في "دلائل الإعجاز" وتكلم في إعجاز البلاغة كلامًا طويلًا جدًا، عبد القاهر ماذا فعل؟ إنه في الأصل نحوي، بنى كتابه "إعجاز القرآن" على قضية النظم، المسند إليه والمسند، مبتدأ وخبر، أمسك النحو ولكن لم ينظر كالنحويين، النحويون هنا حُذف كذا هنا ذُكر كذا وخلاص، حُذف لماذا؟ وذُكر لماذا؟
بدأ يُمسك النحو والفصاحة ويقلب في النحو حتى أخرج البلاغة، فلما أنتج البلاغة خالف كثيرًا ممن كان يتكلم عليه كثير من البلاغيين؛ لأنه نقل النحو إلى البلاغة؛ ولذلك أين عبد القاهر من سيبويه؟ سيبويه إمام النحو، لكن سيبويه بقي نحويًا، عبد القاهر نقل النحو إلى البلاغة دخل في علم ثانٍ خالص، فلما نقل نقل قضية النظم، وكذلك بعض العلماء، لذلك لو شخص أخذ علمًا ووضعه في علم آخر يظهر ذلك عليه.
ولذلك الذين كتبوا في التفسير تظهر في كتب التفسير ميولهم، الذي عنده اهتمام بالعقيدة وراسخ في العقيدة والرد على الشبهات تجد تفسيره مليئًا ببعض الفوائد.
يعني في الحقيقة كنت في بعض المسائل -قلت هذا الكلام لبعض الإخوة- أحيانًا آتي لأقرأ في تفسير آية أقول: أشترط على نفسي لا بد أن أمر على كتب كثيرة في بعض الأحيان وآتي من البداية خالص، أمشي مع أول من صنف الذين هم الكتب الموجودة، فآتي مثلًا من أول تفسير يحيى بن سلام وأنا ماشٍ وأرى الطبري ماذا قال وابن أبي حاتم ماذا قال؟ هل هناك آثار أم لا؟ وابن أبي زمنين وهو نازل، آتي مثلًا بتفسير الثعلبي، تفسير كذلك الزمخشري أمر عليه، ابن عطية، كله لأهل السنة ولغيرهم بحيث إنني أمر على كل ما قيل في ذلك وأعرف ما قيل وأنتهي من كتب كثيرة.
وأطالع مثلًا ما كتبه الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رغم سهولته، يعني الشيخ ابن عثيمين يتكلم في محاضرة كلامًا عاديًا جدًا، تجد الآية لم يتكلم أحد خالص عن مسألة عقدية ولا كذا كلام مرور الكرام، لا حتى المعتزلي تكلم عنها ولا السني تكلم عنها يعني عدوها، وهو يأتي عندها يقف، وهنا مسألة قد يقول قائل: هل يصح كذا؟ وإذا قيل كذا هل يمكن كذا؟ تجد المسألة حاضرة في ذهنه، هو خلاص هذا الباب الشيخ متعمق فيه؛ يعني كرس جهوده أو كرس حياته له ولنصرته، تجد هذا الباب موجودًا.
كذلك الجانب الآخر، الذي عنده اهتمام بالبلاغة، تجد كله يكتب ثم هو عالة على فلان أو فلان أو فلان، لماذا؟ لأن خلاص هذا الباب بنى حياته عنده، فهذا منهج مهم؛ لذلك في تفسير القرآن الكريم في الحقيقة يحتاج إلى كل هذه العلوم، والواحد يكون عنده رسوخ في العقيدة، رسوخ.. عنده متانة في الفقه؛ لأن كم من آية تأتي فيها أحكام، وباب الاستنباط باب عجيب جدًا، يعني أنت تقرأ في استنباطات القرآن رائعة وفوق رائعة، تجد هكذا دليلًا استدل به الفقهاء أخذوا من هذه الآية دليلًا جميلًا رائعًا، تقول: ما شاء الله ما كنت تتوقع أنت أن الآية تصلح أو يمكن يستنبط منها هذا الحكم الفقهي، لكنه استنباط، عندهم علم الاستنباط، غير جانب السلوك وجانب التربية وما إلى ذلك.
ولذلك الواحد يتعجب، كثير من الطلاب يقول: نريد أن نقرأ كتابًا من كتب التربية والسلوك وكذا، فمثلًا أقول له مثلًا أقرأ كتب ابن القيم، يعني هو مصر على كتاب أقرأ كتب ابن القيم، وتختار له بعض الكتب، يقول لك: كتب ابن القيم هذا كذا وكذا صعب، مع أنَّ ابن القيم فيها لذة وبالذات بعض الكتب التي خلت من المسائل العلمية الشائكة وما إلى ذلك، تقول له مثلًا: اقرأ كلام ابن رجب الحنبلي له كلام رائع جدًا في مسألة الرقائق أو ما إلى ذلك، يجد فيه صعوبة، مع أنَّ الأسهل من هذا وذاك القرآن الكريم، يعني هو أصلًا لو فتح المصحف في الحقيقة وكان عنده فقط الشعور بهذا الأمر وأنه يريد أن تزكو نفسه بالقرآن الكريم سيجد والله ما لا يقدر بثمن وما لا يمكن أن يحاط.
وهذا الشخص يجده بل أحيانًا وهذا الكلام أقوله أيضًا للإخوة في مسألة تحضير الخطب: استفد أنت من جمع الآيات القرآنية ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ موضوع تتكلم فيه، لنفسك أولًا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تكلم غيرك، أن تجمع الآيات في هذا الباب، أجد نفسي وأنا أجمع الآيات؛ آيات أنا حافظها يعني لست قارئها مرة بل أنت حافظها وقارئ تفسيرها، وما كنت أتوقع أنها داخلة في هذا الباب، تتكلم وليكن عن موضوع، مثل ما كنت أتكلم الآن في أسباب الهداية ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾5، أنا عمال أستجمع مع نفسي أقول: كيف آتي بأسباب الهداية؟ تجد المتوقع ماذا يفعل؟ يقول: خلاص نرى من كتب في ذلك؟
طب استقرئ القرآن، آتي بالآيات القرآنية وتجمع الآيات: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾6، ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾7، الطاعة والاتباع، ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾8 مثلًا تجد هذا ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾9، ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾10، ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾11
وأنت ماشٍ تجد أنك استخرجت عشرين سببًا.
أنت لن تحتاج أن تنظر في كذا ولا كذا، ليس في هذا تقليل من أن تقرأ كتب العلماء الأفذاذ الربانيين ولكن أقصد بذلك ﴿إِلَّا﴾ يكون هناك ابتعاد عن القرآن الكريم، وبهذا يُفهم القرآن، وهذا معنى نقول القرآن منهج حياة ومنهج تربوي ليس كلامًا، ولكن هكذا تكون دراسته، هكذا تكون دراسته في الأبواب كلها، أطلت عليكم في مثل ذلك لكن لعله يكون فيه خير إن شاء الله تعالى.
إذًا هذا بالنسبة لـ "علوم القرآن" من حيث كذا وحيث كذا وحيث كذا وأن النظرات إلى علوم القرآن يمكن أن تكون من هذه الجهة أو من جهة أخرى، بعد ذلك نمر سريعًا -إن شاء الله تعالى- قبل الدخول أيضًا في كلامه على المبادئ العشرة، وأكثر ما يقال فيها ما يقال في التعريف وقد سبق، فالمبادئ كما تعرفون:
إِنَّ مَبَادِئَ كُلِّ فَنٍّ عَشَرَهْ
الحَدُّ وَالمَوْضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَهْ
وَفَضْلُهُ نِسْبَةٌ وَالوَاضِعُ
وَالِاسْمُ الِاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعُ
مَسَائِلٌ وَالبَعْضُ بِالبَعْضِ اكْتَفَى
وَمَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَا
الحد :
التعريف خلاص عرفنا التعريف.
الموضوع :
ما موضوع علوم القرآن؟ القرآن الكريم وما يتعلق به، ما يتعلق بالقرآن هذا موضوعنا، يعني علوم القرآن بماذا نعمل فيها؟ في القرآن الكريم، أحيانًا نعمل في أشياء تابعة للقرآن مثل كتب التفسير، ألسنا في علوم القرآن سنُدخل فيها مناهج المفسرين يعني لو علوم القرآن بالمعنى الواسع ففي مناهج المفسرين والدخيل في التفسير والنقد، سأنظر في كتب التفسير (القرآن وكتب التفسير)، ولكن الأساس في علوم القرآن ما موضوعه؟ القرآن الكريم.
الثمرة:
ما ثمرة دراسة علوم القرآن الكريم؟ طبعًا من أعظم علوم القرآن تفسير القرآن، فما يقال في ثمرة التفسير يوجد هنا، فيقال في ذلك مثلًا: تفسير القرآن، معرفة معنى القرآن أو تفسير القرآن تفسيرًا صحيحًا، هذا من ضمن الثمرات التي تعود على الإنسان، وكذلك الرد على الشبهات حول هذه الأبواب؛ لأننا ندرس في علوم القرآن القراءات، شبهات كثيرة حول القراءات كيف نرد عليها؟
وكذلك شبهات حول جمع القرآن، -والآن للأسف الشديد- هذا الباب والله يا أيها الإخوة بحاجة بالفعل، بعض الإخوة يأتيني ببعض مقاطع واحد يقول لك هذا ألحد والثاني تنصر، يتكلم في القرآن يقول لك عندكم القرآن ها هو ترتيبه تعالوا أرونا، كيف نزل وترتيبه كذا ومن الذي جمعه ويأتي بشبهات، مسألة القراءات، ومسألة جمع القرآن، ومسألة ترتيب القرآن، وترتيب السور، هذا يُدرس فهذا كله من ثمرات دراسة علوم القرآن، وهذه ثمرات عاجلة.
وهناك ثمرات أُخروية؛ السعادة طبعًا السعادة في الدنيا والآخرة؛ لأنك إذا فهمت القرآن تهتدي بهدى القرآن فتسعد في دنياك وفي آخرتك، دخول الجنة الفوز برضا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وما إلى ذلك.
فضله:
أنه من أفضل العلوم؛ لأنه متصل بالقرآن الكريم، والعلماء يقولون إن العلم يفضل ويشرف بثلاثة أمور كما ذكر السيوطي، بشرف الموضوع، وشرف الغاية، والحاجة إليه؛ يعني الشيء يشرف بثلاث حاجات:
الأمر الأول :
شرف الموضوع، وهو موضوعه ماذا؟
الأمر الثاني
: شرف الغاية، الثمرة التي تكلمت عنها الآن.
الأمر الثالث :
شرف الحاجة إليه، والحاجة إليه داخلة مع الثمرة إن الثمرة تزيل تلك الحاجة يعني الحاجة تتحقق لك هذه الحاجة فتثمر عندك.
وهو موضوعه القرآن، والقرآن كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا شك أنه علمٌ في غاية النفاسة والجودة بشرف موضوعه؛ لذا نقل السيوطي عن الأصبهاني كلامه في ذلك إن يقول: كما أن الصياغة أفضل من الدباغة؛ لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وموضوع الدباغة الجلود، يعني الصائغ يشتغل في ماذا؟ في الذهب والفضة، هل نساويه بالدباغ يشتغل في الجلود؟ فيقول: هذا بالنسبة لأمور للصناعات الدنيوية أن صناعة تشرف على صناعة فما بالك بالقرآن الكريم؟ طبعًا لا وجه للمقارنة، لكن إن شرف الشيء يعني شرف المهن حتى، فما بالك بشرف العلوم.
والأمر الثاني الغرض: إن الغرض من دراسة علوم القرآن الكريم إصلاح الدين، تصلح دينك، تتعبد لربك عبادة صحيحة؛ ولذلك حتى في المهن لماذا يقولون إن مهنة الطب من أفضل المهن؟ لأن بها قوام البدن، الهندسة يتعامل مع ماذا؟ مع آلات جوامد، بناء آلة مثل مهندس كمبيوتر أو كذا آلات، لكن الطبيب يتعامل مع الإنسان فكان أعلى مرتبة من هذا القبيل، فما بالك بمن يتعامل مع صلاح القلوب والأرواح؟ هذا أعظم.
الحاجة إليه: من جهة الحاجة إليه، إننا محتاجون إليه لكثرة الشبهات المثارة في هذه الأبواب ودفع تلك الشبهات، الحاجة إليه لأننا محتاجون إلى القرآن كل نفس منا نحتاج إلى أن نعرف هل هو لنا أم علينا؟ هذا يكون بطريقة تعلم القرآن الكريم والسنة النبوية، فلا غنى عن القرآن والسنة من أجل ذلك.
النسبة:
نسبته للعلوم ماذا؟ هو واحد من العلوم الشرعية، علم من العلوم الشرعية، إذًا هو علم من العلوم جزء من العلوم الشرعية، وبينه وبين بعض العلوم نسب، تناسب، يعني مثلًا بين علوم القرآن والتفسير ماذا؟ تداخل، فالتفسير جزء من علوم القرآن، إذًا هذه نسبة، أي علم من العلوم اتصل بالقرآن بالنسبة لعلوم القرآن جزء من علوم القرآن الكريم؛ لأن التناسب يمكن أن يكون في تداخل بينه وبين علم آخر، كذلك الآن ألسنا درسنا منذ قليل أن هناك تناسبًا بينه وبين علوم البلاغة؛ لأن هناك اشتراكًا، وجد أن بينهما شيئًا من التقاطع في بعض الأشياء في بعض الأبواب موجودة في هذا الباب، وكذلك علوم الشريعة، ما يتعلق بالعام والخاص والمطلق والمقيد في أصول الفقه، هناك أشياء يشتركان فيها.
الواضع:
يعني من وضع علوم القرآن؟ طبعًا علوم القرآن من حيث إنها علوم بدأت مع بدء نزول القرآن الكريم؛ لأن أول ما نزل القرآن أصبح هناك علم نزول القرآن، خلاص فيه وحي وفيه صفة للوحي، إذًا هو كبدء بدأ مع نزول القرآن، لكن كعلم له نشأة وله تدوين وله تصنيفات هذا كلام طويل جدًا وهو نشأة علوم القرآن الكريم.
وتقدم أن علوم القرآن بهذه الطريقة ينظر إليها من نظرتين، إذا قصدنا بعلوم القرآن علومًا جزئية فهذا بدأ متقدمًا، بعض الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ كان يكتب ولا شك أن مما يكتبه التفسير، وهناك من التابعين من كتب ومن أتباع التابعين، هناك بعض الصحائف التي بقيت لنا كصحيفة علي بن أبي طلحة على الكلام المعروف فيها في روايته عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وكذلك هناك كتابات في المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، هناك كتابات في أسباب النزول لـ "علي بن المديني"، وغيرها من الكتب وكتب منسوبة للضحاك ولغيره.
وأقدم تفسير وصلنا تفسير مقاتل المتوفى سنة مائة وخمسين من الهجرة، كتفسير كامل، أقصد تفسيرًا كاملًا، وإلا كتفاسير موجودة تفاسير مفرقة للصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وتوجد علوم قرآن في أبواب معينة موجودة، هذا في أسباب النزول وهذا في المكي والمدني، كذلك كتب صحيح البخاري وكتب السنة هناك كتاب تفسير القرآن داخل صحيح البخاري وكتاب فضائل القرآن داخل صحيح البخاري، وكذلك في مسلم كتاب التفسير وما إلى ذلك، وكذا في الترمذي.
وبالمناسبة: فمن أشهر من اعتنى بجانب التفسير من كتب السنة البخاري ومسلم والترمذي والحاكم، فهذا مشهور عندهم، يعني تجد في كتبهم تفاسير كثيرة، والحاكم أكثر من ذكر الآثار؛ لذلك تجد كثيرًا من الآثار التفسيرية موجودة في مستدرك الحاكم.
لكن كتب مصنفة في علوم القرآن باسم علوم القرآن الكريم؛ قالوا إن أقدم كتاب وقفوا عليه في ذلك كتاب اسمه "فهم القرآن" وهو مطبوع للحارث المحاسبي، فالحارث المحاسبي متوفى سنة مائتين وثلاثة وأربعين هجرية هذا يعني في القرن الثالث، ولكن كتابه "فهم القرآن" كله خاص بعلوم القرآن، لكن ليس جامعًا ﴿أَنَّمَا﴾ أبواب مفرقة، هو مسبوق ولكن ككتاب اختص بهذا الباب.
وكذلك هناك كتاب "الحاوي في علوم القرآن" لمحمد بن خلف بن المرزبان المتوفى سنة ثلاثمائة وتسعة من الهجرة، هذا من الكتب القديمة، وفيه كتب أخرى محمد بن حبيب النيسابوري أيضًا له كتاب في ذلك، ثم بعد ذلك اشتهرت الكتب ومعها وقبلها كتب التفاسير، يعني عندنا في بدايات القرن الثالث تفسير يحيى بن سلام وبعد ذلك الطبري المتوفى سنة ثلاثمائة وعشرة هجرية هذه تفاسير متقدمة، هذا موجود يعني صاحب الكتابة في علوم القرآن الكريم أيضًا، وصار الأمر على ذلك.
ثم بعد ذلك من أشهر من كتب في علوم القرآن الكريم وكان لكتابته أثر بالغ فيمن جاء بعده، كتاب "البرهان في علوم القرآن" للزركشي، و"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي، وجاء بعدهما "الزيادة والإحسان في علوم القرآن" لابن عقيلة، لكن ابن عقيلة في الغالب ناقل عن السيوطي بل أحيانًا ربما نقل أنواعًا بتمامها، بحيث يتجاوز الصفحات نقلًا عن السيوطي، ولكنه شقق فأتى بأقسام أكثر من السيوطي.
الاسم:
أسماؤه يقال علوم القرآن، يمكن أن يقال ماذا ثانٍ غير علوم القرآن؟ علم القرآن، علوم التنزيل، علم التنزيل، علوم الكتاب، علم الكتاب، وبعضهم يطلق عليه أصول التفسير، ونحن تكلمنا في آخر الدرس الماضي عن مسألة أصول التفسير وعلوم القرآن وإن شاء الله نبدأ بها الدرس القادم بإذن الله التي هي مسألة النزاع بينهما هل أصول التفسير هي علوم القرآن أم أن علوم القرآن أوسع دائرة؟ ولكن على كلٍّ هناك من سمى علوم القرآن بأصول التفسير كما فعل السيوطي نفسه وقال: "التحبير في أصول التفسير" أو في علوم التفسير، والمقصود به في علوم التفسير وعلوم القرآن، سموا علوم القرآن بعلوم التفسير، أصول التفسير جزء من علوم التفسير، لكن بعضهم يتجاوز فيسميه بأصول التفسير وبعضهم يقول علوم التفسير.
حكم الشارع:
حكم الشرع في تعلم علوم القرآن كغيره من العلوم الكثيرة في هذا الباب نقول عنها إنها من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط عن الباقي، لا يجب على الجميع أن يتعلم علوم القرآن، لكن منه ما هو واجب، مثل ماذا؟ تعلم معنى الآيات التي يترتب عليها العمل واجب عليك أن تتعلمها ما يترتب عليها العمل، لكن في الجملة فرض كفائي، بحيث إذا قام به البعض سقط عن الباقين والله تعالى أعلم.
مسائله:
ما المسائل التي تدرس؟ هي المسائل الكثيرة التي تدرس فيه مثل المكي والمدني وضابط المكي وضابط المدني ومميزاته وأسباب النزول والصريح وغير الصريح، وغير ذلك من المسائل الكثيرة الناتجة عن التقسيمات الخمسة التي ينبثق عنها علم علوم القرآن الكريم.
وبهذا نكون قد انتهينا والله تعالى أعلم من هذه المبادئ العشرة كتقدمة لدراسة علوم القرآن الكريم، ونكمل إن شاء الله في الدرس المقبل هذا والله أعلم.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — الشورى: 5 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ — غافر: 7 ↩
- آية: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ — آل عمران: 13 ↩
- آية: ﴿۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — الرعد: 19 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — الفاتحة: 6 ↩
- آية: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ — الأعراف: 158 ↩
- آية: ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ — النور: 54 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ — سبأ: 50 ↩
- آية: ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — المائدة: 16 ↩
- آية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — آل عمران: 101 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — العنكبوت: 69 ↩