مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي (الدرس الرابع)

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 195 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد

:

فهذا هو اللقاء الرابع في دراسة "منظومة أصول التفسير" للشيخ عبد العزيز الزمزمي

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

، وفي اللقاء السابق، تعرفنا على المبادئ العشرة التي يحسن بطالب العلم أن يدرسها في الفنون، وبقي لنا أن نعرف شيئًا عن الفرق بين "علوم التفسير" و "علوم القرآن الكريم"، وهل هما بمعنًى واحد بحيث يقال إنهما مترادفان، أم يقال إن بينهما فرقًا؟

الذي يظهر -والله أعلم-، أن الذي درج عليه عمل كثيرٍ من المتقدمين، عدم التفريق بين "علوم التفسير" و "علوم القرآن الكريم"، فيقولون: علوم التفسير، وأحيانًا يعبرون بعلوم القرآن الكريم؛ ولذلك نرى أن الإمام السيوطي مثلًا ألف كتابه "الإتقان في علوم القرآن"، و"التحبير في علوم التفسير" أو "في علم التفسير" وهو كذلك في نفس الأبواب والمعلومات الموجودة في الإتقان؛ هذا يتحدث عن علوم القرآن، وذاك يتحدث عن علوم القرآن.

وهنا قال سأتحدث عن مقدمة في أصول التفسير وفي أصل الكتاب الذي هو "النقاية"، إنه عندما ذكر العلوم وبين أنها أربعة عشر علمًا، وتحدث عن أصول التفسير، كان هذا الحديث هو حديثًا عن علوم القرآن، وقال: حد علم التفسير، وهو يتحدث أيضًا عن علوم القرآن الكريم.

لكن بعض المعاصرين يقولون: إن علوم القرآن المضاف، وهو كلمة "علوم" أضيف إلى "القرآن"، وعلوم التفسير المضاف وهو "علوم" أضيف إلى كلمة "التفسير"، وكما أن القرآن والتفسير حقيقتان متغايرتان، فكذلك علوم القرآن تُغاير علوم التفسير؛ يعني هل القرآن يساوي التفسير، أو التفسير يساوي القرآن؟ لا، إذًا كذلك علوم القرآن لا يساويها علوم التفسير.

وقالوا: إن علوم التفسير جزءٌ من علوم القرآن؛ ذلك أن علوم القرآن أوسع دائرةً من علوم التفسير، وإن كانت علوم التفسير أفضل ما يُدرس في علوم القرآن، أو أجل ما يدرس في علوم القرآن، وتستطيع أن تقول: إنه المقصد الأكبر من دراسة علوم القرآن.

يعني لماذا ندرس علوم القرآن؟ حتى نتمكن من تفسير القرآن تفسيرًا صحيحًا، وحتى نتجنب التفاسير الباطلة، لكن علوم القرآن أوسع دائرة من ذلك، فقالوا: هناك علوم متصلة بالقرآن الكريم لا يتوقف عليها التفسير، فتُعد من علوم القرآن وليست من علوم التفسير، مثل ماذا؟ مثل: علم "عَدِّ الآي"، ومثل: فضائل السور ونحو ذلك؛ يعني علم العدد، حينما يُقال سورة كذا عددها كذا وكذا من الآيات، وإنه فيه عد مكي، وفيه عد مدني أول، وعد مدني ثانٍ، إلى غير ذلك من أنواع العدد المعروفة.

كونك تعلم أن هذه السورة خمسون آية، أو اثنتان وخمسون آية، أو إحدى وخمسون آية، أو تسع وأربعون آية، هل هذا يتوقف عليه التفسير؟ لا يتوقف عليه التفسير، إذًا قالوا هذا ليس من علوم التفسير، لكنه من علوم القرآن؛ لأنه متعلق بالقرآن الكريم.

إذًا ما له علاقة بالقرآن ولا يتوقف عليه التفسير، قالوا: هذا من علوم القرآن، لكن ما يتوقف عليه التفسير مثل علم "غريب القرآن"، و"الوجوه والنظائر" في القرآن الكريم، هذا من صُلب علم التفسير؛ يعني دراسة علم الغريب، كلمة غريبة معناها كذا، هذه الكلمة معناها كذا، وهذه الكلمة معناها كذا، هذا علم من علوم القرآن، هل هذا له علاقة بالتفسير أو ليس له علاقة بالتفسير؟ هذا من صلب التفسير، إذًا هذا داخل في علوم التفسير.

إذًا خلاصة القول، يقولون:

ما كان من علوم القرآن وهو متعلق بالتفسير فهو من علوم التفسير، وبالتالي هو من علوم القرآن، أو بالتَّبع هو أيضًا من علوم القرآن، لكن ما له علاقة بالقرآن الكريم وليس له علاقة بالتفسير، فإنه من علوم القرآن فقط، فنستطيع أن نقول: كل علوم التفسير داخلة في علوم القرآن، وليس كل علوم القرآن داخلة في علوم التفسير؛ يعني بينهما عموم وخصوص مطلق، كل علوم التفسير من علوم القرآن، وليست كل علوم القرآن الكريم من علوم التفسير، كذا يقولون.

وبعض العلماء، قال: هذا الكلام أيضًا فيه نظر، ونبقى على ما درج عليه عمل السابقين، لكن يُراعى مثل ذلك، وقالوا: كل علم من العلوم، هناك أصول للعلم، وهناك متممات للعلم، أي حينما ندرس علمًا من العلوم تجد في دراستك لهذا العلم بعض الزوائد التي لا تدخل في صلبه، ولكن هي بمثابة المقدمات له.

لذلك لما درسنا في أصول الفقه، درسنا مقدمات، فنقول: هذه مقدمات لأصول الفقه، هي ليست من صلب أصول الفقه لكنها مقدماتٌ له، فقالوا: ما المانع أن يكون هناك بعض العلوم المساعدة علوم التفسير، ولا يعني أنها خارجة عن علوم التفسير.

على كلٍّ، لا مُشاحة في الاصطلاح، والأمر في ذلك واسع، فليس عندنا في ذلك توقيف، ولكن الأمر في ذلك واسع، لكن يُفهم من إطلاقات العلماء لكلمة "أصول التفسير" أو "علوم التفسير" ماذا يقصدون بها، وماذا يقصدون بـ "علوم القرآن الكريم".

إذًا هو الآن يتكلم عن أصول التفسير أو علوم التفسير، لكن في الحقيقة هو يتكلم عن ماذا؟ علوم القرآن، لأننا سنجد -إن شاء الله تعَالَى- بعض المباحث التي لا علاقة لها بالتفسير، لكنها من علوم القرآن، مثل ماذا؟ مثل: طريقة القراءة للقراء مما يتعلق بالأصول. تعرفون أن القُراء لهم أصول وفرش؛ فرش: اختلاف في أثناء السورة كلمات منفردة، أصول: أصل عام يسير عليه في قراءته، مثل: المد والقصر، مثل: الإمالة والتقليل والفتح.

فمثلًا هو يدرس مسألة من الذي يميل بعض الإمالات والفتح؟ فنقول: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾

، من يقلل ومن يميل، نقول مثلًا: ورش يقلل، نقول: حمزة والكسائي يميلان مثلًا، هذا الكلام هل يترتب عليه اختلاف في التفسير أو أثر تفسيري؟ لا يترتب، لكنه أدرجه في هذا البحث؛ إذًا معناه إنه أدخل بعض ما ليس له علاقة بالتفسير أصالةً لكنه داخل في علوم القرآن الكريم.

لكن هذا يُراعى في ماذا؟ أن طالب العلم وهو يقرأ كتب التفسير، يُلاحظ هذا في قراءته، ما الذي يتوقف عليه فهم الآية وما الذي لا يتوقف عليه فهم الآية؟ ولذلك أيضًا بعض المعاصرين يرى إن كتب التفاسير، يقول: أغلبها حشو، لِمَ؟ لأن فيها كلامًا كثيرًا ليس له علاقة بالتفسير، لكن نقول أيضًا لا يُقال بهذه الطريقة -والله تَعَالَى أعلم-؛ لأنه أحيانًا مثل ذكر هذه المسائل مما يفيد الباحث في تفسير القرآن الكريم لكن دونما غُلو.

يعني عندما تقرأ الآن تفسيرًا، ويعرض لمسألة المكي والمدني، ويعرض لبعض المسائل المتعلقة بالمناسبات ونحو ذلك، لا شك أن هذا وإن لم يكن من صلب التفسير لكن له علاقة ولو عن بعد، ثم إنه يفتق الذهن ويفتحه حتى يتلقى المعلومة التفسيرية بشيء من الاستيعاب والوضوح، لكن الذي لا يكون حسنًا من ذلك، الغلو، إنه يُغالى بحيث إن كتاب التفسير لم يعد تفسيرًا، بل دخل في مسائل رياضية، ومسائل فلكية، ومسائل طبية، ومسائل أخرى من البحوث العلم التجريبي -كما يُقال- وما أشبه ذلك.

بعد ذلك ننطلق -إن شاء الله تَعَالَى- إلى المقدمة التي ذكرها الناظم

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

، نحن كنا قد وقفنا عند مقدمة، أليس كذلك؟ هو قال قبلها:

وَقَبْلَهَا لَا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ

لِبَعْضِ مَا خُصِّصَ فِيهِ مُعْلِمَهْ

فهو أشار إلى إنه سيبدأ بالمقدمة، ثم ذكر هذه المقدمة بعد أن أشار إليها ثم ذكرها؛ بعض الشُراح، يقول: كان الأولى أن يقول المقدمة بـ "أل" لتكون "أل" للعهد الذهني، تعود على المقدمة السابق ذكرها؛ لأن قوله "

مُقَدِّمَةْ

" قالوا: في الغالب النكرة بعد النكرة تدل على أن النكرة الثانية غير الأولى، وهنا النكرة المراد بها هي النكرة الأولى؛ أي عندما قال "

مُقَدِّمَةْ

" هل هي غير المقدمة السابق ذكرها أم هي نفسها؟ هي نفسها، فقال: "

وَقَبْلَهَا لَا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ

"؛ إذًا المقدمة أي التي أشرت إليها، ولذلك هو في آخر الكلام ذكر خاتمة، وبدأ بالخاتمة فعرّف الخاتمة، فسار على المنهج الأفضل.

لكن على كلٍّ قاعدة النكرة بعد النكرة تدل على أن النكرة الثانية ليست الأولى، هذه قاعدة أغلبية، وفيها أخذٌ ورد بين أهل العلم وكلام طويل، لكن على كلٍّ الأفضل مراعاتها، ولكن إذا جاءت معرفة بعد النكرة الأولى فهي نفسها: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَـٰهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا1 فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾

، إذًا هذا الرسول المذكور سابقًا، وهو موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾2

، إذًا هو نفس المصباح ونفس الزجاجة.

بعضهم يستدل على أن هذه القاعدة غير مطردة بقوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَـٰهٌ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾3

، فيقولون: وإله السماء هو إله الأرض، لكن رد الآخرون قالوا: هنا اسم الموصول هو المعلق به إعادة الكلام، فكأن التقدير "وهو الذي في السماء إله والذي في الأرض إله"؛ أي هو نفس هذا الإله، فالكلام يعود على "الذي" المعرّف فيكون واحدًا وليس مختلفًا، لكن على كلٍّ المسألة فيها كلام طويل ليس هذا محل الكلام فيه.

قال:

فَذَاكَ مَا عَلَى مُحَمَّدٍ نَزَلْ

وَمِنْهُ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ

وَالسُّورَةُ الطَّائِفَةُ الْمُتَرْجَمَةْ

ثَلَاثُ آيٍ لِأَقَلِّهَا سِمَةْ

الشرح

"

فَذَاكَ

" الذي هو ماذا؟ الذي هو القرآن الكريم، وقال:

عِلْمٌ بِهِ يُبْحَثُ عَنْ أحْوَالِ

كِتَابِنَا مِنْ جِهَةِ الإنْزَالِ

وَنَحْوِهِ بِالْخَمْسِ وَالْخَمْسِيْنَا

قَدْ حُصِرَتْ أَنْواعُهُ يَقيِنَا

قال "

فَذَاكَ

"؛ أي فذاك الكتاب، قال: "أحْوَالِ كِتَابِنَا" ما وصف كتابنا؟ ما تعريف كتابنا وهو القرآن؟

فَذَاكَ مَا عَلَى مُحَمَّدٍ نَزَلْ

وَمِنْهُ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ

إذًا تعريف القرآن الكريم من هذا البيت ما هو؟ المُنزّل على محمد

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

المعجز بسورةٍ من سورة، هذا الذي ممكن نأخذه من هذا البيت، إن القرآن الكريم ما هو؟ المنزّل على محمد

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

المعجز بسورة منه.

أهل العلم يقولون: أفضل تعريف للقرآن الكريم هو التعريف الحسي الواقعي، بأن يقال لك ما القرآن؟ تقول القرآن ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾4

، تقرأ الفاتحة إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾5

، هذا هو القرآن. لكن من باب التقريب، وضعوا تعريفات، من باب التيسير والتقريب، فقالوا القرآن هو كلام الله عَزَّ وَجَلَّ، المنزّل على نبيه محمدٍ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

، المتحدّى به، وبعضهم يقول "المعجز"، وبعضهم يزيد "المنقول إلينا بالتواتر المتعبَّد بتلاوته".

إذًا هو كلام الله المنزّل على نبيه محمد

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

المتحدّى به أو المعجز، وبعضهم، يقول: المنقول إلينا بالتواتر المتعبَّد بتلاوته، وقد يزيد بعضهم، فيقول: الموجود في المصاحف المفتتح أو المبدوء بسورة "الفاتحة" والمختتم بسورة "الناس".

"

كلام الله

" خرج به كلام غيره، فكلام الأنبياء ليس قرآنًا، وكلام الناس ليس قرآنًا، وكلام الملائكة ليس هذا هو القرآن، كلام الله، والكلام لفظًا ومعنى، لفظًا ومعنى خلافًا لمن يمنع ذلك أو يؤولُه ويقول الكلام كلام نفسي، بل نقول لفظًا ومعنًى، وكما قال بعض العلماء، وهذا ذكره أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

: "الكلام لللفظ والمعنى كالإنسان للروح والجسد". فالإنسان ﴿أَنَّمَا﴾ يقال له إنسان بروحه وجسده، كذلك الأصل في الكلام إنه لللفظ والمعنى، فإذًا كلام الله لفظًا ومعنًى من عند الله

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

.

"

المُنزَّل

" خرج به كلام الذي لم ينزل؛ لأن كلام الله عَزَّ وَجَلَّ غير محدود، أو غير محصور، ﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًا﴾6

؛ لذلك ما علاقة القرآن بكلام الله؟ هو من كلام الله، فحينما نقول القرآن كلام الله أي من كلام الله

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

، فهذا وجه العلاقة بين القرآن وبين كلام الله.

"

المُنزَّل على نبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

" خرج به المنزَّل على غيره، كالمنزَّل على موسى وهو "التوراة"، وعلى عيسى "الإنجيل"، وعلى إبراهيم "الصُّحُف"، وعلى داود عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "الزبور".

"

المتحدّى به أو بأقصر سورة منه

"، وهذا سيأتي الكلام عنه عند قوله: "

وَمِنْهُ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ

". وبعضهم يعبر بـ "المعجز"، هو معجز عجز الناس عن الإتيان بمثله أو بسورة من مثله.

"

المنقول إلينا بالتواتر

"، بعضهم يزيد هذه العبارة، وهي في الحقيقة من باب الوصف الكاشف؛ لأن القرآن المعجز ﴿أَنَّمَا﴾ هو المتواتر، هذا هو الأصل، لكن بعضهم يزيد هذا الضابط، يقول: المنقول إلينا بالتواتر، وسيأتي الكلام أيضًا عن هذه المسألة -إن شاء الله تَعَالَى-؛ لأن الناظم -عفا الله عنه-، له وجهة نظر في مسألة القراءات العشر، إذ لا يرى تواترًا إلا القراءات السبع، وهذا ما سار عليه بعضهم، وهذا فيه نظر، سيأتي بيانه -إن شاء الله تَعَالَى- في موضعه، وأن المتواتر من القراءات عشر قراءات وليس سبع قراءات، سواءٌ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بقضية التواتر، أو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بقضية الاستفاضة والشهرة؛ لأن بعض العلماء يكتفي بقوله: الاستفاضة، يأتي الكلام في هذا إن شاء الله تَعَالَى.

"

المتعبد بتلاوته

" خرج به الحديث القدسي إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الحديث القدسي لفظ ومعنى من عند الله، إذًا ما الفرق بينه وبين القرآن؟ إن القرآن متعبد بتلاوته، أما الحديث القدسي فغير متعبد بتلاوته، وكذلك يخرج الحديث القدسي بالإعجاز؛ لأن القرآن معجز والحديث القدسي غير معجز، كذلك الحديث القدسي منه متواتر ومنه الآحاد، بل منه الصحيح ومنه الضعيف.

ومن قال إن الحديث القدسي لفظه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ومعناه من الله، فإنه خارج من أول الكلام من قولنا "كلام الله"؛ لأنهم يقولون هو كلام النبي

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لكن المعنى من عند الله، والذين يقولون بذلك، يحتاجون إلى التفريق بين الحديث القدسي والحديث النبوي؛ لأن الحديث النبوي لفظه من عند الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وكذا المعنى، فكيف ذلك؟

فقالوا: "

الحديث النبوي":

قد يكون اجتهادًا من الرسول ابتداءً ثم يقره الوحي عليه، أو يقره رب العزة عليه؛ أي الرسول قد يجتهد في المسألة ويُقَرّ على ذلك فيكون هذا وحيًا، سُنّة تقريرية.

أما "الحديث القدسي":

فهو ابتداءً معناه من الله

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

، فهذا وجه الفرق عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بهذا التعريف.

أما الآخرون يقولون: اللفظ والمعنى من عند الله لكنه غير معجز، والله تَعَالَى أعلم.

قال:

فَذَاكَ مَا عَلَى مُحَمَّدٍ نَزَلْ

وَمِنْهُ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ

إذًا هو ذكر قيدًا في التعريف، وهو أن الإعجاز حصل منه بسورة، "

وَمِنْهُ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ

"، لنا أن نقول إن كلمة "

الْإِعْجَازُ

" هي المبتدأ ويكون الكلام هكذا: "

والإعجازُ بسورةٍ منه حصل

"؛ بمعنى أن قولنا "

الْإِعْجَازُ

" مبتدأ، "

وَمِنْهُ

" كانت في الأصل صفة لكلمة سورة، يعني "الإعجاز بسورة كائن بسورة منه"، إذًا "بسورة" شبه الجملة في محل خبر المبتدأ، أما كلمة "منه" الأولى هذه ماذا؟ هذه في الأصل صفة لكلمة سورة، "بسورة كائنة منه أو حاصلة منه"، ولكن الوصف حينما يتقدم يُعرب على أنه حال، ما وقع وصفًا إذا تقدم أُعرب على أنه حال؛ يعني أصل الكلام "الإعجاز بسورة منه"، صار "منه الإعجاز بسورة".

لماذا لم نجعل "منه" هو الخبر المقدم، و"الإعجاز" المبتدأ المؤخر؟ وكذا قال عدد من المعربين، قالوا سيقع هنا إشكال يظن أن الإعجاز ببعض منه، أي "منه الإعجاز"، يعني بعضه الإعجاز، إلا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن "من" للابتداء، أو "منه الإعجاز"، ما معنى "منه الإعجاز"؟ هل منه أم فيه الإعجاز؟ فيقع إشكال في الفهم، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ متعلق بكلمة "حصل" بعد ذلك.

وعليه: ممكن نقول على الإعراب الأول إن "حصل" صفة بعد صفة، "بسورة حصل"؛ لأن الجمل بعد النكرات أوصاف، وكذا أشباه الجمل بعد النكرات أوصاف على الأصح أو غالبًا.

إذًا "منه" هذا منصوب على إنه حال؛ لأنه في الأصل كان صفة "بسورة منه"، أي الإعجاز وقع بسورة منه حصل. أو أن "منه" يتعلق بخبر مقدم "منه الإعجاز بسورة حصل"، أيًّا ما كان، فهو يقصد بذلك أن التحدي والإعجاز وقع بسورة من سور القرآن فأكثر، وقع التحدي بالقرآن الكريم كله، وقع التحدي بعشر سور، وقع التحدي بسورة، فهذا وصف من أوصاف القرآن الكريم.

فهل وقع التحدي بأقل من سورة؟ هذا نبدأ به -إن شاء الله تَعَالَى- في الدرس المقبل، في قولهم: "

وَمِنْهُ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ

"، هل هناك تحدي وقع بأقل من سورة وما ضابط ذلك؟ نبدأ به في الدرس المقبل والله تَعَالَى أعلم.

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَـٰهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا — المزمل: 15-16 ↩
  2. آية: ﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — النور: 35 ↩
  3. آية: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَـٰهٌ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — الزخرف: 84 ↩
  4. آية: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ — الفاتحة: 1 ↩
  5. آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ — الناس: 1 ↩
  6. آية: ﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًا﴾ — الكهف: 109 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ — الضحى: 1

دروس مشابهة